بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۳۰، ص ۸۵–۱۳۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۶ از ۲۲
قال عليه السلام: أما قولك عما ليس لله، فليس لله شريك، وأما قولك عما ليس عند الله، فليس عند الله ظلم للعباد، وأما قولك عما لا يعلمه الله، فذلك قولكم إن عزيرا ابن الله، والله لا يعلم أن له ولدا. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنك وصيه.
فقام أبو بكر ومن معه من المهاجرين فقبلوا رأس علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: يا مفرج الكروب.
3 - إرشاد القلوب: - بحذف الأسانيد أيضا - مرفوعا إلى ابن
عباس، قال: قدم يهوديان أخوان من رؤوس اليهود، فقالا: يا قوم! إن نبينا حدثنا أنه يظهر بتهامة رجل يسفه أحلام اليهود، ويطعن في دينهم، ونحن نخاف أن يزيلنا عما كانت عليه آباؤنا، فأيكم هذا النبي؟. فإن كان المبشر به داود آمنا به واتبعناه، وإن كان يورد الكلام على إبلاغه ويورد الشعر ويقهرنا جاهدناه بأنفسنا وأموالنا، فأيكم هذا النبي؟. فقال المهاجرون والأنصار: إن نبينا قبض.
فقالا: الحمد لله، فأيكم وصيه؟ فما بعث الله نبيا إلى قوم إلا وله وصي يؤدي من بعده ويحكم ما أمره به ربه، فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر.
فقالوا: هذا وصيه. فقالا لأبي بكر: إنا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء، ونسألك عما يسأل الأوصياء عنه؟. فقال أبو بكر: ألقيا، سأخبركما عنه إن شاء الله تعالى. فقال له أحدهما: ما أنا وأنت عند الله؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ ومن أين تطلع الشمس وأين تغرب؟ وأين سقطت الشمس ولم تسقط مرة أخرى في ذلك الموضع (8)؟ وأين تكون الجنة؟ وأين تكون النار؟ وربك يحمل أو يحمل؟ وأين يكون وجه ربك؟ وما اثنان شاهدان؟ وما اثنان غائبان؟ وما اثنان متباغضان؟ وما الواحد؟ وما الاثنان؟
وما الثلاثة؟ وما الأربعة؟ وما الخمسة؟ وما الستة؟ وما السبعة؟ وما الثمانية؟ وما التسعة؟ وما العشرة؟ وما الإحدى عشر؟ وما الاثني عشر؟ وما العشرون؟ وما
الثلاثون؟ وما الأربعون؟ وما الخمسون؟ وما الستون؟ وما السبعون؟ وما الثمانون؟ وما التسعون؟ وما المائة؟!.
قال ابن عباس: فبقي أبو بكر لا يرد جوابا، وتخوفنا أن يرتد القوم عن الاسلام، فأتيت منزل علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت له: يا علي! إن رؤوسا من رؤساء اليهود قد قدموا المدينة، ألقوا على أبي بكر مسائل، وقد بقي لا يرد جوابا. فتبسم علي عليه السلام ضاحكا، ثم قال: هو الذي وعدني به رسول الله صلى الله عليه وآله. وأخذ يمشي أمامي فما أخطأت مشيته مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم التفت إلى اليهوديين.
فقال: يا يهوديان! ادنوا مني وألقيا علي ما ألقيتما على الشيخ.
فقالا: من أنت؟.
فقال: أنا علي بن أبي طالب، أخو النبي، وزوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، ووصيه في خلافته كلها، وصاحب كل نفيسة وغزاة، وموضع سر النبي صلى الله عليه وآله.
فقال اليهودي: ما أنا وأنت عند الله؟.
قال: أنا مؤمن منذ عرفت نفسي، وأنت كافر منذ عرفت نفسك، وما
أدري ما يحدث الله بك يا يهودي بعد ذلك؟.
قال اليهودي: فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟.
قال: يونس بن متى في بطن الحوت.
قال: فما قبر سار بصاحبه؟.
قال: يونس، حين طاف به الحوت في سبعة أبحر.
قال له: فالشمس من أين تطلع؟.
قال: من قرن الشيطان!.
قال: فأين تغرب؟.
قال: في عين حمئة، وقال لي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تصل في إقبالها ولا في إدبارها حتى تصير في مقدار رمح أو رمحين.
قال: فأين سقطت الشمس ولم تسقط مرة أخرى في ذلك الموضع (5)؟.
قال: البحر، حين فرقة الله تعالى لقوم موسى عليه السلام.
قال له: ربك يحمل أو يحمل؟.
قال: ربي يحمل كل شئ ولا يحمله شئ.
قال: فكيف قوله: * (ويحمل عرض ربك فوقهم يومئذ ثمانية) *.
قال: يا يهودي! ألم تعلم أن الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وكل شئ على الثرى، والثرى على القدرة، والقدرة عند ربي.
قال: فأين تكون الجنة؟ وأين تكون النار؟.
قال: الجنة في السماء، والنار في الأرض.
قال: فأين يكون وجه ربك؟.
فقال علي عليه السلام لابن عباس: ائتني بنار وحطب فأضرمها، وقال:
يا يهودي! فأين وجه هذه النار؟.
فقال: لا أقف لها على وجه.
قال: كذلك ربي * (فأين ما تولوا فثم وجه الله) *.
قال: فما اثنان شاهدان؟.
قال: السماء والأرض لا يغيبان.
قال: فما اثنان غائبان؟.
قال: الموت والحياة لا نقف عليهما.
قال: فما اثنان متباغضان؟.
قال: الليل والنهار.
قال: فما نصف الشئ؟.
قال: المؤمن.
قال: فما لا شئ؟.
قال: يهودي مثلك كافر لا يعرف ربه.
قال: فما الواحد؟.
قال: الله عز وجل.
قال: فما الاثنان؟.
قال: آدم وحوا.
قال: فما الثلاثة؟.
قال: كذبت النصارى على الله عز وجل، قالوا عيسى بن مريم ابن الله، والله لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
قال: فما الأربعة؟.
قال: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم.
قال: فما الخمسة؟.
قال: خمس صلوات مفترضات.
قال: فما الستة؟.
قال: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش.
قال: فما السبعة؟.
قال: سبعة أبواب النار متطابقات.
قال: فما الثمانية؟.
قال: ثمانية أبواب الجنة.
قال: فما التسعة؟.
قال: * (تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون) *.
قال: فما العشرة؟.
قال: عشرة أيام من العشر.
قال: فما الأحد عشر؟.
قال: قول يوسف لأبيه: * (إني لرأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) *.
قال: فما الاثنا عشر؟.
قال: شهور السنة.
قال: فما العشرون؟.
قال: بيع يوسف بعشرين درهما.
قال: فما الثلاثون؟.
قال: ثلاثون ليلة من شهر رمضان صيامه فرض واجب على كل مؤمن إلا من كان مريضا أو على سفر.
قال: فما الأربعون؟.
قال: كان ميقات موسى ثلاثين ليلة قضاها، والعشر كانت تمامها.
قال: فما الخمسون؟.
قال: دعا نوح قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.
قال: فما الستون؟.
قال: قال الله: * (فإطعام ستين مسكينا) * أو * (صيام شهرين متتابعين) *.
قال: فما السبعون؟.
قال: اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه.
قال: فما الثمانون؟.
قال: قرية بالجزيرة يقال لها: ثمانون، منها قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وغرق الله القوم.
قال: فما التسعون؟.
قال: الفلك المشحون اتخذ يوما فيها بيتا للبهائم.
قال: فما المائة؟.
قال: كانت لداود عليه السلام ستون سنة فوهب له آدم أربعين، فلما حضر آدم عليه السلام الوفاة جحده، فجحد ذريته.
فقال: يا شاب! صف لي محمدا صلى الله عليه وآله كأني أنظر إليه حتى أؤمن به الساعة؟.
فبكى علي عليه السلام، ثم قال: يا يهودي! هيجت أحزاني، كان حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله صلت الجبين، مقرون الحاجبين، أدعج
العينين، سهل الخدين، أقنى الانف، دقيق المسربة، كث اللحية، براق الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كان له شعرات من لبته إلى سرته متفرقة كأنها قضيب كافور، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير النزر، كان إذا مشى مع الناس غمرهم، كان إذا مشى كأنه ينقلع من صخرة أو ينحدر من صبب، كان مبدول الكعبين، لطيف القدمين، دقيق الخصر، عمامته السحاب، سيفه ذو الفقار، بغلته الدلدل، حماره اليعفور، ناقته العضباء، فرسه المبدول، قضيبه الممشوق، كان أشفق الناس على الناس، وأرأف الناس بالناس، كان بين كتفيه خاتم النبوة مكتوب على الخاتم سطران، أول سطر:
لا إله إلا الله. والثاني: محمد رسول الله، هذه صفته يا يهودي!.
فقال اليهوديان: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ، وانك وصي محمد حقا.
وأسلما وحسن إسلامهما، ولزما أمير المؤمنين عليه السلام فكانا معه حتى كان من أمر الجمل ما كان، فخرجا معه إلى البصرة، فقتل أحدهما في وقعة الجمل، وبقي الآخر حتى خرج معه إلى صفين فقتل.
إيضاح:
قوله عليه السلام: كل نفيسة.. أي خصلة أو منقبة يتنافس ويرغب فيه، وفي بعض النسخ: قبسة.. أي اقتباس علم وحكمة.
قوله: فكيف قوله: ويحمل.. غرضه إنك قلت الله حامل كل شئ فكيف يكون حامل العرش غيره؟ فأجاب عليه السلام: بأن حامل الحامل حامل، والله حامل الحامل والمحمول بقدرته.
والنزر: القليل، ولعل المراد به هنا الحقير، والمبدول لم نعرف له معنى، ولعله تصحيف، وقد مر شرح سائر أجزاء الخبر في أبواب صفاته وحلاه صلى الله عليه وآله.
4 - إرشاد القلوب: - بحذف الاسناد - مرفوعا إلى الصادق عليه السلام قال: لما بايع الناس عمر بعد وفاة أبي بكر أتاه رجل من شبان اليهود - وهو
في المسجد - فسلم عليه والناس حوله، فقال: يا أمير المؤمنين (1)! دلني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وسنته؟. فأومأ إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: هذا. فتحول الرجل إلى علي عليه السلام فسأله: أنت كذلك؟.
قال: نعم.
فقال: إني أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة.
قال: أفلا قلت عن سبع؟.
قال: أفلا قلت عن سبع؟.
قال اليهودي: لا، إنما أسألك عن ثلاث، فإن أجبت فيهم فسألتك عن ثلاث بعدها، وإن لم تصب لم أسألك.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرني إذا أجبتك بالصواب والحق تعرف ذلك؟ - وكان الفتى من علماء اليهود وأحبارهم، يروون أنه من ولد هارون أخي موسى بن عمران -.
فقال: نعم.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: بالله الذي لا إله إلا هو لئن أجبتك بالصواب والحق لتسلمن وتدع اليهودية، فحلف له وقال: ما جئتك إلا مرتادا أريد الاسلام.
فقال: يا هاروني! سل عما بدا لك تخبر إن شاء الله.
فقال: أخبرني عن أول شجرة نبتت على وجه الأرض؟ وعن أول عين نبعت في الأرض؟ وعن أول حجر وضع على وجه الأرض؟.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما أول شجرة نبتت على وجه الأرض، فإن أهل الأرض يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا، وإنما هي النخلة، وهي العجوة، هبط بها آدم من الجنة فغرسها، وأصل النخل كله منها، وأما أول عين نبعت على وجه الأرض، فإن اليهود يزعمون أنها العين التي في بيت المقدس تحت الحجر وكذبوا، بل هي عين الحياة التي انتهي موسى وفتاه إليها فغسلا فيها السمكة فحييت، وليس من ميت يصيبه ذلك الماء إلا حيى، وكان الخضر عليه السلام شرب منها ولم يجدها ذو القرنين، وأما أول حجر وضع على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنه الحجر الذي في بيت المقدس وكذبوا، وإنما هو الحجر الأسود هبط به آدم (ع) من الجنة فوضعه على الركن، والناس يستلمونه، وكان أشد بياضا من الثلج فاسود من خطايا بني آدم.
قال: فأخبرني كم لهذه الأمة من إمام هدى هادين مهديين، لا يضرهم خذلان من خذلهم؟ وأين منزل محمد من الجنة؟، ومن معه من أمته في الجنة؟.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: أما قولك: كم لهذه الأمة من إمام هدى؟
وأين منزل محمد في الجنة؟ ومن معه من أمته في الجنة؟ فإن الأئمة اثنا عشر، وأما منزل محمد ففي أشرف الجنان وأفضلها: جنة عدن، وأما الذين معه فهم الأئمة الاثني عشر أئمة الهدى.
قال الفتى: صدقت، فوالله الذي لا إله إلا هو إنه لمكتوب عندي بإملاء موسى وخط هارون بيده.
ثم قال: أخبرني كم يعيش وصي محمد صلى الله عليه وآله بعده؟ وهل
يموت موتا أو يقتل قتلا؟.
قال له: ويحك! أنا وصي محمد، أعيش بعده ثلاثين لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، ثم يبعث أشقاها شقيق عاقر ناقة صالح، فيضربني ضربة في مفرقي فتخضب منه لحيتي، ثم بكى عليه السلام بكاءا شديدا.
قال: فصرخ الفتى وقطع كستيجه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والحمد لله رب العالمين.
بيان:
قوله عليه السلام: تعرف ذلك.. أي تصدق وتقر به.
قوله عليه السلام: لا تزيد يوما..
أقول: ليس هذا في أكثر الروايات، ويشكل تصحيحه، لعدم اتحاد يومي وفاتهما صلوات الله عليهما، ويمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب، وقوله عليه السلام: (لا يزيد) استئناف لبيان أن الموعد الذي وعدت لك لا يتخلف، وأعلمه بحيث لا يزيد يوما ولا ينقص يوما، وقيل: الضمير راجع إلى كتاب هارون، وربما يقرأ تزيد وتنقص - على صيغة الخطاب - أي أنك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة فتتوهم أنه لا كسر فيها، وليس كذلك، بل هو مبني على
إتمام الكسر، ولا يخفى بعدهما.
وقال الفيروزآبادي: الكستيج - بالضم -: خيط غليظ يشده الذمي فوق ثيابه دون الزنار، معرب كستي.
5 - كتاب صفوة الاخبار: عن أبي إسماعيل، عن أبي نون، قال: لما تو في رسول الله صلى الله عليه وآله دخل المدينة رجل من أولاد داود عليه السلام على دين اليهود، فوجد الناس متفزعين مغمومين، فقال: ما شأنكم؟. قالوا: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: أما انه توفي في اليوم الذي هو المذكور في كتابنا، ثم قال: أرشدوني إلى خليفة نبيكم. قالوا: تنتظر قليلا حتى نرشدك إلى من يخبرك بما تسأل، فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام من باب المسجد، فقالوا:
عليك بهذا الغلام فإنه يخبرك عما تسأل. فقام إليه وقال له: أأنت علي بن أبي طالب عليه السلام؟.
فقال: نعم، يرحمك الله، وأخذ بيده وأجلسه.
وقال: أردت أن أسأل هؤلاء عن أربعة حروف فأرشدوني إليك، فعن أذنك أسألك؟.
فقال له: سل عما بدا لك، فإني أخبرك إن شاء الله تعالى.
فقال: أخبرني عن أول حرف كلم الله به نبيك لما أسري به ورجع عن
محل الشرف؟ وأخبرني عن الأربعة الذين كشف مالك عنهم طبقا من أطباق النار فكلموا نبيك؟ وأخبرني عن الملك الذي زاحم نبيك؟ وأخبرني عن منزل نبيك في الجنة؟.
فقال عليه عليه السلام: أما أول حرف كلم الله عز وجل نبينا صلى الله عليه وآله به فهو قوله تعالى * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) *. فقال: ليس هذا أردت، ولا عنه سألت.
فقال: إن الامر الذي تريد مستور.
فقال: أخبرني بالذي هو، وإلا فما أنت هو؟.
فقال له: إذا أنبأتك تسلم؟.
قال: نعم.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع عن محل الشرف والكرامة ليلة الاسراء رفع له الحجاب قبل أن يصير إلى مقام جبرئيل عليه السلام ونادى ملك: يا محمد [صلى الله عليه وآله]! إن الله يقرئك السلام ويقول لك: اقرأ على السيد المولى مني السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من السيد المولى؟.
فقال: علي بن أبي طالب [ع].
فقال اليهودي: صدقت إني لأجده مكتوبا في كتاب داود عليه السلام.
فقال: وأما الأربعة الذين كشف عنهم مالك طبق النار فهم: قابيل، ونمرود، وهامان، وفرعون.
فقالوا: يا محمد [صلى الله عليه وآله]! اسأل ربك يردنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا، فغضب جبرئيل عليه السلام وأخذ الطبق بريشة من جناحه ورده عليهم. وأما الملك الذي زاحم نبيا صلى الله عليه وآله فإنه ملك الموت، جاء من
عند جبار من ملوك الدنيا قد تكلم عند موته بكلام عظيم فغضب لله فزاحم نبيا ولم يعرفه لغيظه.
فقال جبرئيل عليه السلام: يا ملك الموت! هذا محمد بن عبد الله رسول الله وحبيبه. فقال: إني أتيت من عند ملك جبار قد تكلم بكلام عظيم عند موته فغضبت لله عز وجل ولم أعرفك، فعذره رسول الله صلى الله عليه وآله.
وأما منزل رسول الله، فإن مسكنه جنة عدن ومعه فيها أوصياؤه الاثنا عشر، وفوقها منزل يقال له: الوسيلة، وليس في الجنة شبهه ولا أرفع منه، وهو منزل رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقال الداودي: والله لقد رأيته في كتاب داود عليه السلام، ولقد صدقت، وإنا متوارثوه واحد عن واحد حتى وصل إلي، فأخرج كتابا فيه مسطور ما ذكر.
ثم قال: مد يدك أجدد إسلامي، ثم قال: والله إنك خير هذه الأمة بعد نبيها وأكرمها على الله تعالى. وعلمه دينه وشرائع الاسلام، وقد أسلم وحسن إسلامه.
6 - تنبيه الخاطر: روي عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوما - وعنده كعب الأحبار - إذ قال عمر: يا كعب! أحافظ أنت للتوراة (5)؟. قال كعب: إني لأحفظ منها كثيرا. فقال رجل من جنبه: يا أمير المؤمنين! سله أين .
كان الله جل جلاله قبل أن يخلق عرشه؟ ومم خلق الماء الذي جعل عليه عرشه (2)؟ فقال عمر: يا كعب! هل عندك من هذا علم؟. فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين! نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديما قبل خلق العرش، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه.
قال ابن عباس: وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضرا.. فعظم ربه وقام على قديمه، ونفض ثيابه، فأقسم عليه عمر عاد إلى مجلسه، ففعل، قال عمر: غص عليها يا غواص، ما يقول أبو حسن فما علمتك إلا مفجرا للغم؟. فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال: غلط أصحابك وحرفوا كتب الله، وقبحوا الفرية عليه، يا كعب! ويحك!: إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله، ولا تسع عظمته، والهواء الذي ذكرت لا يجوز أقطاره، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكانت لهما قدمته، وعز الله وجل أن يقال له مكان يومى إليه، والله ليس كما يقول الملحدون، ولا كما يظن الجاهلون، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الأذهان، وقولي: (كان) لتعريف كونه، وهو مما علم من البيان، يقول الله عز وجل: * (خلق الانسان * علمه البيان) *، فقولي له
كان مما علمني البيان لأنطق بحجة عظمة المنان، ولم يزل ربنا مقتدرا على ما يشاء، محيطا بكل الأشياء، ثم كون ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب، ولا بشبهة دخلت عليه فيما أراد، وإنه عز وجل خلق نورا ابتدعه من غير شئ، ثم خلق منه ظلمة وكان قديرا أن يخلق الظلمة لا من شئ، كما خلق النور من غير شئ، ثم خلق من الظلمة نورا وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، ثم زجر الياقوتة فما عت لهيبته فصارت مارا مرتعدا، ولا يزال مرتعدا إلى يوم القيامة، ثم خلق عرشه من نوره، وجعله على الماء، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف، ليس فيها لغة تشبه الأخرى، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب، وذلك قوله: * (وكان عرشه على الماء ليبلوكم..) *، يا كعب! ويحك! إن من كانت البحار تفلته - على قولك - كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس، أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه.. فضحك عمر بن الخطاب، وقال: هذا هو الامر، وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب، لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن.
7 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن
حنان بن السراج، عن داود بن السليمان الكسائي، عن أبي الطفيل، قال:
شهدت جنازة أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر حين بويع وعلي عليه السلام جالس ناحية، فأقبل غلام يهودي جميل الوجه، بهي، عليه ثياب حسان - وهو من ولد هارون - حتى قام على رأس عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! أنت أعلم هذه الأمة بكتابهم وأمر نبيهم؟. قال: فطأطأ عمر رأسه، فقال: إياك أعني.. وأعاد عليه القول، فقال له عمر: لم ذاك؟. قال إني جئتك مرتادا لنفسي، شاكا في ديني. فقال: دونك هذا الشاب، قال: ومن هذا الشاب؟. قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله عليه وآله، وهذا أبو الحسن والحسين ابني رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا زوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل اليهودي على علي عليه السلام فقال: أكذلك أنت؟!. فقال:
نعم.
قال: إني أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة.
قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام من غير تبسم، فقال يا هاروني!
ما منعك أن تقول سبعا؟. قال: أسألك عن ثلاث، فإن أجبتني سألت عما بعدهن، وإن لم تعلمهن علمت أنه ليس فيكم عالم. قال علي السلام: فإني أسألك بالإله الذي تعبده لئن أنا أجبتك في كل ما تريد لتدعن دينك ولتدخلن في ديني؟.
قال: ما جئت إلا لذاك.
قال: فسل؟.
قال: أخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الأرض، أي قطرة هي؟
وأول عين فاضت على وجه الأرض، أي عين هي؟ وأول شئ اهتز على وجه الأرض، أي شئ هو؟.
فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني عن ثلاث الاخر، أخبرني عن محمد كم له من امام عادل؟. وفي أي جنة يكون؟ ومن يساكنه معه في جنته (3)؟.
قال: يا هاروني! إن لمحمد صلى الله عليه وآله اثني عشر امام عدل لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا يستوحشون بخلاف من خلافهم، وإنهم في الدين أرسب من الجبال الرواسي في الأرض، ومسكن محمد في جنته، معه أولئك الاثنا عشر الإمام العدل.
فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجدها في كتب أبي هارون، كتبه بيده وأملاه موسى عمي عليه السلام.
قال: فأخبرني عن الواحدة؟ أخبرني عن وصي محمد كم يعيش من بعده؟
وهل يموت أو يقتل؟.
قال: يا هاروني! يعيش بعبده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص يوما، ثم يضرب ضربته هاهنا - يعني على قرنه - فيخضب هذه من هذا قال: فصاح الهاروني وقطع كستيجه، وهو يقول: أشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله وعليه وآله، وأنك
وصيه، ينبغي أن تفوق ولا تفاق، وأن تعظم ولا تستضعف.
قال: ثم مضى به علي عليه السلام إلى منزله فعلمه معالم الدين.
بيان:
في القاموس: جبل راسب.. أي ثابت، وكذا الراسي بمعنى الثابت.
8 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام.
ومحمد بن الحسين، عن إبراهيم، عن ابن أبي يحيى المديني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت حاضرا لما هلك أبو بكر واستخلف عمر، أقبل يهودي من عظماء يهود يثرب، ويزعم يهود المدينة أنه أعلم أهل زمانه حتى رفع إلى عمر، فقال له: يا عمر! إني جئتك أريد الاسلام فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما أريد أن أسأل عنه.
قال: فقال له عمر: إني لست هناك، لكني أرشدك إلى من هو أعلم أمتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه، وهو ذاك، فأومى إلى علي عليه السلام.
فقال له اليهودي: يا عمر! إن كان هذا كما تقول فما لك ولبيعة الناس، وإنما
ذاك أعلمكم، فزبره عمر.
ثم إن اليهودي قام إلى علي عليه السلام فقال: أنتم كما ذكر عمر؟.
فقال: وما قال عمر؟. فأخبره.
قال: فأن كنت كما قال: سألتك عن أشياء أريد أن أعلم هل يعلمه أحد منكم فأعلم أنكم في دعواكم خير الأمم وأعلمها صادقين، ومع ذلك أدخل في دينكم الاسلام.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: نعم، أنا كما ذكر لك عمر، سل عما بدا لك أخبرك به إن شاء الله تعالى.
قال: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة.
فقال له علي عليه السلام: يا يهودي! و لم لم تقل أخبرني عن سبع؟.
فقال له اليهودي: إنك إن أخبرتني بالثلاث، سألتك عن البقية وإلا كففت، فإن أنت أجبتني في هذه السبع فأنت أعلم أهل الأرض وأفضلهم وأولى الناس بالناس.
فقال له: سل عما بدا لك أخبرك به إن شاء الله تعالى.
قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الأرض؟ وأول شجرة غرست على وجه الأرض؟ وأول عين نبعت على وجه الأرض؟.
فأخبره أمير المؤمنين عليه السلام.
ثم قال له اليهودي: أخبرني عن هذه الأمة كم لها من امام هدى؟ وأخبرني عن نبيكم محمد أين منزله في الجنة؟ وأخبرني من معه في الجنة؟.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن لهذه الأمة اثنا عشر إمام هدى من
ذرية نبيها وهم مني. وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها: جنة عدن، وأما من معه في منزله فيها فهؤلاء الاثنا عشر من ذريته، وأمهم وجدتهم أم أمهم وذراريهم لا يشركهم فيها أحد.
9 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي، عن زكريا المؤمن، عن ابن مسكان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن رجلا أتى بامرأته إلى عمر، فقال: إن امرأتي هذه سوداء وأنا أسود وإنها ولدت غلاما أبيض. فقال لمن بحضرته: ما ترون؟.
قالوا: نرى أن ترجمها فإنها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض.
قال: فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه بها لترجم، فقال: ما حالكما؟. فحدثاه.
فقال للأسود: أتتهم امرأتك؟!.
فقال: لا.
قال: فأتيتها وهي طامث؟.
قال: قد قالت لي في ليلة من الليالي إني طامث، فظننت أنها تتقي البرد فوقعت عليها.
فقال للمرأة: هل أتاك وأنت طامث؟.
قالت: نعم، سله، قد حرجت عليه وأبيت.
قال: فانطلقا فإنه ابنكما، وإنما غلب الدم النطفة فابيض، ولو قد تحرك اسود. فلما أيفع اسود.
بيان:
التحريج: التضييق، ذكره الجوهري، وقال: أيفع الغلام.. أي
ارتفع.
10 - مشارق الأنوار: قال: إن رجلا حضر مجلس أبي بكر فادعى أنه لا يخاف الله، ولا يرجو الجنة، ولا يخشى النار، ولا يركع ولا يسجد، ويأكل الميتة والدم، ويشهد بما لا يرى، ويحب الفتنة، ويكره الحق، ويصدق اليهود والنصارى، وأن عنده ما ليس عند الله، وله ما ليس لله، واني أحمد النبي، واني علي وأنا ربكم، فقال له عمر: ازددت كفرا على كفرك؟!.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هون عليك يا عمر! فإن هذا رجل من أولياء الله لا يرجو الجنة ولكن يرجو الله، ولا يخاف النار ولكن يخاف ربه، ولا يخاف الله من ظلم ولكن يخاف عدله، لأنه حكم عدل، ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة، ويأكل الجراد والسمك، ويحب الأهل والولد، ويشهد بالجنة والنار ولم يرهما، ويكره الموت وهو الحق، ويصدق اليهود والنصارى في تكذيب بعضهما بعضا، وله ما ليس لله، لان له ولدا وليس لله ولد، وعنده ما ليس عند الله، فإنه يظلم نفسه وليس عند الله ظلم، وقوله أنا أحمد النبي صلى الله عليه وآله..
أي أنا أحمده على تبليغ الرسالة عن ربه، وقوله: أنا علي.. يعني علي في قولي، وقوله: أنا ربكم.. أي رب كم بمعني لي كم أرفعها وأضعها، ففرح عمر،
وقام وقبل رأس أمير المؤمنين، وقال: لا بقيت بعدك يا أبا الحسن.
بيان:
هون عليك.. أي سهل على نفسك بالسؤال أو بالانتظار ليتبين الحق، أو المعنى ما أهون عليك.. أي ليس فيه اشكال، ولعل المراد بدم دم السمك، أو مطلق الدم المتخلف، وتركه عليه السلام للظهور، والمراد بالميتة ما لم يذبح، كما ورد: في البحر تحل ميتته.
11 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمد بن العباس، عن أحمد بن هوزة، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن نصر بن يحيى، عن المقتبس بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مع عمر ابن الخطاب فأرسله في جيش فغاب ستة أشهر ثم قدم، وكان مع أهله ستة أشهر فعلقت منه فجاءت بولد لستة أشهر فأنكره، فجاء بها إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! كنت في البعث الذي وجهتني فيه، وتعلم أني قدمت ستة أشهر، وكنت مع أهلي وقد جاءت بغلام وهو ذا، وتزعم أنه مني؟. فقال لها عمر: ماذا تقولين أيتها المرأة؟. فقالت: والله ما غشيني رجل غيره، وما فجرت، وإنه لابنه، وكان اسم الرجل: الهيثم.
فقال لها عمر: أحق ما يقول زوجك؟.
قالت: قد صدق يا أمير المؤمنين!. فأمر بها عمر أن ترجم، فحفر لها حفيرة
ثم أدخلها فيه، فبلغ ذلك عليا عليه السلام، فجاء مسرعا حتى أدركها وأخذ بيديها فسلها من الحفيرة.
ثم قال لعمر: أربع على نفسك إنها قد صدقت، إن الله عز وجل يقول في كتابه: * (حمله وفصاله ثلاثون شهرا) *، وقال في الرضاع: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) *، فالحمل والرضاع ثلاثون شهرا، وهذا الحسين ولد لستة أشهر.
فعندها قال عمر: لولا علي لهلك عمر.
12 - أمالي الطوسي المفيد، عن علي بن خالد، عن محمد بن الحسين بن صالح، عن محمد بن علي بن زيد، عن محمد بن تسنيم، عن جعفر بن محمد الخثعمي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن رقية بن مصقلة بن عبد الله بن جوية العبدي، عن أبيه، عن جده، قال: أتى عمر بن الخطاب رجلان يسألان عن طلاق الأمة، فالتفت إلى خلفه فنظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أصلع! ما ترى في طلاق الأمة؟.
فقال بإصبعيه.. هكذا، وأشار بالسبابة والتي تليها، فالتفت إليهما عمر وقال: ثنتان.
فقال: سبحان الله! جئناك وأنت أمير المؤمنين فسألناك فجئت إلى رجل سألته، والله ما كلمك.
فقال عمر: تدريان من هذا؟.
قالا: لا.
قال: هذا علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعتا في كفة ووضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي (ع).
13 - العدة: روى الحكم بن مروان، عن جبير بن حبيب، قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد، وترنح لها وتقطر. ثم قال: يا معشر المهاجرين! ما عندكم فيها؟.
قالا: يا أمير المؤمنين! أنت المفزع والمنزع، فغضب، ثم قال: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) * أما والله إنا وإياكم لنعرف ابن بجدتها، والخبير بها.
قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب؟.
قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة بمثله.
قالوا: فلو بعثت إليه.
قال: هيهات! هناك شمخ من هاشم ولحمة من الرسول (ص)، وإثرة من
علم يؤتى لها ولا يأتي، امضوا إليه فاقصفوا نحوه، وافضوا إليه، وهو في حائط له و عليه تبان يتركل على مسحاته وهو يقول: * (أيحسب الانسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى) * ودموعه تهمي على خديه، فأجهش القوم لبكائه، ثم سكن وسكنوا، وسأله عمر عن مسألته فأصدر إليه جوابها، فلوى عمر يديه .
ثم قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك!.
فقال عليه السلام له: يا أبا حفص! خفض عليك من هنا ومن هنا * (إن يوم الفصل كان ميقاتا) *.
فانصرف وقد أظلم وجهه وكأنما ينظر من ليل.
بيان:
قال الجوهري: ترنح: تمايل من السكر وغيره، ورنح عليه ترنيحا - على بناء ما لم يسم فاعله -.. أي غشي عليه، أو اعتراه وهن في عظامه فتمايل، وهو مرنح.
وفي القاموس: تقطر: تهيأ للقتال ورمى بنفسه من علو، والجذع..
انجعف.. أي انقلع.
وقال: هو ابن بجدتها: للعالم بالشئ، وللدليل الهادي، ولمن لا يبرح عن قوله، وعنده بجدة ذلك.. أي علمه.
وقال: طفحت - كمنع - بالولد: ولدته لتمام.
وقال: شمخ الجبل: علا وطال، والرجل بأنفه: تكبر.. ونية شمخ - محركة -: بعيدة..، والشامخ: الرافع انفه عزا.
ولإثرة: البقية من العلم يؤثر.
وقال: في الحديث: أنا والنبيون فراط القاصفين: هم المزدحمون كأن بعضهم يقصف بعضا لفرط الزحام، وتزاحمهم بدارا إلى الجنة.. اي نحن متقدمون في الشفاعة لقوم كثيرين متدافعين..، والقصفة من القوم: تدافعهم وتزاحمهم، ورقة الأرطى وقد أقصف.
وقال: التبان - كرمان -: سراويل صغير يستر العورة المغلظة.
وقال: تركل بمسحاته: ضربها برجله لتدخل في الأرض.
وقال: سحا الطين يسحيه ويسحوه ويسحاه سحيا: قشره وجرفه، والمسحاة - بالكسر - ما سحي به.
وقال: خفض القول يا فلان: لينه، والامر: هونه.
قوله: من هنا ومن هنا.. أي من أول الأمر حيث منعتني الخلافة ومن هذا الوقت حيث تقر لي بالفضل، ويمكن أن يقرأ (من) بالفتح فيهما.. أي من كان المانع في أول الأمر ومن القائل في هذا الوقت، أي لا تناسب بينهما، وعلى الأول يحتمل أن يكون أحدهما إشارة إلى الدنيا والآخر إلى العقبى.
* * * * *
NoteV30P121N19 باب ما أظهر أبو بكر وعمر من الندامة على غصب الخلافة عند الموت 1 - قال أبو الصلاح قدس الله روحه في تقريب المعارف: لما طعن عمر جمع بني عبد المطلب وقال: يا بني عبد المطلب! أراضون أنتم عني؟.
فقال رجل من أصحابه: ومن ذا الذي يسخط عليك؟.. فأعاد الكلام ثلاث مرات، فأجابه رجل بمثل جوابه، فانتهره عمر وقال: نحن أعلم بما أشعرنا قلوبنا، إنا والله أشعرنا قلوبنا ما.. نسأل الله أن يكفينا شره، وإن بيعة أبي بكر كانت فلتة نسأل الله أن يكفينا شرها.
وقال لابنه عبد الله - وهو مسنده إلى صدره -: ويحك! ضع رأسي بالأرض، فأخذته الغشية، قال: فوجدت من ذلك، فقال: ويحك! ضع رأسي بالأرض، فوضع رأسه بالأرض فعفر بالتراب، ثم قال: ويل لعمر! وويل لامه! إن لم يغفر الله له.
وقال - أيضا - حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: من اغتصابي هذا الامر أنا وأبو بكر من دون الناس، من استخلافي عليهم، ومن تفضيلي
المسلمين بعضهم على بعض.
وقال - أيضا -: أتوب إلى الله من ثلاث: من ردي رقيق اليمن، ومن رجوعي أن جيش أسامة بعد أن أمره رسول الله صلى الله عليه [وآله] علينا، ومن تعاقدنا على أهل البيت إن قبض رسول الله أن لا نولي منهم أحدا.
ورووا عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: كنت عند عمر - وهو يموت - فجعل يجزع، فقلت: يا أمير المؤمنين! أبشر بروح الله وكرامته، فجعلت كلما رأيت جزعه قلت هذا، فنظر إلي فقال: ويحك! فكيف بالممالاة على أهل بيت محمد صلى الله عليه [وآله]. انتهى ما أخرجناه من التقريب.
وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: لما حضرت عمر بن الخطاب الوفاة قال لبنيه ومن حوله: لو أن لي ملء الأرض من صفراء أو بيضاء لافتديت به من أهوال ما أرى.
2 - الخصال: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن محمد بن
حاتم، عن عبد الله بن حماد وسليمان بن معبد، هما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن علوان بن داود بن صالح، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: قال أبو بكر في مرضه الذي قبض فيه: أما اني لا آسى من الدنيا إلا على ثلاث فعلتها، وددت أني تركتها، وثلاث تركتها وددت أني فعلتها، وثلاث وددت أني كنت سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وآله، أما التي وددت أني تركتها، فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وإن كان علق علي الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة وإني قتلته سريحا أو أطلقته نجيحا، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين - عمر أو أبي عبيدة - فكان أميرا وكنت وزيرا.
وأما التي تركتها: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لم ير صاحب شر إلا أعانه، ووددت أني حين سيرت خالدا إلى أهل الردة كنت قدمت إلى قربه فإن ظفر المسلمون ظفروا وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد، ووددت أني كنت إذ وجهت خالدا إلى الشام قذفت المشرق
بعمر بن الخطاب، فكنت بسطت يدي - يميني وشمالي - في سبيل الله.
وأما التي وددت أني كنت سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وآله:
فوددت أني كنت سألته فيمن هذا الامر فلم ننازعه أهله، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الامر نصيب، ووددت أني كنت سألته عن ميراث الأخ والعم، فإن في نفسي منها حاجة.
قال الصدوق رضي الله عنه: إن يوم غدير خم لم يدع لاحد عذرا، هكذا قالت سيدة النسوان فاطمة عليها السلام لما منعت من فدك وخاطبت الأنصار فقالوا: يا بنت محمد! لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر ما عدلنا بعلي أحدا. فقالت: وهل ترك أبي يوم غدير خم لاحد عذرا؟!
3 - الخصال: أبي، عن المؤدب، عن أحمد الأصبهاني، عن الثقفي، عن يحيى ابن الحسن بن الفرات، عن هارون بن عبيدة، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: قال عمر حين حضره الموت:
أتوب إلى الله من ثلاث: اغتصابي هذا الامر أنا وأبو بكر من دون الناس، واستخلافي عليهم، وتفضيلي المسلمين بعضهم على بعض.
4 - الخصال: بالاسناد إلى الثقفي، عن المسعودي، عن الحسن بن حماد
الطائي، عن زياد بن المنذر، عن عطية - فيما يظن -، عن جابر بن عبد الله، قال:
شهدت عمر عند موته يقول: أتوب إلى الله من ثلاث: من ردي رقيق اليمن، ومن رجوعي عن جيش أسامة بعد أن أمره رسول الله صلى الله عليه وآله علينا، ومن تعاقدنا على أهل هذا البيت إن قبض الله رسوله لا نولي منهم أحدا.
5 - الخصال: بالاسناد إلى الثقفي، عن محمد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن فضل بن الزبير، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لما حضر عمر الموت قال: أتوب إلى الله من رجوعي من جيش أسامة، وأتوب إلى الله من عتقي سبي اليمن، وأتوب إلى الله من شئ كنا أشعرناه قلوبنا نسأل الله أن يكفينا ضره، وأن بيعة أبي بكر كانت فلته.
بيان:
قال في النهاية في حديث عمر: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها)، أراد بالفلتة: الفجأة، ومثل هذه البيعة جدير بان تكون مهيجة للشر والفتنة، فعصم الله عن ذلك ووقى، والفلتة: كل شئ فعل من غير روية وإنما يورد بها خوف انتشار الامر، وقيل: أراد بالفلتة: الخلسة.. أي ان الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الأنفس ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي واختلاسا، وقيل: الفلتة آخر ليلة من الأشهر الحرم، فيختلفون أمن الحل هي أم من الحرام (7)؟ فيتسارع الموتود إلى درك الثار
فيكثر الفساد ويسفك الدماء، فشبه أيام النبي صلى الله عليه وآله بالأشهر الحرم ويوم موته بالفلتة في وقوع الشر من ارتداد العرب وتخلف الأنصار عن الطاعة، ومنع من منع الزكاة، والجري على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها. انتهى.
ولا يخفى ضعف تلك التأويلات على عاقل، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
6 - مجالس المفيد: الجعابي، عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن بريد، عن يحيى بن سعيد، عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن عثمان بن عفان، قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله وهو يولول، فقال له: ضع خدي بالأرض، فأبي عبد الله، فقال له: ضع خدي بالأرض لا أم لك، فوضع خده على الأرض، فجعل يقول:
ويل أمي! ويل أمي! إن لم تغفر لي.. فلم يزل يقولها حتى خرجت نفسه.
7 - إرشاد القلوب: - بحذف الاسناد - مرفوعا إلى عبد الرحمن بن غنم الأزدي - ختن معاذ بن جبل - وحين مات كانت ابنته تحت معاذ بن جبل، وكان أفقه أهل الشام وأشدهم اجتهادا، قال: مات معاذ بن جبل بالطاعون، فشهدت يوم مات - والناس متشاغلون بالطاعون -، قال: وسمعته حين احتضر وليس في البيت غيري - وذلك في خلافة عمر بن الخطاب -، فسمعته يقول:
ويل لي! ويل لي (8)!. فقلت في نفسي: أصحاب الطاعون يهذون ويقولون الأعاجيب. فقلت له: أتهذي؟. قال: لا، رحمك الله. قلت: فلم تدعو بالويل والثبور؟. قال: لموالاتي عدو الله على ولي الله. فقلت له: من هم (10)؟. قال:
موالاتي عتيقا وعمر على خليفة رسول الله ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام.
فقلت: إنك لتهجر!. فقال: يا بن غنم! والله ما أهجر، هذان، رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام يقولان لي: يا معاذ! أبشر بالنار
أنت وأصحابك. أفليس قلتم إن مات رسول الله صلى الله عليه وآله أو قتل زوينا الخلافة عن علي بن أبي طالب (ع) فلن تصل إليه، فاجتمعت أنا وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم، قال: قلت: متى يا معاذ؟. قال: في حجة الوداع، قلنا: نتظاهر على علي (ع) فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قلت لهم: أنا أكفيكم قومي الأنصار فاكفوني قريشا، ثم دعوت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى هذا الذي تعاهدنا عليه بشر بن سعيد وأسيد بن حصين فبايعاني على ذلك، فقلت: يا معاذ! إنك لتهجر، فألصق خده بالأرض فلما زال يدعو بالويل والثبور حتى مات.
فقال ابن غنم: ما حدثت بهذا الحديث يا بن قيس بن هلال أحدا إلا ابنتي امرأة معاذ ورجلا آخر، فإني فزعت مما رأيت وسمعت من معاذ.
قال: فحججت ولقيت الذي غمض أبا عبيدة وسالما فأخبراني أنه حصل لهما ذلك عند موتهما، لم يزد فيه حرفا ولم ينقص حرفا، كأنهما قالا مثل ما قال معاذ بن جبل فقلت: أو لم يقتل سالم يوم التهامة؟. قال: بلى، ولكنا احتملناه وبه رمق.
قال سليم: فحدثت بحديث ابن غنم هذا كله محمد بن أبي بكر، فقال
لي: اكتم علي واشهد أن أبي قد قال عند موته مثل مقالتهم، فقالت: عائشة: إن أبي يهجر.
قال محمد: فلقيت عبد الله بن عمر في خلافة عثمان وحدثته بما سمعت من أبي عند موته فأخذت عليه العهد والميثاق ألا يكتم علي. فقال لي ابن عمر:
اكتم علي، فوالله لقد قال أبي مثل ما قال أبوك وما زاد ولا نقص، ثم تداركها ابن عمر بعد وتخوف أن أخبر بذلك علي بن أبي طالب عليه السلام لما علم من حبي له وانقطاعي إليه، فقال: إنما كان يهجر. فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته بما سمعته من أبي وما حدثني به ابن عمر.
فقال علي: قد حدثني بذلك عن أبيه وعن أبي عبيدة وسالم وعن معاذ من هو أصدق منك ومن ابن عمر. فقلت: ومن ذاك يا أمير المؤمنين؟.
فقال: بعض من حدثني. فعرفت ما عنى، فقلت: صدقت، إنما ظننت إنسانا حدثك، وما شهد أبي - وهو يقول ذلك - غيري.
قال سليم: قلت لابن غنم: مات معاذ بالطاعون فبما مات أبو عبيدة؟.
قال: مات بالدبيلة، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت: هل شهد موت أبيك غيرك وأخيك عبد الرحمن وعائشة وعمر؟. قال: لا. قلت: وهل سمعوا منه ما
سمعت؟. قال: سمعوا منه طرفا فبكوا. وقال: هو يهجر، فأما كل ما سمعت أنا فلا، قلت: فالذي سمعوا ما هو؟.
قال: دعا بالويل والثبور، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله! لم تدعو بالويل والثبور؟!. قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه علي بن أبي طالب يبشراني بالنار، ومعه الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: قد وفيت بها وظاهرت على ولي الله فأبشر أنت وصاحبك بالنار في أسفل السافلين، فلما سمعها عمر خرج وهو يقول: إنه ليهجر! قال: لا والله لا أهجر أين تذهب؟. قال عمر: كيف لا تهجر وأنت ثاني اثنين إذ هما في الغار؟! قال: الآن أيضا! أو لم أحدثك أن محمدا - ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله - قال لي وأنا معه في الغار: إني أرى سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر، فقلت: أرنيها، فمسح يده على وجهه فنظرت إليها، وأضمرت عند ذلك أنه ساحر، وذكرت لك ذلك بالمدينة، فأجمع رأيي ورأيك أنه ساحر، فقال عمر:
يا هؤلاء! إن أباكم يهجر فاكتموا ما تسمعون عنه لئلا يشمت بكم أهل هذا البيت، ثم خرج وخرج أخي وخرجت عائشة ليتوضؤا للصلاة، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا، فقلت له - لما خلوت به: يا أبة! قل: لا إله إلا
الله، قال: لا أقولها ولا أقدر عليها أبدا حتى أرد النار فأدخل التابوت، فلما ذكر التابوت ظننت أنه يهجر، فقلت له: أي تابوت؟. فقال: تابوت من نار مقفل بقفل من نار فيه اثنا عشر رجلا، أنا وصاحبي هذا، قلت: عمر؟.
قال: نعم، وعشرة في جب من جهنم على صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع الصخرة.
قلت: أتهذي؟. قال: لا والله ما أهذي، ولعن الله ابن صهاك هو الذي أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني فبئس القرين، ألصق خدي بالأرض، فألصقت خده بالأرض، فما زال يدعو بالويل والثبور حتى غمضته، ثم دخل عمر علي، فقال: هل قال بعدنا شيئا (5)؟ فحدثته.
فقال: يرحم الله خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، اكتم! هذا كله هذيان، وأنتم أهل بيت يعرف لكم الهذيان في موتكم؟. قالت عائشة: صدقت، ثم قال لي عمر: إياك أن يخرج منك شيئا مما سمعت به إلى علي بن أبي طالب (ع) وأهل بيته.
قال: قال سليم: قلت لمحمد: من تراه حدث أمير المؤمنين عليه السلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله، إنه يراه في
كل ليلة في المنام وحديثه إياه في المنام مثل حديثه إياه في اليقظة والحياة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا لا يتمثل بي في نوم ولا يقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة.
قال سليم: فقلت لمحمد: فمن حدثك بهذا؟. قال: علي. فقلت:
قد سمعت أنا أيضا منه كما سمعت أنت، قلت لمحمد: فلعل ملكا من الملائكة حدثه. قال: أو ذاك؟ قلت: فهل تحدث الملائكة إلا الأنبياء؟!. قال: أما تقرأ كتاب الله: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) * ولا محدث.
قلت أنا: أمير المؤمنين محدث. قال: نعم، وفاطمة محدثة، ولم تكن نبية، ومريم محدثة ولم تكن نبية، وأم موسى محدثة ولم تكن نبية، وسارة امرأة إبراهيم قد عاينت الملائكة ولم تكن نبية، فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
قال سليم: فلما قتل محمد بن أبي بكر بمصر وعزينا أمير المؤمنين، جئت إلى أمير المؤمنين عليه السلام وخلوت به فحدثته بما أخبرني به محمد بن أبي بكر وبما حدثني به ابن غنم.
قال: صدق محمد رحمه الله، أما انه شهيد حي مرزوق، يا سليم! إني وأوصيائي أحد عشر رجلا من ولدي أئمة هدى مهديون محدثون.
قلت: يا أمير المؤمنين! ومن هم؟.
قال: ابني الحسن والحسين، ثم ابني هذا - وأخذ بيد علي بن الحسين عليهم السلام وهو رضيع - ثم ثمانية من ولده واحدا بعد واحد، وهم الذين أقسم الله بهم فقال: * (ووالد وما ولد) *، فالوالد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا، وما ولد يعني هؤلاء الأحد عشر وصيا صلوات الله عليهم.
قلت: يا أمير المؤمنين! يجتمع إمامان؟.
قال: لا، إلا و أحدهما صامت لا ينطق حتى يهلك الأول.
8 - أقول: وجدت الخبر في كتاب سليم عن أبان عن سليم عن عبد الرحمن بن غنم.. وذكر الحديث مثله سواء.
بيان:
هذا الخبر أحد الأمور التي صارت سببا للقدح في كتاب سليم، لان محمدا ولد في حجة الوداع - كما ورد في أخبار الخاصة والعامة - فكان له عند موت أبيه سنتان وأشهر، فكيف كان يمكنه التكلم بتلك الكلمات، وتذكر تلك الحكايات؟.
ولعله مما صحف فيه النساخ أو الرواة، أو يقال إن ذلك كان من معجزات
أمير المؤمنين عليه السلام ظهر فيه.
وقال بعض الأفاضل: رأيت فيما وصل إلي من نسخة هذا الكتاب أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند موته.
والحق ان بمثل هذا لا يمكن القدح في كتاب معروف بين المحدثين اعتمد عليه الكليني والصدوق وغير هما من القدماء، وأكثر أخباره مطابقة لما روي بالأسانيد الصحيحة في الأصول المعتبرة، وقل كتاب من الأصول المتداولة يخلو عن مثل ذلك.
قال النعماني في كتاب الغيبة - بعدما أورد من كتاب سليم أخبارا كثيرة ما هذا لفظه -:... كتابه أصل من الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام وأقدمها، لان جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب إنما هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام وسمع منها، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها.
انتهى.
9 - وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: المبرد في الكامل، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه، فسلمت وسألته فاستوى جالسا، فقلت: لقد أصبحت بحمد الله بارئا. فقال:
أما إني على ما ترى لوجع، وجعلتم لي - معشر المهاجرين - شغلا مع وجعي، جعلت لكم عهدا من بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الامر له، ورأيتم الدنيا قد أقبلت، والله لتتخذن ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأزدري، كأن أحدكم على حسك السعدان، والله لئن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد لخير له من أن يسبح في غمرة الدنيا، وإنكم غدا لأول صال بالنار، تجودون عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق جرت، إنما هو البحر أو الفجر. فقال له عبد الرحمن:
لا تكثر على ما بك فيهيضك، والله ما أردت إلا الخير، وأنا صاحبك لذو خير، وما الناس إلا رجلان، رجل رأى ما رأيت فلا خلاف عليك منه، ورجل رأى غير ذلك، وإنما يشير عليك برأيه، فسكن وسكت هنيئة، فقال عبد الرحمن:
ما أرى بك بأسا، والحمد لله، فلا تأس على الدنيا، فوالله إن علمناك إلا صالحا مصلحا.
فقال: أما إني لا آسى إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهم، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنهن.
فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أني لم أكن فعلتها، فوددت أني لم أكن كشفت عن بيت فاطمة (ع) وتركته ولو أغلق على حرب، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين، عمر أو أبي عبيدة، فكان أميرا وكنت وزيرا، ووددت أني إذ أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته.
وأما الثلاث التي لم أفعلها ووددت أني فعلتها، فوددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه، ووددت أني حيث وجهت خالدا إلى أهل الردة أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون وإلا كنت ردءا لهم، ووددت حيث وجهت خالدا إلى الشام كنت وجهت عمر إلى العراق، فأكون قد بسطت كلتا يدي - اليمين والشمال - في سبيل الله.
وأما الثلاث اللواتي وددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه [وآله] عنهن، فوددت أني سألته فيمن هذا الامر، فكنا لا ننازعه أهله؟
ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الامر نصيب؟ ووددت أني سألته عن ميراث العمة وابنة
الأخ فإن في نفسي منهما حاجة.
توضيح:
قوله : ورم انفه.. اي امتلأ وانتفخ من ذلك غضبا، وخص الانف بالذكر لأنه موضع الانفة والكبر، كما يقال: شمخ بأنفه، ومنه قول الشاعر:
ولا يهاج إذا ما أنفه ورما..............
وفي النهاية، في حديث أبي بكر: لتتخذن نضائد الديباج.. أي الوسائد، واحدتهما نضيدة والآزري: نسبة إلى آزر، وهي - كهاجر -: ناحية بين الأهواز ورامهرمز.
وفي النهاية: الأزربي، قال: في حديث أبي بكر: لتأملن النوم على الصوف الأزربي كما يألم أحدكم أن نوم على حسك السعدان.. الأزربي منسوب إلى آذربيجان - على غير قياس - هكذا تقوله العرب، والقياس ان تقول ازري - بغير باء - كما يقال في النسب إلى رامهرمز: وأمي وهو مطرد في النسب إلى الأسماء
المركبة، والسعدان: نبت ذو شوك يشبه حلمة الثدي، والحسك جمع الحسكة - بتحريكهما -: وهي شوكة صلبة.
والجور: الميل عن الطريق.
وقال ابن الأثير - في حديث أبي بكر -: (إنما هو الفجر أو البجر) البجر - بالفتح والضم -: الداهية والامر العظيم.. اي ان انتظرت حتى يضئ الفجر أبصرت الطريق، وان خبطت الظلماء أفضت بك إلى المكروه، ويروى البحر - بالحاء - يريد غمرات الدنيا، شبهها بالبحر لتبحر أهلها فيها.
والهيض - بالفتح -: الكسر بعد الجبر وهو أشد ما يكون من الكسر، يقال هاضه الامر يهيضه.
ولا تأس.. اي لا تحزن.
تذييل:
اعلم أن ما اشتمل عليه هذا الخبر أحد المطاعن المشهورة لأبي بكر ذكره الأصحاب، قالوا: إن قوله: ليتني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله هل للأنصار في هذا الامر حق؟ يدل على شكه في صحة بيعته، وقوله ليتني تركت بيت فاطمة عليها السلام لم أكشفه، وليتني في ظلة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين.. يدل على ما روي من إقدامه على بيت فاطمة عليها
السلام عند اجتماع علي عليه السلام والزبير وغيرهما فيه، وعلى أنه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه.
وقوله: وددت أني سألت فيمن هذا الامر فكنا لا ننازعه أهله.. كالصريح في أنه لم يكن أهلا للإمامة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.