پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۶۵۰–۱۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۹ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

وأما قولهم إن القذف منهم كان قد تقدم فغير معروف، والمروي خلافه، والظاهر أنه إنما حدهم عند نكول زياد عن الشهادة، وإن ذلك كان السبب في إيقاع الحد بهم. وتأويلهم لقول عمر: لقد خفت أن يرميني الله بحجارة.. لا يليق بما قالوه، لأنه يقتضي التندم والتأسف على تفريط وقع، ولم يخاف أن يرمي بالحجارة وهو لم يدرأ الحد عن مستحق له، ولو أراد الردع والتخويف لمغيرة لاتى بكلام يليق بذلك ولا يقتضي إضافة التفريط إلى نفسه، وكونه واليا من قبله لا يقتضي أن يدرأ الحد عنه ويعدل به إلى غيره.

وأما قولهم: إنا ما كنا نعلم أن زيادا كان يتمم الشهادة.. فقد بينا أن ذلك كان معلوما بالظاهر، ومن قرأ ما روي في هذه القصة علم - بلا شك - أن

حال زياد كحال الثلاثة في أنه إنما حضر للشهادة، وإنما عدل عنها لكلام عمر.

وقولهم: إن الشرع يبيحه السكوت.. ليس بصحيح، لان الشرع قد حظر كتمان الشهادة.

وقولهم: لم يفسق زياد لان أمير المؤمنين عليه السلام ولاه فارس.. فليس بشئ يعتمد، لأنه لا يمتنع أن يكون تاب بعد ذلك وأظهر توبته له عليه السلام، فجاز أن يوليه.

وكان بعض أصحابنا يقول في قصة المغيرة شيئا طيبا - وهو معتمد في باب الحجة - وهو أن زيادا إنما امتنع من التصريح بالشهادة المطلوبة في الزنا، وقد شهد بأنه شاهده بين شعبها الأربع وسمع نفسا عاليا، فقد صح على المغيرة بشهادة الأربعة جلوسه منها جلوس مجلس الفاحشة.. إلى غير ذلك من مقدمات الزنا وأسبابه، فألا ضم إلى جلد الثلاثة تعزير هذا الذي صح عنده بشهادة الأربعة ما صح من الفاحشة مثل تعريك اذنه أو ما جرى مجراه من خفيف التعزير ويسيره؟!، وهل في العدول عن ذلك حين عدل عن لومه وتوبيخه والاستخفاف به إلا ما ذكروه من السبب الذي يشهد الحال به، انتهى كلامه رفع الله مقامه.

وأقول: اعترض ابن أبي الحديد وغيره على هذا الكلام بوجوه سخيفة لا طائل في التعرض لها لوهنها.

وقال ابن أبي الحديد - في تضاعيف كلامه -: ورد في الخبر أن عمر قال للمغيرة: ما أظن أبا بكرة كذب عليك.. وقال: تقديره أظنه لم يكذب عليك، انتهى.

ولا يخفى أن هذا إسناد معصيته إلى عمر، إذ لو لم يكن ذلك قذفا صريحا يوجب الحد فلا أقل يكون تعريضا يوجب التعزير، بل كذلك قوله: ما رأيتك إلا خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء (3)؟! وهل يقال مثل ذلك لمن ندب الله إلى درء الحد عنه وسمى في كتابه من رماه بالفجور كاذبا؟!، ولو أراد عمر أن يعظ المغيرة أمكنه أن يذكره عذاب الله ويأمره بالاجتناب عن ارتكاب مساخطه على وجه لا يوجب قذفا، ولا يتضمن تعريضا.

ثم إن ما ذكروه أن سبب حبه للمغيرة أنه كان واليا من قبله فلا وجه له، بل لا يخفى على من تتبع أحوالهما أنه لم يكن الباعث على الحب وعلى جعله واليا إلا الاتفاق في النفاق والاشتراك في بغض أمير المؤمنين عليه السلام.

كما روي أنه كان من أصحاب الصحيفة الملعونة التي كتبوها لاخراج الخلافة عن أهل البيت عليهم السلام، ولو لم يكن يحبه حبا شديدا فلم كان يتغير عند شهادة كل شاهد على الوجه المتقدم؟!، مع أن المغيرة لم يكن ذا سابقة في الاسلام، ومن أهل الورع والاجتهاد حتى يتوهم أنه كان مثل ذلك سببا لحبه، وبغض المغيرة لأمير المؤمنين عليه السلام كان أظهر من الشمس، وقد اعترف ابن أبي الحديد بذلك حيث قال: قال أصحابنا البغداديون: من كان إسلامه على هذا الوجه - أي على الخوف والمصلحة - وكانت خاتمته ما تواتر الخبر به من لعن علي عليه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل، وكان المتوسط من عمره الزنا، وإعطاء البطن والفرج سؤالهما، وممالاة الفاسقين، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله، كيف نتولاه؟! وأي عذر لنا في الامساك عنه؟ وأن لا نكشف للناس فسقه...

وذكر أخبارا كثيرة في أنه - لعنه الله - كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر ويأمر بذلك، وكذا اشتهاره بالزنا في الجاهلية والاسلام مما اعترف به ابن أبي الحديد، فكفى طعنا لعمر حبه لمثل هذا الرجل مثل هذا الحب، وهل يظن أحد بعمر أنه لم يكن يعلم بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام، وقد كان سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا كافر منافق.

الطعن السادس:

إنه منع من المغالاة في صدقات النساء، وقال: من غالى في مهر ابنته أجعله في بيت مال المسلمين، لشبهة أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله زوج فاطمة عليها السلام بخمسمائة درهم، فقامت إليه امرأة ونبهته بقوله تعالى:

* (.. وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * على جواز المغالاة، فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت.

وأجيب بأنه لم ينه نهي تحريم بل نهي تنزيه، وقوله: كل الناس أفقه من عمر.. على طريق التواضع وكسر النفس.

وأجاب السيد المرتضى رضي الله عنه بأن: المروي أنه منع من ذلك وحظره حتى قالت له المرأة ما قالت، ولو كان غير حاظر للمغالاة لما كان في الآية حجة عليه، ولا كان لكلام المرأة موقع، ولا كان يعترف لها بأنها أفقه منه،

بل كان الواجب عليه أن يرد عليها ويوبخها ويعرفها أنه ما حظر ذلك وإنما تكون الآية حجة عليه لو كان حاظرا مانعا.

وأما التواضع فلا يقتضي إظهار القبيح وتصويب الخطأ، إذ لو كان الامر على ما توهمه المجيب لكان هو المصيب والمرأة مخطئة، وكيف يتواضع بكلام يوهم أنه المخطئ وهي المصيبة؟ انتهى.

أقول: ومما يدل على بطلان كون هذا الامر للاستحباب ما رواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أنه خطب فقال: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق زوجات رسول الله صلى الله عليه [وآله] إلا ارتجعت ذلك منها، فقامت إليه امرأة فقالت: والله ما جعل الله ذلك لك، إنه تعالى يقول: * (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا..) *، فقال عمر: لا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، ناضلت إمامكم فنضلته!.

والمناضلة: المغالبة في الرمي، ونضلته.. أي غلبته فيه، فإن كراهة

المغالاة لا يقتضي جواز الارتجاع، بل استلزام الحرمة له أيضا محل تأمل.

وقال ابن أبي الحديد - أيضا - في شرح غريب ألفاظ عمر في حديثه أنه خطب، فقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإن الرجل يغالي بصداق المرأة حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوة، يقول جشمت إليك عرق القربة.

قال أبو عبيدة: معناه: تكلفت لك حتى عرقت عرق القربة، وعرقها:

سيلان مائها.

وقال الفخر الرازي في تفسيره: روي أن عمر بن الخطاب قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب! الله يعطينا وأنت تمنعنا، وتلت قوله تعالى: * (وآتيتم إحداهن قنطارا..) *

الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر!، ورجع عن كراهة المغالاة.

ثم قال: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة، لأنه لا يلزم من جعل الشئ شرطا لآخر كون ذلك الشرط جائز الوقوع في نفسه، كما يقول الرجل: لو كان الاله جسما لكان محدثا، انتهى.

والظاهر أنه حذف منها ارتجاع المهر دفعا للطعن بذلك، وليتمكن من حملها على الكراهة، إلا أنه مع قطع النظر عنه لا يدفع الطعن، فإن الآية - بعد تسليم دلالتها على جواز إيتاء القنطار - لا شك في عدم دلالتها على نفي كراهة المغالاة، فرجوع عمر عن القول بالكراهة - كما اعترف به - واعترافه بالخطأ بما تلت على المرأة دليل واضح على جهله، ولو حمل منعه على التحريم لم يظهر جهله بتلك المثابة، وإن كان أفحش في مخالفته الشرع، فظهر أن الحمل على الكراهة لا يسمن ولا يغني من جوع.

والظاهر من رواية ابن أبي الحديد أنه منع من المغالاة على سبيل الاجتهاد، لظنه أنه مثمر للعداوة في قلب الزوج، فرجوعه عن ذلك القول - بعد سماع الآية كما دلت عليه الروايات - يدل على جواز الاجتهاد في مقابلة النص، وإلا لما اعترف بالخطأ ولم يرجع عن قوله، ولو جاز فرجوعه عن اجتهاده بسماع الآية دليل واضح على جهله، فظهر توجه الطعن سواء كانت المغالاة مباحة أو محرمة أو مكروهة.

الطعن السابع:

وما رواه ابن أبي الحديد وغيره: أن عمر كان يعس ليلة فمر بدار سمع فيها صوتا فارتاب وتسور فوجد رجلا عنده امرأة وزق خمر، فقال: يا عدو الله! أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته؟!. فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين! إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال الله: * (ولا تجسسوا) * وتجسست، وقال: * (وأتوا البيوت من أبوابها) * وقد تسورت،

وقال: * (إذا دخلتم بيوتا فسلموا) * وما سلمت. قال: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟. قال: نعم - والله - لا أعود. فقال: اذهب فقد عفوت عنك.

وفي رواية أخرى: فلحقه الخجل. وقد حكى تلك القصة في الصراط المستقيم، عن الطبري، والرازي، والثعلبي، والقزويني، والبصري، وعن الراغب في محاضراته، والغزالي في الاحياء، والمالكي في قوت القلوب.

وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: وروي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب حدث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو المحجن: يا أمير المؤمنين! إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس!. فقال عمر: ما يقول هذا؟. فقال زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين!. قال: فخرج عمر وتركه، وخرج مع عمر بن الخطاب أيضا عبد الرحمن بن عوف فتبينت لهما نار فأتيا واستأذنا ففتح الباب فدخلا، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح، فقال عمر: من هذه منك؟. قال: امرأتي.

قال: وما في هذا القدح؟. قال: الماء، فقال للمرأة ما الذي تغنين، قالت: أقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقني إلا حبيب ألاعبه فوالله لولا خشية الله والتقى * لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والهواء يكفني * وأكرم بعلي أن تنال مراكبه فقال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى: * (ولا تجسسوا) *، فقال عمر: صدقت، وانصرف.

وأجيب بأن للامام أن يجتهد في إزالة المنكر بهذا الجنس من الفعل، وإنما لحقه الخجل.. لأنه لم يصادف الامر على ما ألقي إليه في إقدامهم على المنكر.

وأجاب السيد المرتضى رضوان الله عليه ب‍: أن التجسس محظور بالقرآن والسنة، وليس للامام أن يجتهد فيما يؤدي إلى مخالفة الكتاب والسنة، وقد كان يجب - إن كان هذا عذرا صحيحا - أن يعتذر به إلى من خطأه في وجهه، وقال له: إنك أخطأت السنة من وجوه، فإنه بمعاذير نفسه أعلم من غيره، وتلك الحال حال تدعو إلى الاحتجاج وإقامة العذر، وكل هذا تلزيق وتلفيق. انتهى.

ولا يخفى أن قولهم: إنما لحقه الخجل لعدم مصادفته الامر على ما ألقي إليه.. مخالف لما رواه ابن أبي الحديد وغيره كما عرفت.

ثم إنهم عدوا من فضائل عمر أنه أول من عس في عمله نفسه، لزعمهم أن ذلك أحرى بسياسة الرعية، وقد ظهر من مخالفته لصريح الآية أنه من جملة مطاعنه، ولو كان خيرا لما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكان الله تعالى يأمر بذلك، فعدهم ذلك من فضائله ترجيح لرأي عمر على ما قضى الله ورسوله به، وهل هذا إلا كفر صريح؟!.

الطعن الثامن:

ما ورد في جميع صحاحهم - وإن لم يتعرض له أكثر أصحابنا، وهو عندي من أفحش مطاعنه وأثبتها - وهو أنه ترك الصلاة لفقد الماء، وأمر من أجنب ولم يجد الماء أن لا يصلي من غير استناد إلى شبهة، كما روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وصاحب جامع الأصول، عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب ولم يجد الماء شهرا أما كان يتيمم ويصلي؟! و كيف تصنعون بهذا الآية في سورة

المائدة: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) *، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا. قال: نعم. فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله صلى الله عليه [وآله] في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما يتمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه [وآله]، فقال:

إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا.. فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه، فقال عبد الله : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار.

قال البخاري: وزاد يعلى، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] بعثني أنا وأنت، فأجنبت، فتمعكت في الصعيد فأتينا

رسول الله صلى الله عليه [وآله] فأخبرناه، فقال: إنما يكفيك هكذا.. ومسح وجهه وكفيه واحدة.

وروى البخاري - أيضا - في موضع آخر، عن شقيق بن سلمة، قال:

كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت - يا أبا عبد الرحمن - إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع؟. فقال عبد الله: لا يصلي حتى يجد الماء.

فقال أبو موسى: كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي صلى الله عليه [وآله]: كان يكفيك.. قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك! فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية؟، فما درى عبد الله ما يقول!، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لاوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم، قال الأعمش: فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله لهذا. قال: نعم.

وروى البخاري - أيضا -، عن أبي وابل، قال: قال أبو موسى لعبد الله ابن مسعود: إذا لم يجد الماء لا يصلي؟. قال عبد الله: لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني تيمم - وصلى، قال: قلت: فأين قول عمار لعمر؟. قال: إني لم أر عمر قنع بقول عمار.

وروى أيضا، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى

عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء؟. فقال عمر: لا تصل.

فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر إنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي صلى الله عليه [وآله]، فقال النبي صلى الله عليه [وآله]: إنما كان يكفيك هكذا.. فضرب النبي صلى الله عليه [وآله] بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.

وروى مسلم بالاسناد المذكور إلى قوله: ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر: اتق الله يا عمار!. فقال: إن شئت لم أحدث به.

وفي رواية أخرى لمسلم، فقال عمر: نوليك ما توليت.

وفي رواية أخرى له، قال عمار: يا أمير المؤمنين! إن شئت - لما جعل الله علي من حقك - ألا أحدث به أحدا.

وقال في جامع الأصول - بعد حكاية رواية البخاري ومسلم: - وفي الرواية أبي داود أنه قال: كنت عند عمر فجاءه رجل، فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين، فقال عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء. قال: فقال عمار:

يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه [وآله] فذكرت ذلك، فقال: إنما يكون يكفيك أن تقول هكذا.. وضرب بيديه الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع. فقال عمر: يا عمار! اتق الله. فقال: يا أمير المؤمنين!

إن شئت والله لم أذكره أبدا. فقال عمر: كلا! والله لنولينك من ذلك ما توليت..

ثم ذكر أربع روايات في ذلك عن أبي داود.

وروى عن النسائي أيضا أخبار قريبة المضامين من الأخبار الأخيرة.

والتمعك: التمرغ.

وقال في جامع الأصول في قوله: نوليك ما توليت.. أي نكلك إلى ما قلت، ونرد إليك ما وليته نفسك ورضيت لها به.

فإذا وقفت على هذه الأخبار التي لا يتطرق للمخالفين فيها سبيل إلى الانكار فنقول:

لا تخلو الحال من أن يكون عمر حين أمر السائل بترك الصلاة لفقدان الماء وعدم إذعانه لقول عمار، وقوله: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء.. عالما بشرعية التيمم ووجوب الصلاة على فاقد الماء، متذكرا للآية وأمر النبي صلى الله عليه وآله أو جاهلا بذلك غير متذكر للكتاب والسنة.

فإن كان الأول - كما هو الظاهر - كان إنكاره التيمم ردا صريحا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وليس تخصيصا أو تقييدا للنص بالاجتهاد، بل رفعا لحكمه رأسا لظن استلزامه الفساد، وهو إسناد للامر بالقبيح إلى الله عز وجل وتجهيل له، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وذلك كفر صريح.

وإن كان الثاني، كان ذلك دليلا واضحا على غاية جهله وعدم صلوحه للإمامة، فإن من لم يعلم - في أزيد من عشرين سنة - مثل هذا الحكم الذي تعم بلواه ولا يخفى على العوام، وكان مصرحا به في موضعين من كتاب الله عز وجل، ولعله لعلمه تعالى بإنكار هذا اللعين كرره في الكتاب المبين وأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله في غير موطن، كما يظهر بالرجوع إلى رواياتهم المنقولة في جامع الأصول وسائر كتبهم، واستمر عليه عمل الأمة في تلك المدة مع تكرر وقوعه، كيف يكون أهلا للإمامة صالحا للرئاسة العامة؟! لا سيما وفي القوم صادق مصدق يقول: سلوني قبل أن تفقدوني فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق

الأرض.

ويقول: لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى يزهر كل إلى ربه ويقول إن عليا قضى فينا بقضائك، ويقول: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب يفتح من كل باب ألف باب. ويشهد له الرسول الأمين صلى الله عليه وآله بأنه: باب مدينة العلم، وأقضى الأمة.

والعجب أنه لعنه الله لم يكن يجوز خلافة عبد الله ابنه عند موته معتلا بأنه لم يعرف كيف يطلق امرأته، ومن يجهل مثل ذلك لا يصلح للإمامة! فكيف يجوز اتباعه و إمامته مع جهله مثل هذا الحكم البين المنصوص عليه بالكتاب والسنة؟!.

ولا يخفى على المتأمل الفرق بين الامرين من وجوه شتى:

منها: إن الطلاق أمر نادر الوقوع، والصلاة بالتيمم أكثر وقوعا.

ومنها: إن الصلاة أدخل في الدين من النكاح والطلاق.

ومنها: إن بطلان هذا النوع من الطلاق لم يظهر من الكتاب والسنة ظهور وجوب التيمم.

ومنها: إن فعل ابنه كان في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وبدو نزول الحكم، وإنكاره كان بعد ظهور الاسلام وانتشار الاحكام.

ومنها: إن جهل ابنه ارتفع بالتنبيه، وهو قد أصر بعد التذكير والاعلام.

وفي الفرق وجوه أخر تركناها للمتدبر.

والحق ان ادعاء الجهل منه في مثل تلك المسألة الضرورية المتكررة الوقوع ليس من ادعاء الشبهة المحتملة، بل يجب الحكم بكفره بمجرد ذلك الانكار، ويدل على أن إنكاره لم يكن للجهل، بل كان ردا على الله سبحانه وتعالى وتقبيحا لحكمه، انه لو كان للجهل لسأل غيره من الصحابة حتى يظهر له صدق ما ذكره عمار أو كذبه، فيحكم بعد ذلك بما كان يظهر له، فإن ترك الخوض في تحقيق الحكم - مع كون الخطب فيه جليلا لافضائه إلى ترك الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، مع قرب العهد وسهولة تحقيق الحال - ليس إلا تخريبا للشريعة وإفسادا في الدين.

وقال بعض الأفاضل: يمكن أن يستدل به على كفره بوجه أخص، وهو أنه لا خلاف في أن من استحل ترك الصلاة فهو كافر، ولا ريب في أن قوله: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء، بعد قول الرجل السائل: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين.. ونهيه السائل عن الصلاة - كما في الروايات الأخر - استحلال لترك الصلاة مع فقد الماء، وهو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وآله: من ترك

الصلاة متعمدا فقد كفر.. ولم يخصصه أحدا إلا بالمستحل.

تنبيه:

اعلم أنه يظهر من تلك الواقعة ضعف ما يتشبث به المخالفون في كثير من المواضع من ترك النكير، فإن بطلان هذا الحكم ومخالفته للاجماع أمر واضح، ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكار ذلك عليه وقد قال عمار - بعد تذكيره بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله -: إن شئت لم أحدث به أحدا.. خوفا من أن يلحقه ضرر بالرد عليه والانكار لفتياه، ولم يكن عمار في شك من روايته حتى يكون تركه الانكار تصويبا لرأي عمر وتصديقا له، وإذا كان ترك الانكار في أمر التيمم - مع عدم تعلق الأغراض الدنيوية به للخوف أو غير ذلك - مما لا يدل على التصويب، فأمور الخلافة والسلطنة أحرى بأن لا يكون ترك الانكار فيها حجة على صوابها.

الطعن التاسع:

إنه أمر برجم حامل حتى نبهه معاذ، وقال: إن يكن لك سبيل عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها، فرجع عن حكمه، وقال: لولا معاذ لهلك عمر.

ومن جهل هذا القدر لا يجوز أن يكون إماما، لأنه يجري مجرى أصول الشرائع، بل العقل يدل عليه، لان الرجم عقوبة، ولا يجوز أن يعاقب من لا يستحق.

وأجاب عنه قاضي القضاة بأنه ليس في الخبر أنه أمر برجمها مع علمه بأنها حامل، لأنه ليس ممن يخفى عليه هذا القدر - وهو أن الحامل لا ترجم حتى تضع - وإنما ثبت عنده زناها فأمر برجمها على الظاهر، وإنما قال ما قال في معاذ لأنه نبهه على أنها حامل.

قال: فإن قيل: إذا لم يكن منه معصية فكيف يهلك لولا معاذ؟!.

قلنا: لم يرد الهلك من جهة العذاب، وإنما أراد أن يجري بقوله:

قتل من لا يستحق القتل، كما يقال للرجل هلك من الفقر، وصار سبب القتل خطأ. ويجوز أن يريد بذلك تقصيره في تعرف حالها، لان ذلك لا يمتنع أن

يكون خطيئة وإن صغرت.

وأورد عليه السيد المرتضى رضوان الله عليه بأنه: لو كان الامر على ما ظنه لم يكن تنبيه معاذ على هذا الوجه، بل كان يجب أن ينبهه بأن يقول: هي حامل، ولا يقول له: إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، لان ذلك قول من عنده أنه يرجمها مع العلم بحالها، وأقل ما يجب - لو كان الامر كما ظنه - أن يقول لمعاذ: ما ذهب علي أن الحامل لا ترجم، وإنما أمرت برجمها لفقد علمي بحملها، فكان ينفي بهذا القول عن نفسه الشبهة. وفي إمساكه عنه - مع شدة الحاجة إليه - دليل على صحة قولنا، وقد كان يجب أيضا أن يسأل عن الحمل لأنه أحد الموانع من الرجم، فإذا علم انتفاؤه أمر بالرجم، وصاحب الكتاب قد اعترف بأن ترك المسألة عن ذلك تقصير وخطيئة، وادعى أنهما صغيرة، و من أين له ذلك ولا دليل عنده يدل في غير الأنبياء عليهم السلام أن معصيته بعينها صغيرة.

فأما إقراره بالهلاك لولا تنبيه معاذ.. فهو يقتضي التفخيم والتعظيم لشأن الفعل، ولا يليق ذلك إلا بالتقصير الواقع، إما في الامر برجمها مع العلم بأنها حامل، أو ترك البحث عن ذلك والمسألة عنه، وأي لوم في أن يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل إذا لم يكن ذلك عن تفريط ولا تقصير. انتهى كلامه رفع الله مقامه.

ومما يؤيده هذه القصة، ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد أنه أتي عمر بحامل قد زنت فأمر برجمها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هب أن لك سبيلا عليها، أي سبيل لك على ما في بطنها؟! والله تعالى يقول: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *. فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن.

وحكى في كشف الغمة من مناقب الخوارزمي أنه قال: أتي عمر في ولايته بامرأة حاملة فسألها عمر فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر أن ترجم، فلقيها علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما بال هذه؟. فقالوا: أمر بها عمر أن ترجم، فردها علي عليه السلام، فقال: أمرت بها أن ترجم؟!. فقال: نعم.

اعترفت عندي بالفجور. فقال: هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما في بطنها؟. ثم قال له علي عليه السلام: فلعلك انتهرتها أو أخفتها. فقال: قد كان ذاك. قال: أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا حد على معترف بعد بلاء، إنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار له. فخلى عمر سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب (ع)، لولا علي لهلك عمر.

وستأتي الاخبار في ذلك في باب قضاياه عليه السلام.

الطعن العاشر:

أنه أمر برجم المجنونة فنبه أمير المؤمنين عليه السالم وقال: إن القلم مرفوع عن المجون حتى يفيق. فقال: لولا علي لهلك عمر.

وهذا يدل على أنه لم يكن يعرف الظاهر من الشريعة. وقد اعترف قاضي القضاة وابن أبي الحديد وسائر من تصدى للجواب عنه بصحته.

وقد حكى في كشف الغمة من مناقب الخوارزمي مرفوعا عن الحسن، أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة مجنونة قد زنت، فأراد أن يرجمها، فقال له علي عليه السلام: يا عمر (6)! أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله!. قال:

وما قال؟. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن الغلام حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ. قال:

فخلى عنها.

وحكى في الطرائف، عن أحمد، بن حنبل في مسنده، عن الحسن، مثله. قال: وذكر احمد في مسنده، عن سعيد بن المسيب، قال: كان يتعوذ بالله

من معضلة لم يكن لها أبو حسن. وحكاه العلامة رحمه الله في كشف الحق من مسند الحمد.

وأجاب عنه قاضي القضاة بأنه: ليس في الخبر أنه عرف جنونها، فيجوز أن يكون الذي نبه عليه أمير المؤمنين عليه السلام هو جنونها دون الحكم، لأنه كان يعلم أن الحد لا يقام في حال الجنون، وإنما قال: لولا علي لهلك عمر، لا من جهة المعصية والاثم، لكن من جهة أن حكمه لو نفذ لعظم غمه، ويقال في شدة الغم أنه هلاك، كما يقال في الفقر وغيره، وذلك مبالغة منه لما كان يلحقه من الغم الذي زال بهذا التنبيه، على أن هذا الوجه مما لا يمتنع في الشرع أن يكون صحيحا، وأن يقال إذا كانت مستحقة للحد فإقامته عليها صحيحة وإن لم يكن لها عقل، لأنه لا يخرج الحد من أن يكون واقعا موقعه، ويكون قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة.. يراد به زوال التكليف عنهم دون زوال

إجراء الحكم عليهم، وما هذه حاله لا يمتنع أن يكون مشتبها فيرجع فيه إلى غيره، فلا يكون الخطأ فيه مما يعظم فيمنع من صحة الإمامة.

وأورد عليه السيد المرتضى رضوان الله عليه: بأنه لو كان أمر برجم المجنونة من غير علم بجنونها لما قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أما علمت أن القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق؟! بل كان يقول له بدلا عن ذلك: هي مجنونة، وكان ينبغي أن يكون عمر لما سمع من التنبيه له على ما يقتضي الاعتقاد فيه أنه أمر برجمها مع العلم بجنونها، يقول متبرئا من الشبهة: ما علمت بجنونها، ولست ممن يذهب عليه أن المجنون لا يرجم، فلما رأيناه استعظم ما أمر به وقال: لولا علي لهلك عمر.. دلنا على أنه كان تأثم وتحرج بوقوع الامر بالرجم، وأنه مما لا يجوز ولا يحل، وإلا فلا معنى لهذا الكلام.

وأما ما ذكره من الغم الذي كان يلحقه.. فأي غم يلحقه إذا فعل ما له أن يفعله، ولم يكن منه تفريط ولا تقصير (11)؟. لأنه إذا كان جنونها لم يعلم به، وكانت المسألة عن حالها والبحث لا يجبان عليه، فأي وجه لتأمله وتوجع

واستعظامه لما فعله؟! وهل هذا إلا كرجم المشهود عليه بالزنا في أنه لو ظهر للامام بعد ذلك براءة ساحته لم يجب أن يندم على فعله ويستعظمه، لأنه وقع صوابا مستحقا؟.

وأما قوله: إن كان لا يمتنع في الشرع أن يقام الحد على المجنون وتأوله الخبر المروي على أنه يقتضي زوال التكليف دون الاحكام.. فإن أراد أنه لا يمتنع في العقل أن يقام على المجنون ما هو من جنس الحد بغير استخفاف ولا إهانة فذلك صحيح كما يقام على التأديب، وأما الحد في الحقيقة - وهو الذي يضامه الاستخفاف والإهانة فلا يقام إلا على المكلفين ومستحقي العقاب، وبالجنون قد زال التكليف فزال استحقاق العقاب الذي يتبعه الحد.

وقوله: لا يمتنع أن يرجع فيما هذا حاله من المشتبه إلى غيره.. فليس هذا من المشتبه الغامض، بل يجب أن يعرفه العوام فضلا عن العلماء، على أنا قد بينا أنه لا يجوز أن يرجع الإمام في جلي ولا مشتبه من أحكام الدين إلى غيره.

وقوله: إن الخطأ في ذلك لا يعظم فيمنع من صحة الإمامة... اقتراح بغير حجة، لأنه إذا اعترف بالخطأ فلا سبيل للقطع على أنه صغير. انتهى كلامه قدس سره .

أقول: ويرد على ما ذكره من أن الامر في حد المجنون مقام الاشتباه فلا طعن في جهل عمر به، وإن يرجع فيه إلى غيره.. أنه لو كانت الشبهة لعمر ما ذكره، لكانت القصة دليلا على جهله من وجه آخر، وهو أنه إذا زعم عمر أن رفع القلم إنما يستلزم زوال التكليف دون إجراء الحكم - كما صرح به - كيف يكون تذكير أمير المؤمنين عليه السلام إياه بالحديث النبوي دافعا للشبهة، وإنما النزاع حينئذ في دلالة الخبر على عدم جواز إجراء الحد عليه، فرجوع عمر عند سماعه عما زعمه دليل واضح على غاية جهله، فإن ذكر الرواية حينئذ ليس إلا من قبيل إعادة المدعي.

ثم اعلم أن الظاهر من كلام القاضي وغيره في هذا المقام عدم تجويز الخطأ الفاحش على الامام وإن جوزوا عليه الخطأ في الاجتهاد، ولعلهم لم يجوز ذلك لكونه كاشفا عن عدم أهلية صاحبه للاجتهاد، إذ ليس أهلية الاجتهاد غالبا مما يقوم عليه دليل سوى الآثار الدالة عليها، وظاهر أن الأوهام الفاضحة كاشفة عن عدم تلك الأهلية، فهي معارضة لما يستدل به عليها، ولذا تشبث القاضي في مقام الجواب بكون الامر في رجم المجنونة مشتبها، واستند إلى عدم دلالة قوله عليه السلام: رفع القلم عن المجنون.. على عدم إجراء الحكم، إذ يمكن أن يكون المراد به زوال التكليف فقط، وقد عرفت أن ذلك لا يصلح منشأ للاشتباه، لكون

الخطأ حينئذ بالانتهاء عند سماع الخبر من دون إقامة دليل على وجه الدلالة فيه أفحش، فظهر أنه لا يمكنهم الجواب في هذا المقام بأنه إنما كان خطأ عمر من قبيل خطأ المجتهد، وليس يلحقه بذلك ذنب صغيرا وكبيرا، ولذلك طووا كشحا عما هو معقلهم الحصين - بزعمهم - من حديث الاجتهاد، وسلموا على تقدير علم عمر بجنونها كون الامر بالرجم خطيئة.

فظهر ضعف ما أجاب به شارح المقاصد عن الطعن برجم الحامل والمجنونة ومنع المغالاة في الصداق من: أن الخطأ في مسألة وأكثر لا ينافي الاجتهاد، ولا يقدح في الإمامة، والاعتراف بالنقصان هضم النفس ودليل على الكمال..

وذلك لأنا لو تنزلنا عن اشتراط العصمة في الامام وجوزنا له الاجتهاد في الاحكام، فلا ريب في أن الخطأ الفاحش و الغلط الفاضح مانع عن الإمامة، وإنما لا يقدح - على فرض الجواز - ما لا يدل على الغباوة الكاملة والبلادة البالغة، وعدم استيهال صاحبه لفهم المسائل واستنباط الاحكام ورد الفروع إلى الأصول، فإذا تواتر الخبط وترادفت الزلة - لا سيما في الأمور الظاهرة والاحكام الواضحة - فهل يبقى مجال للشك في منعه عن استيهال الاجتهاد وصلوح الإمامة؟ وليت شعري، من أين هذا اليقين الكامل والاعتقاد الجازم لهؤلاء القوم باجتهاد إمامهم وبلوغه في العلم حد الكمال، مع ما يرون ويروون في كتبهم من خطبه وخطأه واعترافه بالزلة، والعجز موطنا بعد موطن، ومقاما بعد مقام، وقد بذلوا مجهودهم في

إظهار فضله فلم يظفروا له على استنباط لطيف واستخراج دقيق في مسألة واحدة يدل على جودة قريحته وذكاء فطرته، وليس ما رووا عنه إلا من محاورات العوام ومحاضرات الأوغاد والطغام.

الطعن الحادي عشر:

ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما بعدة طرق، عن عبيد بن عمير وأبي موسى الأشعري، قال: استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولا فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس؟، ائذنوا له، فدعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟. فقال: إنا كنا نؤمر بهذا. فقال: فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك (8)!، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصاغرنا، فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا. فقال عمر:

خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ألهاني الصفق بالأسواق.

ولا خفاء في أن ما خفي على عمر من ذلك أمر متكرر الوقوع من العادة والسنن التي كان يعلمها المعاشرون له صلى الله عليه وآله، فكيف خفي على هذا الرجل الذي يدعون أنه صلى الله عليه وآله كان يشاوره في الأمور ويستمد بتدبيره؟!، فليس هذا إلا من فرط غباوته، أو قلة اعتنائه بأمور الدين، أو إنكاره لأمور الشرع مخالفة لسيد المرسلين.

الطعن الثاني عشر:

ما رواه ابن أبي الحديد، عن أبي سعيد الخدري، قال: حججنا مع عمر أول حجة حجها في خلافته، فلما دخل المسجد الحرام، دنى من الحجر الأسود فقبله واستلمه، فقال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت

رسول الله صلى الله عليه [وآله] قبلك واستلمك لما قبلتك ولا استلمتك.

فقال له علي عليه السلام: بلى - يا أمير المؤمنين - إنه ليضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لعلمت أن الذي أقول لك كما أقول، قال الله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم

ألست بربكم قالوا بلى) *، فلما أشهدهم وأقروا له بأنه الرب عز وجل وأنهم العبيد، كتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه هذا الحجر، وإن له لعينين ولسانا وشفتين، يشهد بالموافاة، فهو أمين الله عز وجل في هذا المكان.

فقال عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن.

ورواه الغزالي في كتاب إحياء العلوم. وروى البخاري ومسلم في صحيحهما ولم يذكرا تنبيه أمير المؤمنين عليه السلام إياه.

واعتذر عنه في المنهاج بأنه: إنما قال ذلك لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالاسلام الذي قد ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها وخوف

ضررها.

وما رواه ابن أبي الحديد يبطل هذا الاعتذار، إذ لو كان مراده ذلك لبين عذره ولم يقل: لا أبقاني الله بأرض لست بها، إذ ظاهر أن هذا كلام المقر بالجهل المعترف بالخطأ، وإنما حذفوا التتمة ليتمكنوا من مثل هذا الاعتذار.

الطعن الثالث عشر:

أشياء كثيرة وأحكام غزيرة تحير فيها وهداه غيره إلى الصواب فيها.. وهذا يدل على غاية جهله وعدم استئهاله للإمامة، وسنورد أكثرها في أبواب علم أمير المؤمنين عليه السلام وقضاياه في المجلد التاسع، وبعضها في كتاب القضاء، وكتاب الحدود.

ولنورد ها هنا قليلا منها من كتب المخالفين:

فمنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أنس، قال: كنا عند عمر، فقال: نهانا عن التكلف.

وقال ابن حجر في شرحه: ذكر الحميدي، عن ثابت، عن أنس: أن

عمر قرأ: * (وفاكهة وأبا) *، فقال: ما الأب؟. ثم قال: ما كلفنا - أو قال: ما أمرنا - بهذا. ثم قال ابن حجر: قلت: هو عند الإسماعيلي من رواية هشام، عن ثابت: أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: * (وفاكهة وأبا) *، ما الأب؟. فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف.. وهذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري، وأولى منه ما أخرجه أبو نعيم..، عن أنس، قال: كنا عند عمر وعليه قميص في ظهره أربع رقاع يقرأ: * (وفاكهة وأبا) *، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟. ثم قال: مه! نهينا عن التكلف.

وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره، عن حماد بن سلمة، وقال بعد قوله: فما الأب؟ ثم قال: يا ابن أم عمر! إن هذا هو التكلف، وما عليك أن

لا تدري ما الأب!.

وعن عبد الرحمن بن يزيد: أن رجلا سأل عمر عن: * (فاكهة وأبا) *، فلما رآهم عمر يقولون، أقبل عليهم بالدرة.

ومن وجه آخر، عن إبراهيم النخعي، قال: قرأ أبو بكر الصديق:

* (وفاكهة وأبا) *، فقيل: ما الأب؟. فقيل: كذا.. وكذا، فقال أبو بكر: إن هذا هو التكلف، أي أرض تقلني؟ وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم!.

ومن طريق إبراهيم التميمي نحوه. انتهى مختصر كلام ابن حجر.

وقد ظهر مما رواه أن تفسير (الأب) كان عند الشيخين معضلة لم يوفقا للعلم به مع أنه يعرفها كل حمار، وقولهما: إن هذا هو التكلف.. لا يخلوا عن منافرة لقوله تعالى: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) *، وفي حذف البخاري حكاية الجهل بالأب دلالة على تعصبه وأنه لا يذكر في أكثر المواضع ما فيه فضيحة للخلفاء.

ومنها:: ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي

والنسائي وصاحب جامع الأصول بأسانيدهم، عن المغيرة بن شعبة، قال:

سئل عمر بن الخطاب عن إملاص المرأة - وهي التي تضرب بطنها فيلقى جنينها -، فقال: أيكم سمع من النبي (ص) فيه شيئا؟. قال: فقلت: أنا. قال :

ما هو؟. قلت: سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] يقول: فيه غرة عبد أو أمة، قال: لا تبرح حتى تجيئني بالمخرج مما قلت. فخرجت فوجدت محمد بن سلمة: فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه [وآله] يقول فيه:

غرة عبد أو أمة.

هذه رواية البخاري ومسلم، وباقي الروايات على ما أورده في جامع الأصول قريبة منها.

ومنها: ما رواه في نهج البلاغة: أنه ذكر عند عمر بن الخطاب حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذت فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للاجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟. فهم عمر بذلك وسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال:

إن القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وآله والأموال الأربعة: أموال

المسلمين فقسمها بين الورثة في الفريضة، والفئ فقسمه على مستحقه، والخمس فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلي الكعبة فيها يومئذ فتركه الله على حاله، ولم يتركه نسيانا، ولم يخف عليه مكان، فأقره حيث أقره الله ورسوله. فقال عمر: لولاك لافتضحنا، وترك الحلي بحاله.

وروى البخاري، بإسناده عن أبي وائل، قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته. قلت: إن صاحبيك لم يفعلا. قال: هما المرءان أقتدي بهما.

وروى في جامع الأصول، عن شقيق، قال: إن شيبة بن عثمان قال له:

قعد عمر مقعدك الذي أنت فيه. فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة. قلت:

ما أنت بفاعل. قال: بلى، لأفعلن. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟. قلت:

مضى النبي صلى الله عليه [وآله] وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه، فقام وخرج. قال: أخرجه أبو داود.

ومنها: ما رواه ابن أبي الحديد، قال: مر عمر بشاب من الأنصار وهو ظمآن فاستسقاه فماص له عسلا، فرده ولم يشرب، وقال: إني سمعت الله سبحانه يقول: * (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..) *.

وقال الفتى: إنها والله ليست لك، إقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها:

* (.. ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) * فنحن منهم؟ فشرب، وقال: كل الناس أفقه من عمر.

أقول: لعله كان في رجوعه أبين خطأ من ابتدائه، فتدبر.

والاخبار في ذلك كثيرة في كتبنا وكتبهم لا نطيل الكلام بإيرادها،

وسيأتي بعضها في أبواب علم أمير المؤمنين عليه السلام.

ومن أعجب العجب أن اتباعه - مع نقلهم تلك الروايات - يدعون تقدمه في العلم والفضل، مع أنه ليس أمرا يمكن أن يدعى فيه البداهة، ولم يقم دليل من العقل والنقل على أنه يجب أن يكون عمر من العلماء، وإنما يعلم علم مثله وجهله بما يؤثر عنه ويظهر من فتاويه وأحكامه وسائر أخباره، ولم يكن عمر في أيام كفره من المشتغلين بتحصيل العلوم ومدارسة المسائل، بل كان تارة من رعاة الإبل، وتارة حطابا، وأحيانا مبرطسا وأجيرا لوليد بن المغيرة ونحوه في الاسفار لخدمة الإبل وغيرها، ولم يكن من أحبار اليهود وأساقفة النصارى وعلماء المشركين، وفي الاسلام أيضا لم يكن من المشتغلين بمدارسة المسائل، وأكثر

اشتغاله كان بالبرطسة والصفق بالأسواق، وقد حصروا مروياته - مع طول صحبته، واهتمام أتباعه برواية ما يؤثر عنه - في خمسمائة وتسعة وثلاثين، منها ستة وعشرون من المتفق عليه، وأربعة وثلاثون من إفراد البخاري، وأحد وعشرون من إفراد مسلم، وقد رووا عن أبي هريرة في أقل من السنتين من الصحبة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا، وعن ابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين، وعن عائشة وأنس قريبا من ذلك، وليس في مروياته مسألة دقيقة يستنبط منها علمه وفضله، وكذلك ما حكي عنه من أخباره وسيره، ولم ينقلوا عنه مناظرة لعالم من

علماء الملل ولا لعملاء الاسلام غلب عليهم فيها، بل كتبهم مشحونة بعثراته وزلاته، واعترافه بالجهل - كما أفصح عنه قول أمير المؤمنين عليه السلام -:

ويكثر العثار والاعتذار منها.

عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (الأحزاب: 4); قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان، إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فيحب بهذا ويبغض بهذا، فأما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه، فمن أراد أن يعلم حبنا فليمتحن قلبه، فإن شاركه في حبنا حب عدونا فليس منا ولسنا منه، والله عدوهم وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين.

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم إنكم تتولونا وإنكم من شيعتنا.

علل الشرايع: 200 ثواب الأعمال: 200 معاني الأخبار: 104 قريب منه.

بحار الأنوار: 27 / 232 - 233 حديث 42

الطعن الرابع عشر:

أنه أبدع في الدين بدعا كثيرة:

منها: صلاة التراويح، فإنه كانت بدعة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أيها الناس! إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من الناقلة جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان في النافلة، ولا تصلوا صلاة الضحى، فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار.

وقد روي أن عمر خرج في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع، فقال: بدعة ونعمت البدعة.

وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن

ينصب له إماما يصلي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدموا بعضهم، فبعث إليهم الحسن عليه السلام، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرة، فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا:

وا عمراه؟!. هذه الروايات أوردها السيد رحمه الله في الشافي.

وحاصل الاستدلال أن التراويح كانت بدعة جماعتها، بل أصلها، و وضعها وأمر بها عمر وكل بدعة حرام، أما الأولى فلاعترافه بكونه بدعة كما مر.

وروى عنه صاحب النهاية وغيره من علمائهم.

وروى البخاري ومسلم في صحيحهما، وصاحب جامع الأصول، عن أبي سلمة أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه [وآله] في رمضان؟. فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيرها على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن

توتر؟. قال: يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي.

وروي مسلم وصاحب الجامع - أيضا -، عن أبي سلمة، قال: أتيت عائشة، فقلت: أي أمة! أخبريني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه [وآله]؟.

فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشر ركعة بالليل، منها ركعتا ورويا رويات أخر قريبة من ذلك.

وروى في جامع الأصول، عن زيد بن ثابت، قال: احتجر النبي صلى الله عليه [وآله] حجيرة بخصفة أو حصير، قال عفان: في المسجد، وقال عبد الاعلى: في رمضان، فخرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصلي فيها، قال:

فتبع إليه رجال وجاؤا يصلون بصلاته، قال: ثم جاؤوا إليه فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه [وآله] عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه [وآله] مغضبا، فقال لهم: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في

بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة.

أخرجه البخاري ومسلم وأخرج أبو داود ولم يذكر: في رمضان.

وفي رواية النسائي: ان رسول صلى الله عليه [وآله] اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فيها ليالي فاجتمع إليه ناس ثم فقد صوته ليلة فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج فلم يخرج، فلما خرج للصبح قال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.

وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي صلى الله عليه [وآله] أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله

فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له حين خرج: أفطنت بنا الليلة؟.

قال: نعم، ذاك الذي حملني على ما صنعت.

وقد ذكر أخبارا كثيرة نحوا مما ذكرنا تركناها لقلة الجدوى في تكرارها.

فظهر من بعض أخبارهم أنه صلى الله عليه وآله ما كان يزيد في شهر رمضان شيئا من النوافل، ومن بعضها أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرض بإيقاع النافلة جماعة، فإبداع هذا العدد المخصوص في الشريعة وجعلها سنة أكيدة بدعة لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يأت بها، فظهر أن قول بعضهم - أن النبي صلى الله عليه وآله أتى بها ثم تركها من غير نسخ - لا مستند له، ولو كانت سنة مرغوبا فيها ومندوبا إليها، فلم كان يتركه رسول الله صلى الله عليه وآله ويخرج إليهم مغضبا، ويقول: عليكم بالصلاة في بيوتكم؟! ولا كان يترك صلاته ويهرب منهم، ولا خلاف في أن الجماعة - في كل صلاة تجوز فيها - عبادة، ولها فضل عظيم، فلو جازت في هذه الصلاة وفي غيرها من النوافل لما أغضبه الاجتماع، ولا كان يأمر بالصلاة في بيوتهم في غير المكتوبة.

وأما التعليل الوارد في رواياتهم المروية عن الكذابين المشهورين فلا يخفى على عاقل أنه من مفترياتهم، وليس في أخبار أهل البيت عليهم السلام شئ من ذلك، فإن المواظبة على الخير والاجتماع على الفعل المندوب إليه ولا يصير سببا لان يفرض على الناس، وليس الرب تعالى غافلا عن وجوه المصالح حتى يتفطن بذلك

الاجتماع، ويظهر له الجهة المحسنة لايجاب الفعل، وكيف أمرهم صلى الله عليه وآله مع ذلك الخوف بأن يصلوها في بيوتهم؟ ولم لم يأمرهم بترك الرواتب خشية الافتراض.

ثم المناسب لهذا التعليل أن يقول: خشيت أن يفرض عليكم الجماعة فيها، لا أن يفرض عليكم صلاة الليل، كما في بعض رواياتهم. وقد ذهبوا إلى أن الجماعة مستحبة في بعض النوافل كصلاة العيد والكسوف والاستسقاء والجنازة، ولم يصر الاجتماع فيها سببا للافتراض، ولم ينه عن الجماعة فيها لذلك، فلو صحت الرواية لكانت محمولة على أن المراد النهي عن تكلف ما لم يأمر الله به، والتحذير من أن يوجب عليهم صلاة الليل لارتكاب البدعة في الدين، ففيه دلالة واضحة على قبح فعلهم وأنه مظنة العقاب، وإذا كان كذلك فلا يجوز ارتكابه بعد ارتفاع الوحي أيضا.

وأما أن عمر ابتدعها، فلا خلاف فيه.

وأما أن كل بدعة ضلالة، فقد استفيض في أخبار الخاصة والعامة.

فروى مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول في خطبته: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

وروى البخاري ومسلم، عنه صلى الله عليه [وآله] أنه قال: من رغب عن سنتي فليس مني.

ورويا أيضا عنه صلى الله عليه [وآله]، أنه قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية.

ورويا - أيضا - له، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من عمل عملا

ليس عليه أمرنا فهو رد وحكى في جامع جامع الأصول، عن الترمذي وأبي داود، عن العرباض ابن سارية: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

وقال في فتح الباري - شرح البخاري -: قد أخرج أحمد بسند جيد، عن عصيف بن الحارث، قال..: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها.

وأخبارنا في ذلك متواترة، وما زعمه بعض فقهاء العامة من انقسام البدعة بالاقسام الخمسة لاوجه له، بل يظهر من عموم النصوص أن كل ما أحدث في الدين مما لم يرد في الشريعة خصوصا أو عموما فهو بدعة محرمة، فكل ما فعل على وجه العبادة ولم يكن مستفادا من دليل شرعي عام أو خاص فهو بدعة وتشريع، سواء كان فعلا مستقلا أو وصفا لعبادة متلقاة من الشارع، كفعل

الواجب على وجه الندب وبالعكس، وإيجاب وصف خاص في عبادة مخصوصة، فلو أوجب أحد إيقاع الطواف مثلا جماعة، أو زعمه مستحبا، أو استحب عددا مخصوصا في الصلاة.

وبالجملة، كل فعل أو وصف في فعل أتى به المكلف على غير الوجه الذي وردت به الشريعة، وتضمن تغيير حكم شرعي - وإن كان بالقصد والنية - فلا ريب في أنه بدعة وضلالة.

وأما ما دل عليه دليل شرعي سواء كان قولا أو فعلا عاما أو خاصا فهو من السنة.

وقد ظهر من رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصل عشرين ركعة يسمونها: التراويح، وإنما كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ولم يدل شئ من رواياتهم التي ظفرنا بها على استحباب هذا العدد المخصوص فضلا عن الجماعة فيها، والصلاة - وإن كانت خيرا موضوعا يجوز قليلها وكثيرها - إلا أن القول باستحباب عدد مخصوص منها في وقت مخصوص على وجه الخصوص بدعة وضلالة، ولا ريب في أن المتبعون لسنة عمر يزعمونها على هذا الوجه سنة وكيدة، بل عزيمة، ويجعلونها من شعائر دينهم.

ولو سلمنا انقسام البدعة بالاقسام الخمسة وتخصيص كونها ضلالة بالبدعة المحرمة، فلا ريب أن هذا مما عدوه من البدع المحرمة لما عرفت، والأقسام الأخرى من البدع التي عدوها ليست من هذا القبيل، بل هي مما ورد في الشريعة عموما أو خصوصا فلا ينفعهم التقسيم، والله الهادي إلى الصراط المستقيم.

ومنها: أنه وضع الخراج على أرض السواد ولم يعط أرباب الخميس منها خمسهم، وجعلها موقوفة على كافة المسلمين، وقد اعترف بجميع ذلك

المخالفون، وقد صرح بها ابن أبي الحديد وغيره، وكل ذلك مخالف للكتاب والسنة وبدعة في الدين.

قال العلامة رحمه الله في كتاب منتهى المطلب: أرض السواد هي الأرض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب، وهي سواد العراق، وحده في العرض من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بعذيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فأما الغربي الذي يليه البصرة فاسلامي مثل شط عثمان بن أبي العاص وما والاها كانت سباخا ومواتا فأحياها ابن أبي العاص وسميت هذه الأرض:

سوادا، لان الجيش لما خرجوا من البادية رأوا هذه الأرض والتفاف شجرها فسموها: السواد لذلك، وهذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاث أنفس: عمار بن ياسر على صلاتهم أميرا، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وفرض لهم في كل يوم شاة شطرها مع السواقط لعمار، وشطرها للآخرين،

ومسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، واختلفوا في مبلغها، فقال الساجي:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.