بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۲۹، ص ۵۴۹–۵۹۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲۲
ملك جوارحك قلبك فإذا أرهبه أمر طار النوم عنه، ها أنذا كما ترى مذ أول الليل اعتراني الفكر و السهر لما تقدم من نقض عهد أول هذه الأمة المقدر عليها نقض عهدها، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر من أمر من أصحابه بالسلام علي في حياته بإمرة المؤمنين فكنت أوكد أن أكون كذلك بعد وفاته.
يا بن عباس! أنا أولى الناس بالناس بعده ولكن أمور اجتمعت على رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها وصرف قلوب أهلها عني، وأصل ذلك ما قال الله تعالى في كتابه: [أم يحسدون الناس على ما آتهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتينا هم ملكا عظيما]، فلو لم يكن ثواب ولا عقاب لكان بتبليغ الرسول صلى الله عليه وآله فرض على الناس اتباعه، والله عز وجل يقول: [ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا]، أتراهم نهوا عني فأطاعوه (12)! والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وغدا بروح أبي القاسم صلى الله
عليه وآله إلى الجنة لقد قرنت برسول الله صلى الله عليه وآله حيث يقول عز وجل: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا]، ولقد طال - يا بن عباس - فكري وهمي وتجرعي غصة بعد غصة لأمر أو قوم على معاصي الله وحاجتهم إلي في حكم الحلال والحرام حتى إذا أتاهم من الدنيا أظهروا الغنى عني، كأن لم يسمعوا الله عز وجل يقول: [ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم]. ولقد علموا أنهم احتاجوا إلي ولقد غنيت عنهم [أم على قلوب أقفالها] فمضى من مضى قال علي بضغن القلوب وأورثها الحقد علي، وما ذاك إلا من أجل طاعته في قتل الأقارب مشركين فامتلأوا غيظا واعتراضا، ولو صبروا في ذات الله لكان خيرا لهم، قال الله عز وجل: [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله] فابطنوا من ترك الرضا بأمر الله، ما أورثهم النفاق!،
وألزمهم بقلة الرضا الشقاء (1)! وقال الله عز وجل: [فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا] فالآن - يا بن عباس - قرنت بابن آكلة الأكباد وعمرو وعتبة والوليد ومروان وأتباعهم، فمتى اختلج في صدري والقي في روعي أن الامر ينقاد إلى دنيا يكون هؤلاء فيها رؤساء يطاعون فهم في ذكر أولياء الرحمن يثلبونهم ويرمونهم بعظائم الأمور من أنك مختلف، وحقد قد سبق وقد علم المستحفظون ممن بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ان عامة أعدائي ممن أجاب الشيطان علي وزهد الناس في، وأطاع هواه فيما يضره في آخرته وبالله عز وجل الغنى، وهو الموفق للرشاد والسداد.
يا بن عباس! ويل لمن ظلمني، ودفع حقي، وأذهب عظيم منزلتي، أين كانوا أولئك وأنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا لم يكتب علي صلاة وهم عبدة الأوثان، وعصاة الرحمن، وبهم توقد النيران؟! فلما قرب إصعار الخدود، واتعاس الجدود، أسلموا كرها، وأبطنوا غير ما أظهروا، طمعا في أن
يطفئوا نور الله وتربصوا انقضاء أمر الرسول وفناء مدته، لما أطمعوا أنفسهم في قتله، ومشورتهم في دار ندوتهم، قال الله عز وجل: [ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين]، وقال: [يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره] ولو كره المشركون.
يا بن عباس! ندبهم رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته بوحي من الله يأمرهم بموالاتي، فحمل القوم ما حملهم مما حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له، فخرج من روح الله ورضوانه، وألزم اللعنة لحسده لولي الله، وما ذاك بضاري إن شاء الله شيئا.
يا بن عباس! أراد كل امرئ أن يكون رأسا مطاعا يميل إليه الدنيا والى أقاربه فحمله هواه ولذة دنياه واتباع الناس إليه أن يغصب ما جعل لي، ولولا اتقاي على الثقل الأصغر أن ينبذ فينقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل الله المتين، وحصنه الأمين، ولد رسول رب العالمين لكان طلب الموت
والخروج إلى الله عز وجل الذ عندي من شربة ظمآن ونوم وسنان، ولكني صبرت وفي المصدر بلابل، وفي النفس وساوس، [فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون]، ولقديما ظلم الأنبياء، وقتل الأولياء قديما في الأمم الماضية والقرون الخالية [فتربصوا حتى يأتي الله بأمره]، وبالله أحلف - يا بن عباس - انه كما فتح بنا يختم بنا، وما أقول لك إلا حقا.
يا بن عباس! إن الظلم يتسق لهذه الأمة ويطول الظلم، ويظهر الفسق، وتعلو كلمة الظالمين، ولقد أخذ الله على أولياء الدين أن لا يقاروا أعداءه، بذلك أمر الله في كتابه على لسان الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
[تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان].
يا بن عباس! ذهب الأنبياء فلا ترى نبيا، والأوصياء ورثتهم، عنهم أخذوا علم الكتاب، وتحقيق الأسباب، قال الله عز وجل: [وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ]، فلا يزال الرسول باقيا ما نفدت أحكامه، وعمل بسنته، وداروا حول أمره ونهيه، وبالله أحلف - يا بن عباس - لقد نبذ الكتاب، وترك قول الرسول إلا ما لا يطيقون تركه من حلال وحرام، ولم
يصبروا على كل أمر نبيهم: [وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون] [أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون]، فبيننا وبينهم المرجع إلى الله: [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون].
يا بن عباس! عامل الله في سره وعلانيته تكن من الفائزين، ودع من [اتبع هواه وكان امره فرطا]، ويحسب معاوية ما عمل وما يعمل به من بعده، وليمده ابن العاص في غيه، فكأن عمره قد انقضى، وكيده قد هوى، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
وأذن المؤذن فقال: الصلاة! يا بن عباس لا تفت، استغفر الله لي ولك وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال ابن عباس: فغمني انقطاع الليل وتلهفت على ذهابه.
بيان:
ثلبه: تنقصه وصرح بعيبه.
قوله عليه السلام: وبهم توقد النيران.. أي نيران الفتن والحروب. وفي القاموس: صعر خده تصعيرا وصاعره واصعره: اماله عن النظر إلى الناس تهاونا من كبر وربما يكون خلقة. وقال: التعس: الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد
والانحطاط والفعل: كمنع وسمع، وتعسه الله وأتعسه. انتهى.
والجدود - جمع الجد بالفتح - وهو الحظ والبخت، أو بالكسر وهو الاجتهاد في الأمور، فيمكن أن يكون اصعار الخدود من المسلمين كناية عن غلبتهم، واتعاس الجدود للكافرين، أو كلاهما للكافرين.. أي اجتمع فيهم التكبر والاضطرار، ويكون المراد بالاصعار صرف وجوههم عما قصدوه على وجه الاجبار، والأول أظهر. والوسنان عن غلبة النوم.
قوله عليه السلام: فلا يزال الرسول.. يدل على عدم اختصاص الآية بزمن الرسول صلى الله عليه وآله.
قوله: يحسب معاوية.. أي يكفيه، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة فتكون زائدة، قال في النهاية: في قوله صلى الله عليه [وآله]: يحسبك ان تصوم في كل شهر ثلاثة أيام.. أي يكفيك، ولو روي (بحسبك ان تصوم].. أي كفايتك أو كافيك كقولهم بحسبك قول السوء، والباء زائدة لكان وجها انتهى. والامر في قوله وليمده للتهديد.
7 - الإرشاد: روى العباس بن عبد الله العبدي، عن عمرو بن شمر، عن رجاله قال: قالوا: سمعنا أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما رأيت منذ بعث الله
محمدا صلى الله عليه وآله رخاءا، والحمد لله، والله لقد خفت صغيرا وجاهدت كبيرا، أقاتل المشركين وأعادي المنافقين حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله فكانت الطامة الكبرى فلم أزل حذرا رجلا أخاف أن يكون ما لا يسعني معه المقام - فلم أر - بحمد الله - إلا خيرا، والله ما زلت أضرب بسيفي صبيا حتى صرت شيخا، وإنه ليصبرني على ما أنا فيه ان ذلك كله في الله، وأنا أرجو أن يكون الروح عاجلا قريبا، فقد رأيت أسبابه.
قالوا: فما بقي بعد هذه المقالة إلا يسيرا حتى أصيب عليه السلام.
8 - الإرشاد: روى عبد الله بن بكير الغنوي، عن حكيم بن جبير، قال:
حدثنا من شهد عليا بالرحبة يخطب، فقال فيما قال: أيها الناس! إنكم قد أبيتم إلا أن أقول! أما ورب السماوات والأرض لقد عهد إلي خليلي أن الأمة ستغدر بك.
9 - الإرشاد: روى نقلة الآثار أن رجلا من بني أسد وقف على أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين (ع)! العجب منكم يا بني هاشم، كيف عدل هذا الامر عنكم وأنتم الأعلون نسبا ونوطا بالرسول صلى الله عليه
وآله، وفهما للكتاب؟!. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا بن دودان! إنك لقلق الوضين، ضيق المخزم، ترسل من غير ذي مسد، لك ذمامة الصهر وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم، كانت اثرة سخت بها نفوس قوم وشحت عليها نفوس آخرين (فدع عنك نهبا صيح في حجراته) وهلم الخطب في أمر ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو، بئس القوم - والله - من خفضني وهيني وحاولوا الادهان في ذات الله، هيهات ذلك مني (5)! فإن تنحسر عنا محن البلوى أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الأخرى [فلا تذهب نفسك عليهم حسرات] و [لا تأس على القوم الفاسقين].
10 - العدد: في كتاب الارشاد لكيفية الطلب في أئمة العباد تصنيف محمد ابن الحسن الصفار، قال: وقد كفانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه المؤنة في خطبة خطبها، أودعها من البيان والبرهان ما يجلي الغشاوة عن أبصار متأمليه، والعمى عن عيون متدبريه، وحلينا هذا الكتاب بها ليزداد المسترشدون في هذا الامر بصيرة، وهي منه الله جل ثناؤه علينا وعليهم يجب شكرها.. خطب صلوات الله عليه فقال: ما لنا ولقريش! وما تنكر منا قريش غير أنا أهل بيت شيد الله فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا الله عليهم، فنقموا على الله
أن اختارنا عليهم، وسخطوا ما رضي الله، وأحبوا ما كره الله، فلما اختارنا الله عليهم شركناهم في حريمنا، وعرفناهم الكتاب والنبوة، وعلمنا هم الفرض والدين، وحفظناهم الصحف والزبر، وديناهم الدين والاسلام، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقنا، والتونا أسباب أعمالنا وأعلامنا، اللهم فإني استعديك على قريش فخذ لي بحقي منها، ولا تدع مظلمتي لديها، وطالبهم - يا رب - بحقي، فإنك الحكم العدل، فإن قريشا صغرت عظيم أمري، واستحلت المحارم مني، واستخفت بعرضي وعشيرتي، وقهرتني على ميراثي من ابن عمي وأغروا بي أعدائي، ووتروا بيني وبين العرب والعجم، وسلبوني ما مهدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وكدي، ومنعوني ما خلفه أخي وجسمي وشقيقي، وقالوا: إنك لحريص متهم! أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر، ومن عمى الضلالة وعي الظلماء، أليس أنقذتهم من الفتنة الصماء، والمحنة العمياء؟ ويلهم (14)! ألم أخلصهم من نيران الطغاة، وكرة العتاة،
وسيوف البغاة، ووطأة الأسد، ومقارعة الطماطمة، ومماحكة القماقمة، الذين كانوا عجم العرب، وغنم الحروب، وقطب الاقدام، وجبال القتال، وسهام الخطوب، وسل السيوف، أليس بي كان يقطع الدروع الدلاص، وتصطلم الرجال الحراص، وبي كان يفرى جماجم البهم، وهام الابطال، إذا فزعت تيم إلى الفرار، وعدي إلى الانتكاص؟! أما وإني لو أسلمت قريشا للمنايا والحتوف، وتركتها فحصدتها سيوف الغوانم، ووطأتها خيول الأعاجم، وكرات الأعادي، وحملات الأعالي، وطحنتهم سنابك الصافنات، وحوافر الصاهلات، في مواقف الأزل والهزل في ظلال الأعنة وبريق الأسنة، ما بقوا لهضمي، ولا عاشوا لظلمي، ولما قالوا: إنك لحريص متهم! اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، فإني مهدت مهاد نبوة محمد صلى الله عليه وآله، ورفعت أعلام دينك، وأعلنت منار رسولك، فوثبوا علي وغالبوني ونالوني و واتروني..
فقام إليه أبو حازم الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين (ع)! أبو بكر وعمر ظلماك؟ أحقك أخذا؟ وعلى الباطل مضيا؟ أعلى حق كانا؟ أعلى صواب أقاما؟ أم ميراثك غصبا؟ أفهمنا لنعلم باطلهم من حقك؟ أو نعلم حقهما من حقك؟
أبزاك أمرك؟ أم غصباك إمامتك؟ أم غالباك فيها عزا (1)؟ أم سبقاك إليها عجلا فجرت الفتنة ولم تستطع منها استقلالا؟! فإن المهاجرين والأنصار يظنان أنهما كانا على حق وعلى الحجة الواضحة مضيا.
فقال صلوات الله عليه: يا أخا اليمن! لا بحق أخذا، ولا على إصابة أقاما، ولا على دين مضيا، ولا على فتنة خشيا، يرحمك الله، اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل! أتعلمون - يا إخواني - ان بني يعقوب على حق ومحجة كانوا حين باعوا أخاهم، وعقوا أباهم، وخانوا خالقهم، وظلموا أنفسهم؟!.
فقالوا: لا.
فقال: رحمكم الله، أيعلم إخوانك هؤلاء ان أين آدم - قاتل الأخ - كان على حق ومحجة وإصابة وأمره من رضى الله؟.
فقالوا: لا.
فقال: أو ليس كل فعل بصاحبه ما فعل لحسده إياه وعدوانه وبغضائه له؟.
فقالوا: نعم.
قال: وكذلك فعلا بي ما فعلا حسدا، ثم إنه لم يتب على ولد يعقوب إل بعد استغفار وتوبة، وإقلاع وإنابة، وإقرار، ولو أن قريشا تابت إلي واعتذرت من فعلها لاستغفرت الله لها.
ثم قال: إنما أنطق لكم العجماء ذات البيان، وأفصح الخرساء ذات
البرهان، لأني فتحت الاسلام، ونصرت الدين، وعززت الرسول، وثبت أركان الاسلام، وبينت أعلامه، وعليت مناره، وأعلنت أسراره، وأظهرت آثاره وحاله، وصفيت الدولة، ووطئت للماشي والراكب، ثم قدتها صافية، على أني بها مستأثرا.
ثم قال - بعد كلام -: ثم سبقتني إليه التيمي والعدوي كسباق الفرس احتيالا واغتيالا، وخدعة وغلبة.
ثم قال - بعد كلام -: اليوم أنطق الخرساء ذات البرهان، وأفصح العجماء ذات البيان، فإنه شارطني رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله في كل موطن من مواطن الحروب، وصافقني على أن أحارب الله وأحامي لله، وأنصر رسول الله صلى الله عليه وآله جهدي وطاقتي وكدحي، وكدي، وأحامي عن حريم الاسلام، وأرفع عن أطناب الدين، وأعز الاسلام وأهله، على أن ما فتحت وبينت عليه دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وقرأت فيه المصاحف، وعبد فيه الرحمن، وفهم به القرآن، فلي إمامته وحله وعقده، وإصداره وإيراده، ولفاطمة فدك ومما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله النصف، فسبقاني إلى جميع نهاية الميدان يوم الرهان، وما شككت في الحق منذ رأيته، هلك قوم أرجفوا عني أنه لم يوجس موسى في
نفسه خيفة ارتيابا ولا شكا فيما أتاه من عند الله، ولم أشكك فيما أتاني من حق الله، ولا ارتبت في إمامتي وخلافة ابن عمي ووصية الرسول، وإنما أشفق أخو موسى من غلبة الجهال، ودول الضلال، وغلبة الباطل على الحق، ولما أنزل الله عز وجل: [وآت ذا القربى حقه] دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فنحلها فدك وأقامني للناس علما وإماما، وعقد لي وعهد إلي فأنزل الله عز وجل:
[أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم] فقالت حق القتال، وصبرت حق الصبر، على أنه أعز تيما وعديا على دين أتت به تيم وعدي، أم على دين أتى به ابن عمي وصنوي وجسمي، على أن أنصر تيما وعديا أم أنصر ابن عمي وحقي وديني وإمامتي؟ وإنما قمت تلك المقامات، واحتملت تلك الشدائد، وتعرضت للحتوف على أن يصيبني من الآخرة موفرا، وإني صاحب محمد وخليفته، وإمام أمته بعده، وصاحب رايته في الدنيا والآخرة.
اليوم أكشف السريرة عن حقي، وأجلي القذى عن ظلامتي، حتى يظهر لأهل اللب والمعرفة إني مذلل مضطهد مظلوم مغصوب مقهور محقور، وانهم ابتزوا حقي، واستأثروا بميراثي!.
اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل، من استودع خائنا فقد غش نفسه، من استرعى ذئبا فقد ظلم، من ولي غشوما فقد اضطهد، هذا موقف صدق، ومقام أنطق فيه بحقي، وأكشف الستر والغمة عن ظلامتي!
يا معشر المجاهدين المهاجرين والأنصار! أين كانت سبقة تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة؟! ألا كانت يوم الأبواء إذ تكانفت الصفوف، وتكاثرت الحتوف، وتقارعت السيوف؟ أم هلا خشيا فتنة الاسلام يوم ابن عبد ود وقد نفح بسيفه، وشمخ بأنفه، وطمح بطرفه؟! ولم لم يشفقا على الدين وأهله يوم بواط إذا اسود لون الأفق، وأعوج عظم العنق، وانحل سيل الغرق (8)؟ ولم لم يشفقا يوم رضوي إذ السهام تطير، والمنايا تسير، والأسد تزأر؟
وهلا بادرا يوم العشيرة إذا الأسنان تصطك، والآذان تستك، والدروع تهتك؟
وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر، إذ الأرواح في الصعداء ترتقي، والجياد بالصناديد ترتدي، والأرض من دماء الابطال ترتوي؟ ولم لم يشفقا على الدين يوم بدر
الثانية، والرعابيب ترعب، والأوداج تشخب، والصدور تخضب (2)؟ أم هلا بادرا يوم ذات الليوث، وقد أبيح المتولب، واصطلم الشوقب، وادلهم الكوكب؟! ولم لا كانت شفقتهما على الاسلام يوم الكدر، والعيون تدمع، والمنية تلمع، والصفائح تنزع..
ثم عدد وقائع النبي صلى الله عليه وآله كلها على هذا النسق، وقرعهما بأنهما في هذه المواقف كلها كانا مع النظارة والخوالف والقاعدين، فكيف بادرا الفتنة بزعمهما يوم السقيفة وقد توطأ الاسلام بسيفه، واستقر قراره، وزال حذاره.
ثم قال - بعد ذلك كله -: ما هذه الدهماء والدهياء التي وردت علينا من قريش؟! أنا صاحب هذه المشاهد، وأبو هذه المواقف، وابن هذه الأفعال. يا معشر المهاجرين والأنصار! إني على بصيرة من أمري، وعلى ثقة من ديني، اليوم أنطقت الخرساء البيان، وفهمت العجماء الفصاحة، وأتيت العمياء بالبرهان، هذا [يوم ينفع الصادقين صدقهم] قد توافقنا على حدود الحق والباطل، وأخرجتكم من الشبهة إلى الحق، ومن الشك إلى اليقين، فتبرأوا - رحمكم الله - ممن نكث البيعتين، وغلب الهوى به فضل، وأبعدوا - رحمكم الله - ممن
أخفى الغدر وطلب الحق من غير أهله فتاه، و العنوا - رحمكم الله - من انهزم الهزيمتين إذ يقول الله: [إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله]، وقال: [ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين]. واغضبوا - رحمكم الله - على من غضب الله عليهم، وتبرؤوا - رحمكم الله - ممن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: يرتفع يوم القيامة ريح سوداء تختطف من دوني قوما من أصحابي من عظماء المهاجرين، فأقول: أصيحابي. فيقال: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وتبرؤوا رحمكم الله من النفس الضال من قبل أن يأتي: [يوم لا بيع فيه ولا خلال] فيقولوا: [ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين] ومن قبل أن يقولوا: [يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين] أو يقولوا: [وما أضلنا إلا المجرمون] أو يقولوا: [ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا
السبيلا]، إن قريشا طلبت السعادة فشقيت، وطلبت النجاة فهلكت، وطلبت الهداية فضلت. إن قريشا قد أضلت أهل دهرها ومن يأتي من بعدها من القرون، إن الله تبارك اسمه وضع إمامتي في قرآنه فقال: [والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما] [والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما]، وقال: [الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلوات وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور]..
وهذه خطبة طويلة.
وقد قال صلوات الله عليه في بعض مقاماته كلاما لو لم يقل غيره لكفى قوله صلوات الله عليه: أنا ولي هذا الامر دون قريش، لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الولاء لمن أعتق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق الرقاب من النار، وبعتقها من السيف، وهذان لما اجتمعا كانا أفضل من عتق الرقاب من الرق، فما كان لقريش على العرب برسول الله صلى الله عليه وآله كان لبني هاشم على قريش، وما كان لبني هاشم على قريش برسول الله صلى الله عليه وآله كان لي على بني هاشم، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
بيان:
ديناهم - على بناء التفعيل -.. أي جعلنا الاسلام دينهم وقررناهم عليه.
قال الفيروزآبادي: دان فلانا: حمله على ما يكره وأذله، ودينه تديينا:
وكله إلى دينه.
وفي المناقب: وعلمناهم الفرائض والسنن، وحفظنا هم الصدق واللين، وورثناهم الدين.
قوله عليه السلام: والتونا.. أي نقصونا ومنعونا ما هو من أسباب قوتنا واقتدارنا.
وأعلامنا - بالفتح -.. أي ما هو علامة لإمامتنا ودولتنا، أو بالكسر.. أي ما هو سبب تعليمنا، كما قال تعالى: [وما ألتناهم من عملهم].
وفي المناقب: والتوونا.. من التوى عن الامر.. أي تثاقل.
ولي الغريم معروف، ويقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني..
أي استعنت به عليه فأعانني عليه.
قوله: ووتروا.. أي ألقوا الجنايات والدخول بيني وبين العرب والعجم، فإنهم غصبوا خلافتي وأجروا الناس على الباطل، فصار ذلك سببا للحروب وسفك الدماء، والوتر - بالكسر -: الجناية، والموتور: الذي له قتيل فلم يدرك بذمه. والمتاه: اسم مكان، أو مصدر ميمي من التيه: وهو الحيرة والضلالة.
وقال في النهاية: فيه.. " الفتنة الصماء العمياء ".. أي التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في رهانها، لان الأصم لا يسمع الاستغاثة ولا يقلع عما يفعله، وقيل: هي كالحية الصماء التي لا تقبل الرقي.
قوله عليه السلام: ووطأة الأسد.. قال الجزري: الوطئ - في الأصل -:
الدوس بالقدم فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ على الشئ برجله فقد استقصى في هلاكه واهانته.. ومنه الحديث: " اللهم اشدد وطأتك على
مضر ".. أي خذهم اخذا شديدا.
والطمطام: معظم ماء البحر، وقد يستعار لمعظم النار، واستعير هنا لعظماء أهل الشر والفساد.
وقال الجوهري: المحك: اللجاج.. والمماحكة: الملاجة.
والقمقام: البحر والامر الشديد والسيد والعدد الكثير.
قوله عليه السلام: وعجم العرب.. أي كانوا من العرب بمنزلة الحيوانات العجم.
قوله عليه السلام: وغنم الحرب.. أي أهل غنم الحرب الذين لهم غنائمها أو يغتنمونها، ويمكن أن يقرأ الحرب - بالتحريك - وهو سلب المال، وفي بعض النسخ الحروب.
قوله عليه السلام: وقطب الاقدام.. لعله بكسر الهمزة.. أي كانوا كالقطب للاقدام على الحروب، أو بالفتح أي بهم كانت الاقدام تستقر في الحروب، أو كانت أقدامهم بمنزلة القطب لرحا الحرب، والقطب أيضا: سيد
القوم وملاك الشئ ومداره، ذكره الفيروزآبادي.
قوله عليه السلام: وسل السيوف.. الحمل على المبالغة أي سلال السيوف، ولعله تصحيف، وفي بعض النسخ: سيل السيوف.
والدلاص - بالكسر -: اللين البراق، يقال: درع دلاص وادرع دلاص.
قوله عليه السلام: يفري جماجم البهم.. وفي بعض النسخ: يبرئ - بالباء - الفري: الشق والبري: النحت، والبهم - كصرد -: جمع بهمة، وهو الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه، والجمجمة - بالضم -:
القحف أو العظم فيه الدماغ، والهام - جمع هامة -: وهو رأس كل شئ، والابطال: الشجعان، والنكص: الاحجام عن الامر والرجوع عنه، والحتوف - بالضم -: جمع الحتف - بالفتح - وهو الموت، والغوانم: الجيوش الغانمة، وفي بعض النسخ: العرازم: جمع عرزم وهو الشديد والأسد، وفي
بعضها: الغراة، والسنبك - بالضم -: طرف الحافر، وصفن الفرس: قام على ثلاثة قوائم وطرف حافر الرابعة، والأذل: الضيق والشدة.
قوله عليه السلام: والهزل.. لعل المراد أنهم لم يكونوا يثبتون في مقام الهزل فكيف في مقام الجد؟، وفي بعض النسخ: والزلزال.
قوله عليه السلام: في ظلال الأعنة وفي بعض النسخ: في طلاب الأعنة.. أي مطالبتها، وفي بعضها: في إطلاق الأعنة، وهو أصوب.
قوله عليه السلام: نتواقف.. أي وقفت على حد الحق ووقفتم على حد الباطل.
قوله عليه السلام: ونالوني.. أي أصابوني بالمكاره، وفي بعض النسخ: قالوني.. من القلاء: وهو البغض، ويقال: بزه ثيابه وابتزه: إذا سلبه إياها.
قوله عليه السلام: العجماء ذات البيان.. قيل: كنى عليه السلام بها عن العبر الواضحة وما حل بقوم فسقوا عن أمر ربهم، وعما هو واضح من كمال فضله عليه السلام، وعن حال الدين، ومقتضى أوامر الله تعالى، فإن هذه الأمور عجماء لا نطق لها.
بيانا.. ذات البيان حالا [كذا]، ولما بينها عليه السلام فكأنه أنطقها لهم.
وقيل: العجماء صفة لمحذوف.. أي الكلمات العجماء، والمراد ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنها ذات بيان عند أولي الألباب.
قوله عليه السلام: على أني بها مستأثر.. على بناء المفعول، والاستئثار:
الاستبداد والانفراد بالشئ، والكلام مسوق على المجاز.. أي ثم تصرفوا في الخلافة على وجه كأني فعلت جميع ذلك ليأخذوها مني مستبدين بها، ويحتمل الاستفهام الانكاري، ويمكن أن يقرأ على بناء اسم الفاعل.
والكدح: العمل والسعي.
والغشم: الظلم.
واكتنفه: أحاط به، وكانفه: عاونه. وقال الجوهري: نفحه بالسيف:
تناوله من بعيد.
قوله عليه السلام: تزأر.. الزرء والزئير: صوت الأسد من صدره، والفعل كضرب ومنع وسمع، وفي بعض النسخ بالياء، ولعله على التخفيف بالقلب لرعاية السجع.
والاستكاك: الصمم.
والصعدا: المشقة، أو هو بالمد: بمعنى ما يصعد عليه.
قوله عليه السلام: ترتدي.. لعله عليه السلام شبه وقوعهم به القتل على أعناق الجياد بارتدائها بهم، أو هو افتعال من الردى وهو الهلاك وإن لم يأت فيما عندنا من كتب اللغة، وفي بعض النسخ: تردى، فالباء زائدة أو بمعنى مع، أو للتعدية إذا قرى على بناء المجرد، ويقال: ردى الفرس - كرمى -: إذا رجمت الأرض بحوافرها، أو بين العدو والمشي، والشئ: كسره، وفلانا: صدمه وردي ردى: هلك.
قوله عليه السلام: والرعابيب ترعب.. قال الفيروزآبادي: الرعبوب:
الضعيف الجبان، وجارية رعبوبة ورعبوب ورعبيب - بالكسر - شطبة تارة أو بيضاء حسنة رطبة حلوة أو ناعمة، ومن النوق طياشة.
وفي المناقب: والدعاس ترعب.. من الدعس وهو الطعن، والمداعسة:
المطاعنة.
قوله عليه السلام: وقد أبيح التولب.. التولب: ولد الحمار، وهو كناية
عن كثرة الغنائم أو الأسارى على الاستعارة.
وفي المناقب: وقد أمج التولب.. أما بتشديد الجيم من أمج الفرس:
إذا بدأ بالجري قبل ان يضطرم، وأمج الرجل: إذا ذهب في البلاد، أو بالتخفيف من أمج - كفرح - إذا سار شديدا، ولعله على الوجهين كناية عن الفرار، والنسخة الأولى أظهر وأنسب.
والاصطلام: الاستئصال.
والشوقب: الرجل الطويل، والواسع من الحوافر.
وخشبتا القتب اللتان تعلق فيهما الحبال.
قوله عليه السلام: والصفائح تنزع.. في بعض النسخ: تربع.. من ربع الإبل: إذا سرحت في المرعى وأكلت حيث شاءت وشربت، وكذلك الرجل بالمكان.
ثم إن غزوة الأبواء وقعت بعد اثني عشر شهرا من الهجرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة يريد قريشا وبني ضمرة، قالوا: ثم رجع ولم يلق كيدا، وغزوة بواط كانت في السنة الثانية في ربيع الأول وبعدها في جميدى الآخرة كانت غزوة العشيرة، والرضوي: جبل بالمدينة، ولا يبعد كونه إشارة إلى
غزوة أحد، وذات الليوث إلى غزوة حنين، والكدو - وفي بعض النسخ: الأكيدر - إلى غزوة دومة الجندل، وقد مر تفصيلها في المجلد السادس.
وفي القاموس: وطأه: هيأه ودمثه وسهله.. فاتطأ.. وواطأه على الامر:
وافقه كتواطأه وتوطأه.. وايتطأ - كافتعل -: استقام وبلغ نهايته وتهيأ.
والدهماء: الفتنة المظلمة، والدهياء: الداهية الشديدة.
أقول: أورد ابن شهرآشوب في المناقب: الخطبة الأولى إلى قوله: وأين هذه الأفعال الحميدة.. مع اختصار في بعض المواضع.
11 - تفسير علي بن إبراهيم: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس! إن أول من بغى على الله عز وجل على وجه الأرض عناق بنت آدم عليه السلام، خلق الله لها عشرين إصبعا، في كل إصبع منها ظفران طويلان كالمنجلين العظيمين،
وكان مجلسها في الأرض موضع جريب، فلما بغت بعث الله لها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا كالحمار وكان ذلك في الخلق الأول، فسلطهم الله عليها فقتلوها، ألا وقد قتل الله فرعون وهامان وخسف بقارون، وإنما هذا مثل لأعدائه الذين غصبوا حقه فأهلكهم الله.
ثم قال علي صلوات الله عليه - على إثر هذا المثل الذي ضربه -: وقد كان لي حق حازه دوني من لم يكن له، ولم أكن أشركه فيه، ولا توبة له إلا بكتاب منزل، أو برسول مرسل، وأنى له بالرسالة بعد محمد صلى الله عليه وآله، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، وأنى يتوب وهم في برزخ القيامة غرته الأماني وغره بالله الغرور، قد أشفى [على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين].
12 - أمالي الطوسي: أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، عن ابن عقدة، عن أحمد بن القاسم، عن عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك، عن أبيه، قال: صعد علي عليه السلام المنبر يوم الجمعة فقال: أنا عبد الله وأخو رسول
الله لا يقولها بعدي إلا كذاب، ما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين: طلحة والزبير، والقاسطين: معاوية وأهل الشام، والمارقين: وهم أهل النهروان، ولو أمرني بقتال الرابعة لقاتلتهم.
13 - مناقب ابن شهرآشوب: البخاري ومسلم بالاسناد، قال قيس بن سعد: قال علي (ع): إن أول من يحثو للحكومة بين يدي الله.
14 - مجالس المفيد: الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن المسعودي، عن الحسن بن حماد، عن أبيه، عن رزين بياع الأنماط، قال: سمعت زيد بن علي ابن الحسين عليهما السلام يقول: حدثني أبي، عن أبيه، قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب الناس قال في خطبته: والله لقد بايع الناس أبا بكر وأنا أولى الناس بهم مني بقميصي هذا، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، وألصقت كلكلي بالأرض، ثم إن أبا بكر هلك واستخلف عمر، وقد علم - والله - أني أولى الناس بهم مني بقميصي هذا، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، ثم إن عمر هلك وقد جعلها شورى، فجعلني سادس ستة،
كسهم الجدة وقال: اقتلوا الأقل وما أراد غيري، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، وألصقت كلكي بالأرض، ثم كان من أمر القوم بعد بيعتهم لي ما كان، ثم لم أجد إلا قتالهم أو الكفر بالله.
بيان: الكلكل: الصدر.
15 - مجالس المفيد: ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن علوية، عن الثقفي، عن محمد بن عمرو الرازي، عن الحسن بن المبارك، عن الحسن بن سلمة، قال: لما بلغ أمير المؤمنين صلوات الله عليه مسير طلحة والزبير وعائشة من مكة إلى البصرة نادى الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله قلنا: نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأولياؤه وأحق خلائق الله به، لا ننازع حقه وسلطانه، فبينما نحن إذ نفر المنافقون فانتزعوا سلطان نبينا صلى الله عليه وآله منا وولوه غيرنا، فبكت لذلك - والله - العيون والقلوب منا جميعا، وخشنت - والله - الصدور، وأيم الله لولا مخافة الفرقة من المسلمين أن يعودوا إلى الكفر، ويعود الدين، لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا، وقد ولي ذلك ولاة ومضوا لسبيلهم ورد الله الامر إلي، وقد بايعاني وقد نهضا إلى البصرة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم
بينكم، اللهم فخذهما لغشهما لهذه الأمة، وسوء نظر هما للعامة.
فقام أبو الهيثم ابن التيهان رحمه الله فقال: يا أمير المؤمنين! إن حسد قريش إياك على وجهين، أما خيارهم فحسدوك منافسة في الفضل وارتفاعا في الدرجة، وأما شرارهم فحسدوك حسدا أحبط الله به أعمالهم وأثقل به أوزارهم، وما رضوا أن يساووك حتى أرادوا أن يتقدموك، فبعدك عليهم الغاية، وأسقطهم المضمار، وكنت أحق قريش بقريش، نصرت نبيهم حيا، وقضيت عنه الحقوق ميتا، والله ما بغيهم إلا على أنفسهم، ونحن أنصارك وأعوانك، فمرنا بأمرك، ثم أنشأ يقول:
إن قوما بغوا عليك وكادوك * وعابوك بالأمور القباح ليس من عيبها جناح بعوض * فيك حقا ولا كعشر جناح أبصروا نعمة عليك من الله * وقوما يدق قرن النطاح وإماما تأوي الأمور إليه * ولجاما لمن غرب الجماع كلما تجمع الإمامة فيه * هاشميا لها عراض البطاح حسدا للذي أتاك من الله * وعادوا إلى قلوب قراح ونفوس هناك أوعية البغض * على الخير للشقاء شحاح من مسير يكنه حجب الغيب * ومن مظهر العداوة لاح يا وصي النبي نحن من الحق * على مثل بهجة الاصباح
فخذ الأوس والقبيل من الخزرج * بالطعن في الوغا والكفاح ليس منا من لم يكن لك في الله * وليا على الهدى والفلاح فجزاه أمير المؤمنين عليه السلام خيرا، ثم قام الناس بعده فتكلم كل واحد بمثل مقاله.
بيان:
القرم: السيد.
والنطاح - بالكسر -: الكباش الناطحة بالقرن، استعيرت هذا للشجعان.
وجماح الفرس: امتناعه من راكبه.
قوله: قراح.. أي مقروحة بالحسد.
قوله: على الخير متعلق بالشحاح كقوله تعالى: [أشحة على الخير]، واللاحي: اللائم، والملاحي: المنازع، ويقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره.
16 - مجالس المفيد: الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن المسعودي، عن محمد بن كثير، عن يحيى بن حماد القطان، عن أبي محمد الحضرمي، عن أبي علي الهمداني: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين! إني سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدثنا عن أمرك هذا.. أكان بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله أو شئ رأيته؟ فأما قد أكثرنا فيك الأقاويل وأوثقه عندنا ما قبلناه عنك وسمعناه من فيك، إنا كنا نقول لو رجعت إليكم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدري إذا سئلت ما أقول؟ أزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك؟ فإن قلت ذلك فعلام نصبك رسول الله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع، فقال: أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه؟!. وإن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاهم؟.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا عبد الرحمن! إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأنا يوم قبضه أولى بالناس مني بقميصي هذا، وقد كان من نبي الله (ص) إلي عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت سمعا لله وطاعة، وإن أول ما انتقصناه بعده إبطال حقنا في الخمس، فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم
من قريش فينا، وقد كان لي على الناس حق لو ردوه إلي عفوا قبلته وقمت به، فكان إلى أجل معلوم، وكنت كرجل له على الناس حق إلى أجل، فإن عجلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وإن أخروه أخذه غير محمود، وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو عند الناس محزون، وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس، فإذا سكت فاعفوني، فإنه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفوا عني ما كففت عنكم.
فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين! فأنت - لعمرك - كما قال الأول:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما * وأسمعت من كانت له أذنان بيان خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة انفه يشد فيها الزمام.
قوله عليه السلام: رعيان البهم.. أي رعاة البهائم والانعام.
وقال الجوهري: يقال: أعطيته عفو المال: يعني بغير مسألة.
وقال في النهاية - في حديث المغيرة -: محزون اللهزمة.. أي خشنها.. ومنه الحديث: احزن بنا المنزل.. أي صار ذا حزونة.. ويجوز أن يكون من قولهم
احزن الرجل واسهل: إذ ركب الحزن والسهل.
17 - الكافي: في الروضة، علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب ويعقوب السراج، عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كل منظر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، وحجة الله على العالمين، مصدقا للرسل الأولين، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله.
أما بعد، أيها الناس! فإن البغي يقود أصحابه إلى النار، وإن أول من بغى على الله جل ذكره عناق بنت آدم، وأول قتيل قتله الله عناق، وكان مجلسها جريبا من الأرض في جريب، وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين، فسلط الله عز وجل عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلوها، وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم، وآمن ما كانوا، وأمات هامان، وأهلك فرعون، وقد قتل عثمان، ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوطة القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم، ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل أهلها عليها، وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا
ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها، فأوردتهم الجنة، وفتحت لهم أبوابها، وجدوا ريحها وطيبها، وقيل لهم: [ادخلوها بسلام آمنين]، ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه، ومن لم أهبه له، ومن ليس له منه نوبة إلا نبي يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، أشرف منه [على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم] حق وباطل، ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما ما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل، ولئن رد عليكم أمركم إنكم سعداء، وما علي إلا الجهد، وإني لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي، ولو أشاء لقلت: عفا الله عما سلف، سبق فيه الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه، ويله! لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة والنار أمامه، ثلاثة واثنان، خمسة ليس لهم سادس، ملك يطير بجناحيه، ونبي أخذ الله بضبعيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها يأتي الكتاب وآثار النبوة، هلك من ادعى، وخاب من افترى، إن الله أدب هذه الأمة بالسيف والسوط وليس لاحد عند الامام فيهما هوادة، فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك.
بيان:
قوله عليه السلام: علا فاستعلى.. الاستعلاء هنا مبالغة في العلو، أي علا عن رتبة المخلوقين فاستعلى عن التشبه بصفاتهم، أو كان عاليا بالذات والصفات فأظهر وبين علوه بالايجاد، أو طلب علوه من العباد بأن يخضعوا عنده ويعبدوه، وعلى الأخيرين يكون الاستفعال للطلب بتقدير أو تجوز.
قوله عليه السلام: ودنا فتعالى.. أي دنا من كل شئ فتعالى أن يكون في مكان، إذ لا يمكن أن يكون للمكاني الدنو من كل شئ، أو دنوه دنو علم وقدرة وإيجاد وتربية، وهو عين علوه وشرافته ورفعته، فليس دنوه دنوا منافيا للعلو، بل مؤيد له، ويحتمل في الفقرتين أن يكون الفاء بمعنى الواو.. أي علا وكثر علاؤه، ودنا وتعالى أن يكون دنوه كدنو المخلوقين.
قوله عليه السلام: وارتفع فوق كل منظر.. المنظر: النظر والموضع المرتفع وكل ما نظرت إليه فسرك أو ساءك، فالمراد أنه - تعالى - ارتفع عن كل محل يمكن أن ينظر إليه، أي ليس بمرثي ولا مكاني، أو ارتفع عن كل نظر فلا يمكن لبصر الخلق النظر إليه، أو ارتفع عن محال النظر والفكر فلا يحصل في وهم ولا خيال ولا عقل، ويحتمل معنى دقيقا بأن يكون المراد بالارتفاع فوقه:
الكون عليه والتمكن فيه مجازا.. أي ظهر لك في كل ما نظرت إليه بقدرته وصنعه وحكمته.
قوله عليه السلام: خاتم النبيين.. - بفتح التاء وكسرها -... أي آخرهم.
قوله عليه السلام: فان البغي.. أي الظلم والفساد والاستطالة.
قوله عليه السلام: وإن أول من بغى.. كأنها كانت مقدمة على قابيل.
قوله عليه السلام: وأول قتيل قتله الله.. أي بالعذاب.
قوله عليه السلام: في جريب.. لعل المراد أنها كانت تملأ مجموع الجريب بعرضها وثخنها.
وفي تفسير علي بن إبراهيم: وكان مجلسها في الأرض موضع جريب، وفيما رواه ابن ميثم - بتغيير ما -: كان مجلسها من الأرض جريبا.
قوله عليه السلام - مثل المنجلين.. المنجل - كمنبر - ما يحصد به.
قوله عليه السلام: وأمات هامان.. أي عمر، وأهلك فرعون.. يعني أبا بكر، ويحتمل العكس، ويدل على أن المراد هذان الأشقيان:
قوله عليه السلام: وقد قتل عثمان.. ويمكن أن يقرأ قتل - على بناء المعلوم والمجهول -، والأول أنسب بما تقدم.
قوله عليه السلام: ألا وإن بليتكم.. أي ابتلاءكم وامتحانكم بالفتن.
قوله عليه السلام: لتبلبلن بلبلة.. البلبلة: الاختلاط، وتبلبلت الألسن.. أي اختلطت.
وقال ابن ميثم: وكنى بها عما يوقع بهم بنو أمية وغيرهم من امراه الجور من الهموم المزعجة، وخلط بعضهم ببعض، ورفع أراذلهم، وحط أكابرهم عما يستحق كل من المراتب.
وقال الجزري: فيه: دنت الزلازل، والبلابل: هي الهموم والأحزان، وبلبلة الصدور: وسواسه..، ومنه الحديث: " إنما عذابها في الدنيا البلابل والفتن " يعني هذه الأمة ، ومنه خطبة علي (ع): " لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة " انتهى. والأظهر أن المراد اختلاطهم واختلاف أحوالهم ودرجاتهم في الدين بحسب ما يعرض لهم من الفتن.
قوله عليه السلام: لتغربلن غربلة.. الظاهر أنها مأخوذة من الغربال الذي يغربل به الدقيق، ويجوز أن تكون من قولهم: غربلت اللحم.. أي قطعته، فعلى الأول الظاهر أن المراد تمييز جيدهم من رديهم، ومؤمنهم من منافقهم، وصالحهم من طالحهم، بالفتن التي تعرض لهم، كل أن في الغربال يتميز اللب من النخالة، وقيل: المراد خلطهم، لان غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض.
وقال ابن ميثم: هو كناية عن التقاط آحادهم وقصدهم بالأذى والقتل، كما فعل بكثير من الصحابة والتابعين، ولا يخفى ما فيه.
وعلى الثاني، فلعل المراد تفريقهم وقطع بعضهم عن بعض.
قوله عليه السلام: ولتساطن سوط القدر.. قال الجزري: ساط القدر
بالمسوط والمسواط بسوط، وهو خشبة يحرك بها ما فيها ليختلط، ومنه حديث علي (ع): لتساطن سوط القدر.
قوله عليه السلام: حتى يعود أسفلكم أعلاكم.. أي كفاركم مؤمنين، وفجاركم متقين، وبالعكس، أو ذليلكم عزيزا وعزيزكم ذليلا، موافقا لبعض الاحتمالات السابقة.
قوله عليه السلام: وليسبقن سابقون كانوا قصروا.. يعني عليه السلام به قوما قصروا في أول الأمر في نصرته ثم نصروه واتبعوه، أو قوما قصروا في نصرة الرسول صلى الله عليه وآله وأعانوه صلوات الله عليه.
قوله عليه السلام: وليقصرن سابقون كانوا سبقوا.. يجري فيه الاحتمالان السابقان، والأول فيهما أظهر كطلحة والزبير وأضرابهما، حيث كانوا عند غصب الخلافة يدعون أنهم من أعوانه صلوات الله عليه، وعند البيعة أيضا ابتدوا بالبيعة وكان مطلوبهم الدنيا، فلما لم يتيسر لهم كانوا أول من خالفه وحاربه.
قوله عليه السلام: والله ما كتمت وشمة.. أي كلمة مما أخبرني به الرسول صلى الله عليه وآله في هذه الواقعة، أو مما أمرت باخباره مطلقا، ويمكن أن يقرأ على البناء للمجهول، أي لم يكتم عني رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، والأول أظهر.
قال الجزري: في حديث علي (ع): والله ما كتمت وشمة.. أي كلمة انتهى. وفي بعض الروايات: وسمة - بالسين المهملة -، أي ما كتمت علامة
تدل على سبيل الحق، ولكن عميتم عنها، ولا يخفى لطف ضم الكتم مع الوسمة، إذ الكتم - بالتحريك - نبت يخلط بالوسمة يختضب به.
قوله عليه السلام: ولقد نبئت بهذا المقام.. أي أنبأني الرسول صلى الله عليه وآله بهذه البيعة وبنقض هؤلاء بيعتي.
قوله عليه السلام: شمس.. هو بالضم: جمع شموس، وهي الدابة تمنع ظهرها ولا تطيع راكبها، وهو مقابل الذلول، فشبه عليه السلام الخطايا بخيل صعاب إذا ركبها الناس لا يستطيعون منعها عن أن توردهم المهالك، والتقوى بمطايا زلل مطيعة منقادة أزمتها بيد ركابها يوجهونها حيث ما يريدون.
وقوله عليه السلام: وأعطوا أزمتها.. على البناء المفعول [كذا].. أي أعطاهم من أركبهم أزمتها، ويمكن أن يقرأ على البناء للفاعل.. أي أعطي الركاب أزمة المطايا إليها، فهن لكونهن ذللا لا يخرجن عن طريق الحق إلى أن يوصلن ركابهن إلى الجنة.
والتقحم: الدخول في الشئ مبادرة من غير تأمل.
قوله عليه السلام: بسلام.. أي سالمين من العذاب، أو مسلما عليكم،
آمنين من الآفة والزوال.
قوله عليه السلام: لم أشركه فيه.. أي في الخلافة، ولم أهب كله له، أو لم أهب جرم هذا الغصب له.
قوله عليه السلام: ومن ليست له توبة إلا بنبي يبعث.. أي لا يعلم قبول توبة من فعل مثل هذا الامر القبيح، وأضل هذه الجماعات الكثيرة إلا بنبي يبعث فيخبره بقبول توبته.
وفي بعض النسخ: نوبة.. أي ليست له نوبة في الخلافة إلا بنبي يبعث فيخبر عن الله أن له حصة في الخلافة.
وفي أكثر النسخ: إلا نبي - بدون الباء - فالمراد بالتوبة ما يوجب قبولها، أي ليس له سبب قبول توبة إلا بنبي ، ولعله من تصحيف النساخ.
قوله عليه السلام: أشرف منه.. أي بسبب غصبه الخلافة.
قوله عليه السلام: على شفا جرف.. قال الجوهري: شفا كل شئ:
حرفه، قال الله تعالى: [وكنتم على شفا حفرة].
و قال: والجرف والجرف مثل عسر وعسر: ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض، ومنه قوله تعالى: [على شفا جرف هار].
وقال: هار الجرف يهور هورا وهؤورا فهو هائر، ويقال - أيضا - جرف هار خفضوه في موضع الرفع وأرادوا هائر، وهو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما
قلبوا شائك السلاح إلى شاكي السلاح، وهورته فتهور: وانهار.. أي انهدم.
قوله عليه السلام: حق وباطل.. أي في الدنيا، أو هنا، أو بين الناس حق وباطل.
قوله عليه السلام: فلئن أمر الباطل.. أي كثر، قال الفيروزآبادي:
أمر - كفرح - أمرا وامرة: كثر.
قوله عليه السلام: فلقديما فعل.. أي فوالله لقد فعل الباطل ذلك في قديم الأيام، أي ليس كثرة الباطل ببديع حتى تستغرب أو يستدل بها على حقية أهله.
قوله عليه السلام: ولئن قل الحق فلربما.. أي فوالله كثيرا ما يكون الحق كذلك، ولعل، أي لا ينبغي أن يؤيس من الحق لقتله، فلعله يعود كثيرا بعد قلته، وعزيزا بعد ذلته.
قوله عليه السلام: ولقلما أدبر شئ فأقبل.. لعل المراد إنه إذا أقبل الحق وأدبر الباطل فهو لا يرجع، إذ رجوع الباطل بعد إدباره قليل، أو المراد بيان أن رجوع الحق إلينا بعد الادبار أمر غريب يفعله الله بفضله ولطفه وحكمته، أو المراد بيان أنه لا يرجع عن قريب، بل إنما يكون في زمن القائم عليه السلام.
قوله عليه السلام: ولئن رد إليكم أمركم.. أي في هذا الزمان.
قوله عليه السلام: وما علي إلا الجهد.. أي بذل الطاقة، قال الجوهري:
الجهد والجهد: الطاقة، وقرئ: [والذين لا يجدون إلا جهدهم] و (جهدهم).
قال الفراء: الجهد - بالضم -: الطاقة، والجهد - بالفتح - من قولك اجهد جهدك في هذا الامر.. أي أبلغ غايتك، ولا يقال: اجهد جهدك. والجهد:
المشقة.
قوله عليه السلام: أن تكونوا على فترة.. قال في النهاية: في حديث ابن مسعود: أنه مرض فبكى، فقال: إنما أبكي لأنه أصابني على حال فترة ولم يصبني في حال اجتهاد.. أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات، والفترة في غير هذا: ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة انتهى، فالمعنى أخشى أن تكونوا على فترة وسكون وفتور عن نصرة الحق، أو أن تكونوا كأناس كانوا بين النبيين لا يظهر فيهم الحق ويشتبه عليهم الأمور.
قوله عليه السلام: ملتم عني ميلة.. أي في أول الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وآله.
قوله عليه السلام: ولو أشاء لقلت.. أي بينت بطلان الرجلين اللذين اتبعتموهما وكفرهما، لكن لا تقتضيه مصلحة الحال.
قوله عليه السلام: عفا الله عما سلف.. أي لمن تاب في هذا الزمان.
قوله عليه السلام: كان خيرا له، قص الجناحين.. كناية عن منعه ورفع استيلائه وقبض يده عن أموال المسلمين ودمائهم وفروجهم، وقطع رأسه كناية عن قطع ما هو بمنزلة رأسه من الخلافة، أو المراد قتله ابتداء قبل ارتكاب هذه الأمور.
قوله عليه السلام: شغل.. أي بالدنيا عن تحصيل الجنة والحال أن النار
كانت أمامه، فكان ينبغي أن لا يشتغل مع هذا بشئ آخر سوى تحصيل الجنة والتخلص من النار.
قوله عليه السلام: ثلاثة واثنان.. الحاصل أن أحوال المخلوقين المكلفين تدور على خمسة، وإنما فصل الثلاثة عن الاثنين لأنهم من المقربين المعصومين الناجين من غير شك، فلم يخلطهم بمن سواهم.
الأول: ملك أعطاه الله جناحين يطير بهما في درجات الكمال صورة ومعنى.
والثاني: نبي أخذ الله بضبعيه..
الضبع - بسكون الباء -: وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط..
أي رفع الله بقدرته وعصمته من بين الخلق واختاره وقربه كأنه أخذ بعضده وقربه إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن رفع يده وأخذها عن المعاصي بعصمته، وأن يكون كناية عن تقويته، والأول أظهر.
والثالث: ساع مجتهد في الطاعات غاية جهده.. والمراد إما الأوصياء عليهم السلام أو أتباعهم الخلص، فالأوصياء داخلون في الثاني على سبيل التغليب، أو المراد بالثالث أعم منهما.
والرابع: عابد طالب للآخرة بشئ من السعي مع صحة إيمانه، وبذلك يرجو فضل ربه.
والخامس: مقصر ضال عن الحق كافر، فهو في النار.
قوله عليه السلام: اليمين والشمال مضلة.. أي كل ما خرج عن الحق فهو ضلال، أو المراد باليمين ما يكون بسبب الطاعات والبدع فيها، وباليسار ما يكون بسبب المعاصي.
قوله عليه السلام: عليها يأتي الكتاب.. أي على هذه الجادة أتى كتاب
الله وحث على سلوكها، وفي بعض النسخ: ما في الكتاب، وفي نسخ نهج البلاغة: باقي الكتاب، ولعل المراد ما بقي من الكتاب في أيدي الناس.
قوله عليه السلام: هلك من ادعى.. أي من ادعى مرتبة ليس بأهل لها كالإمامة.
قوله عليه السلام: وليس لاحد عند الامام فيها هوادة.. قال الجزري فيه:
" لا تأخذه في الله هوادة " أي لا يسكن عند وجوب حدود الله ولا يخابي فيه أحدا، والهوادة: السكون والرخصة والمحاباة انتهى.
قوله عليه السلام: والتوبة من ورائكم.. قال ابن ميثم: تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية واقتفاء أثر الشيطان، وكونها وراء، لان الجواذب الإلهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتى اعرض عنها والتفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من الندم على المعصية، والتوجه إلى القبلة الحقيقية، فإنه يصدق عليه إذن أن التوبة وراءه، أي وراء عقليا، وهو أولى من قول من قال من المفسرين: إن وراءكم بمعنى أمامكم.
قوله عليه السلام: من أبدى صفحته للحق هلك.. قال في النهاية:
صفحة كل شئ: وجهه وناصيته.
أقول:
المراد ومواجهة الحق ومقابلته ومعارضته، فالمراد بالهلاك الهلاك في الدنيا والآخرة، أو المراد إبداء الوجه للخصوم ومعارضتهم لاظهار الحق في كل
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.