بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۳۱، ص ۷۲–۱۲۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲۱ از ۲۲
فقال: بلغني أنك لا تزال تقول: أخذ هذا الامر حسدا وظلما. قال: أما قولك - يا أمير المؤمنين - حسدا، فقد حسد إبليس آدم، فأخرجه من الجنة، فنحن بنو آدم المحسودون، وأما قولك: ظلما، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو؟!، ثم قال: يا أمير المؤمنين!، ألم يحتج العرب على العجم بحق رسول الله (ص) واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فنحن أحق برسول الله (ص) من سائر قريش؟!. فقال عمر: قم الان فارجع إلى منزلك، فقام فلما ولى هتف به عمر: أيها المنصرف! إني على ما كان منك لراع حقك!. فالتفت ابن عباس، فقال: إن لي عليك - يا أمير المؤمنين - وعلى كل المسلمين حقا برسول الله صلى الله عليه [وآله]، فمن حفظ فحظ نفسه حفظ، ومن أوضاع فحق نفسه أضاع، ثم مضى، فقال عمر لجلسائه: واها (7)! لابن عباس، ما رأيته يحاج أحدا قط إلا خصمه!.
وروى أيضا ابن أبي الحديد، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر في أول خلافته وقد ألقي له صاع من تمرة على خصفة فدعاني إلى الاكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتى أتى عليه، فشرب من جرة كانت عنده، واستلقى على مرفقة له، وطفق يحمد الله.. ويكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله؟. قلت: من المسجد. قال: كيف خلفت ابن عمك؟، فظننته يعني عبد الله بن جعفر، قلت: خلفته يلعب مع أترابه. قال: لم أعن ذلك، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان ويقرأ القرآن. قال: يا عبد الله! عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة؟. قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] نص عليه؟. قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عما يدعيه، فقال:
صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله صلى الله عليه [وآله] في أمره زرؤ
من قول لا يثبت حجة، ولا يقطع عذرا، ولقد كان يزيغ في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحيطة على الاسلام! ولا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله صلى الله عليه [وآله] أني علمت ما في نفسه، فامسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم.
قال: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب بغداد في كتابه مسندا.
وروى أيضا، أنه قال عمر لابن عباس: يا عبد الله! أنتم أهل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبنو عمه فما منع قومكم منكم؟. قال: لا أدري، والله ما أضمرنا لهم إلا خيرا، قال: اللهم غفرا إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتذهبوا في السماء شتحا وبذخا، ولعلكم تقولون إن أبا بكر أول من أخركم، أما أنه لم يقصد ذلك ولكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم
مما فعل، ولولا رأي أبي بكر في لجعل لكم من الامر نصيبا، ولو فعل ما هناكم مع قومكم.. أنهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جاذره.
وروى أيضا، عن الزبير بن بكار، عن ابن عباس، أنه قال عمر - في كلام كان بينهما -: يا ابن عباس! إن صاحبكم إن ولي هذا الامر أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به، فليتني أراكم بعدي.
ورى - أيضا - فيه، عن أبي بكر الأنباري في أماليه: إن عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلما قام عرض واحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب، فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، والله لولا سيفه لما قام عمود الاسلام، وهو بعد أقضى الأمة وذو سابقتها وذو شرفها. فقال له ذلك القائل:
فما منعكم - يا أمير المؤمنين - عنه؟. قال: كرهناه على حداثة السن وجبه بني عبد المطلب.
فقد ظهر من تلك الأخبار إن عمر كان يبذل جهده في منع أمير المؤمنين عن الخلافة، مع أنه كان يعترف مرارا أنه كان أحق بها، وأن الله ورسوله صلى الله عليه وآله كانا يرتضيانه لها.
ومنها: إنهم رووا أنه قال - بعد ما طعن -: لو كان سالم حيا لم يخالجني فيه شك واستخلفته، مع إن الخاصة والعامة - إلا شذوذا لا يعبأ بهم - اتفقت على أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، وتضافرت بذلك الروايات، ورووا أنه شهد عمر يوم السقيفة بأن النبي صلى الله عليه وآله قال: الأئمة من قريش، وذلك مناقضة صريحة ومخالفة للنص والاتفاق.
و أما المقدمة الأولى: فروى ابن الأثير في الكامل، عن عمر بن ميمون: إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين! لو استخلفت؟.
قال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله. فقال له رجل:
أدلك على عبد الله بن عمر. فقال: قاتلك الله! والله ما أردت الله بهذا، ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته، لا أرب لنا في أموركم ما حمدتها فأرغب فيها لاحد من أهل بيتي، إن كان خيرا، فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد صلى الله عليه [وآله].
وروى السيد رضي الله عنه في الشافي، وابن أبي الحديد في شرح النهج، عن الطبري مثله.
وروى السيد رحمه الله، عن أحمد بن محمد البلاذري في كتاب تاريخ الاشراف، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع: إن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد ابن زيد، فقال: اعلموا إني لم أقل في الكلالة شيئا، ولم أستخلف بعدي أحدا، وإنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله. فقال سعيد بن زيد:
أما أنك لو أشرت إلى رجل من المسلمين ائتمنك الناس. فقال عمر: لقد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، وإني جاعل هذا الامر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله (ص) وهو عنهم راض. ثم قال: لو أدركني أحد الرجلين لجعلت هذا الامر إليه و لوثقت به، سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة ابن الجراح، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟. فقال:
له: قاتلك الله (9)! ما أردت والله أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته.
قال عفان - يعني بالرجل الذي أشار إليه بعبد الله بن عمر: المغيرة بن شعبة.
وقد ذكر هذه الرواية قاضي القضاة ولم يطعن فيها.
وأما المقدمة الثانية: فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، وصاحب جامع الأصول، عن أبي هريرة، إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا، تجدون من خير الناس أشد كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه.
ورووا جميعا، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]:
لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي منهم اثنان.
وروى البخاري، عن معاوية، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه [وآله] وسلم: إن هذا الامر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين.
وروى مسلم، عن جابر، أنه صلى الله عليه [وآله] قال: الناس تبع لقريش في الخير والشر.
وروى صاحب جامع الأصول، عن الترمذي بإسناده، عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة.
وقال قاضي القضاة في المغني - في بحث إن الأئمة من قريش -: قد استدل شيوخنا على ذلك بما روي عنه صلى الله عليه [وآله]: إن الأئمة من قريش.
وروى أيضا أنه قال: هذا الامر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش.
وقووا ذلك بما كان يوم السقيفة من كون ذلك سببا لصرف الأنصار عما كانوا عزموا عليه، لأنهم عند هذه الرواية انصرفوا عن ذلك وتركوا الخوض فيه.
وقووا ذلك بأن أحدا لم ينكره في تلك الحال، فإن أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين، فشهدوا به حتى صار خارجا عن باب خبر الواحد إلى الاستفاضة.
وقووا ذلك بأن ما جرى هذا المجرى إذا ذكر في ملا من الناس وادعى عليهم المعرفة فتركهم النكير يدل على صحة الخبر المذكور.
وقال شارح المواقف في بحث شروط الإمامة: اشترط الأشاعرة والجبائيان أن يكون الامام قرشيا، ومنعه الخوارج وبعض المعتزلة.
لنا قوله صلى الله عليه [وآله]: الأئمة من قريش. ثم الصحابة عملوا بمضمون هذا الحديث، فإن أبا بكر استدل به يوم السقيفة على الأنصار حين نازعوا في الإمامة بمحضر الصحابة فقبلوه وأجمعوا عليه فصار دليلا قطعيا يفيد اليقين باشتراط القرشية.
ثم أجاب عن حجة المخالف.
وأجاب قاضي القضاة عن المناقصة بأنه يحتمل أن يريد عم أنه لو كان
سالم حيا لم يتخالجه الشك في إدخاله في المشورة والرأي دون التأهيل للإمامة.
وبطلانه واضح، فإن الروايات كما عرفت صريحة في الاستخلاف وتفويض الامر إليه، ولا تحتمل مثل هذا التأويل، كما لا يخفى على المنصف.
ثم إن قوله في سالم وأبو عبيدة دليل ظاهر على جهله، فإن ما رووا عنه من الامتناع عن التعيين والتنصيص معللا بقوله: ما أردت أن أتحملها حيا وميتا، بعد اعترافه بأن أمير المؤمنين عليه السلام لو ولي الأمر لحمل الناس على الحق، يدل على أنه إنما عدل عن النص احتياطا وخوفا من الله تعالى، وحذرا من أن يسأل يوم القيامة عما يفعله من استخلفه، فلذلك ترك الاستخلاف وجعل الامر شورى ليكون أعذر عند الله تعالى، ومع ذلك تمنى أن يكون سالم حيا حتى يستخلفه وينص عليه، ولم يخف من السؤال عن استخلافه، وظن أن ما سمعه ابن عمه في سالم أنه: شديد الحب لله تعالى، حجة قاطعة على استحقاقه للخلافة، مع أن شدة الحب لله ليس أمرا مستجمعا لشرائط الإمامة، ولا يستلزم القدرة على تحمل أعباء الخلافة، وشدة الحب لله لها مراتب شتى، فكيف يستدل بالخبر على أنها بلغت حدا يمنع صاحبها عن ارتكاب المنكرات أصلا، ولو كان مثل ذلك قاطعا للعذر كيف لم يكن وصف أمير المؤمنين عليه السلام في خبر الطير بأنه أحب الخلق إلى الله تعالى.. حجة تامة، ومع أن المحبوبية إلى الله أبلغ من الحب لله، وشدة الحب لا يستلزم الفضل على جميع الخلق، فلم لم يصرح باسم أمير المؤمنين عليه السلام ليعتذر يوم القيامة بهذا الخبر وسائر النصوص المتواترة والآيات المتظافرة الدالة على فضله وإمامته وكرامته.
ولنعم ما قال أبو الصلاح في كتاب تقريب المعارف: إن ذلك تحقيق لما ترويه الشيعة من تقدم المعاهدة بينه وبين صاحبه وأبي عبيدة وسالم مولى أبي
حذيفة على نزع هذا الامر من بني هاشم لو قد مات محمد صلى الله عليه وآله، ولولا ذلك لم يكن لتمنيه سالما وإخباره عن فقد الشك فيه - مع حضور وجوه الصحابة وأهل السوابق والفضائل والذرائع التي ليس لسالم منها شئ - وجه يعقل، وكذا القول في تمنية أبا عبيدة بن الجراح. انتهى.
وبالجملة، صدر عنه في الشورى ما أبدى الضغائن الكامنة في صدره، وبذلك أسس أساسا للفتنة والظلم والعدوان على جميع الأنام إلى يوم القيام.
قال ابن أبي الحديد: حدثني جعفر بن مكي الحاجب، قال: سألت محمد بن سليمان حاجب الحجاب. - قال ابن أبي الحديد: وقد رأيت أنا محمدا هذا، وكانت لي به معرفة غير مستحكمة، وكان ظريفا أديبا، وقد اشتغل بالرياضيات من الفسلفة، ولم يكن يتعصب لمذهب بعينه -، قال جعفر: سألته عما عنده في أمر علي (ع) وعثمان؟، فقال: هذه عداوة قديمة بين بني عبد شمس وبين بني هاشم.. وساق الكلام إلى قوله:
وأما السبب الثاني في الاختلاف في أمر الإمامة فهو: إن عمر جعل الامر شورى بين الستة ولم ينص على واحد بعينه، إما منهم أو من غيرهم، فبقي في نفس كل واحد منهم أنه قد رشح للخلافة، وأنه أهل للملك والسلطنة، فلم يزل ذلك في نفوسهم وأذهانهم مصورا بين أعينهم مرتسما في خيالاتهم، منازعة إليه نفوسهم، طامحة نحوه عيونهم، حتى كان من الشقاق بين علي (ع) وعثمان ما
كان، وحتى أفضي الامر إلى قتل عثمان، وكان أعظم الأسباب في قتله طلحة، وكان لا يشك في أن الامر له بعده لوجوه، منها سابقته، ومنها أنه كان ابن عم أبي بكر، وكان لأبي بكر في نفوس أهل ذلك العصر منزلة عظيمة أعظم منها الان، ومنها أنه كان سمحا جوادا، وقد كان نازع عمر في حياة أبي بكر، وأحب أن يفوض أبو بكر الامر إليه فما زال يفتل في الذروة والغارب في أمر عثمان، وينكر له القلوب، ويكدر عليه النفوس، ويغري أهل المدينة والاعراب وأهل الأمصار به، وساعده الزبير، وكان أيضا يرجو الامر لنفسه، ولم يكن رجاؤهما الامر بدون رجاء علي (ع)، بل رجاؤهما كان أقوى، لان عليا (ع) دخضه الأولان وأسقطاه وكسرا ناموسه بين الناس، وصار نسيا منسيا، ومات الأكثر ممن كان يعرف خصائصه التي كانت له في أيام النبوة وفضله، ونشأ قوم لا يعرفونه ولا يعرفونه ولا يرونه إلا رجلا من عرض المسلمين، ول يبق له من فضائله إلا أنه ابن عم الرسول صلى الله عليه [وآله] وزوج ابنته وأبو سبطيه، ونسي ما وراء ذلك، واتفق له من بعض قريش وانحرافها ما لم يتفق لاحد، وكانت قريش تحب طلحة والزبير، لان الأسباب الموجبة لبغضهم لم تكن موجودة فيهما، وكانا يتألفان قريشا في أواخر أيام
عثمان، ويعدانهم بالعطاء والافضال، وهما عند أنفسهما وعند الناس خليفتان بالقوة لا بالفعل، لان عمر نص عليهما وارتضاهما للخلافة، عمر كان متبع القول، مرضي الفعال، مطاعا نافذ الحكم في حياته ومماته، فلما قتل عثمان، أرادها طلحة وحرص عليها، فلولا الأشتر وقوم معه من شجعان العرب جعلوها في علي (ع) لم تصل إليه أبدا، فلما طلحة والزبير، فتقا ذلك الفتق العظيم، وأخرجا أم المؤمنين معهما، وقصدا العراق وأثارا الفتنة، وكان من حرب الجمل ما قد علم وعرف، ثم كان حرب الجمل مقدمة وتمهيدا لحر ب صفين، فإن معاوية لم يكن ليفعل ما فعل لولا طمعه بما جرى في البصرة، ثم أوهم أهل الشام أن عليا (ع) قد فسق بمحاربة أم المؤمنين، محاربة المسلمين، وأنه قتل طلحة والزبير وهما من أهل الجنة، ومن يقتل مؤمنا من أهل الجنة فهو من أهل النار، فهل كان الفساد المتولد في صفين إلا فرعا للفساد الكائن يوم الجمل؟! ثم نشأ من فساد صفين وضلال معاوية كل ما جرى من الفساد والقبيح في أيام بني أمية، ونشأت فتنة ابن الزبير فرعا من يوم الدار، لان عبد الله كان يقول: إن عثمان لما أيقن بالقتل نص علي بالخلافة، ولي بذلك شهود، منهم مروان بن الحكم، أفلا ترى كيف تسلسلت هذه الأمور فرعا على أصل، وغصنا من شجرة، وجذوة من ضرام؟! وهكذا يدور بعضه على بعض وكله من الشورى في الستة. قال: وأعجب من ذلك قول عمر - وقد قيل له: إنك استعملت
سعيد بن العاص ومعاوية وفلانا وفلانا من المؤلفة قلوبهم ومن الطلقاء وأبناء الطلقاء وتركت أن تستعمل عليا والعباس والزبير وطلحة؟! - فقال: فأما علي، فأتيه من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش، فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد، فيكثروا فيها الفساد، فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه، كيف لم يخف من جعلهم ستة متساوين في الشورى، مرشحين للخلافة؟! وهل شئ أقرب إلى الفساد من هذا (3)؟! وقد رووا أن الرشيد رأى يوما محمدا وعبد الله - ابنيه - يلعبان ويضحكان، فسر بذلك، فلما غابا عن عينه بكى، فقال له الفضل بن الربيع: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، وهذا مقام جذل لا مقام حزن؟!. فقال: أما رأيت لعبهما ومودة بينهما؟، أما والله ليتبدلن ذلك بغضا وسيفا، وليختلسن كل واحد منهما نفس صاحبه عن قريب، فإن الملك عقيم، وكان الرشيد قد عقد الامر لهما على ترتيب، هذا بعد هذا، فكيف من لم يرتبوا في الخلافة، بل جعلوا فيها كأسنان المشط؟!
فقلت أنا لجعفر: هذا كله تحكيه عن محمد بن سليمان، فما تقول أنت؟، فقال:
إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام انتهى.
فقد ظهر أن جميع الفتن الواقعة في الاسلام من فروع الشورى والسقيفة وسائر ما أبدعه وأسسه هذا المنافق وأخوه عليهما لعنة اللاعنين.
بيان:
قوله عليه السلام: يهر عقيرته.. الهرير: الصوت والنباح.
والعقيرة - كفعيلة أيضا - الصوت.. أي يرفع صوته. وفي بعض النسخ بالزاي.
وعفيرته - بالفاء على التصغير - والعفرة: بياض الإبط، ولعل المعنى يحرك منكبيه للخيلاء، والأول أظهر.
قال الجوهري: العقيرة: الساق المقطوعة، وقولهم: رفع فلان عقيرته..
اي صوته، وأصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ، فقيل بعد لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته.
الطعن التاسع عشر:
إنه أوصى بدفنه في بيت النبي صلى الله عليه وآله وكذلك تصدى لدفن أبي بكر هناك، وهو تصرف في ملك الغير من غير جهة شرعية، وقد نهى الله الناس عن دخول بيته صلى الله عليه وآله من غير إذن بقوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم﴾ 1، وضربوا المعاول عند أذنه صلى الله عليه وآله، قال تعالى:
﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا.
وتفصيل القول في ذلك، إنه ليس يخلو موضع قبر النبي صلى الله عليه وآله من أن يكون باقيا على ملكه أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة - كما ادعاه بعضهم - فإن كان الأول لم يخل من أن يكون ميراثا بعده أو صدقة، فإن كان ميراثا فما كان يحل لأبي بكر وعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة، ولم نجد أحدا خاطب أحدا من الورثة على ابتياع هذا المكان ولا استنزله عنه بثمن ولا غيره، وإن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين، وابتياعه منهم - إن جاز الابتياع - لما يجري هذا المجرى، وإن كان نقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله والحجة فيه، فإن فاطمة عليها السلام لم يقنع
منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها ولا شهادة من شهد لها.
وأما استدلال بعضهم بإضافة البيوت إليهن في قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن..﴾ 1 فمن ضعيف 2 الشبهة، إذ هي لا تقتضي الملك وإنما تقتضي السكنى، والعادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ 3 ولم يرد تعالى إلا حيث يسكن وينزلن دون حيث يملكن بلا شبهة، وأيضا قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم﴾ 4 متأخر في الترتيب عن قوله: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، فلو كان هذا دالا على مليكة الزوجات لكان ذلك دالا على كونها ملكه صلى الله عليه وآله، والجمع بين الآيتين بالانتقال لا يجديهم، لتأخر النهي عن الدخول من غير إذن عن الآية الأخرى في الترتيب، والترتيب حجة عند كلهم أو جلهم، مع أنه ظاهر أن البيوت كانت في يده صلى الله عليه وآله يتصرف فيها كيف يشاء، واختصاص كل من الزوجات بحجرة لا يدل على كونها ملكا لها.
وأما اعتذارهم بأن عمر استأذن عائشة في ذلك، حيث روى البخاري، عن عمرو بن ميمون - في خبر طويل يشمل على قصة قتل عمر - قال: قال لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن
يدفن مع صاحبيه،.. فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن ان يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولا تؤثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل هذا عبد الله ابن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟. فقال:
الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله، ما كان شئ أهم إلي من ذلك. قال: فإذا أنا قضبت فاحملوني، ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين...
فهذا دليل واضح على جهله أو تسويله وتمويهه على العوام، لما قد عرفت من أنه إن كان صدقة يشترك فيه المستحقون - كما يدل عليه الخبر الذي افتراه أبو بكر - فتحريم التصرف فيه بالدفن ونحوه واضح، وإن كان ميراثا فالتصرف فيه قبل القسمة من دون استيذان جميع الورثة أيضا محرم، ولا ينفع طلب الاذن من عائشة وحدها.
ومن أعجب العجب ان الجهال من المخالفين بل علماؤهم يعدون هذا الدفن من مناقبهما وفضائلهما، بل يستدلون به على استحقاقهما للإمامة والخلافة.
وقد روى الشيخ المفيد قدس الله روحه في مجالسه إن فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مر بأبي حنيفة - وهو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه -، فقال لصاحب كان معه: والله لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة.. فدنا منه فسلم عليه، فرد ورد القوم بأجمعهم السلام عليه، فقال: يا أبا حنيفة رحمك الله!
إن لي أخا يقول: إن خير الناس بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب (عليه
السلام) وأنا أقول إن أبا بكر خير الناس وبعده عمر، فما تقول أنت رحمك الله؟. فأطرق مليا ثم رفع رأسه، فقال: كفى بمكانهما من رسول الله صلى الله عليه [وآله] كرما وفخرا، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة أوضح لك من هذه؟!. فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لأخي، فقال: والله لئن كان الموضع لرسول الله صلى الله عليه وآله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله فقد أساءا وما أحسنا إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما، فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له:
لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما، فقال فضال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم إن النبي (ص) مات عن تسع نساء، ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم أنظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (ص) وفاطمة عليها السلام ابنته تمنع الميراث. فقال أبو حنيفة: يا قوم! نحوه عني، فإنه والله رافضي خبيث. انتهى.
ثم على تقدير جواز دفنهما هناك فلا دلالة له على فضلهما بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله تعالى، فإن ذلك إنما يكون بالصالحات من الأعمال كما
قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقيكم﴾. نعم لو كان ذلك بوصية من النبي صلى الله عليه وآله لكان كاشفا عن فضل ودليلا على شرف، وما روي من أنه يلحق الميت نفع في الآخرة بالدفن في المشاهد المشرفة فإنما هو في الحقيقة إكرام لصاحب المشهد بالتفضل على من حل بساحته وفاز بجواره إن كان من شيعته والمخلصين له.
NoteV31P097N٢٤ باب نسب عمر وولادته ووفاته وبعض نوادر أحواله، وما جرى بينه وبين أمير المؤمنين صلوات الله عليه ١ - تفسير علي بن إبراهيم 1: قال علي بن إبراهيم: ثم حرم الله عز وجل نكاح الزواني، فقال: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾، وهو رد على من يستحل التمتع بالزواني والتزويج بهن، وهن المشهورات المعروفات بذلك في الدنيا، لا يقدر الرجل على تحصنهن، ونزلت هذه الآية في نساء مكة، كن مستعلنات بالزنا، سارة، وحنتمة، والرباب كن يتغنين بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله، فحرم الله نكاحهن، وجرت بعدهن في النساء من أمثالهن.
قال العلامة - نور الله ضريحه - في كتاب كشف الحق، وصاحب كتاب إلزام النواصب:.. وروى الكلبي - وهو من رجال أهل السنة - في كتاب المثالب، قال: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، فوقع عليها نفيل بن هاشم، ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح، فجاءت بنفيل جد عمر ابن الخطاب.
وقال الفضل بن روزبهان الشهرستاني في شرحه - بعد القدح في صحة النقل -: إن أنكحة الجاهلية - على ما ذكره أرباب التواريخ - على أربعة أوجه:
المرأة، وربما كان هذه من أنكحة الجاهلية.
وأورد عليه شارح الشرح رحمه الله: بأنه لو صح ما ذكره لما تحقق زنا في الجاهلية، ولما عد مثل ذلك في المثالب، ولكان كل من وقع على امرأة كان ذلك نكاحا منه عليها، ولم يسمع من أحد أن من أنكحة الجاهلية كون امرأة واحدة في يوم واحد أو شهر واحد في نكاح جماعة من الناس.
ثم إن الخطاب - على ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب - ابن نفيل بن
عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن القرط بن زراح بن عدي بن كعب القرشي، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
قال: وقد قالت طائفة في أم عمر حنتمة بنت هشام بن المغيرة، ومن قال ذلك فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام، والحرث بن هشام المغيرة، وليس كذلك، وإنما هي بنت عمه، لان هشام بن المغيرة والحرث ابن المغيرة أخوان لهاشم والد حنتمة أم عمر، وهشام والد الحرث وأبي جهل.
وحكى بعض أصحابنا عن محمد بن شهرآشوب وغيره: أن سهاك كانت أمة حبشية لعبد المطلب، وكانت ترعى له الإبل، فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب، ثم إن الخطاب لما بلغ الحلم رغب في صهاك فوقع عليها فجاءت بابنة فلفتها في خرقة من صوف ورمتها خوفا من مولاها في الطريق، فرآها هاشم بن المغيرة مرمية فأخذها ورباها وسماها: حنتمة، فلما بلغت رآها خطاب يوما فرغب فيها وخطبها من هاشم فأنكحها إياه فجاءت بعمر بن الخطاب، فكان الخطاب أبا وجدا وخالا لعمر، وكانت حنتمة أما وأختا وعمة له، فتدبر.
وأقول: وجدت في كتاب عقد الدرر لبعض الأصحاب روى
بإسناده، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن ابن الزيات، عن الصادق عليه السلام أنه قال: كان صهاك جارية لعبد المطلب، وكانت ذات عجز، وكانت ترعى الإبل، وكانت من الحبشة، وكانت تميل إلى النكاح، فنظر إليها نفيل جد عمر فهواها وعشقها من مرعى الإبل فوقع عليها، فحملت منه بالخطاب، فلما أدرك البلوغ نظر إلى أمه صهاك فأعجبه عجزها فوثب عليها فحملت منه بحنتمة، فلما ولدتها خافت من أهلها فجعلتها في صوف وألقتها بين أحشام مكة، فوجدها هشام بن المغيرة بن الوليد، فحملها إلى منزله ورياها وسماها - ب: الحنتمة، كانت مشيمة العرب من ربى يتيما يتخذه ولدا، فلما بلغت حنتمة نظر إليها الخطاب فما إليها وخطبها من هشام، فتزوجها فأولد منها عمر، وكان الخطاب أباه وجده وخاله، وكانت حنتمة أمه وأخته وعمته.
وينسب إلى الصادق عليه السلام في هذا المعنى شعر:
من جده خاله ووالده * وأمه أخته وعمته أجدر أن يبغض الوصي وأن * ينكر يوم الغدير بيعته انتهى. وقال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السلام: لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر.. في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن، كما يقال: إن آل سعد بن أبي وقاص ليسوا من بني زهرة بن كلاب، وإنهم من بني
عذرة من قطحان، وكما يقال إن آل زبير بن العوام من أرض مصر من القبط، وليسوا من بني أسد بن عبد العزى.
ثم قال: قال شيخنا أبو عثمان في كتاب (مفاخرات قريش):... بلغ عمر بن الخطاب أن أناسا من رواة الاشعار وحملة الآثار يقصبون الناس ويثلبونهم في أسلافهم، فقام على المنبر، فقال: إياكم وذكر العيوب والبحث عن الأصول، فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الأبواب إلا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد. فقام رجل من قريش - نكره أن نذكره - فقال: إذا كنت أنا وأنت - يا أمير المؤمنين - نخرج!. فقال: كذبت، بل كان يقال لك: يا قين ابن قين، اقعد!.
قلت: الرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان عمر يبغضه لبغضه أباه خالدا، ولان المهاجر كان علوي الرأي جدا، وكان أخوه عبد الرحمن بخلافه، شهد المهاجر صفين مع علي عليه السلام وشهدها عبد الرحمن مع معاوية، وكان المهاجر مع علي عليه السلام يوم الجمل، وفقئت ذلك اليوم عينه، ولان الكلام الذي بلغ عمر بلغه من المهاجر، وكان
الوليد بن المغيرة - مع جلالته في قريش وكونه يسمى: ريحانة قريش، ويسمى:
العدل، ويسمى 1: الوحيد - حدادا يصنع الدروع 2 بيده، ذكر ذلك فيه ابن قتيبة 3 في كتاب المعارف 4.
وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء 5، وقال:
إنه روي عند جعفر بن محمد عليهما السلام بالمدينة، فقال: لا تلمه يا بن أخي، إنه أشفق أن يحدج بقصة 6 نفيل بن عبد العزى وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب 7، ثم قال: رحم الله عمر، فإنه لم يعد السنة، وتلا: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ . انتهى.
بيان:
قال الجوهري: حدجه بذنب غيره: رماه به.
انظر كيف بين عليه السلام رداءة نسب عمر وسبب مبالغته في النهي عن التعرض للأنساب، ثم مدحه تقية، وما أومى إليه من قصة أمة الزبير هو ما رواه الكليني طيب الله تربته في روضة الكافي، عن الحسين، عن أحمد بن هلال، عن زرعة، عن سماعة، قال: تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجارية رجل
عقيلي، فقالت له: إن هذا العمري قد آذاني. فقال لها: عديه وأدخليه الدهليز، فأدخلته، فشد عليه فقتله وألقاه في الطريق، فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون، وقالوا: ما لصحابنا كفو؟ لن نقتل به إلا جعفر بن محمد، وما قتل صاحبنا غيره، وكان أبو عبد الله عليه السلام قد مضى نحو قبا، فلقيته بما اجتمع القوم عليه. فقال: دعهم. قال: فلما جاء وراه وثبوا عليه، وقالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك، وما نقتل به أحدا غيرك!، فقال: لتكلمني منكم جماعة، فاعتزل قوم منهم، فأخذ بأيديهم فأدخلهم المسجد، فخرجوا وهو يقولون شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمد، معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به، انصرفوا. قال: فمضيت معه، فقلت: جعلت فداك! ما كان أقرب رضاهم من سخطهم. قال: نعم، دعوتهم فقلت: أمسكوا وإلا أخرجت الصحيفة. فقلت:
وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك؟!. فقال: أم الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب، فسطر بها نفيل فأحبلها، فطلبه الزبير، فخرج هاربا إلى الطائف، فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف، فقالوا: يا أبا عبد الله! ما تعمل ها هنا؟.
قال: جاريتي سطر بها نفيلكم، فهرب منه إلى الشام، فخرج الزبير في تجارة له إلى الشام، فدخل على ملك الدومة، فقال له: يا أبا عبد الله! لي إليك حاجة؟.
قال: وما حاجتك أيها الملك؟. فقال: رجل من أهلك قد أخذت وله فأحب أن ترده عليه. قال: ليظهر لي حتى أعرفه. فلما أن كان من الغد دخل إلى الملك فلما رآه الملك ضحك. فقال: ما يضحكك أيها الملك؟. قال: ما أظن هذا الرجل ولدته عربية، لما رآك قد دخلت لم يملك استه أن جعل يضرط. فقال: أيها
الملك! إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك، فلما قدم الزبير تحمل عليه ببطون قريش كلها أن يدفع إليه ابنه فأبى، ثم تحمل عليه بعبد المطلب، فقال: ما بيني وبينه عمل، أما علمتم ما فعل في ابني فلان، ولكن امضوا أنتم إليه، فقصدوه وكلموه، فقال لهم الزبير: إن الشيطان له دولة وإن ابن هذا ابن الشيطان، ولست آمن أن يترأس علينا، ولكن أدخلوه من باب المسجد علي على أن أحمي له حديدة وأخط في وجهه خطوطا، وأكتب عليه وعلى ابنه أن لا يتصدر في مجلس، ولا يتأمر على أولادنا، ولا يضرب معنا بسهم. قال: ففعلوا وخط وجهه بالحديد، وكتب عليه الكتاب، وذلك الكتاب عندنا. فقلت: إذا مسكتم وإلا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم، فأمسكوا.
وتوفي مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يخلف وارثا، وخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله (ع)، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في تلك السنة ، فجلس لهم، فقال داود بن علي: الولاء لنا. وقال أبو عبد الله عليه السلام: بل الولاء لي، فقال داود بن علي: إن أباك قاتل معاوية. فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان خط أبيك فيه الأوفر، ثم فر بجناحيه. وقال: والله!
لأطوقنك غدا طوق الحمامة، فقال له داود بن علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في واد الأزرق، فقال: أما انه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حق، قال: فقال
هشام: إذا كان غدا جلست لكم، فلما أن كان من الغد خرج أبو عبد الله عليه السلام ومعه كتاب في كرباسة، وجلس لهم هشام، فوضع أبو عبد الله عليه السلام الكتاب بين يديه، فلما قرأه قال: ادعوا إلي جندل الخزاعي وعكاشة الضميري - وكانا شيخين قد أدركا الجاهلية -، فرمى الكتاب إليهما، فقال:
تعرفان هذه الخطوط؟. قالا: نعم، هذا خط العاص بن أمية، وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش، وهذا خط حرب بن أمية، فقال هشام: يا أبا عبد الله!
أرى خطوط أجدادي عندكم؟. فقال: نعم. قال: قد قضيت بالولاء لك.
قال: فخرج وهو يقول:
إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضرة قال: قلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك؟. قال: فإن نيثلة كانت أمة لام الزبير ولأبي طالب وعبد الله فأخذها عبد المطلب فأولدها فلانا، فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من أمنا وابنك هذا عبد لنا، فتحمل عيه ببطون قريش. قال: فقال: قد أجبتك على خلة على أن لا يتصدر ابنك هذا في مجلس، ولا يضرب معنا بسهم، فكتب عليه كتابا وأشهد عليه، فهو هذا
الكتاب.
بيان:
قوله: تعرض.. أي أراد الفجور معها ومراودتها.
قوله: فقالت له.. أي للعقيلي مولاها.
قوله: فشد عليه.. أي حمل عليه، وقد كان كمن له في الدهليز.
قوله: فلقيته.. أي قال سماعة: فذهبت إليه وأخبرته بالواقعة.
قوله عليه السلام: فسطر - بالسين المهملة -.. أي زخرف لها الكلام وخدعها. قال الجزري: سطر فلان على فلان: إذا زخرف له الأقاويل ونمقها، وتلك الأقاويل: الأساطير والسطر، وفي بعض النسخ: بالشين المعجمة.
قال الفيروزآبادي: يقال: شطر شطره.. أي قصد قصده، أو هو
تصحيف شغر بها - بالغين المعجمة -.. أي رفع رجلها للجماع.
قوله عليه السلام: على ملك الدومة.. أي دومة الجندل، وهي - بالضم -:
حصن بين المدينة والشام، ومنهم من يفتح الدال.
قوله: تحمل عليه ببطون قريش.. أي كلفهم الشفاعة عند الزبير ليدفع إليه الخطاب، فلما يئس من ذلك ذهب إلى عبد المطلب ليتحمل على زبير بعبد المطلب مضافا إلى بطون قريش، فقال عبد المطلب لنفيل: ما بيني وبينه عمل؟ - أي معاملة وألفة - أما علمتم أنه - يعني زبيرا - ما فعل بي في ابني فلان - وأشار بذلك إلى ما سيأتي من قصة العباس في عجز الخبر - قال: ولكن امضوا أنتم - يعني نفيلا - مع بطون قريش إلى الزبير.
قوله: أن لا يتصدر.. أي لا يجلس في صدر المجلس.
قوله: ولا يضرب معنا بسهم.. أي لا يشترك معنا في قسمة شئ لا ميراث ولا غيره.
قوله عليه السلام: فقد كان خط أبيك.. أي جدك عبد الله بن العباس
فيه الأوفر.. أي أخذ وافرا من غنائم تلك الغزوة، وكان من شركائها وأعوانه عليه السلام فيها.
قوله عليه السلام: ثم فر بجنايته.. إشارة إلى جناية عبد الله في بيت مال البصرة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
أقول:
قد مر في باب كفر الثلاثة من تفسير علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى:
(ذرني ومن خلقت وحيدا) بإسناده، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال عليه السلام: الوحيد ولد الزنا، وهو زفر.. إلى آخر الآيات.
أما حسب عمر:
فحكى العلامة في كتاب كشف الحق، عن ابن عبد ربه في كتاب العقد، أن عمر كان حطابا في الجاهلية كأبيه الخطاب.
وقال مؤلف إلزام النواصب: روى ابن عبد ربه في كتاب العقد في استعمال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص، فقال عمرو: قبح الله زمانا كذا، وقد سلف: بجناحيه، وفي نسخة: بخيانته. وفي الواقع كلام ليس هذا محله.
تفسير علي بن إبراهيم 2 / 395.
المدثر: 11.
وانظر : ما ذكره البحراني في حلية الأبرار 1 / 180. ولا توجد في (س) من قوله: أقول.. إلى هنا.
كشف الحق: 348.
العقد الفريد 1 / 48. وفي (س): روي أن عبد ربه في كتاب العقد. وهو سهو.
في (ك): خطابا.
إلزام النواصب: 97 - 98 - الخطية - باختلاف يسير.
العقد الفريد 1 / 48. وأورده العلامة الحلي في كشف الحق: 348.
في الالزام زيادة: في بعض ولايته.
في كشف الحق: فقال عمرو بن العاص. (*)
عمل فيه عمرو بن العاص بعمر بن الخطاب، والله إني لأعرف الخطاب يحمل حزمة من حطب وعلى ابنه مثلها وما معه إلا تمرة لا تنفع منفعة.
وقال ابن الأثير في النهاية - في تفسير الخبط: وهو ورق الشجر - في حديث عمر: لقد رأيتني في هذا الجبل احتطب مرة وأختبط أخرى.. أي اضرب الشجر لينتثر الخبط منه.
وقال ابن أبي الحديد: كتب عمر إلى عمرو بن العاص - وهو عامله في مصر - كتابا ووجه إليه محمد بن مسلمة ليأخذ منه شطر ماله، فلما قدم عليه اتخذ له طعاما وقدمه إليه، فأبى أن يأكل، فقال له: مالك لا تأكل طعامنا. قال: إنك عملت لي طعاما هو تقدمة للشر، ولو كنت عملت لي طعام الضيف لأكلته، فابعد عني طعامك وأحضرني مالك؟، فلما كان الغد أحضر ماله، فجعل محمد يأخذ شطرا ويعطي عمرا شطرا، فلما رأي عمر وما حاز محمد من المال، قال: يا محمد! أقول؟. قال: قل ما تشاء. قال: لعن الله يوما كنت فيه واليا لابن الخطاب! فوالله لقد رأيته ورأيت أباه، وإن على كل واحد
منها عباءة قطوانية، مؤتزرا بها ما يبلغ مأبض ركبتيه، على عنق كل واحد منهما حزمة من حطب، وإن العاص بن وائل لفي مزررات الديباج. فقال محمد:
إيها يا عمرو! فعمر - والله - خير منك، وأما أبوك وأبوه ففي النار.
وقال - أيضا -: قرأت في تصانيف أبي احمد العسكري أن عمر كان يخرج مع الوليد بن المغيرة في تجارة للوليد إلى الشام - وعمر يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، وكان يرعى للوليد إبله، ويرفع أحماله، ويحفظ متاعه - فلما كان بالبلقاء لقيه رجل من علماء الروم، فجعل ينظر إليه، ويطيل النظر لعمر، ثم قال: أظن اسمك - يا غلام - عامرا أو عمران أو نحو ذلك؟. قال: اسمي عمر.
قال: اكشف عن فخذيك، فكشف، فإذا على أحدهما شامة سوداء في قدر راحة الكف، فسأله أن يكشف عن رأسه، فإذا هو أصلع، فسأله أن يعتمد بيده، فاعتمد، فإذا أعسر أيسر. فقال له: أنت ملك العرب. قال:
فضحك عمر مستهزئا، فقال: أو تضحك؟ وحق مريم البتول أنت ملك
العرب وملك الروم والفرس، فتركه عمر وانصرف مستهينا بكلامه، فكان عمر يحدث بعد ذلك، ويقول: تبعني ذلك الرومي راكب حمار فلم يزل معي حتى باع الوليد متاعه وابتاع بثمنه عطرا وثيابا، قفل إلى الحجاز، والرومي يتبعني، لا يسألني حاجة ويقبل يدي كل يوم إذا أصبحت كما يقبل يد الملك، حتى خرجنا من حدود الشام ودخلنا في أرض الحجاز راجعين إلى مكة، فودعني ورجع، وكان الوليد يسألني عنه فلا أخبره، وما أراه إلا هلك، ولو كان حيا لشخص إلينا.
أقول: أعسر أيسر.. أي كان يعمل بيديه جميعا، والذي عمل بالشمال فهو أعسر. واخبار الرومي إما من جهة الأئمة، فإنه كما كانت أوصاف أثمتنا عليهم السلام مسطورة في الكتب كانت أوصاف أعدائهم أيضا مذكورة فيها، كما يدل عليه أخبارنا، ولذا كان يقبل يديه لأنه كان يعلم أنه يخرب دين من ينسخ أديانهم كما قبل إبليس يد أبي بكر في أول يوم صعد منبر النبي صلى الله عليه وآله واستبشر بذلك، وهذا الاخبار صارت باعثة لاسلامه وصاحبه ظاهرا، طمعا في الملك كما ذكره القائم عليه السلام لسعد بن عبد الله، ولذا أخبره بالملك لا بالخلافة والرئاسة الدينية.
وقال ابن الأثير في النهاية في تفسير المبرطش فيه: كان عمر في الجاهلية مبرطشا، وهو الساعي بين البائع والمشتري شبه الدلال، ويروى بالسين المهملة بمعناه.
وذكر ذلك صاحب القاموس وقال: هو - بالمهملة -: الذي يكتري للناس الإبل والحمير ويأخذ عليه جعلا.
ويدل اعتذار عمر عن جهله بسنة الاستئذان بقوله: ألهاني عنه الصفق بالأسواق، كما رواه البخاري وغيره ، وقد مر على أنه كان مشتغلا به في الاسلام أيضا.
وقال في الاستيعاب: إليه كانت السفارة في الجاهلية، وذلك إن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا و مفاخرا ورضوا به، وذكر نحو ذلك في روضة الأحباب.
فقد ظهر بما ذكرناه أن قولة بعض العامة: إن عمر كان من صناديد قريش وعظمائهم في الجاهلية إنما نشأ من شدة العصبية وفرط الجهل بالآثار، ومتى كان عظيم من العظماء حطابا وراعيا للبعير ومبرطشا للحمير، ومداحا للقوم ومفاخرا من قبل القبيلة، فكانت دناءة نسبه، ورذالة حسبه، وسفالة أفعاله شواهد ما صدر عنه في خواتم أعماله كما عرفت، فلعنة الله عليه وعلى أعوانه وأنصاره إلى قيام يوم الدين.
وأما مقتله وكيفية قتله:
فقال مؤلف العدد القوية رحمه الله - نقلا من كتب المخالفين -: في يوم السادس والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة طعن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب القرشي العدوي أبو حفص. قال سعيد بن المسيب: قتل أبو لؤلؤة عمر ابن الخطاب وطعن معه اثني عشر رجلا، فمات منه، فرمى عليه رجل من أهل العراق برنسا ثم برك عليه، فلما رأى أنه لا يستطيع أن يتحرك وجاء بنفسه فقتلها.
عن عمرو بن ميمون، قال: أقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة - غلام المغيرة
ابن شعبة - فناجى عمر قبل أن تستوي الصفوف قبل أن تستوي الصفوف ثم طعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر يقول: دونكم الكلب فقد قتلني. وماج الناس وأسرعوا إليه، فجرح ثلاثة عشر رجلا، فانكفى عليه رجل من خلفه احتضنه، وحمل عمر وماج الناس حتى قال قائل: الصلاة عباد الله طلعت الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين في القرآن: إذا جاء نصر الله والفتح، وإنا أعطيناك الكوثر. ودخل الناس عليه، فقال: يا عبد الله بن عباس! أخرج فناد في الناس: أعن ملا منكم هذا، فخرج ابن عباس فقال: أيها الناس! عمر يقول: أعن ملا منكم هذا، فقالوا: معاذ الله، والله ما علمنا ولا اطلعنا.
فقال: ادعوا لي الطبيب، فدعي الطبيب، فقال: أي الشراب أحب إليك؟.
قال: النبيذ! فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته، فقال بعض الناس: هذا دم، هذا صديد. فقال: أسقوني لبنا، فسقي لبنا، فخرج من الطعنة. فقال له الطبيب: ما أرى أن تمشي، فما كنت فاعلا فافعل.. وذكر باقي الخبر في
الشورى وتقديمه لصهيب في الصلاة، وقوله في علي عليه السلام: أن ولوها الأحلج سلك بهم الطريق المستقيم يعني عليا، فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم علينا. فقال: أكره أن أتحملها حيا وميتا.
قال عبد الله بن الزبير: غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق - وهو متكئ على يدي، فلقيه أبو لؤلؤة - غلام المغيرة بن شعبة - فقال له: ألا تكلم مولاي يضع عني من خراجي؟. قال: كم خراجك؟. قال: دينار. فقال عمر:
ما أرى أن أفعل، إنك لعامل محسن وما هذا بكثير؟، ثم قال عمر، إلا تعمل لي رحا. قال: بلى، فلما ولى، قال أبو لؤلؤة: لاعملن لك رحا يتحدث بها ما بين المشرق والمغرب. قال ابن الزبير: فوقع في نفسي قوله، فلما كان في النداء لصلاة الصبح خرج أبو لؤلؤة فضربه بالسكين ستة طعنات، إحداهن من تحت سرته وهي قتلته، وجاءه بسكين لها طرفان، فلما جرح عمر جرح معه ثلاثة عشر رجلا في المسجد، ثم أخذ فلما أخذ قتل نفسه.
واختلف في سن عمر:
فقيل: توفي وهو ابن ثلاث وستين.
وقال عبد الله بن عمر: توفي عمر وهو ابن بضع وخمسين.
وعن سالم بن عبد الله: إن عمر قبض وهو ابن خمس وخمسين.
وقال الزهري: توفي وهو ابن أربع وخمسين.
وقال قتادة: توفي وهو ابن اثنتين وخمسين.
وقيل: مات وهو ابن ستين.
عن الزهري، قال: صلى عمر على أبي بكر حين مات، وصلى صهيب على عمر، وروي عن عمر أنه قال - في انصرافه في حجته التي لم يحج بعدها -:
الحمد لله ولا إله إلا الله، يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادي - يعني ضجنان - أرعى غنما للخطاب - وكان فظا غليظا، يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت - وقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحدا أخشاه، ثم تمثل:
لا شئ مما ترى يبقي بشاشة * يبقى الاله ويؤذى المال والولد لم يغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عادا فما خلد ولا سليمان إذ تجرى الرياح له * والانس والجن فيما بينها يرد أين الملوك التي كان لعزتها * من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب * لابد من ورده يوما كما وردوا أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وقال عمر: ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين.
أسلم ظاهرا بعد أربعين رجلا واحد عشر امرأة.
بويع له بالخلافة لما مات أبو بكر باستخلافه سنة ثلاث عشرة.
كان آدم شديد الأدمة طوالا، كث اللحية، أصلع أعسر أيسر،
وقيل: كان طويلا جسيما، أصلع شديد الصلع، أبيض، شديد حمرة العينين، في عارضيه خفة.
وقيل: كان رجلا آدم ضخما كأنه من رجال سدوس.
مدة ولايته عشر سنين وستة أشهر وأيام.
أقول: قال ابن عبد ربه في كتاب الاستيعاب: كانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر...، وقتل يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين..
وقال الواقدي وغيره: لثلاث بقين من ذي الحجة، طعنه أبو لؤلؤة فيروز - غلام المغيرة بن شعبة -، قال: ومن أحسن شئ يروى في مقتل عمر وأصحه ما حدثنا خلف بن قاسم، عن سهل - بإسناد ذكره - عن عمرو بن ميمون..
وساق الخبر مثل ما مر إلى قول: أكره أن أتحملها حيا وميتا، ثم روى الخبر الثاني عن الواقدي - بإسناده - عن عبد الله بن الزبير، ثم قال: واختلف في شأن أبي لؤلؤة، فقال بعضهم: كان مجوسيا، وقال بعضهم: كان نصرانيا... وجاء بسكين له طرفان، فلما جرح عمر جرح معه ثلاثة عشر رجلا في المسجد، ثم أخذ، فلما أخذ قتل نفسه.
أقول: ما ذكر أن مقتله كان في ذي الحجة هو المشهور بين فقهائنا
الامامية، وقال إبراهيم بن علي الكفعمي رحمه الله في الجنة الواقية في سياق أعمال شهر ربيع الأول: إنه روى صاحب مسار الشيعة أنه من أنفق في اليوم التاسع منه شيئا غفر له، ويستحب فيه إطعام الاخوان وتطييبهم والتوسعة في النفقة، ولبس الجديد، والشكر والعبادة، وهو يوم نفي الهموم، وروي أنه ليس فيه صوم، وجمهور الشيعة يزعمون أن فيه قتل عمر بن الخطاب.. وليس بصحيح.
قال محمد بن إدريس في سرائره: من زعم أن عمر قتل فيه فقد أخطأ باجماع أهل التواريخ والسير، وكذلك قال المفيد رحمه الله في كتاب التواريخ.
وإنما قتل يوم الاثنين لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، نص على ذلك صاحب الغرة وصاحب المعجم وصاحب الطبقات وصاحب كتاب مسار الشيعة وابن طاوس، بل الاجماع حاصل من الشيعة وأهل السنة على ذلك. انتهى.
والمشهور بين الشيعة في الأمصار والأقطار في زماننا هذا هو أنه اليوم التاسع
من ربيع الأول، وهو أحد الأعياد، ومستندهم في الأصل ما رواه خلف السيد النبيل علي بن طاوس - رحمة الله عليهما - في كتاب زوائد الفوائد، والشيخ حسن ابن سليمان في كتاب المحتضر، واللفظ هنا للأخير، وسيأتي بلفظ السيد قدس سره في كتاب الدعاء.
قال الشيخ حسن: نقلته من خط الشيخ الفقيه علي بن مظاهر الواسطي، بإسناد متصل، عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا: تنازعنا في ابن الخطاب فاشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعا أحمد بن إسحاق القمي صاحب أبي الحسن العسكري عليه السلام بمدينة قم، وقرعنا الباب، فخرجت إلينا صبية عراقية من داره، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده فإنه يوم عيد. فقلنا: سبحان الله! الأعياد أعياد الشيعة أربعة: الأضحى، والفطر، ويوم الغدير، ويوم الجمعة،
قالت: فإن أحمد بن إسحاق يروي عن سيده أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام أن هذا اليوم هو يوم عيد، وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام وعند مواليهم. قلنا: فاستأذني لنا بالدخول عليه، وعرفيه بمكاننا، فدخلت عليه وأخبرته بمكاننا، فخرج علينا وهو متزر بمئزر له محتبي بكسائه يمسح وجهه، فأنكرنا ذلك عليه، فقال: لا عليكما، فإني كنت اغتسلت للعيد. قلنا: أو هذا يوم عيد؟. قال: نعم، - وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول -، قالا جميعا: فأدخلنا داره وأجلسنا على سرير له، وقال: إني قصدت مولانا أبا الحسن العسكري عليه السلام مع جماعة إخوتي - كما قصد تماني - بسر من رأى، فاستأذنا بالدخول عليه فأذن لنا، فدخلنا عليه صلوات الله عليه في مثل هذا اليوم - وهو يوم التاسع من شهر ربيع الأول - وسيدنا عليه السلام قد أوعز إلى كل واحد من خدمه أن يلبس ما يمكنه من الثياب الجدد، وكان بين يديه مجمرة يحرق العود بنفسه، قلنا: بآبائنا أنت وأمهاتنا يا بن رسول الله!
هل تجدد لأهل البيت في هذا اليوم فرح؟!. فقال: وأي يوم أعظم حرمة عند أهل البيت من هذا اليوم؟!. ولقد حدثني أبي عليه السلام أن حذيفة بن اليمان
دخل في مثل هذا اليوم - وهو 1 التاسع من شهر ربيع الأول - على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، قال حذيفة: رأيت 2 سيدي أمير المؤمنين مع ولديه الحسن والحسين عليهم السلام يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو 3 يتبسم في وجوههم عليهم السلام ويقول لولديه الحسن والحسين عليهما السلام: كلا هنيئا لكما ببركة هذا اليوم، فإنه اليوم الذي يهلك الله 4 فيه عدوه وعدو جدكما، ويستجيب فيه دعاء أمكما.
كلا! فإنه اليوم الذي 5 يقبل الله فيه أعمال شيعتكما ومحبيكما.
كلا! فإنه اليوم الذي يصدق فيه قول الله: ﴿فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا﴾.
كلا! فإنه اليوم الذي يتكسر فيه شوكة مبغض جدكما.
كلا! فإنه يوم يفقد فيه فرعون أهل بيتي وظالمهم وغاصب حقهم.
كلا! فإنه اليوم الذي يقدم الله فيه إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباء منثورا.
قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله! وفي أمتك وأصحابك من ينتهك هذه الحرمة؟.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم يا حذيفة (1)! جبت من المنافقين يترأس عليهم ويستعمل في أمتي الرياء، ويدعوهم إلى نفسه، ويحمل على عاتقه درة الخزي، ويصد الناس عن سبيل الله، ويحرف كتابه، ويغير سنتي، ويشتمل على إرث ولدي، وينصب نفسه علما، ويتطاول على إمامه من بعدي، ويستحل أموال الله من غير حلها، وينفقها في غير طاعته، ويكذبني ويكذب أخي ووزيري، وينحي ابنتي عن حقها، وتدعو الله عليه ويستجيب الله دعاؤها في مثل هذا اليوم.
قال حذيفة: قلت: يا رسول الله! لم لا تدعو ربك عليه ليهلكه في حياتك؟!. قال: يا حذيفة! لا أحب أن أجترئ على قضاء الله لما قد سبق في علمه، لكني سألت الله أن يجعل اليوم الذي يقبضه فيه فضيلة على سائر الأيام ليكون ذلك سنة يستن بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبوهم، فأوحى إلي جل ذكره، فقال لي: يا محمد! كان في سابق علمي أن تمسك وأهل بيتك
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.