بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۳۰، ص ۴۶۷–۵۰۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۵ از ۲۲
ولا يخفى أن ما جعله ابن أبي الحديد عذرا لعمر - من أنه ليس فيهم كأبي بكر - باطل على مذهبه، فإنه يرى أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من أبي بكر، على أن اشتراط بلوغ الفضل إلى ما بلغه أبو بكر - لو سلم له فضل - باطل من أصله، إذ لا يشترط في الامام - على رأي من شرط أفضلية الامام - إلا كونه أفضل أهل زمانه لا كونه مثل من كان إماما في زمان من الأزمان، وبطلان القول بأنه لم يكن في جملة المخاطبين حينئذ - وإن فرض تخصيص الخطاب بأهل ذلك العصر - من سبق غيره إلى الخيرات، أظهر من أن يخفى على أحد.
وقال في جامع الأصول - في تفسير الفلتة -: الفجأة، وذلك أنهم لم ينتظروا ببيعة أبي بكر عامة الصحابة، وإنما ابتدرها عمر ومن تابعه.
قال: وقيل الفلتة آخر ليلة من الأشهر الحرم فيختلفون فيها أمن الحل هي أم من الحرام فيسارع الموتور إلى درك الثار فيكثر الفساد ويسفك الدماء، فشبه أيام رسول الله (ص) بالأشهر الحرم، ويوم موته بالفلتة في وقوع الشر من ارتداد العرب، وتخلف الأنصار عن الطاعة، ومنع من منع الزكاة ، والجري على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها.
ويجوز أن يريد بالفلتة: الخلسة، يعني أن الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الأنفس ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي
واختلاسا، ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيجة للفتن، فعصم الله من ذلك ووقى شرها، وذكر مثل ذلك في النهاية.
وأقول: إن سلمنا أن اللفظة الفتلة لا تدل على الذم، وأنه إنما أراد بها محض حقيقتها في اللغة، وهو الامر الذي يعمل فجأة من غير تردد ولا تدبر وكان مظنة للشر والفساد، ففي قوله: وقى الله شرها، وأمره بقتل من دعا إلى مثلها، دلالة على أنه زلة قبيحة وخطيئة فاحشة، فالمستفاد من اللفظة بمجردها - وإن كان أعم من الزلة والخطيئة - إلا أنه حمل عليها، بل على أخص منها، لما هو في قوة المخصصة له، فليس كل زلة وخطيئة يستحق فاعلها القتل، ومن له أدنى معرفة بأساليب الكلام يعلم أنهم يكتفون في حمل اللفظ على أحد المعاني في صورة الاشتراك بأقل مما في هذا الكلام، وقول عمر: من دعاكم إلى مثلها فاقتلوه.. ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه.... وإن لم يكن موجودا فيما حكاه في جامع الأصول عن البخاري إلا أن كونه من تتمة كلامه من المسلمات عند الفريقين، واعترف به ابن أبي الحديد، ولا يريب عاقل في أنه لو وجد المتعصبون منهم - كقاضي القضاة والفخر الرازي وصاحب المواقف وشارحه وصاحب المقاصد وشارحه وغيرهم - سبيلا إلى إنكاره لما فاتهم ذلك، ولا احتاجوا إلى التأويلات الركيكة
الباردة.
ومن تتبع كتاب البخاري علم أن عادته في الروايات المشتملة على ما ينافي آرائهم الفاسدة إسقاطه من الرواية أو التعبير بلفظ الكناية تلبيسا على الجاهلين، بل يترك الروايات المنافية لعقائدهم رأسا، وقد قال ابن خلكان في ترجمة البخاري أنه قال: صنفت كتابي الصحيح من ستمائة الف حديث، ونحوه قال في جامع الأصول، وروى عن مسلم أنه أخرج صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وعن أبي داود أنه انتخب ما أورده في كتابه من خمسمائة ألف حديث.
ومن أبي داود أنه انتخب ما أورده في كتابه من خمسمائة ألف حديث.
ومن سنة القوم تسمية ما يخالف عقائدهم بغير الصحيح، ولما كان اهتمام البخاري في هذا المعنى أكثر من سائر من زعموا أن أخبارهم من صحاح الاخبار، فلذلك رفض المخالفون أكثر كتبهم في الاخبار، وعظموا كتاب البخاري - مع رداءته في ترتيب الأبواب وركاكته في عنوانها - غاية التعظيم، وقدموه على باقي الكتب، ومع ذلك بحمد الله لا يشتبه على من أعمن النظر فيه وفي غيره من كتبهم أنها مملوة من الفضائح، ومشحونة بالاعتراف بالقبائح.
وأما ما ذكره في تفسير الفلتة بآخر الأشهر الحرم وتوجيهه في ذلك، فقد عرفت ما فيه، وما ذكره من تفسيره بالخلسة فهو تفسير صحيح، إلا أن الحق أنها خلسة وسرقة عن ذي الحق لا عن النفوس التي مالت إلى تولي الإمامة، فإنهم كانوا - أيضا - من السارقين، والاخذ من السارق لا يسمى اختلاسا، وهو واضح.
الطعن الخامس:
أنه ترك إقامة الحد والقود في خالد بن الوليد وقد قتل مالك بن نويرة وضاجع امرأته من ليلته، وأشار إليه عمر بقتله وعزله، فقال: إنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه. وقال عمر مخاطبا لخالد: لئن وليت الامر لأقيدنك له.
وقال القاضي في المغني - ناقلا عن أبي علي - أن الردة قد ظهرت من مالك، لان في الاخبار أنه رد صدقات قومه عليهم لما بلغه موت رسول الله صلى الله عليه [وآله] كما فعله سائر أهل الردة، فاستحق القتل.
قال أبو علي: و إنما قتله لأنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
صاحبك وأوهم بذلك أنه ليس بصاحب له، وكان عنده أن ذلك ردة، وعلم
عند المشاهدة المقصد - وهو أمير القوم - فجاز أن يقتله، وإن كان الأولى أن لا يستعجل وأن يكشف الامر في ردة حتى يتضح، فلهذا لم يقتله.
(وبهذين الوجهين أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول وشارح المواقف وشارح المقاصد.
ثم قال قاضي القضاة: فإن قال قائل: فقد كان مالك يصلي؟ قيل له: وكذلك سائر أهل الردة، وإنما كفروا بالامتناع من الزكاة واعتقادهم إسقاط وجوبها دون غيره.
فإن قيل: فلم أنكر عمر؟. قيل: كان الامر إلى أبي بكر فلا وجه لانكار عمر، وقد يجوز أن يعلم أبو بكر من الحال ما يخفى على عمر.
فإن قيل فما معنى ما روي عن أبي بكر من: أن خالدا تأول فأخطأ.
قيل: أراد تأول في عجلته عليه بالقتل، فكان الواجب عنده على خالد
أن يتوقف للشبهة.
واستدل أبو علي على ردة مالك بأن أخاه متمم بن نويرة لما أنشد عمر مرثية أخيه قال له عمر: وددت أني أقول الشعر فأرثي زيدا كما رثيت أخاك. فقال له متمم: لو قتل أخي على مثل ما قتل عليه أخوك لما رثيته. فقال له عمر: ما عزاني أحد كتعزيتك، فدل هذا على أنه لم يقتل على الاسلام.
ثم أجاب عن تزويجه بامرأته بأنه إذا قتل على الردة في دار الكفر جاز ذلك عند كثير من أهل العلم وإن كان لا يجوز أن يطأها إلا بعد الاستبراء، فأما وطئه لامرأته فلم يثبت عنده، ولا يجوز أن يجعل طعنا في هذا الباب.
واعترض عليه السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي بقول: أما صنيع خالد - في قتل مالك بن نويرة واستباحة ماله وزوجته لنسبته إلى الردة التي لم تظهر، بل كان الظاهر خلافها من الاسلام - فعظيم، ويجري مجراه في العظم تغافل من تغافل عن أمره ولم يقم فيه حكم الله تعالى وأقره على الخطأ الذي شهد هو به على نفسه، ويجري مجراهما من أمكنه أن يعلم الحال فأهملها ولم يتصفح ما
روي من الاخبار في هذا الباب، وتعصب لاسلافه ومذهبه، وكيف يجوز عند خصومنا على مالك وأصحابه جحد الزكاة مع المقام على الصلاة، وهما جميعا في قرن (3)؟! لان العلم الضروري بأنهما من دينه صلى الله عليه وآله وشريعته على حد واحد، وهل نسبة مالك إلى الردة - بعد ما ذكرناه - إلا قدح في الأصول ونقض لما تضمنته من أن الزكاة معلومة ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله؟.
وأعجب من كل عجيب قوله: وكذلك سائر أهل الردة - يعني انهم كانوا يصلون ويجحدون الزكاة -؟! لأنا قد بينا أن ذلك مستحيل غير ممكن، وكيف يصح ذلك وقد روى جميع أهل النقل أن أبا بكر وصى الجيش الذين أنفذهم بأن يؤذنوا ويقيموا، فإن أذن القوم بأذانهم وأقاموا كفوا عنهم، وإن لم يفعلوا أغاروا عليهم؟! فجعل إمارة الاسلام والبراءة من الردة الأذان والإقامة، وكيف يطلق في سائر أهل الردة ما يطلقه من أنهم كانوا يصلون؟! وقد علمنا أن أصحاب مسيلمة وطليحة وغيرهما ممن ادعى النبوة وخلع الشريعة ما كانوا يصلون ولا شيئا مما جاءت به شريعتنا، وقصة مالك معروفة عند من تأملها من كتب النقل والسيرة، وأنه قد كان على صدقات قومه بني يربوع واليا من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أمسك عن أخذ
الصدقة من قومه، وقال لهم: تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي صلى الله عليه وآله وننظر ما يكون من أمره، وقد صرح بذلك في شعره حيث يقول:
وقالت رجال سدد اليوم مالك * وقال رجال، مالك لم يسدد فقلت دعوني لا أبا لأبيكم * فلم أخط وأيا في المقال ولا اليد وقلت خذوا أموالكم غير خائف * ولا ناظر فيما يجئ به غدي فدونكموها إنما هي مالك * مصررة أخلافها لم تجدد سأجعل نفسي دون ما تحذرونه * وأرهنكم يوما بما قتله يدي فإن قام بالامر المجدد قائم * أطعنا وقلنا الدين دين محمد فصرح - كما ترى - أنه استبقى الصدقة في أيدي قومه رفقا بهم وتقربا إليهم إلى أن يقوم بالامر من يدفع ذلك إليه.
وقد روى جماعة من أهل السير وذكره الطبري في تاريخه أن مالكا نهى قومه عن الاجماع على منع الصدقات وفرقهم، وقال: يا بني يربوع! إن كنا قد عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين، وبطأنا الناس عليه فلم نفلح ولم ننجح، وإني قد نظرت في هذا الامر فوجدت الامر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذ الامر لا يسوسه الناس فإياكم ومعاداة قوم يصنع لهم، فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم،
ورجع مالك إلى منزله، فلما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام، وأن يأتوه بكل من لم يجب، وأمرهم إن امتنع أن يقاتلوه، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع، واختلفت السرية في أمرهم، وفي السرية أبو قتادة الحرث بن ربعي، فكان ممن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم خالد فحبسوا، وكانت ليلة باردة لا يقوم لها شئ، فأمر خالد مناديا ينادي: أدفئوا أسراءكم، فظنوا أنه أمرهم بقتلهم، لأن هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة للقتل، فقتل ضرار بن الأزود مالكا، وتزوج خالد زوجته أم تميم بنت المنهال.
وفي خبر آخر: أن السرية التي بعث بها خالد لما غشيت القوم تحت الليل راعوهم فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنا لمسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون. قلنا: فما بال السلاح؟. قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟. قلنا:
فضعوا السلاح. فلما وضعوا ربطوا أسارى، فأتوا بهم خالدا، فحدث أبو قتادة خالد بن الوليد بأن القوم نادوا بالاسلام وأن لهم أمانا، فلم يلتفت خالد إلى
قوله وأمر بقتلهم وقسم سبيهم، فحلف أبو قتادة أن لا يسير تحت لواء خالد في جيش أبدا، وركب فرسه شادا إلى أبي بكر وأخبره بالقصة، وقال له: أني نهيت خالدا عن قتله فلم يقبل قولي، وأخذ بشهادة الاعراب الذين غرضهم الغنائم، وأن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: إن القصاص قد وجب عليه، فلما أقبل خالد بن الوليد قافلا دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما، فلما دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها، ثم قال: يا عدي نفسه! أعدوت على امرئ مسلم فقتلته ثم نزوت على امرأته، والله لنرجمنك بأحجارك.. وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر مثل ما رأى عمر فيه، حتى دخل إلى أبي بكر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه، فخرج خالد - وعمر جالس في المسجد - فقال: هلم إلي يا بن أم شملة، فعرف عمر أن أبا
بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته.
وقد روى - أيضا - أن عمر لما ولي جمع عشيرة مالك بن نويرة - من وجده منهم - واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم نسائهم وأولادهم فرد ذلك جميعا عليهم مع نصيبه كان فيهم.
وقيل: إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحي دمشق - وبعضهن حوامل - فردهن على أزواجهن.
فالامر ظاهر في خطأ خالد وخطأ من تجاوز عنه، وقول صاحب المغني - إنه يجوز أن يخفى على عمر ما يظهر لأبي بكر - ليس بشئ، لان الامر في قصة خالد لم يكن مشتبها، بل كان مشاهدا معلوما لكل من حضر، وما تأول به في القتل لا يعذر لأجله، وما رأينا أبا بكر حكم فيه بحكم المتأول ولا غيره، ولا تلافى خطأه وزلله، وكونه: سيفا من سيوف الله - على ما ادعاه - لا يسقط عنه الاحكام، ولا يبرئه من الآثام.
فأما قول متمم: لو قتل أخي على ما قتل عليه أخوك لما رثيته.. فإنه لا يدل على أنه كان مرتدا، وكيف يظن عاقل أن متمما يعترف بردة أخيه وهو
يطالب أبا بكر بدمه والاقتصاص من قاتله ورد سبيه، فإنما أراد في الجملة التقرب إلى عمر بتقريظ أخيه.
ثم لو كان ظاهر القول كباطنه لكان إنما يفيد تفضيل قتلة زيد على قتلة مالك، والحال في ذلك أظهر، لان زيدا قتل في بعث المسلمين ذابا عن وجوههم، ومالك قتل على شبهة، وبين الامرين فرق.
فأما قوله في النبي صلى الله عليه وآله: صاحبك.. فقد قال أهل العلم إنه أراد القرشية، لأنه خالدا قرشي، وبعد فليس في ظاهر أضافته إليه دلالة على نفيه له عن نفسه، ولو كان علم من مقصده الاستخفاف والإهانة - على ما ادعاه صاحب المغني - لوجب أن يعتذر خالد بذلك عند أبي بكر وعمر، ويعتذر به أبو بكر لما طالبه عمر بقتله، فإن عمر ما كان يمنع من قتل قادح في نبوة النبي صلى الله عليه وآله، وإن كان الامر على ذلك فأي معنى لقول أبي بكر: تأول فأخطأ؟!، وإنما تأول فأصاب، إن كان الامر على ما ذكر.
وأورد عليه ابن أبي الحديد: بأنه لا ملازمة بين القول بوجوب الصلاة وبين القول بوجوب الزكاة، لأنه لا تلازم بين العبادتين في الوجود، وكونهما متشاركين في العلم بهما من الدين ضرورة لا يقتضي امتناع سقوط أحدهما بشبهة، فإنهم قالوا
إن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وآله: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم..) * الآية. قالوا: فوصف الله الصدقة بأنها من شأنها أن يطهر رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ويزكيهم بأخذها منهم، ثم عقب ذلك بأن فرض عليه - مع أخذ الزكاة منهم - أن يصلي عليهم صلاة تكون سكنا لهم. قالوا:
وهذه صفات لا تتحقق في غيره، لان غيره لا يطهر الناس ولا يزكيهم بأخذ الصدقة، ولا إذا صلى على الناس كان صلاته سكنا لهم، فلم يجب علينا دفع الزكاة إلى غيره.
والجواب: إن كلام قاضي القضاة صريح في أن مالكا وأصحابه كفروا بالامتناع من الزكاة، واعتقادهم إسقاط وجوبها، ولو كان الحال كما ذكره من أنهم اعتقدوا سقوطها لشبهة ولم ينكروا وجوبها مطلقا لم يلزم كفرهم لانكار أمر معلوم من الدين ضرورة، وفي كلام ابن أبي الحديد اعتراف بذلك، حيث قال: إنهم ما جحدوا وجوبها، ولكنهم قالوا: إنه وجوب مشروط، وليس يعلم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة، وإنما يعلم ذلك بنظر وتأويل.
فبطل جواب القاضي ويتوجه إيراد السيد عليه.
وقد صرح غير ابن أبي الحديد - من أهل الخلاف - بأن مالكا وأصحابه لم يكفروا بمنعهم الزكاة، حكى شارح صحيح مسلم في المنهاج في كتاب الايمان
كلاما استحسنه عن الخطابي، وهذا لفظه، قال - بعد تقسيم أهل الردة إلى ثلاثة أقسام -: فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فأنهم أهل بغي، ولم يسموا على الانفراد منهم كفارا وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن اسم الردة اسم لغوي، وكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا.
ثم قال - بعد كلام في تقسيم خطاب الله - فإن قيل: كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغي؟! وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الصلاة والزكاة وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي؟!.
قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان كان كافرا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذورا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، ومنها: قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الاحكام بالنسخ، ومنها: إن القوم كانوا جهالا بأمور الدين وكان عهدهم بالاسلام قريبا فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الاسلام
واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيهم العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الامر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا كالصلوات والخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الاحكام، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالاسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم في صدق اسم الدين عليه، فأما ما كان الاجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وإن القاتل عمدا لا يرث، وإن للجدة السدس.. وما أشبه ذلك من الاحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة ونحوه.
قال في شرح الوجيز في أول كتاب الجنايات: وأما التلازم بين العبادتين في الوجود فأمر لم يدعه السيد ولا حاجة له إلى ادعائها، وإنما ادعى الملازمة بين اعتقاد وجوب الصلاة وبين التصديق بوجوب الزكاة على الوجه الذي علم من الدين ضرورة، وخرج منكره عن الاسلام.
والظاهر إن غرضه ان منكر الضروري إنما يحكم بكفره لكون إنكاره ذلك كاشفا عن تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله إنكار نبوته، لا أن ذلك الانكار في نفسه علة للحكم بالكفر، ولذلك لا يحكم بكفر من ادعى شبهة محتملة، ولو دل دليل على كفر من أنكر ضروريا من الدين مخصوصا مطلقا لم يحكم
بكفره، لكون ذلك الانكار من أفراد هذا الامر الكلي، بل لقيام ذلك الدليل بخصوصه، والظاهر أن من أنكر ضروريا من الدين - لا لشبهة قادته إلى الانكار - لم ينفك إنكاره ذلك عن إنكار سائر الضروريات، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وآله.
وما يشاهد في بعض الناس من نفي بعض الضروريات كحدوث العالم والمعاد الجسماني ونحو ذلك مع الاقرار في الظاهر بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله واعترافهم بسائر الضروريات وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله فذلك لاحد الامرين: إما لكونهم ضالين لشبهة اعترتهم فيما زعموه كتوهمهم كون أباطيل بعض الفلاسفة وسائر الزنادقة برهانا يوجب تأويل الأدلة السمعية ونحو ذلك، أو لكونهم منكرين للنبوة في الباطن ولكن لخوف القتل والمضار الدنيوية لا يتجرؤن على إنكار غير ما كشفوا عن إنكاره من الضروريات، وأما إظهارهم إنكار ذلك البعض فلارتفاع الخوف في إظهاره لاختلاط عقائد الفلاسفة وغيرهم بعقائد المسلمين بحيث لا تتميز إحداهما عن الأخرى إلا عند من عصمه الله سبحانه، فمن دخل منهم تحت القسم الأول يشكل الحكم بخروجهم عن الاسلام، لكون ما أنكروه غير ضروري في حقهم وإن صدق عليه عنوان الضرورة بالنسبة إلى غيرهم، ولا ينافي ذلك أن يكونوا من أهل الضلال معاقبين على إنكارهم لاستناده إلى تقصير منهم في طلب الحق.
وأما القسم الثاني فخروجهم عن الاسلام لانكار النبوة، فظهر أن إنكار أمر ضروري على وجه يوجب الكفر لا ينفك عن إنكار النبوة المستلزم لانكار سائر الضروريات.
فإن قيل: من أين يعلم أن مالكا وأصحابه لم يكونوا من القسم الثاني، فلعلهم لم ينكروا الصلاة في الظاهر لأمر دنيوي.
قلنا: أولا: هذا خلاف ما اعترف به ابن أبي الحديد وقاضي القضاة والخطابي.. وغيرهم.
وثانيا: إن مالكا وأصحابه لو كانوا مشفقين من أهل الاسلام أو بقي لهم مطمع فيهم لما أعلنوا بالعداوة، ولم يريدوا قتال المسلمين كما زعمه الجمهور، على أنه لا نزاع في إسلامهم قبل ذلك الامتناع، فقد كان عاملا من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله على صدقات قومه - كما رواه أرباب السير منهم - وإذا ثبت إسلامهم وأقروا في الظاهر بسائر الضروريات لم يحكم بكفرهم بمجرد ذلك الامتناع المحتمل للامرين، بل لأمر ثالث: وهو أن يكون منعهم مستندا إلى الشح والبخل، فلم يلزم كفرهم كما ادعاه قاضي القضاة وغيرهم، ولم يجز سبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم كما فعلوا وإن جاز قتالهم لاخذ الزكاة لو أصروا على منعها على الوجه الأخير، بعد أن يكون المتصدي للاخذ مستحقا له.
وأما إذا استند المنع إلى الشبهة فكان الواجب على من تصدى للاخذ وأراد القتال أن يبدأ بإزالة شبهتهم، كما صرح به فقهاؤهم في جمهور أهل البغي.
قال في شرح الوجيز في بحث البغاة من كتاب الجنايات: لا يبدأون بالقتال حتى يبدأوا وليبعث الامام أمينا ناصحا يسألها ما ينقمون، فإن عللوا امتناعهم بمظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها لهم، وإن لم يذكروا شيئا نصحهم ووعظهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة، فإن أصروا آذنهم بالقتال.. إلى آخر ما قال.
فكان على خالد أن يسألهم أولا عن شبهتهم ويبين لهم بطلانها، ثم إن أصروا على الامتناع والخروج عن الطاعة قاتلهم، ولم ينقل أحد أن خالدا وأصحابه أزاح لهم علة أو أبطل لهم شبهة، ولا أنهم أصروا على العصيان، بل قد سبق في القصة التي رواها السيد وصدقه ابن أبي الحديد أنهم قالوا: نحن مسلمون، فأمرهم أصحاب خالد بوضع السلاح، ولما وضعوا أسلحتهم ربطوهم أسارى، وكان على أبي بكر أن ينكر على خالد ويوضح سوء صنيعه للناس، لا أن يلقاه بوجه يخرج من عنده ويستهزئ بعمر ويقول له: هلم إلي يا ابن أم شملة!.
وقد روى كثير من مؤرخيهم - منهم صاحب روضة الأحباب - أنه قبض على قائمة سيفه وقال لعمر ذلك.
ولا يذهب على من له نصيب من الفهم أنه لو شم من أبي بكر رائحة من الكراهة أو التهديد لما اجترأ على عمر بالسخرية والاستهزاء، والامر في ذلك أوضح من أن يحتاج إلى الكشف والافصاح، هذا مع أنه قد اعترف أبو بكر بخطأ خالد - كما رواه ابن أبي الحديد - حيث قال: لما قتل خالد مالك بن نويرة ونكح امرأته كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري، فركب فرسه والتحق بأبي بكر، وحلف أن لا يسير في جيش تحت لواء خالد أبدا، فقص على أبي بكر القصة، فقال أبو بكر: لقد فتنت الغنائم العرب، وترك خالد ما أمرته. فقال عمر: إن عليك أن تقيده بمالك، فسكت أبو بكر، وقدم خالد فدخل المسجد وعليه ثياب قد صدئت من الحديد، وفي عمامته ثلاثة أسهم، فلما رآه عمر قال: أرياءا! يا عدو الله؟، عدوت على رجل من المسلمين فقتلته ونكحت امرأته، أما والله إن أمكنني الله
لأرجمنك، ثم تناول الأسهم من عمامته فكسرها، وخالد ساكت لا يرد عليه ظنا أن ذلك عن أمر أبي بكر ورأيه، فلما دخل على أبي بكر وحدثه صدقه فيما حكاه وقبل عذره، فكان عمر يحرص أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه بدم مالك، فقال أبو بكر: أيها يا عمر! ما هو بأول من أخطأ! فارفع لسانك عنه (5)! ثم ودي مالكا من بيت مال المسلمين، انتهى.
فقوله ما هو بأول من أخطأ!.. صريح في أنه كان مخطئا في زعمه أيضا، وأما تصديقه وقبول عذره فكان للأغراض الدنيوية، وإلا فالتنافي بينه وبين قوله:
ما هو بأول من أخطأ، وأداء دية مالك من بيت المال واضح.
وبالجملة، لم ينقل أحد من أرباب السير أن أبا بكر أنكر خطأ خالد، وإنما ذكروا أنه قال: لا أغمد سيفا سله الله على الكفار، قيل: وذلك - على تقدير صحته - ليس إلا تمسكا بخبر موضع رووه مرسلا عن أبي هريرة الكذاب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: نعم عبد الله، خالد سيف من سيوف الله.
وروى ذلك في خبر طويل يلوح من صدره إلى عجزه آثار الوضع، والأظهر أنه ليس غرضه التمسك بالخبر، بل إنما جعله سيفا سله الله على الكافر لمعاونته له على التسلط على الأخيار.
وقد ذكر ابن الأثير في الكامل تبري النبي صلى الله عليه وآله من صنيع خالد، وأنه صلى الله عليه وآله وبخه لكلامه لعبد الرحمن بن عوف، وأن النبي صلى الله عليه وآله أرسل أمير المؤمنين عليه السلام لاصلاح ما أفسده كما مر وسيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.
وقد اعترف ابن أبي الحديد بأن خالدا: كان جبارا فاتكا لا يراقب الدين فيما يحمله عليه غضبه وهوى نفسه.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة مالك بن نويرة: قال الطبري: بعث النبي صلى الله عليه وآله مالك بن نويرة على صدقة بني يربوع - وكان قد أسلم هو وأخوه: متمم الشاعر - فقتل خالد مالكا بظن أنه ارتد - حين وجهه أبو بكر لقتال أهل الردة -، وقد اختلف فيه هل قتله مسلما أو
مرتدا؟ - والله - أعلم قتله خطأ، وأما متمم فلا شك في إسلامه، انتهى.
ومما يدل على سوء صنيع خالد أن عمر لما نزع الأسهم من رأسه وقال ما قال، لم يرد عليه ولم ينكره، وظاهر للمنصف أنه لو كان له عذر، ولم يكن خائفا لخيانته لأبدى عذره، ولما صبر على المذلة.
وقد روى أصحابنا أن مالكا إنما منع أبا بكر الزكاة لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال له - لما سأل أن يعلمه الايمان -: هذا وصيي من بعدي - وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام - فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله رجع في بني تميم إلى المدينة فرأى أبا بكر على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فتقدم إليه، وقال: من أرقاك هذا المنبر وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وصيه، وأمرني بموالاته؟!. فأمر أبو بكر بإخراجه من المسجد، فأخرجه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد، ثم وجه أبو بكر خالدا وقال له: لقد علمت ما قال: ولست آمن أن يتفق علينا فتقا لا يلتئم فاقتله، فقتله خالد وتزوج بامرأته في ليلته.
ولو تنزلنا عن ذلك وفرضنا أن مالكا وأصحابه كفروا بمنع الزكاة، فلا ريب في إسلام النساء والذراري، وليس ارتداد الرجال بمنعهم الزكاة موجبا لكفر النساء والذراري * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *، فما العذر في سبي خالد
وإغماض أبي بكر عن غصب الفروج والزنا حتى رد عمر بن الخطاب الأموال والنساء الحوامل إلى أزواجهن؟.
وسيأتي في باب أحوال أولاد أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما سبيت الحنفية - فيمن سبي - ونظرت إلى جمع الناس، عدلت إلى تربة رسول الله صلى الله عليه وآله فرنت رنة، وزفرت زفرة وأعلنت بالبكاء والنحيب، ثم نادت: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيتك من بعدك، هؤلاء أمتك سبونا سبي النوب والديلم، والله ما كان لنا إليهم من ذنب إلا الميل إلى أهل بيتك، فجعلت الحسنة سيئة والسيئة حسنة، فسبينا، ثم انعطفت إلى الناس وقالت: لم سبيتمونا؟! وقد أقررنا بشهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله (ص)؟!. قالوا: أمنعتمونا الزكاة. قالت: هؤلاء الرجال منعوكم، فما بال النساء؟. فسكت المتكلم كأنما ألقم حجرا.
وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام لما أخذها بعثها إلى أسماء بنت عميس حتى جاء أخوها فتزوجها، ويظهر بذلك بطلان ما تمسك به بعضهم من أنه لو كان السبي ظلما لما أخذ أمير المؤمنين عليه السلام من سبيهم، ولو كان أمير
المؤمنين عليه السلام تزوجها لكونها من السبي لردها عمر فيمن رد.
ومن نظر في القصة حق النظر علم أن ما صنعه خالد لم يكن إلا لاخذ الغنيمة والطمع في النساء والذراري وأحقاد الجاهلية.
وقد روى مؤلف روضة الأحباب أنه لما أحضر مالك للقتل جاءت زوجته أم تميم بنت المنهال - وكانت من أجل نساء زمانها - فألقت نفسها عليه، فقال لها:
أعزبي عني، فما قتلني غيرك.
وقال الزمخشري في أساس البلاغة: أقتله و عرضه للقتل كما قال مالك بن نويرة لامرأته حين رآه خالد بن الوليد: أقتلتني بامرأة (7)؟ يعني سيقتلني خالد بن الوليد من أجلك.
وقال ابن الأثير في النهاية في حديث خالد: إن مالك بن نويرة قال لامرأته يوم قتله خالد: أقتلتني..؟! أي عرضتني للقتل بوجوب الدفع عنك والمحاماة عليك - وكانت جميلة تزوجها خالد بعد قتله.
ثم إن ابن أبي الحديد روى عن الطبري عذرا لخالد، وساق الرواية
إلى قوله: فلما اختلفوا فيهم أمر بهم خالد فحبسوا - وكانت ليلة باردة لا يقوم لها شئ - فأمر خالد مناديا ينادي: ادفئوا أسراءكم.. فظنوا أنه أمر بقتلهم، لأن هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة في القتل، فقتل ضرار بن الأزور مالكا...
وأن خالد لما سمع الواعية، خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه...، وتزوج خالد زوجته، وإن أبا قتادة فارقه وقال: هذا عملك، فغضب عليه أبو بكر ولم يرض إلا أن يرجع إلى خالد.
ويتوجه عليه أنه يدل على بطلانه ما رواه الطبري وابن الأثير وغيرهما من أرباب السير: أن خالدا كان يعتذر عن قتل مالك بأنه كان يقول - وهو يراجع الكلام -: ما أخال صاحبكم إلا قال:.. كذا.
وقد حكى قاضي القضاة عن أبي علي أنه: قتل خالد مالكا لأنه أوهم بقوله ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس صاحبا له، فلو كان قتله ضرار عن غير أمر خالد فأي حاجة له إلى هذا الاعتذار، فالتعارض بين الاعتذارين واضح، فتساقطا.
ويدل على بطلانهما أن عمر لما عاتبه وكسر أسهمه لم يعتذر بأني لم أقتل مالكا بل قتله ضرار عن غير أمري، أو بأنه ارتد عن الدين لقوله: صاحبك.. فلا موضع لابداء العذر أليق من ذلك، وهل يجوز عاقل أن يكون لخالد عذر يرى نفسه به بريئا من الاثم والخيانة، ثم يصبر مع جرأته وتهتكه على ما أصابه عن
عمر من الإهانة والأذى؟!.
ويدل على أن القتل كان بأمر خالد، أو كان هو القاتل، قول أبي بكر: تأول فأخطأ.
قال ابن الأثير في الكامل، قال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه في ذلك. فقال: يا عمر (2)! تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم سيفا سله الله على الكافرين، وودي مالكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل، ودخل المسجد وعليه قباء وقد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر فانتزعها فحطمها، وقال له: قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك.. وخالد لا يكمله يظن أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذر وتجاوز عنه، وعنفه في التزويج للذي كانت عليه العرب من كراهة أيام الحرب، فخرج خالد وعمر جالس. فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، انتهى.
فلو كان القاتل ضرار لم يكن خالد متأولا ولا مخطئا، بل كان ضرارا هو المتأول المخطئ في فهم النداء الذي أمر به خالد من قوله: أدفئوا أسراءكم، ولا يخفى أن هذا الاعتذار لو كان صحيحا لصار الامر في تزويج زوجة مالك أفحش، إذ لو كان حبسه لاختلاف الجيش في أنه وقوم يصلون أم لا، ولم يثبت كفره،
وقد كان إسلامه سابقا مستصحبا إلى أن يتحقق ما يزيله - ولو كان قتله لخطأ ضرار في فهم نداء خالد - فزوجته في حكم زوجات سائر المسلمين المتوفى عنهن أزواجهن، ولا يجوز تزوجها إلا بعد انقضاء عدتها، فظهر شناعة الجواب الذي حكاه قاضي القضاة عن أبي علي أو أجاب به من عند نفسه، وهو أنه إذا قتل الرجل على الردة في دار الكفر جاز التزويج بامرأته عند كثير من أهل العلم وإن كان لا يجوز وطؤها إلا بعد الاستبراء.
على أن التزوج بامرأته فجور على أي حال، لكون المرأة مسلمة وارتداد الزوج لا يصير سببا لحل التزوج بامرأته، ولا لكون الدار دار الكفر، سيما إذا كان ارتداده لما اعتذروا به من قوله: صاحبك.. فإن ذلك ارتداد لا يسري إلى غيره من زوجته وأصحابه.
ومن الغرائب أن الشارح الجديد للتجريد ادعى أن امرأة مالك كانت مطلقة منه وقد انقضت عدتها.
ولا عجب ممن غلب عليه الشقاء، وسلب الله منه الحياء أن يعتمد في رفع هذا الطعن الفاحش عن إمامه الغوي وعن خالد الشقي بإبداء هذا الاحتمال الذي لم يذكره أحد ممن تقدمه، ولم يذكر في خبر ورواية، ولم يعتذر به خالد في جواب تشنيع عمر وطعنه عليه بأنه نزا على زوجة خالد وتهديده بالرجم للزنا.
ثم أعلن أن معاتبة عمر وغيظه على خالد في قتل مالك لم يكن مراقبة
للدين ورعاية لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، وإنما تألم من قتله لأنه كان حليفا له في الجاهلية، وقد عفا عن خالد لما علم أنه هو قاتل سعد بن عبادة.
روي عن بعض أصحابنا، عن أهل البيت عليهم السلام أن عمر استقبل في خلافته خالد بن الوليد يوما في بعض حيطان المدينة، فقال له: يا خالد! أنت الذي قتل مالكا؟. فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت قتلت مالك بن نويرة لهنات كانت بيني وبينه فقد قتلت لكم سعد بن عبادة لهنات كانت بينكم وبينه، فأعجب عمر قوله وضمه إلى صدره، وقال له: أنت سيف الله وسيف رسوله (ص)!.
وجملة القصة، أن سعد بن عبادة لما امتنع من بيعة أبي بكر يوم السقيفة وأراد المبايعون لأبي بكر أن يطالبوه بالبيعة، قال لهم قيس بن سعد: إني ناصح لكم فاقبلوا مني. قالوا: وما ذاك؟. قال: إن سعدا قد حلف أن لا يبايعكم، وهو إذا حلف فعل، ولن يبايعكم حتى يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وأهل بيته، ولن يقتلوا حتى يقتل الأوس كلها، ولن يقتلوا حتى يقتل الخزرج، ولن يقتل الأوس والخزرج حتى يقتل اليمن، فلا تفسدوا عليكم أمرا قد كمل واستتم لكم، فقبلوا منه ولم يتعرضوا لسعد.
ثم إن سعدا خرج من المدينة إلى الشام، فنزل في قرى غسان من بلاد دمشق - وكان غسان من عشيرته، وكان خالد يومئذ بالشام، وكان ممن يعرف بجودة الرمي، وكان معه رجل من قريش موصوف بجودة الرمي - فاتفقا على قتل سعد بن عبادة لامتناعه من البيعة لقريش، فاستترا ليلة بين شجر وكرم، فلما مر بهما في مسيره رمياه بسهمين، وأنشدا بيتين من الشعر ونسباهما إلى الجن:
نحن قتلنا سيد الخزرج * سعد بن عباده ورميناه بسهمين * فلم نخط فؤاده فظنت العامة أن الجن قتلوه، فكان قول خالد لعمر كشفا لما استتر على الناس في تلك الواقعة، ومثل هذه الرواية - إن لم تنهض بانفرادها حجة على المخالفين لكونها من روايات أصحابنا - إلا أن سكوت عمر عن خالد أيام خلافته وترك الاقتصاص منه مع قوله في خلافة أبي بكر: لئن وليت الامر لأقيدنك به، قرينة واضحة على صحتها، ومع قطع النظر عن تلك الرواية فلا ريب في المناقضة بين هذا السكوت وذلك القول، فظهر أن له أيضا من قداح هذا القدح سهم، ومن نصال هذا الطعن نصيب.
الطعن السادس:
إن أبا بكر قال - مخبرا عن نفسه -: إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني..
ولا يصلح للارشاد من يطلب الرشاد.
وقال: أقيلوني فلست بخيركم..
ولا يحل للامام الاستقالة من البيعة.
وأجاب قاضي القضاة في المغني ناقلا عن شيخه أبي علي أن إخباره عن نفسه بما أخبر لو كان نقصا فيه لكان قوله تعالى في آدم وحواء: * (فوسوس لهما الشيطان) *، وقوله: * (فأزلهما الشيطان) *، وقوله تعالى: * (وما أرسلنا من
قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى..) * الآية، يوجب النقص في الأنبياء عليهم السلام، وإذا لم يجب ذلك فذلك ما وصف به أبو بكر نفسه، وإنما أراد أن عند الغضب يشفق من المعصية ويحذر منها، ويخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه، وذلك منه على طريق الزجر لنفسه عن المعاصي.
وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ترك مخاصمة الناس في حقوقه إشفاقا من المعصية، وكان يولي ذلك عقيلا، فلما أسن عقيل كان يوليها عبد الله ابن جعفر رحمه الله.
قال: فأما ما روي في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف، وإن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لأمر يرجع إليه أن يقيله الناس البيعة، وإنما يضرون بذلك أنفسهم، فكأنه نبه بذلك على أنه غير مكره لهم، وأنه قد خلاهم وما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه، وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله، والمراد بذلك على أنه تركه وما يختاره ولم يكرهه.
وأورد عليه السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي بأن قول أبي بكر:
وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن
لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم ولا أبشاركم.. يدل على أنه لا يصلح للإمامة من وجهين:
أحدهما: إن هذه صفة من ليس بمعصوم ولا يأمن الغلط على نفسه، ومن يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا واقع المعصية، وقد بينا أن الامام لا بد أن يكون معصوما مسددا موفقا.
والوجه الآخر: إن هذه صفة من لا يملك نفسه، ولا يضبط غضبه، ومن هو في نهاية الطيش والحدة، والخرق والعجلة، ولا خلاف في أن الامام يجب أن يكون منزها عن هذه الأوصاف غير حاصل عليها، وليس يشبه قول أبي بكر ما تلاه من الآيات كلها، لان أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، وأن عادته بذلك جارية، وليس هذا بمنزلة من يوسوس له الشيطان ولا يطيعه، ويزين له القبيح فلا يأتيه، وليس وسوسة الشيطان قبحا بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التكليف ووجه يتضاعف معه الثواب.
وقوله تعالى: * (ألقى الشيطان في أمنيته) * قيل معناه: في تلاوته، وقيل:
في فكرته على سبيل الخاطر، وأي الامرين كان فلا عار في ذلك على النبي صلى الله عليه وآله ولا نقص، وإنما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتبع ما يدعو
إليه، وليس لاحد أن يقول هذا - إن سلم لكم في جميع الآيات - لم يسلم لكم في قوله تعالى: * (فأزلهما الشيطان) * لأنه قد خبر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من الفعل، وذلك لان المعنى الصحيح في هذه الآية أن آدم وحواء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها، ولم يكن ذلك عليهما واجبا لازما، لان الأنبياء عليهم السلام لا يخلون بالواجب، فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة فتركا مندوبا إليه، وحرما بذلك أنفسهما الثواب وسماه: إزلالا، لأنه حط لهما عن درجة الثواب، وفعل الأفضل.
وقوله تعالى في موضع آخر: * (وعصى ادم ربه فغوى) * لا ينافي هذا المعنى، لان المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب والندب، وقوله: فغوى..
أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه، على أن صاحب المغني يقول: إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحق بها عقابا ولا ذما، فعلى مذهبه - أيضا - يكون المفارقة بينه وبين أبي بكر ظاهرة، لان أبا بكر خبر عن نفسه أن الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الاشعار والابشار، ويأتي ما يستحق به التقويم، فأين هذا من ذنب صغير لا ذم و لا عقاب عليه؟. وهو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح، لأنه لا يؤثر في أحوال فاعله وحط رتبته، وليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية والاشفاق على ما ظن، لان مفهوم خطابة يقتضي خلاف ذلك، ألا ترى أنه قال: إن لي شيطانا يعتريني، وهذا قول من قد عرف عادته، ولو كان على سبيل الاشفاق والخوف لخرج غير هذا المخرج، ولكان يقول
فإني لا آمن من كذا.. وإني لمشفق منه.
فأما ترك أمير المؤمنين عليه لاسلام مخاصمة الناس، فإنما كان تنزها وتكرما، وأي شبه بين ذلك وبين من صرح وشهد على نفسه بما لا يليق بالأئمة؟!.
وأما خبر استقالة البيعة وتضعيف صاحب المغني له فهو - أبدا - يضعف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه.
وقوله: إنه ما استقالها على التحقيق وإنما نبه على أنه لا يبالي بخروج الامر عنه، وإنه غير مكره لهم عليه.. فبعيد عن الصواب، لان ظاهر قوله:
أقيلوني.. أمر بالإقالة، وأقل أحواله أن يكون عرضا لها أو بذلا، وكلا الامرين قبيح. ولو أراد ما ظنه لكان له في غير هذا القول مندوحة، ولكان يقول: إني ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي، وما كنت أبالي أن لا يكون هذا الامر في، ولا إلي، وإن مفارقته لتسرني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به، ومتى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به.
فأما أمير المؤمنين عليه السلام فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخوله فيها، وإنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداءا فأعفاه، علما بأن إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها، فأين هذا من استقالة بيعة قد تقدمت واستقرت، انتهى كلامه رفع الله مقامه.
وأورد عليه ابن أبي الحديد:.. بأن أبا بكر كان حديدا ولكن لا يخل ذلك بالإمامة، لان المخل بالإمامة من ذلك ما يخرج به الانسان عن العقل، فأما ما دون ذلك فلا، وقوله: فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.. محمول على البلاغة في وصف القوة الغضبية لا على ظاهره، لأنه لم ينقل أنه قام إلى رجل فضربه بيده ومزق شعره...
وأما قول شيخنا أبي علي أن كلام أبي بكر خرج مخرج الاشفاق والحذر..
فجيد.
واعتراض المرتضى غير لازم، لان في هذه عادة العرب يعبرون عن الامر بما هو منه بسبيل، كقولهم: لا تدن من الأسد فيأكلك، ليس أنهم قطعوا على الاكل عند الدنو.
فأما الكلام في قوله: أقيلوني.. فلو صح الخبر لم يكن فيه مطعن عليه، لأنه إنما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في البيعة التي وقعت في اليوم الأول ليعلم ولهى من عدوه منهم... على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البيعة حقيقة، فلم قال المرتضى: إن ذلك لا يجوز؟. أليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاء بعد توليه إياه ودخلوه فيه؟ فكذلك يجوز للامام أن يستقيل من الإمامة إذا آنس من نفسه ضعفا عنها، أو آنس من رعيته نبوة عنه أو أحس بفساد ينشأ في الأرض من جهة ولايته على الناس، ومن يذهب إلى أن الإمامة تكون بالاختيار كيف
يمنع من جواز استقالة الامام وطلبه إلى الأمة أن يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه؟! وإنما يمتنع من ذلك المرتضى وأصحابه القائلون بأن الإمامة بالنص...، على أنه إذا جاز عندهم ترك الامام الإمامة في الظاهر - كما فعله الحسن عليه السلام، والأئمة بعد الحسين عليهم السلام - جاز للامام على مذهب أصحاب الاختيار أن يترك الإمامة ظاهرا وباطنا لعذر يعلمه.
والجواب، أن الكل اتفقوا على اشتراط العدالة في الامام، ولا ريب في أنه يكون من الحدة والطيش ما لا يضبط الانسان نفسه عند هيجانه فيقدم على المعصية، ولا يدخل بذلك عرفا في زمرة المجانين، ولا يخرج عن حد التكليف، وقوله: فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.. اعتراف باتصافه بفرد بالغ من هذا النوع، ولا خلاف في كونه قادحا في الإمامة، وادعاؤه أنه لم ينقل أنه فعل ذلك برجل، فقد روى نفسه ما يكذبه، حيث روى عن محمد بن جرير الطبري أن الأنصار بعثوا عمر إلى أبي بكر يسأله أن يولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة، فوثب أبو بكر - وكان جالسا - فأخذ بلحية عمر، وقال: ثكلتك أمك يا بن الخطاب! استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وتأمرني أن أنزعه؟!. فخرج عمر إلى الناس، فقالوا: ما صنعت؟. قال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله.. إلى آخر ما رواه.
و وثوبه على عمر بن الخطاب وأخذه بلحيته وشتمه - مع كونه معظما مبجلا عنده في أول خلافته، والمقام لم يكن مقام الخفة والطيش - يدل على أن ذلك الصنيع لم يخرج منه مخرج الندرة والافتلات، بل كان ذلك من الفعل المعتاد، ومع الاغماض عنه نقول: إن ذلك الشهادة من قبيل الرجم بالغيب، ومن الذي
أحصى أفعال أبي بكر حتى علم أنه لم يفعل ذلك بأحد من معاشريه وخواصه وأهل بيته؟ وبعد تسليم أنه لم يقدم قط على جرح الابشار ونتف الاشعار، نقول:
إذا بلغ الطيش والحدة في الشدة إلى حد يخاف صاحبه على نفسه الوثوب على الناس فلا يشك في أنه يصدر عنه عند الغضب من الشتم والبذاء وأصناف الأذى قولا وفعلا ما يخرجه عن حد العدالة المشترطة في الإمامة، ولو قصر الغضب عن القيام بما يخل بالعدالة - ولو بالاصرار على ما كان من هذا النوع من قبيل الصغائر - لم يعبر عنه بهذا النوع من الكلام.
وبالجملة، حمل كلام أبي بكر على المبالغة لا ينفعهم ولا يضرنا، وكذا التمسك بقولهم: لا تدن من الأسد.. لا ينفعهم، إذ لا يقال ذلك إلا إذا جرت عادته بأكل من دنى منه، فكذلك لا موقع لكلام أبي بكر ما لم تجر عادته بأن يؤثر غضبه في أشعار الناس وأبشارهم، أو يؤذيهم بالشتم والبذاء.. ونحو ذلك مما كنى عنه بقوله: لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم، ومثل هذا الطيش والحدة لا ريب في كونه مخرجا عن العدالة، قادحا في صلوح صاحبه للإمامة، فخروج الكلام مخرج الاشفاق والحذر - على هذا الوجه - لا ينفع في دفع الطعن.
وأما ما أشار إليه - تبعا للقاضي - من منع صحة الخبر في استقالة أبي بكر فمما لا وقع له، لاستفاضة الخبر واشتهاره في كل عصر وزمان، وكونه مسلما عند كثير من أهل الخلاف، ولذا لم يمنع الرازي في نهاية العقول صحته مع ما علم من حاله من كثرة التشكيك والاهتمام بإيراد الأجوبة العديدة، وإن كانت سخيفة ضعيفة.
وقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام - على ما حكاه بعض الثقات من الأصحاب -.
وقال مؤلف كتاب الصراط المستقيم: ذكره الطبري في تاريخه، والبلاذري في أنساب الأشراف، والسمعاني في الفضائل، وأبو عبيدة:
قول أبي بكر على المنبر - بعد ما بويع -: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم.
وقد أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية بقوله: فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته.. وصحة الخطبة مسلمة عند ابن أبي الحديد وقاضي القضاة وغيرهما كما عرفت.
وأما عدم رواية أصحاب أصولهم قصة الاستقالة فلا حجة فيه، لأنهم لا يروون ما لا تتعلق أغراضهم بروايته، بل تعلق غرضهم بانمحاء ذكره.
ويدل على بطلان ما زعمه من أن أبا بكر أراد اختبار حال الناس في اليوم الثاني من بيعته ليعلم وليه من عدوه، قول أمير المؤمنين عليه السلام: بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته.. إذ لو كان المراد ما توهمه لم يكن عقده لآخر بعد الوفاة مع الاستقالة في الحياة موضعا للعجب، وإنما التعجب من صرفها عن أمير المؤمنين عليه السلام عند الوفاة وعقدها لغيره مع الاستقالة منها
في الحياة، لعلمه بأنه كان حقا لأمير المؤمنين عليه السلام وهو واضح، ولعلهم لا ينكرون أن فهم أمير المؤمنين عليه السلام مقدم على فهمهم.
وقد ظهر مما ذكرناه ضعف ما أجاب به الفخر الرازي في نهاية العقول من أنه ذكر ذلك على سبيل التواضع وهضم النفس، كما قال عليه السلام: لا تفضلوني على يونس بن متى.. والفرق بين استقالة أبي بكر والخبر الذي رواه - على تقدير صحته - واضح، ولو أراد مجرد الاستشهاد على ورود الكلام للتواضع وهضم النفس - وهو أمر لا ينازع فيه - لكن لا يلزم منه صحة حمل كل كلام عليه.
وأما ما ذكره من جواز الاستقالة تشبيها بالقضاء، فيرد عليه، أنه إذا جازت الاستقالة من الامام ولم يتعين عليه القيام بالامر فلم لم يرض عثمان بالخلع مع أن القوم حصروه وتواعدوه بالقتل، فقال: لا أخلع قميصا قمصنيه الله عز وجل، وأصر على ذلك حتى قتل، وقد جاز - بلا خلاف - إظهار كلمة الشرك وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الخوف على النفس، فدل ذلك الاصرار منه على أن الخلع أعظم من إظهار كلمة الكفر وغيره من الكبائر، وأن ما أتى به أبو بكر كان أعظم مما ذكر على مذهب عثمان، فما دفع به الطعن عن أبي بكر يوجب قدحا شنيعا في عثمان، فإن تعريض النفس للقتل لأمر مباح لم يقل بجوازه أحد.
وقد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد قدس الله روحه، حيث قال: على أن
الاختيار إن كان للأمة وكان إليها الخلع والعزل لم يكن لدعائها عثمان إلى أن يخلع نفسه معنى يعقل، لأنه كان لها أن تخلعه وإن لم يجبها إلى ذلك، وإن كان الخلع إلى الامام فلا معنى لقول أبي بكر: أقيلوني.. وقد كان يجب لما كره الامر أن يخلع هو نفسه... وهذا أيضا تناقض آخر يبين عن بطلان الاختيار وتخليط القوم.
وأنت - أرشدك الله - إذا تأملت قول أمير المؤمنين عليه السلام: فيا عجبا! بينا هو يستقيلها.. إلى آخره، وجدته عجبا، وعرفت من المغزى كان من الرجل في القوم وبان خلاف الباطن منه، وتيقنت الحيلة التي أوقعها والتلبيس، وعثرت به على الضلال وقلة الدين، والله نسأل التوفيق، انتهى.
وأما ما ذكره من قياس خلع الخليفة نفسه اختيارا بما صدر عن أئمتنا عليهم السلام تقية واضطرارا فهو أظهر فسادا من أن يفتقر إلى البيان، مع أنه يظهر مما مر جوابه وسيأتي بعض القول في ذلك، والله المستعان.
الطعن السابع:
إنه كان جاهلا بكثير من أحكام الدين، فقد قال في الكلالة: أقول فيها
برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني، لم يعرف ميراث الجدة، فقال: لجدة سألته عن إرثها؟ لا أجد لك شيئا في كتاب الله وسنة نبيه
صلى الله عليه [وآله]، فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة أن الرسول صلى الله عليه وآله أعطاها السدس، وقال: أطعموا الجدات السدس، وقطع يسار السارق، وأحرق فجاءة بالنار، ولم يعرف ميراث العمة والخالة.. إلى غير ذلك.
وقصة فجاءة - على ما ذكره ابن الأثير في الكامل - هي: أنه جاء فجاءة السلمي - واسمه: أياس بن عبد الله يا ليل - إلى أبي بكر، فقال له: أعني بسلاح أقاتل أهل الردة، فأعطاه سلاحا وأمره أمره فخالف إلى المسلمين، وخرج حتى نزل بالجواء، وبعث نجية وأمره بالمسلمين، فشن الغارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن، فبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بن حاشي فأمره أن يجمع له ويسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قس الحاشي عونا، فنهض إليه وطلباه، فلاذ منهما، ثم لقياه على الجواء فاقتتلوا فقتل نجية وهرب الفجاءة، فلحقه طريفة فأسره، ثم بعث به إلى أبي بكر، فلما قدم أمر أبو بكر أن
يوقد له نار في مصلى المدينة، ثم رمى به فيها مقموطا - أي مشدود اليدين والرجلين -.
وقد روى القصة كثير من أرباب السير.
وأجاب صاحب المواقف وشارحه بأن الأصل - وهو كون الامام عالما بجميع الاحكام - ممنوع، وإنما الواجب الاجتهاد، ولا يقتضي كون جميع الأحكام حاضرة عنده بحيث لا يحتاج المجتهد فيها إلى نظر وتأمل، وأبو بكر مجتهد، إذ ما من مسألة - في الغالب - إلا وله فيه قول مشهور عند أهل العلم، وإحراق فجاءة إنما كان لاجتهاده وعدم قبول توبته لأنه زنديق، ولا تقبل توبة الزنديق في الأصح.
وأما قطع يسار السارق، فلعله من غلط الجلاد، أو رآه في المرة الثالثة من السرقة، وهو رأي الأكثر من العلماء. ووقوفه في مسألة الجدة ورجوعه إلى الصحابة في ذلك لأنه غير بدع من المجتهد البحث عن مدارك الأحكام، انتهى.
وأجيب: بأنه قد ثبت أن من شرائط الإمامة العلم بجميع الاحكام، وقد ظهر من أبي بكر الاعتراف على نفسه بأنه لم يعرف الحكم فيها، وعدم تعرض من تصدى للجواب لمنع صحة ما ذكر اعتراف بصحته.
ثم إن الكلالة - على ما رواه الأصحاب عن أئمتنا عليهم السلام - أولاد
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.