بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۳۰، ص ۳۵۱–۳۸۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۲ از ۲۲
ومنها: تكذيبه لفاطمة عليها السلام في دعواها فدك، ورد شهادة أم أيمن، مع أنهم رووا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة، ورد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وقد رووا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار، وأخبرهم أيضا بتطهير علي وفاطمة من الرجس عن الله تعالى، فمن توهم أن عليا وفاطمة يدخلان - بعد هذه الأخبار من الله عز وجل - في شئ من الكذب والباطل فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر بغير خلاف.
ومنها: قوله في الصلاة: لا تفعل خالد من أمره، فهذه بدعة يقارنها كفر، وذلك أنه أمر خالد بقتل أمير المؤمنين عليه السلام إذا هو سلم من صلاة الفجر، فلما قام في الصلاة ندم على ذلك وخشي إن فعل ما أمر به من قتل أمير المؤمنين عليه السلام أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها. فقال: لا يفعلن خالد ما أمر..
قبل أن يسلم، والكلام في الصلاة بدعة، والامر بقتل علي كفر.
ومنها: أنهم رووا - بغير خلاف - أنه قال - وقت وفاته -: ثلاث فعلتها وددت أني لم أفعلها، وثلاث لم أفعلها ووددت أني أفعلها، وثلاث غفلت عنها ووددت أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عنها، أما الثلاث التي وددت أني لم أفعلها، فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وقومه المسمين بأهل الردة، وكشف بيت فاطمة (ع) وإن كان أغلق على حرب.. واختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها وذكرنا ما اجتمعوا عليه.
فقد دل قوله: أني لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
وآله.. أنه أغضب فاطمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك، فقد أوجب بفعله هذا غضب الله عليه بغضب فاطمة. وقال صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، فقد لزمه أن يكون قد آذى الله ورسوله بما لحق فاطمة عليها السلام من الأذى بكشف بيتها، وقد قال الله عز وجل: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) *، وأما الثلاثة التي ود أن يسأل رسول الله عنها فهي: الكلالة ما هي؟ وعن الجد ما له من الميراث؟ وعن الامر لمن بعده؟
ومن صاحبه؟.
وكفى بهذا الاقرار على نفسه خزيا وفضيحة، لأنه شهر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، ومن كان هذه حاله كان ظالما فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *.
وقوله: ووددت أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله لمن الامر بعده؟
ومن صاحبه؟ فقد أقر وأشهد على نفسه بأن الامر لغيره، وأنه لا حق له فيه، لأنه لو كان له حق لكان قد علمه من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله، فلما لم يكن له فيه حق لم يعلم لمن هو بزعمه، وإذا لم يكن فيه حق ولم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، وأخذ حقا هو لغيره، وهذا يوجب الظلم والتعدي، وقال الله تعالى: * (ألا لعنة الله عليه الظالمين) *.
وأما ما وافقه عليه صاحبه الثاني:
فمنها: أنه لما أمر أن يجمع ما تهيأ له من القرآن أمر مناديا ينادي في
المدينة: من كان عنده شئ من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا تقبل من أحد شيئا إلا بشاهدي عدل.
وهذا منه مخالف لكتاب الله عز وجل إذ يقول : * (لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) * فذلك غاية الجهل وقلة الفهم، وهذا الوجه أحسن أحوالهما، ومن حل هذا المحل لم يجز أن يكون حاكما بين المسلمين فضلا عن منزلة الإمامة، وإن كانا قد علما ذلك من كتاب الله، ولم يصدقا إخبار الله فيه، ولم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كل ذي فهم، ولكن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام قالوا:
إنهما قصدا بذلك عليا عليه السلام فجعلا هذا سببا لترك قبول ما كان علي عليه السلام جمعه وألفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل الله عز وجل على رسوله منه، وخشيا أن يقبلا ذلك منه، فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد إلا بشاهدي عدل، هذا مع ما يلزم من يتولاهما أنهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنهما لو كان يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببينة عادلة، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله، ومن كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكما بين المسلمين أو إماما لهم، ومن لم يصلح لذلك ثم دخل فيه فقد استوجب
المقت من الله عز وجل، لأنه من لا يعلم حدود الله يكون حاكما بغير ما أنزل الله، وقال سبحانه وتعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) *.
ومنها: إن الأمة مجتمعة على أن رسول الله صلى الله عليه وآله ضمه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى أسامة بن زيد وولاه عليهما، وأمره بالمسير فيهم، وأمرهم بالمسير تحت رايته، وهو أمير عليهم إلى بلاد من الشام، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لينفذوا جيش أسامة.. حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه ذلك، وأنهما لم ينفذا وتأخرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الأمة، فبايع الناس لأبي بكر - وأسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة - والأمة مجتمعة، على أن من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله وخالفه فقد عصى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، بنص الكتاب العزيز، والأمة أيضا مجمعة على أن معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، وأن طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، وأنهما لم يطيعاه في الحالتين، وتركا لهما بالخروج، ومن ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا وخالفه وجب الحكم بارتداده.
ومنها: أنه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به كره في ذلك من كره ورغب من رغب، وقد أجمعوا في روايتهم أن الغالب كان من الناس يومئذ الكراهية، فلم يفكر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم، وخوفوه من الله عز وجل في توليته، فقال: أبا لله تخوفوني؟! إذا أنا لقيته قلت له: استخلفت عليهم خير أهلك!. فكان هذا القول جامعا لعجائب من المنكرات القطعيات، أرأيت لو
أجابه الله تعالى، فقال: ومن جعل إليك ذلك؟ ومن ولاك أنت حتى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلد الظلم في حياته وبعد وفاته.
ثم إن قوله: تخوفوني بالله..! إما هو دليل على استهانته بملاقاة الله تعالى، أو يزعم أنه زكي عند الله برئ من كل ذلة وهفوة، وهذا مخالفة لقوله تعالى، فإنه قال: * (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) *.
ثم إنه لم يكتف بذلك حتى شهد لعمر أنه خير القوم، وهذا مما لا يصل إليه مثله ولا يعرفه.
ثم إنه ختم ذلك بالطامة الكبرى أنه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته وموضع قبره وجعل - أيضا - بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنه فعل كما فعله، وصيرت العامة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول الله (ص)، ومن عقل وميز وفهم علم أنهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبدا، وأوجبا على أنفسهما المعصية لله ولرسوله والظلم الظاهر الواضح، لان الله سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبي صلى الله عليه وآله إلا بإذنه، حيث يقول: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * والحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته، إلا أن يخص الله عز وجل ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول خاصة فقد عصيا الله بدخولهما إليه بغير إذن الرسول صلى الله عليه وآله، وختما أعمالهما بمعصية الله تعالى في ذلك، وإن كان البيت من جملة التركة، فإما أن يكون كما زعموا أنه صدقة أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختص واحد دون واحد، ولا يجوز أيضا شراؤه من المسلمين ولا
استيهابه، وإن كان ميراثا، فلم يكونا ممن يرث الرسول صلى الله عليه وآله. وإن ادعى جاهل ميراث ابنتهما من الرسول (ص) فإن نصيبهما تسعا الثمن لان الرسول صلى الله عليه وآله مات عن تسع نسوة وعن ولد للصلب، فلكل واحدة منهما تسع الثمن، وهذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة.
وبالجملة، فإنهما غصبا الموضع حتى تقع القسمة على تركة الرسول ولا قسمة مع زعمهم أن ما تركه صدقة.
وأما صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، وزاد عليه فيما غير من حدود الله تعالى في الوضوء، والاذان والإقامة.. وسائر أحكام الدين.
أما الوضوء، فقد قال عز من قائل: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * فقد جعل سبحانه للضوء حدودا أربعة، حدان منها غسل، وحدان منها مسح، فلما قدم الثاني بعد الأول جعل المسح على الرجلين غسلا وأمر الناس بذلك، فاتبعوه إلا الفرقة المحقة، وأفسدوا على من اتبعه وضوءه وصلاته لفساد الوضوء لأنه على غير ما أنزل الله به من حدود الوضوء، وأجاز أيضا المسح على الخفين من غير أمر من الله تعالى ورسوله.
وأما الأذان والإقامة، فأسقط منهما وزاد فيهما، أما الاذان فإنه كان فيه على عهد النبي صلى الله عليه وآله: (حي على خير العمل) بإجماع العلماء وأهل المعرفة بالأثر والخبر، فقال الثاني: ينبغي لنا أن نسقط: (حي على خير العمل)، في الأذان والإقامة لئلا يتكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من
الأذان والإقامة جميعا لهذه العلة بزعمه، فقبلوا ذلك منه وتابعوه عليه، ويلزمهم أن يكون عمر قد أبصر من الرشد ما لم يعلمه الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وآله، لان الله ورسوله قد أثبتا ذلك في الأذان والإقامة ولم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر وقدره فيهم، ومن ظن ذلك وجهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الاذان بذلك أيضا، لأنه من تعمد الزيادة والنقيصة في فريضة أو سنة فقد أفسدها.
ثم إنه بعد إسقاط ما أسقط من الأذان والإقامة من (حي على خير العمل)، أثبت في بعض الاذان زيادة من عنده، وذلك أنه زاد في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فصارت هذه البدعة - عند من اتبعه - من السنن الواجبة لا يستحلون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متبعة معمول بها يطالب من تركها بالقهر عليها، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها ويقتل من أقامها.
وجعل أيضا الإقامة فرادى، فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان والإقامة فرقا بينا، وكانت الإقامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله سبيلها كسبيل الاذان مثنى مثنى، وكان فيها: (حي على خير العمل) مثنى، وكانت أنقص من الاذان بحرف واحد، لان في آخر الاذان: (لا إله إلا الله) مرتين، وفي آخر الإقامة مرة واحدة، وكان هذا هو الفرق فغيره الرجل وجعل بينهما فرقا من عنده، فقد خالف الله ورسوله، وزعم أنه قد أبصر من الرشد في ذلك وأصاب من الحق ما لم يعلمه الله تعالى ورسوله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولا شك انه كل من ابتدع بدعة كان عليه وزرها ووزر العامل بها إلى يوم القيامة.
وأما الصلاة، فأفسد من حدودها ما فيه الفضيحة والهتك لمذهبهم، وهو إنهم رووا أن: تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وان الصلاة المفروضة على
الحاضرين الظهر أربعا، والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا، والعشاء الآخرة أربعا، لا سلام إلا في آخر التشهد في الرابعة، وأجمعوا على أنه من سلم قبل التشهد عامدا متعمدا فلا صلاة له، وقد لزمه الإعادة، وأنه من سلم في كل ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامدا غير ناس فقد أفسد صلاته وعليه الإعادة، فاستن الرجل لهم في التشهد الأول والثاني ما أفسد صلاتهم وأبطل عليهم تشهدهم، فليس منهم أحد يتشهد في صلاته قط ولا يصلي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها، وذلك انهم يصلون ركعتين ثم يقعدون للتشهد الأول فيقولون عوضا عن التشهد: التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالوا ذلك فقد سلموا أتم السلام و أكمله، لأنه إذا سلم المصلي على النبي وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين لم يبق من هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإن عباد الله الصالحين يدخل في جملتهم الأولون والآخرون والجن والانس والملائكة وأهل السماوات والأرضين والأنبياء والأوصياء وجميع المرسلين من الاحياء والأموات ومن قد مضى ومن هو آت، فحينئذ يكون المصلي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا، ثم يقول بعد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، والتشهد هو الشهادتان، فالمصلي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزمهم أنه ليس منهم أحد يتشهد في الصلاة إذا كان التسليم موجبا للخروج من الصلاة، ولا عبرة بالتشهد بعد الصلاة.
ثم أتبع ذلك بقوله: آمين، عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنة واجبة، حتى أن من يتلقن القرآن من الأعاجم وغيرهم وعوامهم وجهالهم يلعنونهم من بعد قول ولا الضالين: آمين، فقد زادوا آية في أم
الكتاب، وصار عندهم من لم يأت بها في صلاته وغير صلاته كأنه قد ترك آية في كتاب الله.
وقد أجمع أهل النقل عن الأئمة عليهم السلام من أهل البيت أنهم قالوا:
من قال: آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الإعادة، لأنها عندهم كلمة سريانية معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللهم افعل، ثم استن أولياؤه وأنصاره رواية متخرصة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك، ولما رأينا أهل البيت عليهم السلام مجتمعين على إنكارها صح عندنا فساد أخبارهم فيها، لان الرسول صلى الله عليه وآله حكم - بالاجماع - أن لا نضل ما تمسكنا بأهل بيته عليهم السلام، فتعين ضلالة من تمسك بغيرهم.
وأما الدليل على خرص روايتهم أنهم مختلفون في الرواية:
فمنهم من روى: إذا أمن الامام فأمنوا.
ومنهم من يروي: إذا قال الامام (ولا الضالين) فقولوا: آمين.
ومنهم من يروي: ندب رفع الصوت بها.
ومنهم من يروي: الاخفات بها. فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحا - لمن فهم - على تخرص روايتهم.
ثم أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، وذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة، لان اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلما رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضا اقتداء بهم وأمر الناس بفعل ذلك، وقال: إن هذا تأويل قوله
تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * يريد بزعمه التذلل والتواضع، ومما روي عنه بالخلاف أنه قال للرسول صلى الله عليه وآله يوما: إنا نسمع من اليهود أشياء نستحسنها منهم، فنكتب ذلك منهم؟. فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال:
أمتهوكون أنتم يا بن الخطاب!، لو كان موسى حيا لم يسعه إلا اتباعي.
ومن استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد النبي أولى، وقد أنكر أهل البيت عليهم السلام ونهوا عنه نهيا مؤكدا، وحال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول صلى الله عليه وآله لهم بإزالة الضلالة عنهم وعمن تمسك بهم، فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلا أولياؤه متحفظون بها مواظبون عليها وعلى العمل بها، طاعنون على تاركها، وكل تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعة فهو عندهم مطروح متروك مهجور ويطعن على من استعمله، وينسب عندهم إلى الأمور المنكرات، ولقد رووا جميعا أن الرسول قال: لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، ولا تنقروا كنقر الديك، ولا تقعوا كإقعاء الكلب، ولا تلتفتوا كالتفات القرود، فهم لأكثر ذلك فاعلون، ولقول الرسول مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدؤا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم، وذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، ويعلمون ذلك جهالهم خلافا على تأديب
الرسول صلى الله عليه وآله، وهذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطول الكلام بذكرها الكتاب.
ولما أمر الله سبحانه نبيه صلوات الله عليه وآله بسد أبواب الناس من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله شريفا له وصونا له عن النجاسة سوى باب النبي صلى الله عليه وآله وباب علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمره أن ينادي في الناس بذلك، فمن أطاعه فاز وغنم ومن عصاه هلك وندم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله المنادي فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يهرعون، فلما تكاملوا صعد النبي المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إن الله سبحانه و وتعالى قد أمرني بسد أبوابكم المفتوحة إلى المسجد بعد يومي، وأن لا يدخله جنب ولا نجس، بذلك أمرني ربي جل جلاله، فلا يكون في نفس أحد منكم أمر، ولا تقولوا: لم؟ وكيف؟ وأنى ذلك؟ فتحبط أعمالكم وتكونوا من الخاسرين، وإياكم والمخالفة والشقاق فإن الله تعالى أوحى إلي أن أجاهد من عصاني، وأنه لا ذمة له في الاسلام، وقد جعلت مسجدي طاهرا من كل دنس، محرما على كل من يدخل إليه مع هذه الصفة التي ذكرتها غيري وأخي علي بن أبي طالب عليه السلام وابنتي فاطمة وولدي الحسن والحسين كما كان مسجد هارون وموسى، فإن الله أوحى إليهما أن اجعلا بيوتكما قبلة لقومكما، وإني قد أبلغتكم ما أمرني به ربي وأمرتكم بذلك، ألا فاحذروا الحسد والنفاق وأطيعوا الله يوافق بينكم سركم علانيتكم، ف * (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) *.
فقال الناس بأجمعهم: سمعنا وأطعنا الله ورسوله ولا نخالف ما أمرنا به،
ثم خرجوا أبوابهم جميعا غير باب النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، فأظهر الناس الحسد والكلام، فقال عمر: ما بال رسول الله (ص) يؤثر ابن عمه علي بن أبي طالب ويقول على الله الكذب، ويخبر عن الله بما لم يقل في علي؟! وإنما سأل محمد صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب وأجابه إلى ما يريد، فلو سأل الله ذلك لنا لاجابه، وأراد عمر أن يكون له باب مفتوح إلى المسجد، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله قول عمر وخوض الناس والقوم في الكلام، أمر المنادي بالنداء إلى: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال لهم النبي صلى الله عليه وآله:
معاشر الناس! قد بلغني ما خضتم فيه وما قال قائلكم، وإني أقسم بالله العظيم إني لم أقل على الله الكذب ولا كذبت فيما قلت، ولا أنا سددت أبوابكم، ولا أنا فتحت باب علي بن أبي طالب (ع)، ولا أمرني في ذلك إلا الله عز وجل الذي خلقني وخلقكم أجمعين، فلا تحاسدوا فتهلكوا، ولا تحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله، فإنه يقول في محكم كتابه: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) * فاتقوا الله وكونوا من الصابرين، ثم صدق الله رسوله بنزول الكوكب من السماء على دار علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنزل الله سبحانه قرآنا، وأقسم بالنجم تصديقا لرسوله صلى الله عليه وآله، فقال: * (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى..) * الآيات كلها، وتلاها النبي صلى الله عليه وآله فلم يزدادوا إلا غضبا وحسدا ونفاقا وعتوا واستكبارا، ثم تفرقوا و في قلوبهم من الحسد والنفاق ما لا يعلمه إلا الله سبحانه.
فلما كان بعد أيام دخل عليه عمه العباس وقال: يا رسول الله! قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة، وأنا ممن يدين الله بطاعتك، فاسأل الله
تعالى أن يجعل لي باب إلى المسجد أتشرف بها على من سواي؟. فقال له عليه وآله السلام: يا عم! ليس إلى ذلك سبيل. فقال: فميزابا يكون من داري إلى المسجد أتشرف به على القريب والبعيد. فسكت النبي صلى الله عليه وآله - وكان كثير الحياء - لا يدري ما يعيد من الجواب خوفا من الله تعالى وحياء من عمه العباس، فهبط جبرئيل عليه السلام في الحال على النبي صلى الله عليه وآله - وقد علم الله سبحانه ما في نفسه صلى الله عليه وآله من ذلك -، فقال: يا محمد (ص)! إن الله يأمرك أن تجيب سؤال عمك، وأمرك أن تنصب له ميزابا إلى المسجد كما أراد، فقد علمت ما في نفسك وقد أجبتك إلى ذلك كرامة لك ونعمة مني عليك وعلى عمك العباس، فكبر النبي صلى الله عليه وآله وقال: أبى الله إلا إكرامكم يا بني هاشم وتفضيلكم على الخلق أجمعين، ثم قام ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتى صار على سطح العباس، فنصب له ميزابا إلى المسجد وقال: معاشر المسلمين! إن الله قد شرف عمي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذوني في عمي، فإنه بقية الآباء والأجداد، فلعن الله من آذاني في عمي وبخسه حقه أو أعان عليه.
ولم يزل الميزاب على حاله مدة أيام النبي صلى الله عليه وآله وخلافة أبي بكر وثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب، فلما كان في بعض الأيام وعك العباس ومرض مرضا شديدا وصعدت الجارية تغسل قميصه فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد، فنال بعض الماء ثوب الرجل، فغضب غضبا شديدا وقال لغلامه: اصعد واقلع الميزاب، فصعد الغلام فقلعه ورمى به إلى سطح العباس، وقال: والله لئن رده أحد إلى مكانه لأضربن عنقه، فشق ذلك على العباس ودعا بولديه عبد الله وعبيد الله ونهض يمشي متوكئا عليهما - وهو يرتعد من شدة المرض - وسار حتى دخل على أمير المؤمنين عليه السلام، فلما نظر إليه أمير المؤمنين عليه السلام انزعج لذلك، وقال: يا عم! ما جاء بك وأنت على هذه
الحالة؟!. فقص عليه القصة وما فعل معه عمر من قلع الميزاب وتهدده من يعيده إلى مكانه، وقال له: يا بن أخي! إنه كان لي عينان أنظر بهما، فمضت إحداهما وهي رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيت الأخرى وهي أنت يا علي، وما أظن أن أظلم ويزول ما شرفني به رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت لي، فانظر في أمري، فقال له: يا عم! ارجع إلى بيتك، فسترى مني ما يسرك إن شاء الله تعالى.
ثم نادى: يا قنبر! علي بذي الفقار، فتقلده ثم خرج إلى المسجد والناس حوله وقال: يا قنبر! اصعد فرد الميزاب إلى مكانه، فصعد قنبر فرده إلى موضعه، وقال علي عليه السلام: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لئن قلعه قالع لأضربن عنقه وعنق الآمر له بذلك، ولأصلبنهما في الشمس حتى يتقددا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فنهض ودخل المسجد ونظر إلى الميزاب، فقال: لا يغضب أحدا أبا الحسن فيما فعله، ونكفر عن اليمين، فلما كان من الغداة مضى أمير المؤمنين إلى عمه العباس، فقال له: كيف أصبحت يا عم؟. قال: بأفضل النعم ما دمت لي يا بن أخي. فقال له: يا عم! طب نفسا وقر عينا، فوالله لو خاصمني أهل الأرض في الميزاب لخصمتهم، ثم لقتلتهم بحول الله وقوته، ولا ينالك ضيم يا عم، فقام العباس فقبل ما بين عينيه، وقال: يا بن أخي! ما خاب من أنت ناصره.
فكان هذا فعل عمر بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال في غير موطن وصية منه في عمه العباس: إني عمي العباس بقية الآباء والأجداد
فاحفظوني فيه، كل في كنفي، وأنا في كنف عمي العباس ، فمن آذاه فقد آذاني، ومن عاداه فقد عاداني، سلمه سلمي، وحربه حربي.
وقد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة غير خفية:
منها: قصة الميزاب، ولولا خوفه من علي (ع) لم يتركه على حاله.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قبل الهجرة خرج يوما إلى خارج مكة ورجع طالبا منزله فاجتاز بمناد ينادي من بني تميم - وكان لهم سيد يسمى عبد الله ابن جذعان، وكان يعد من سادات قريش وأشياخهم، وكان له منادية ينادون في شعاب مكة وأوديتها: من أراد الضيافة والقرى فليأت مائدة عبد الله بن جذعان، وكان مناديه: أبو قحافة، واجرته أربعة دوانيق، وله مناد آخر فوق سطح داره، فأخبر عبد الله بن جذعان بجواز النبي صلى الله عليه وآله على بابه، فخرج يسعى حتى لحق به وقال: يا محمد! بالبيت الحرام إلا ما شرفتني بدخولك إلى منزلي وتحرمك بزادي، وأقسم عليه برب البيت والبطحاء وبشيبة بن عبد المطلب، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك ودخل منزله وتحرم بزاده، فلما خرج النبي صلى الله عليه وآله خرج معه ابن جذعان مشيعا له، فلما أراد الرجوع عنه قال له النبي صلى الله عليه وآله: إني أحب أن تكون غدا في ضيافتي أنت وتيم وأتباعها وحلفاؤها عند طلوع الغزالة، ثم افترقا ومضى النبي إلى دار عمه أبي طالب وجلس ومتفكرا فيما وعده لعبد الله بن جذعان، إذ دخلت عليه فاطمة بنت أسد صلوات الله عليها زوجة عمه أبي طالب - وكانت هي مربيته، وكان يسميها الام - فلما رأته مهموما قالت: فداك أبي وأمي، ما لي أراك مهموما؟ أعارضك أحد من
أهل مكة؟. فقال: لا. قالت: فبحقي عليك إلا ما أخبرتني بحالك.. فقص عليها قصته مع ابن جذعان وما قاله وما وعده من الضيافة، فقالت: يا ولدي! لا تضيقن صدرك، معي مشار عسل يقوم لك بكل ما تريد، فبينما هما في الحديث إذ دخل أبو طالب رضي الله عنه، فقال لزوجته: فيما أنتما؟. فأعلمته بذلك كله، وبما قال النبي صلى الله عليه وآله لا بن جذعان، فضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه، وقال: يا ولدي! بالله عليك لا تضيقن صدرك من ذلك، وفي نهار غد أقوم لك بجميع ما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى، وأصنع وليمة تتحدث بها الركبان في سائر البلدان، وعزم على وليمة تعم سائر القبائل، وقصد نحو أخيه العباس ليقترض من ماله شيئا يضمه إلى ماله، فوجد بني عبد الطلب في الطريق فأقرضوه من الجمال والذهب ما يكفيه، فرجع عن القصد إلى أخيه العباس، وآثر التخفيف عنه، فبلغ أخاه العباس ذلك فعظم عليه رجوعه، فأقبل إلى أخيه أبي طالب - وهو مغموم كئيب حزين - فسلم عليه، فقال له أبو طالب: ما لي أراك حزينا كئيبا؟. قال: بلغني أنك قصدتني في حاجة ثم بدالك عنها فرجعت من الطريق، فما هذه الحال؟. فقص عليه القصة.. إلى آخرها، فقال له العباس: الامر إليك، وإنك لم تزل أهلا لكل مكرمة وموئلا لكل نائبة، ثم جلس عنده ساعة وقد أخذ أبو طالب فيما يحتاج إليه من آلة الطبخ وغير ذلك، فقال له العباس: يا أخي! لي إليك حاجة؟. فقال له أبو طالب: هي مقضية، فاذكرها، فقال العباس: أقسمت عليك بحق البيت وشيبة الحمد إلا ما قضيتها، فقال:
لك ذلك ولو سألت في النفس والولد، فقال: تهب لي هذه المكرمة تشرفني بها.
فقال: قد أجبتك إلى ذلك مع ما أصنعه أنا.. فنحر العباس الجزر ونصب القدور، وعقد الحلاوات، وشوى المشوي، وأكثر من الزاد فوق ما يراد، ونادى سائر الناس، فاجتمع أهل مكة وبطون قريش وسائر العرب على اختلاف طبقاتها يهرعون من كل مكان حتى كأنه عيد الله الأكبر، ونصب للنبي صلى الله عليه وآله منصبا عليا، وزينه بالدر والياقوت والثياب الفاخرة، وبقي الناس من حسن النبي صلى الله عليه وآله ووقاره وعقله وكماله متحيرين، وضوؤه يعلو نور الشمس، وتفرق الناس مسرورين وقد أخذوا في الخطب والاشعار ومدح النبي صلى الله عليه وآله وعشيرته على حسن ضيافتهم.
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أشده وتزوج خديجة وأوحى الله إليه ونبأه وأرسله إلى سائر العرب والعجم، وأظهره على المشركين، وفتح مكة ودخلها مؤيدا منصورا، وقتل من قتل، وبغي من بغي، أوحى الله إليه: يا محمد! إن عمك العباس له عليك يد سابقة وجميل متقدم، وهو ما أنفق عليك في وليمة عبد الله بن جذعان، وهو ستون ألف دينار مع ماله عليك في سائر الأزمان، وفي نفسه شهوة من سوق عكاظ، فامنه إياه في مدة حياة ولولده بعد وفاة، فأعطاه ذلك، ثم قال صلى الله عليه وآله: ألا لعنة الله على من عارض عمي في سوق عكاظ و نازعه فيه، ومن أخذه منه فأنا برئ منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فلم يكترث عمر بذلك وحسد العباس على دخل سوق عكاظ، وغصبه منه،
ولم يزل العباس متظلما إلى حين وفاته.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان جالسا في مسجد يوما. وحوله جماعة من الصحابة - إذ دخل عليه عمه العباس - وكان رجلا صبيحا حسنا حلو الشمائل - فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله: قام إليه واستقبله وقبل ما بين عينيه ورحب به وأجلسه إلى جانبه، فأنشد العباس أبياتا في مدحه (ص)، فقال النبي صلى الله عليه وآله: جزاك الله - يا عم - خيرا ومكافأتك على الله تعالى.
ثم قال: معاشر الناس! احفظوني في عمي العباس وانصروه ولا تخذلوه.
ثم قال: يا عم! أطلب مني شيئا أتحفك به على سبيل الهدية. فقال: يا بن أخي! أريد من الشام الملعب، ومن العراق الحيرة، ومن هجر الخط، وكانت هذه المواضع كثيرة العمارة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: حبا وكرامة، ثم دعا عليا عليه السلام، فقال: أكتب لعمك العباس هذه المواضع، فكتب له أمير المؤمنين كتابا بذلك، وأملى رسول الله صلى الله عليه وآله وأشهد الجماعة الحاظرين، وختم النبي صلى الله عليه وآله بخاتمة وقال: يا عم! إن يفتح الله تعالى هذه المواضع فهي لك هبة من الله تعالى ورسوله، وإن فتحت بعد موتي فإني أوصي الذي ينظر بعدي في الأمة بتسليم هذه المواضع إليك.
ثم قال: معاشر المسلمين! إن هذه المواضع المذكورة لعمي العباس، فعلى من يغير عليه أو يبدله أو يمنعه أو يظلمه لعنة الله ولعنة اللاعنين، ثم ناوله الكتاب، فلما ولي عمر وفتح هذه المواضع المذكورة أقبل عليه العباس بالكتاب، فلما نظر فيه دعا رجلا من أهل الشام وسأله عن الملعب، فقال: يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم، ثم سأل عن الآخرين، فذكر له أن ارتفاعهما تقوم بمال كثير.
فقال: يا أبا الفضل! إن هذا المال كثير لا يجوز لك أخذه من دون المسلمين. فقال العباس: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله يشهد لي بذلك قليلا كان أو
كثيرا، فقال عمر: والله إن كنت تساوي المسلمين في ذلك وإلا فارجع من حيث أتيت، فجرى بينهما كلام كثير غليظ، فغضب عمر - وكان سريع الغضب - فأخذ الكتاب من العباس ومزقه وتفل فيه ورمى به في وجه العباس، وقال: والله؟ لو طلبت منه حبة واحدة ما أعطيتك، فأخذ العباس بقية الكتاب وعاد إلى منزله حزينا باكيا شاكيا إلى الله تعالى والى رسوله، فصاح العباس بالمهاجرين والأنصار، فغضبوا لذلك وقالوا: يا عمر! تخرق كتاب رسول الله وتلقي به في الأرض، هذا شئ لا نصبر عليه. فخاف عمر أن ينخرم عليه الامر، فقال: قوموا بنا إلى العباس نسترضيه ونفعل معه ما يصلحه، فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس فوجدوه موعوكا لشدة ما لحقه من الفتن والألم والظلم، فقال: نحن في الغداة عائدوه إن شاء الله تعالى ومعتذرون إليه من فعلنا، فمضى غد وبعد غد ولم يعد إليه ولا اعتذر منه، ثم فرق الأموال على المهاجرين والأنصار وبقي كذلك إلى أن مات.
ولو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، وهذا القدر فيه عبرة لأولي الا باب.
وأما صاحبهما الثالث، فقد استبد بأخذ الأموال ظلما على ما تقدم به الشرح في صاحبيه، واختص بها مع أهل بيته من بني أمية دون المسلمين، فهل يستحق هذا أو يستجيزه مسلم ؟.
ثم إنه ابتدع أشياء أخر:
منها: منع المراعي من الجبال والأودية وحماها حتى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين.
ومنها: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نفى الحكم بن العاص - عم عثمان - عن المدينة، وطرده عن جواره فلم يزل طريدا من المدينة ومعه ابنه مروان أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وأيام أبي بكر وأيام عمر يسمى: طريد رسول الله
صلى الله عليه وآله، حتى استولى عثمان فرده إلى المدينة وآواه، وجعل ابنه مروان كاتبه وصاحب تدبيره في داره، فهل هذا منه إلا خالفا على رسول الله صلى الله عليه وآله ومضادة لفعله؟ وهل يستجيز هذا الخلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله والمضادة أفعاله إلا خارج عن الدين برئ من المسلمين؟ وهل يظن ذو فهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله طرد الحكم ولعنه وهو مؤمن؟ وإذا لم يكن مؤمنا فما الحال التي دعت عثمان إلى رده والاحسان إليه - وهو رجل كافر - لولا أنه تعصب لرحمه ولم يفكر في دينه، فحقت عليه الآية، قوله تعالى: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) *.
ومنها: إنه جمع ما كان عند المسلمين من صحف القرآن وطبخها بالماء على النار وغسلها ورمى بها إلا ما كان عند ابن مسعود، فإنه امتنع من الدفع إليه، فأتى إليه فضربه حتى كسر له ضلعين وحمل من موضعه ذلك فبقي عليلا حتى مات، وهذه بدعة عظيمة، لان تلك الصحف إن كان فيها زيادة عما في أيدي الناس، وقصد لذهابه ومنع الناس منه، فقد حق عليه قوله تعالى: * (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون) *.
هذا، مع ما يلزم أنه لم يترك ذلك ويطرحه تعمدا إلا وفيه ما قد كرهه، ومن كره ما أنزل الله في كتابه حبط جميع عمله، كما قال الله تعالى: * (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) *، وإن لم تكن في تلك الصحف زيادة عما في أيدي
الناس فلا معنى لما فعله.
ومنها: إن عمار بن ياسر قام يوما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله - وعثمان يخطب على المنبر - فوبخ عثمان بشئ من أفعاله، فنزل عثمان فركله برجله وألقاه على قفاه، وجعل يدوس في بطنه ويأمر أعوانه بذلك حتى غشي على عمار، وهو يفتري على عمار ويشتمه، وقد رووا جميعا أن النبي صلى الله عليه وآله قال:
الحق مع عمار يدور معه حيثما دار، وقال صلى الله عليه وآله: إذا افترق الناس يمينا وشمالا فانظروا الفرقة التي فيها عمار فاتبعوه، فإنه يدور الحق معه حيثما دار.
فلا يخلو حال ضربه لعمار من أمرين: أحدهما، أنه يزعم أن ما قال عمار وما فعله باطل، وفيه تكذيب لقول النبي صلى الله عليه وآله حيث يقول: الحق مع عمار، فثبت أن يكون ما قاله عمار حقا كرهه عثمان فضربه عليه.
ومنها: ما فعل بأبي ذر حين نفاه عن المدينة إلى الربذة، مع إجماع الأمة في الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، ورووا أنه قال: إن الله عز وجل أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم، فقيل: من هم يا رسول الله (ص)؟.
قال: علي سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر.
فحينئذ ثبت أن أبا ذر حبه الله وحبه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومحال عند ذوي الفهم أن يكون الله ورسوله يحبان رجلا وهو يجوز أن بفعل فعلا يستوجب به النفي عن حرم الله ورسوله، ومحال أيضا أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل أنه ما على وجه الأرض ولا تحت السماء أصدق منه، ثم يقول
باطلا، فتعين أن يكون ما فعله وما قاله حقا كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين، ومن كره الحق ولم يحب الصدق فقد كره ما أنزل الله في كتابه، لأنه أمر بالكون مع الصادقين، فقال: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) *.
ومنها: أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما ضرب أبو لؤلؤة عمر الضربة التي مات فيها سمع ابن عمر قوما يقولون: قتل العلج أمير المؤمنين، فقدر أنهم يعنون الهرمزان - رئيس فارس - وكان قد أسلم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم أعتقه من قسمته من الفئ فبادر إليه عبيد الله بن عمر فقتله قبل أن يموت أبوه، فقيل لعمر: إن عبيد الله بن عمر قد قتل الهرمزان، فقال:
أخطأ، فإن الذي ضربني أبو لؤلؤة، وما كان للهرمزان في أمري صنع، وإن عشت احتجت أن أقيده به، فإن علي بن أبي طالب لا يقبل منا الدية، وهو مولاه، فمات عمر واستولى عثمان على الناس بعده، فقال علي عليه السلام لعثمان: إن عبيد الله بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حق، وأنا وليه الطالب بدمه، سلمه إلي لأقيده به؟. فقال عثمان: بالأمس قتل عمر وأنا أقتل ابنه أورد علي آل عمر ما لا قوام لهم به، فامتنع من تسليمه إلى علي عليه السلام شفقة منه - بزعمه - على آل عمر، فلما رجع الامر إلى علي عليه السلام هرب منه عبيد الله بن عمر إلى الشام فصار مع معاوية، وحضر يوم صفين مع معاوية محاربا لأمير المؤمنين فقتل في معركة الحرب ووجد متقلد السيفين يومئذ.
فانظروا - يا أهل الفهم - في أمر عثمان كيف عطل حدا من حدود الله تعالى لا شبهة فيه شفقة منه - بزعمه - على آل عمر ولم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود الله تعالى ومخالفته، وأشفق على آل عمر في قتل من أوجب الله قتله وأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومنها: إنه عمد إلى صلاة الفجر فنقلها من أول وقتها حين طلوع الفجر فجعلها بعد الاسفار وظهور ضياء النهار، واتبعه أكثر الناس إلى يومنا هذا، وزعم أنه إنما فعل ذلك إشفاقا منه على نفسه في خروجه إلى المسجد خوفا أن يقتل في غلس الفجر كما قتل عمر، وذلك أن عمر قد جعل لنفسه سربا تحت الأرض من بيته إلى المسجد، فقعد أبو لؤلؤة في السرب فضربه بخنجر في بطنه، فلما ولي عثمان أخر صلاة الفجر إلى الاسفار، فعطل وقت فريضة الله وحمل الناس على صلاتها في غير وقتها، لان الله سبحانه قال: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل..) * يعني ظلمته، ثم قال: * (وقرآن الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا) *، والفجر هو أول ما يبدو من المشرق في الظلمة، وعنده تجب الصلاة، فإذا علا في الأفق وانبسط الضياء وزالت الظلمة صار صبحا، وزال عن أن يكون فجرا، ودرج على هذه البدعة أولياؤه، ثم تخرص بنو أمية بعده أحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله غلس بالفجر وأسفر بها، وقال للناس: أسفروا بها أعظم لأجركم، فصار المصلي للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعا، ومن اتبع بدعة عثمان فهو على السنة.
فما أعجب أحوالهم وأشنعها!.
ثم ختم بدعه بأن أهل مصر شكوا من عامله وسألوه أن يصرفه عنهم، أو يبعث رجلا ناظرا بينهم وبينه، فوقع الاختيار على محمد بن أبي بكر ناظرا - وكان محمد ممن يشير بالحق وينهى عن مخالفة - فثقل على عثمان وكادوه، وبقي حريصا على قتله بحيلة، فلما وقع الاختيار عليه أن يكون ناظرا بين أهل مصر وبين عامله خرج معهم، وكتب عثمان بعد خروجه إلى عامله بمصر يأمره بقتل
محمد بن أبي بكر إذا صار إليه، ودفع الكتاب إلى عبد من عبيده، فركب العبد راحلته وسار نحو مصر بالكتاب مسرعا ليدخل مصر قبل دخول محمد بن أبي بكر، فقيل أن العبد مر يركض فنظر إليه القوم الذين مع محمد فأخبروا محمدا بذلك، فبعث خلفه خيلا فأخذوه وارتاب به محمد، فلما ردوه إليه وجد الكتاب معه، فقرأه وانصرف راجعا مع القوم والعبد والراحلة معهم، فثاروا على عثمان في ذلك، فقال: أما العبد فعبدي والراحلة راحلتي وختم الكتاب ختمي، وليس الكتاب كتابي ولا أمرت به، وكان الكتاب بخط مروان، فقيل له: إن كنت صادقا فادفع إلينا مروان فهذا خطه وهو كاتبك، فامتنع عليهم، فحاصروه وكان ذلك سبب قتله، فسحقا وبعدا لهم جميعا فإنهم كانوا كافرين.
بيان:
السجف - بالفتح والكسر - الستر.
والجزل - بالفتح - الكثير.
وقال الجوهري: سفعته النار والسموم: إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة.
والخرص والتخرص: الكذب.
والغزالة: الشمس.
ومشار عسل - بضم الميم - من إضافة الصفة إلى الموصوف أو بفتحها بتقدير اللام، يقال: شرت العسل.. أي اجتنيتها، والمشار - بالفتح - الخلية
يشتار منها.
وفي القاموس: الخط.. سيف البحرين أو كل سيف، وموضع باليمامة، ومرقي السفن بالبحرين، ويكسر واليه نسبت الرماح لأنها تباع به.
أقول: إنما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتج به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتضح لك حقيقة الامر في الأبواب الآتية، والله الموفق.
165 - وقال أبو الصلاح رحمه الله في تقريب المعارف: ومما يقدح في عدالة الثلاثة، قصدهم أهل بيت نبيهم عليهم السلام بالتخفيف والأذى، والوضع من أقدارهم، واجتناب ما يستحقونه من التعظيم، فمن ذلك: أمان كل معتزل بيعتهم ضررهم، وقصدهم عليا عليه السلام بالأذى لتخلفه عنهم، والاغلاظ له في الخطاب والمبالغة في الوعيد، وإحضار الحطب لتحريق منزله، والهجوم عليه بالرجال من غير إذنه، والآتيان به ملببا، واضطرارهم بذلك زوجته وبناته ونسائه وحامته من بنات هاشم وغيرهم إلى الخروج عن بيوتهم، وتجريد السيوف من حوله، وتوعده بالقتل إن امتنع من بيعتهم، ولم يفعلوا شيئا من ذلك لسعد بن عبادة ولا بالخباب بن المنذر.. وغيرهما ممن تأخر عن بيعتهم حتى مات أو طويل الزمان.
ومن ذلك ردهم دعوى فاطمة عليها السلام وشهادة علي والحسنين عليهم
السلام وقبول شهادة جابر بن عبد الله في الخبيثات، وعائشة في الحجرة والقميص والنعل، وغيرهما.
ومنها: تفضيل الناس في العطاء والاقتصار بهم على أدنى المنازل.
ومنها: عقد الرايات والولايات لمسلمية الفتح والمؤلفة قلوبهم ومكيدي الاسلام من بني أمية، وبني مخزوم، وغيرهما، والاعراض عنهم واجتناب تأهيلهم لشئ من ذلك.
ومنهم: موالاة المعروفين ببغضهم وحسدهم وتقديمهم على رقاب العالم كمعاوية، وخالد، وأبي عبيدة، والمغيرة، وأبي موسى، ومروان، وعبد الله بن أبي سرح، وابن كريز.. ومن ضارعهم في عداوتهم، والغض من المعروفين بولايتهم وقصدهم بالأذى كعمار، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وأبي بن كعب، وابن مسعود.. ومن شاركهم في التخصص بولايتهم عليهم الصلاة والسلام.
ومنها: قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لها على ما بيناه.
وإباحة معاوية الشام، وأبي موسى العراق، وابن كريز البصرة، وابن أبي صرح [كذا] مصر والمغرب.. وأمثالهم من المشهورين بكيد الاسلام وأهله.
وتأمل هذا بعين إنصاف يكشف لك عن شديد عداوتهم وتحاملهم عليهم كأمثاله من الافعال الدالة على تميز العدو من الولي، ولا وجه لذلك إلا تخصصهم بصاحب الشريعة صلوات الله عليه وعلى آله في النسب، وتقدمهم لديه في
الدين، وبذل الجهد في طاعته، والمبالغة في نصيحته ونصرة ملته بما لا يشاركون فيه، وفي هذا ما لا يخفى ما فيه على متأمل.
ثم قال: ومما يقدح في عدالتهم ما حفظ عن وجوه الصحابة وفضلاء السابقين والتابعين من الطعن عليهم وذم أفعالهم والتصريح بذمهم وتصريحهم بذلك عند الوفاة، وتحسرهم على ما فرط منهم، فأما أقوال الصحابة والتابعين ما حفظ عن أمير المؤمنين عليه السلام من التظلم منهم والتصريح والتلويح بتقدمهم عليه بغير حق في مقام بعد مقام، كقوله - حين أرادوه بالبيعة لأبي بكر -: والله أنا لا أبايعكم وأنتم أحق بالبيعة لي. وقوله عليه السلام: يا بن أم! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.. ثم ذكر ما مر من تظلماته وشكاياته صلوات الله عليه.
ثم قال: ومنه ما روي عن الأصبغ بن نباتة ورشيد الهجري وأبي كدبية الأسدي [كذا] وغيرهم من أصحاب علي عليه السلام بأسانيد مختلفة - قالوا: كنا جلوسا في المسجد إذ خرج علينا أمير المؤمنين عليه السلام من الباب الصغير يهوي بيده عن يمينه يقول: أما ترون ما أرى؟!. قلنا: يا أمير المؤمنين! وما الذي ترى؟. قال: أرى أبا بكر عتيقا في سدف النار يشير إلي بيده يقول: استغفر لي، لا غفر الله له، وزاد أبو كديبة [كذا]: إن الله لا يرضى عنهما حتى يرضياني، وأيم الله لا يرضياني أبدا. وسئل عن السدف؟ فقال: الوهدة العظيمة.
قال: ورووا عن الحارث الأعور، قال: دخلت على علي عليه السلام - في بعض الليل -، فقال لي: ما جاء بك في هذه الساعة؟. قلت: حبك يا أمير المؤمنين قال: الله..؟. قلت: الله. قال: ألا أحدثك بأشد الناس عداوة لنا وأشدهم عداوة لمن أحبنا؟. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، أما والله لقد ظننت ظنا.
قال: هات ظنك. قلت: أبو بكر وعمر. قال: أدن مني يا أعور، فدنوت منه، فقال: إبرأ منهما.. برئ الله منهما.
وفي رواية أخرى: إني لأتوهم توهما فأكره أن أرمي به بريئا، أبو بكر وعمر.
فقال: اي والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انهما لهما ظلماني حقي ونغصاني ريقي وحسداني وآذياني، وانه ليؤذي أهل النار ضجيجهما ورفع أصواتهما وتعيير رسول الله صلى الله عليه وآله إياهما.
قال: ورووا عن عمارة، قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين (ع) و هو في ميمنة مسجد الكوفة وعنده الناس، إذ أقبل رجل فسلم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين! والله إني لأحبك. فقال: لكني والله ما أحبك، كيف حبك لأبي بكر وعمر؟. فقال: والله إني لأحبهما حبا شديدا. قال: كيف حبك لعثمان؟. قال:
قد رسخ حبه في السويداء من قلبي. فقال علي عليه السلام: أنا أبو الحسن...
الحديث.
قال: ورووا عن سفيان، عن فضيل بن الزبير، عن نقيع، عن أبي كديبة الأزدي، قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول الله
تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * فيمن نزلت؟.
فقال: ما تريد؟ أتريد أن تغري بي الناس؟. قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أحب أن أعلم. قال: اجلس، فجلس، فقال: أكتب عامرا أكتب معمرا أكتب عمر أكتب عمارا أكتب معتمرا.. في أحد الخمسة نزلت. قال سفيان: قلت لفضيل:
أتراه عمر؟. قال: فمن هو غيره.
قال: ورووا عن المنذر الثوري، قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى الامر - وهو لنا كله - فجعلا لنا فيه سهما كسهم الجدة، أما والله ليهم بهما أنفسهما يوم يطلب الناس في شفاعتنا.
قال: ورووا عنه عليه السلام - وسأله رجل عن أبي بكر وعمر -، فقال:
والله لقد ضيعانا، وذهبا بحقنا، وجلسا مجلسا كنا أحق به منهما، ووطئا على أعناقنا، وحملا الناس على رقابنا.
قال: ورووا عن أبي الجارود زياد بن المنذر، قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام عن أبي بكر وعمر؟. فقال: أضغنا بآبائنا، واضطجعا بسبيلنا، وحملا الناس على رقابنا.
وعن أبي إسحاق، أنه قال: صحبت علي بن الحسين عليهما السلام بين مكة والمدينة، فسألته عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما؟. قال: ما عسى أن أقول فيهما، لا رحمهما الله، ولا غفر لهما.
وعن القاسم بن مسلم، قال: كنت مع علي بن الحسين عليهما السلام بينبع يدي في يده، فقلت: ما تقول في هذين الرجلين؟ تبرأ من عدوهما؟.
فغضب ورمى بيده من يدي، ثم قال عليه السلام: ويحك! يا قاسم! هما أول من أضغنا بآبائنا، واضطجعا بسبيلنا، وحملا الناس على رقابنا، وجلسا مجلسا كنا
أحق به منهما.
وعن حكيم بن جبير، عنه عليه السلام مثله، وزاد: فلا غفر الله لهما.
وعن أبي علي الخراساني، عن مولى لعلي بن الحسين عليهما السلام، قال:
كنت معه عليه السلام في بعض خلواته، فقلت: إن لي عليك حقا، ألا تخبرني عن هذين الرجلين، عن أبي بكر وعمر؟. فقال: كافران، كافر من أحبهما.
وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام - وقد خلا -:
أخبرني عن هذين الرجلين؟. قال: هما أول من ظلمنا حقنا وأخذا ميراثنا، وجلسا مجلسا كنا أحق به منهما، لا غفر الله لهما ولا رحمهما، كافران، كافر من تولاهما.
وعن حكيم بن جبير، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أنتم تقتلون في عثمان منذ ستين سنة، فكيف لو تبرأتم من صنمي قريش؟!.
قال: ورووا عن سورة بن كليب، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر؟. قال: هما أول من ظلمنا حقنا وحمل الناس على رقابنا، فأعدت عليه، فأعاد علي ثلاثا، فأعدت عليه الرابعة، فقال:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان الا ليعلما وعن كثير النوى، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن أبي بكر وعمر، فقال: هما أول من انتزى على حقنا وحملا الناس على أعناقنا وأكنافنا، وأدخلا الذل بيوتنا.
وعنه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: والله لو وجد عليهما أعوانا لجاهدهما - يعني أبا بكر وعمر -.
وعن بشير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر فلم يجبني، ثم سألته فلم يجبني، فلما كان في الثالثة قلت: جعلت فداك، أخبرني
عنهما؟. فقال: ما قطرت قطرة من دمائنا ولا من دماء أحد من المسلمين إلا وهي في أعناقهما إلى يوم القيامة.
ورووا أن ابن بشير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن الناس يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز الاسلام بأبي جهل أو بعمر. فقال أبو جعفر: والله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله قط، إنما أعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وآله، ما كان الله ليعز الدين بشرار خلقه.
ورووا عن قدامة بن سعد الثقفي، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر، فقال: أدركت أهل بيتي وهم يعيبونهما.
وعن أبي الجارود، قال: كنت أنا وكثير النوى عند أبي جعفر عليه السلام، فقال كثير: يا أبا جعفر! رحمك الله، هذا أبو الجارود يبرأ من أبي بكر وعمر، فقلت لأبي جعفر عليه عيله السلام: كذب والله الذي لا إله إلا هو ما سمع ذلك مني قط، وعنده عبد الله بن علي أخو أبي جعفر عليه السلام، فقال: هلم إلي، أقبل إلي يا كثير، كانا والله أول من ظلمنا حقنا وأضغنا بآبائنا، وحملا الناس على رقابنا، فلا غفر الله لهما، ولا غفر لك معهما يا كثير.
وعن أبي الجارود، قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عنهما وأنا جالس؟
فقال: هما أول من ظلمنا حقنا، وحملا الناس على رقابنا، وأخذا من فاطمة عليها السلام عطية رسول الله صلى الله عليه وآله فدك بنواضحهما. فقام ميسر، فقال:
الله ورسوله منهما بريئان. فقال أبو جعفر عليه السلام:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما ورووا عن بشير بن أراكة النبال، قال: سألتا أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر، فقال - كهيئة المنتهر -: ما تريد من صنمي العرب؟! أنتم تقتلون
على دم عثمان بن عفان، فكيف لو أظهرتم البراءة منهما، إذا لما ناظروكم طرفة عين؟!.
وعن حجر البجلي، قال: شككت في أمر الرجلين، فأتيت المدينة، فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن أول من ظلمنا وذهب بحقنا وحمل الناس على رقابنا أبو بكر وعمر.
وعنه عليه السلام، قال: لو وجد علي أعوانا لضرب أعناقهما.
وعن سلام بن سعيد المخزومي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ثلاثة لا يصعد عملهم إلى السماء ولا يقبل منهم عمل: من مات ولنا أهل البيت في قلبه بغض، ومن تولى عدونا، ومن تولى أبا بكر وعمر.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.