پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۴۲۵–۴۶۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۴ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

فقال صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه. فقل جبرئيل: وأنا منكما ولم يقل:

وإنكما مني.. رعاية للأدب وتنبيها على شرف منزلتهما، وقوله تعالى: * (وأنفسنا وأنفسكم) * في آية المباهلة، وقوله صلى الله عليه وآله لبني وليعة: لأبعثن إليكم رجلا كنفسي.. وغير ذلك مما سيأتي.

وأما أن يراد به الاختصاص الذي نشأ من كونه عليه السلام من أهل بيت الرسالة، ويناسبه ما ورد في بعض الروايات: لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي، أو ما نشأ من كثرة المتابعة وإطاعة الأوامر كما فهمه بعض الأصحاب وأيده بقوله تعالى: * (فمن تبعني فإنه مني) * وعلى أي التقادير يدل على أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يصلح للأداء عن الرسول صلى الله عليه وآله، وكلما كان هذا الاختصاص أبلغ في الشرف كان أكمل في إثبات الفضيلة

لأمير المؤمنين عليه السلام، وكلما ضايق الخصم في كماله كان أتم في إثبات الرذيلة لأبي بكر، فلا نتربص في ذلك إلا إحدى الحسنيين كما ذكره بعض الأفاضل.

ثم إن المفعول المحذوف في هذا الكلام، إما أن يكون أمرا عاما - كما يناسب حذفه - خرج ما خرج منه بالدليل فبقي حجة في الباقي، أو يكون أمرا خاصا هو تبليغ أوامر المهمة، أو يخص بتبليغ تلك الآيات، كما ادعى بعض العامة، وعلى التقادير الثلاثة يدل على عدم استعداد أبي بكر لأداء الأوامر عامة عن الرسول صلى الله عليه وآله، أما على الأول فظاهر، وكذا على الثاني، لاشتمال الخلافة على تبليغ الأوامر المهمة، وأما على الثالث فلان من لم يصلح لأداء آيات خاصة وعزل عنه بالنص الإلهي كيف يصلح لنيابة الرسول الله صلى الله عليه وآله في تبليغ الأحكام عامة، ودعوة الخلائق كافة؟!.

ولنكتف بذلك حذرا من الاطناب، وسيأتي تمام الكلام في ذلك في أبواب فضائله عليه السلام إن شاء الله تعالى.

الطعن الثاني:

التخلف عن جيش أسامة.

قال أصحابنا رضوان الله عليهم: كان أبو بكر وعمر وعثمان من جيش أسامة، وقد كرر رسول الله صلى الله عليه وآله - لما اشتد مرضه - الامر بتجهيز جيش أسامة ولعن المتخلف عنه، فتأخروا عنه واشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة، وخالفوا أمره، وشملهم اللعن، وظهر أنهم لا يصلحون للخلافة.

قالوا: ولو تنزلنا عن هذا المقام وقلنا بما ادعاه بعضهم من عدم كون أبي بكر

من الجيش.

نقول: لا خلاف في أن عمر منهم، وقد منعه أبو بكر من النفوذ معهم، وهذا كالأول في كونه معصية ومخالفة للرسول صلى الله عليه وآله.

أما أنهم كانوا من جيش أسامة، فلما ذكره السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي من: أن كون أبي بكر في جيش أسامة، قد ذكره أصحاب السير والتواريخ: قال روى البلاذري في تاريخه - وهو معروف ثقة كثير الضبط وبرئ من ممالاة الشيعة -: أن أبا بكر وعمر كانا معا في جيش أسامة.

وروى سعيد بن محمد بن مسعود الكازراني - من متعصبي الجمهور - في تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال له: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم مد الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فلما كان يوم الأربعاء بدأ رسول الله صلى الله عليه وآله فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: أغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله. فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا

انتدب في تلك الغزاة، فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إنه كان للامارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلى فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم.

ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وآله مغمى عليه، وفي رواية: قد أصمت وهو لا يتكلم فطأطأ رأسه فقبله رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة. قال: فعرفت أنه يدعو لي، ورجع أسامة إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه - أم أيمن - قد جاءه يقول:

إن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت.. إلى آخر القصة.

وذكر ابن الأثير في الكامل أن في المحرم من سنة إحدى عشرة ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بعثا إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد.. وذكر بعض ما مر، وصرح بأنه كان منهم أبو بكر وعمر، قال: وهما ثبتا الناس على الرضا

بإمارة أسامة.

وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير، عن عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وآله في مرض موته أمر أسامة بن زيد ابن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير، وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزوا وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يثقل ويخف ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له أسامة: بأبي أنت وأمي! أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله تعالى. فقال: اخرج وسر على بركة الله تعالى. فقال: يا رسول الله (ص)! إني إن خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة منك. فقال:

سر على النصر والعافية. فقال:: يا رسول الله (ص)! إني أكره أن أسأل عنك الركبان. فقال: أنفذ لما أمرتك به.. ثم أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام أسامة فجهز للخروج، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنهم يتجهزون، فجعل يقول: أنفذوا جيش أسامة،

لعن الله من تخلف عنه.. ويكرر ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه، حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار: أسيد بن حضير وبشر بن سعد.. وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أم أيمن يقول له: ادخل فإن رسول الله (ص) يموت، فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله صلى الله عليه وآله قد مات في تلك الساعة، قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن مات إلا ب‍: الأمير.

وروى الطبري في المسترشد - على ما حكاه في الصراط المستقيم - أن جماعة من الصحابة كرهوا إمارة أسامة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فخطب وأوصى ثم دخل بيته، وجاء المسلمون يودعونه فيلحقون بأسامة، وفيهم أبو بكر وعمر، والنبي صلى الله عليه وآله يقول: أنفذوا جيش أسامة، فلما بلغ الجرف بعثت أم أسامة - وهي أم أيمن - أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، فاضطرب القوم وامتنعوا عليه ولم ينفذوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم بايعوا لأبي بكر قبل دفنه.

وقال في الصراط المستقيم - أيضا - أسند الجوهري في كتاب السقيفة أن أبا بكر وعمر كانا فيه.

وقال: حدث الواقدي، عن ابن أبي الزياد، عن هشام بن عورة أن أباه قال: كان فيهم أبو بكر.

قال: وحدث - أيضا - مثله، عن محمد بن عبد الله بن عمر.

وذكره البلاذري في تاريخه، والزهري، وهلال بن عامر، ومحمد بن إسحاق، وجابر، عن الباقر عليه السلام. ومحمد بن أسامة، عن أميد. ونقلت الرواة أنهما كانا في حال خلافتهما يسلمان على أسامة بالامرة.

وفي كتاب العقد: اختصم أسامة وابن عثمان في حائط ، فافتخر ابن عثمان، فقال أسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه، أفإياي تفاخر؟!، ولما بعث أبو بكر إلى أسامة يخبره بخلافته، قال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله صلى الله عليه وآله عنكما، وأنت وصاحبك بغير إذني رجعتما، وما خفي على النبي صلى الله عليه وآله موضع، وقد ولاني عليكما ولم يولكما، فهم الأول أن يخلع نفسه فنهاه الثاني، فرجع أسامة ووقف بباب المسجد وصاح: يا معاشر المسلمين! عجبا لرجل استعملني رسول الله صلى الله عليه وآله فعزلني وتأمر علي، انتهى كلامه.

وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل - عند ذكر الاختلافات الواقعة في مرض النبي صلى الله عليه وآله -: الخلاف الثاني: أنه صلى الله عليه وآله قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش

أسامة. فقال: قوم يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتد مرض النبي صلى الله عليه وآله فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال هذه، فنصبر حتى نبصر أي شئ يكون من أمره؟، انتهى.

وصرح صاحب روضة الأحباب، بأن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا من جيش أسامة.

وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الارشاد: لما تحقق لرسول الله صلى الله عليه وآله من دنو أجله ما كان قدم الذكر به لامته،، فجعل صلى الله عليه وآله يقوم مقاما بعد مقام في المسلمين يحذرهم الفتنة بعده والخلاف عليه، ويؤكد وصاءتهم بالتمسك بسنته والاجماع عليها والوفاق، ويحثهم على الاقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرة والحراسة والاعتصام بهم في الدين، ويزجرهم

عن الاختلاف والارتداد.. وساق الكلام إلى قوله: ثم أنه عقد لأسامة بن زيد الامرة، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الأمة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه صلى الله عليه وآله على إخراج جماعة من مقدمي المهاجرين والأنصار في معسكره - حتى لا يبقى في المدينة عند وفاة من يختلف في الرئاسة، ويطمع في التقدم على الناس بالامارة - ليستتب الامر بعده لمن استخلفه من بعده، ولا ينازعه في حقة منازع، فعقد له الامرة على ما ذكرناه، وجد صلى الله عليه وآله في إخراجهم، وأمر أسامة بالبروز عن المدينة بعسكره إلى الجرف، وحث الناس على خروج إليه، والمسير معه وحذوهم من التلوم والابطاء عنه، فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها.. وساق الحديث إلى قوله: واستمر المرض به أياما وثقل، فجاء بلال عند صلاة الصبح - ورسول الله مغمور بالمرض -، فنادى: الصلاة يرحمكم الله، فأوذن رسول الله صلى الله عليه وآله بندائه، فقال: يصلي بالناس بعضهم فإني مشغول بنفسي، فقالت عائشة:

مروا أبا بكر، وقالت حفصة: مروا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - حين سمع كلامهما، ورأي حرص كل واحدة منهما على التنويه بأبيها، وافتتانهما بذلك، ورسول الله صلى الله عليه وآله حي - أكففن فإنكن كصويحبات يوسف،

ثم قام صلى الله عليه وآله مبادرا خوفا من تقدم أحد الرجلين، وقد كان أمرهما بالخروج مع أسامة ولم يك عنده أنهما قد تخلفا، فلما سمع من عائشة وحفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره، فبدر لكف الفتنة وإزالة الشبهة، فقام صلى الله عليه وآله - وأنه لا يستقل على الأرض من الضعف - فأخذ بيده علي بن أبي طالب عليه السلام والفضل بن عباس، فاعتمد عليها ورجلاه يخطان الأرض من الضعف، فلما خرج إلى مسجد وجد أبا بكر و قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده أن تأخر عنه، فتأخر أبو بكر وقام رسول الله صلى الله عليه وآله مقامه، فقام وكبر وابتدأ الصلاة التي كان ابتدأها أبو بكر، ولم يبن على ما مضى من فعاله، فلما سلم انصرف إلى منزله، واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة ممن حضر المسجد من المسلمين، ثم قال: ألم آمر أن تنفذوا جيش أسامة؟!. فقالوا:

بلى يا رسول الله (ص)!. قال: فلم تأخرتم عن أمري؟!. قال أبو بكر: أني خرجت ثم رجعت لاجدد بك عهدا. وقال عمر: يا رسول الله (ص) إني لم أخرج، لأنني لم أحب أن أسأل عنك الركب. فقال النبي صلى الله عليه وآله:

نفذوا جيش أسامة.. يكررها ثلاثا .. إلى آخر ما مر في أبواب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله مع أخبار أخر أوردناها هناك، وقد تقدم في هذا المجلد خبر

الصحيفة المشتمل على تلك القصة مفصلا.

هذا ما يتعلق بكونهم في جيش أسامة وأمره (ص) بالخروج ولعنه المتخلف.

وأما عدم خروجهم وتخلفهم فلا ينازع أحد فيه.

وأما أن في ذلك قادح في خلافتهم، فلأنهم كانوا مأمورين لأسامة ما دام لم يتم غرض الرسول صلى الله عليه وآله في إنفاد الجيش، فلم يكن لأبي بكر الحكم على أسامة، والخلافة رئاسة عامة تتضمن الحكم على الأمة كافة بالاتفاق، فبطل خلافة أبي بكر، وإذا بطل خلافته ثبت بطلان خلافة عمر لكونها بنص أبي بكر، وخلافة عثمان لابتنائها على الشورى بأمر عمر.

وأيضا لو لم تبطل خلافة الأخيرين لزم خرق الاجماع المركب، ولان رد كلام الرسول صلى الله عليه وآله في وجهه - كما سبق - من أبي بكر وعمر وعدم الانقياد لامره بعد تكريره الامر إيذاء له صلى الله عليه وآله، وقد قال الله عز وجل: * (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) *، وقال: * (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) *، وذلك مع قطع النظر عن اللعن الصريح في ذلك الامر - كما اعترف به الشهرستاني - والمستحق للعن من الله ومن رسوله لا يصلح للإمامة، ولو جوزوا لعن خلفائهم صالحناهم على ذلك واتسع الامر علينا.

وأجاب قاضي القضاة في المغني: بأنا لا نسلم أن أبا بكر كان في جيش

أسامة ولم يسند منعه إلى رواية وخبر، وذكره له بعض المتعصبين خبرا ضعيفا يدل بزعمه على لم يكن فيه وقال ابن أبي الحديد: كثير من المحدثين يقولون كان أبو بكر من الجيش، والامر عندي في هذا الموضع مشتبه، والتواريخ مختلفة.

والجواب أن وروده في رواياتهم - سيما إذا كان جلهم قائلين به مع اتفاق رواياتنا عليه - يكفينا في الاحتجاج ولا يضرنا خلاف بعضهم.

وأما استناد صاحب المغني في عدم كونه من الجيش بما حكاه عن أبي علي من أنه لو كان أبو بكر من الجيش لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الصلاة في مرضه مع تكريره أمر الجيش بالخروج والنفوذ، فقد عرفت ما في حكاية الصلاة من وجوه الفساد، مع أنه لم يظهر من رواياتهم ترتيب بين الامر بالتجهيز والامر بالصلاة، فلعل الامر بالصلاة كان قبل الامر بالخروج، أو كان في أثناء تلك الحال، فلم يدل على عدم كون أبي بكر من الجيش.

ويؤده ما رواه ابن أبي الحديد من أنه لم يجاوز آخر القوم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله.

ولو بني الكلام على ما رويناه، فبعد تسليم الدلالة على التأخر ينهدم به بنيان ما أسسه، إذ يظهر منها أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما سمع صوت أبي بكر، وعلم أنه تأخر عن أمره ولم يخرج، خرج متحاملا وأخره عن المحراب وابتدأ بالصلاة.

ثم أجاب صاحب المغني - بعد تسليم أنه كان من الجيش - بأن الامر لا يقتضي الفور، فلا يلزم من تأخره أن يكون عاصيا.

ورد عليه السيد رضي الله عنه في الشافي: بأن المقصود بهذا الامر الفور دون التراخي، أما من حيث مقتضى الامر على مذهب من يرى ذلك لغة، وأما شرعا، من حيث وجدنا جميع الأمة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره صلى الله عليه وآله على الفور، ويطلبون في تراخيها الأدلة.

قال: على أن في قول أسامة: لم أكن لاسال عنك الركب.. أوضح

دليل على أنه عقل من الامر الفور، لان سؤال الركب بعد الوفاة لا معنى له.

وأما قول صاحب الكتاب أنه لم ينكر على أسامة تأخره فليس بشئ ، وأي إنكار أبلغ من تكراره الامر، ويزداده القول في حال يشغل عن المهم ويقطع عن الفكر إلا فيها، وقد ينكر الآمر على المأمورة تارة بتكرر الأمر، وأخرى بغيره.

وأيده بما حكاه صاحب المغني عن أبي علي من الاستدلال على عدم كون أبي بكر من الجيش بأمر الصلاة وابتناؤه على كون الامر للفور واضح. وقد ارتضى صاحب المغني استدلاله. فهذا المنع مناقض له.

أقول: ومن القرائن الواضحة على أنهم فهموا من هذا الامر الفور خروجهم عن المدينة - مع شدة مرضه صلى الله عليه وآله - إذ العادة قاضية بأنه لو كان لهم سبيل إلى تأخير الخروج حتى يستعملوا مصير الامر في مرضه صلى الله عليه وآله لتوسلوا إليه بوسعهم، لاشتغال قلوبهم وحرصهم على العليم ببرئه، واستعلام حال الخلافة، ولخوفهم من وقوع الفتن في المدينة، فيكون ما استخلفوه من الأموال والأولاد معرضا للهلكة والضياع، وقد كانوا وتروا العرب وأورثوهم الضغائن، ولعمري إنهم ما خرجوا إلا وقد ضاق الخناق عليهم، وبلغ أمره وحثه صلى الله عليه وآله لهم كل مبلغ، ونال التقريع والتوبيخ منهم كل منال، وما سبق من رواية الجوهري واضح الدلالة على أن المراد هو الفور والتعجيل، وقد اعترف ابن أبي الحديد بأن الظاهر في هذا الموضع صحة ما ذكره السيد، لان قرائن

الأحوال عند من يقرأ السير والتواريخ يدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يحثهم على الخروج والمسير، انتهى.

على أن التراخي إنما ينفع له إذا كان أبو بكر قد خرج في الجيش ولو بعد حين، ولم يقل أحد بخروجه مطلقا.

ثم أجاب صاحب المغني - بعد تسليمه كون أبي بكر من الجيش - بأن خطابه (ص) بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى القائم بالامر بعده، لأنه من خطاب الأئمة، وهذا يقتضي أن لا يكون المخاطب بالتنفيذ في الجملة.

ثم قال: وهذا يدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه، لأنه لو كان لاقبل بالخطاب عليه، وخصه بالامر بالتنفيذ دون الجميع.

ويرد عليه: أن المخاطب في هذا المقام إما الخليفة المنصوص عليه أو من يختاره الأمة، وإما الجيش المأمور بالخروج، وإما جميع الحاضرين - الجيش وغيرهم -، وإما الجماعة الخارجة من الجيش بأمره صلى الله عليه وآله، وعلى أي حال فالمأمور به إما إنفاذ الجيش حال حياته صلى الله عليه وآله أو بعد وفاة ، أو مطلقا.

أما كون المخاطب الخليفة - بقسميه - مع كون المأمور به تنفيذ الجيش حال الحياة فباطل، لورود الخطاب بلفظ الجمع، ولأنه لا حكم للخليفة في حياة صلى الله عليه وآله من حيث الخلافة، ولأنه لو كان المخاطب هو بعينه لأنكر الرسول صلى الله عليه وآله تأخر القوم عن الخروج عليه لا على القوم، والمروي خلافه.

ويخص القسم الثاني بأنه لا معنى لخطاب من يختاره الأمة بعد الوفاة بالامر بتنفيذ الجيش حال الحياة، وهو واضح، وكذا على الاطلاق، ولو خوطب بالتنفيذ بعد الوفاة فبأمر من خرج الأصحاب حال حياته صلى الله عليه وآله؟ ولماذا ينكر صلى الله عليه وآله تخلف من تخلف ويحثهم على الخروج؟! وكذا لو كان المخاطب

الامام المنصوص.

ولو كان المخاطب هو الجيش المأمور بالخروج فعلى الأقسام الثلاثة يكون الداخل فيهم عاصيا بالتخلف حال الحياة أو بعدها أو مطلقا، وقد ثبت باعتراف الثقات عندهم دخول أبي بكر في الجيش، فثبت عصيانه بالتخلف على أحد الوجوه، على أن هذا الكلام من صاحب المغني - بعد تسليم كون أبي بكر من الجيش - ولعله رجع عن ذلك التسليم معتمدا على دليله هذا، وهو كما ترى، وحينئذ يكون المراد بالتنفيذ - في كلامه صلى الله عليه وآله أو التجهيز على اختلاف الروايات - إتمام أمر الجيش في بلوغه إلى حيث أمر به، فكل واحد منهم مكلف بالخروج الذي هو شرط لتحقق المأمور به وحصول الامتثال، وباجتماعهم في ذلك يحصل الغرض.

ولا يذهب عليك أن القسم الثاني من هذه الثلاثة وإن كان مثبتا للمطلوب إلا أنه باطل، إذ لو كان المأمور به خروجهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله لما تركوه في شدة المرض مع تعلق القلوب باستعلام العاقبة في أمره صلى الله عليه وآله وأمر الخلافة وما خلفوه كما سبق، ولما أنكر صلى الله عليه وآله خروج من تخلف منهم.

ولو كان المخاطب جميع من حضر فمعنى التنفيذ والتجهيز أن يبذل كل منهم جهده في حصول المأمور به، فالمطلوب من الجيش الخروج، ومن غيرهم تهيئة أسبابهم وحثهم عليه، وفعل كل ما هو شرط فيه مما يدخل تحت طاقته ويعصي كل بترك ما أمر به، فمن كان داخلا في الجيش كالثلاثة بالتخلف ومن خرج بترك ما سبق.

ولو كان المخاطب الجماعة التي لم تؤمر بالخروج فيهم، كما هو الأظهر من لفظ التنفيذ مع صيغة الجمع، فمع جريان بعض المفاسد السابقة فيه وبطلانه بأقسامه لا يغني صاحب المغني، إذ هو مخالف لما تعرض لاثباته من كون الخطاب متوجها إلى الأئمة، ولا يلزم منه خروج أبي بكر عن المأمورين أيضا، وهو مما لم يقل به أحد.

ولو سلمنا توجه هذا الخطاب إلى غير الجيش أما كان أو غيره، نقول لا ريب في أنه متضمن لأمر الجيش بالخروج، فعصيان من تخلف من الداخلين فيه لازم على هذا الوجه، فعلى أي تقدير ثبت عصيان أبي بكر واندفع كلام المجيب.

وقوله: لأنه من خطاب الأئمة.. إن أراد به أن الامر بالتنفيذ لا يصلح لغير الأئمة فقد عرفت ضعفه، وإن أراد أن الخطاب بصيغة الجمع لا يتوجه إلى غيرهم، فالظاهر أن الامر بالعكس، على أنا لو ساعدناه على ذلك نقول: إذا ثبت كون من تزعمه إماما من الجيش فبعد توجه الخطاب إليه كان مأمورا بالخروج، عاصيا بتكره، ويكون معنى التنفيذ والتجهيز ما تقدم، فإذا قلت بأن الخطاب على هذا الوجه لا يتوجه إلا إلى الأئمة ويستدعي بخروج من توجه إليه الخطاب، فبعد ثبوت أن أبا بكر كان من الجيش أو تسليمه كان ذلك دليلا على أنه لا يصلح لان يختاره الأمة للإمامة، وأما توصله بذلك إلى عدم النص فيتوجه عليه أن كون الخطاب بصيغة الجمع محمولا على ظاهره مع توجهه إلى الامام يستلزم كون الامام جماعة، ولم يقل به أحد، ولو فتحت به باب التأويل وأولته إلى من يصير خليفة باختياركم أولناه إلى من جعلته خليفة نبيكم، مع أن توجه الخطاب إلى الخليفة قد عرفت بطلانه بأقسامه.

أقول: قد تكلم السيد رحمه الله في الشافي وغيره من الأفاضل في هذا الطعن سؤالا وجوابا ونقضا وإبراما بما لا مزيد عليه، واكتفينا بما أوردنا لئلا نخرج عن الغرض المقصود من الكتاب، وكفى ما ذكرنا لأولي الألباب.

الطعن الثالث:

ما جرى منه في أمر فدك، وقد تقدم القول فيه مفصلا فلا نعيده.

الطعن الرابع:

أنه قال عمر بن الخطاب - مع كونه وليا وناصرا لأبي بكر -: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، ولا يتصور في

التخطئة والذم أوكد من ذلك.

وأجاب عنه قاضي القضاة في المغني: لا يجوز لقول محتمل ترك ما علم ضرورة، ومعلوم من حال عمر إعظام أبي بكر والقول بإمامته والرضا ببيعته، وذلك يمنع مما ذكروه، لان المصوب للشئ لا يجوز أن يكون مخطئا له.

قال: وقال أبو علي: إن الفلتة ليست هي الزلة والخطيئة، بل هي البغتة وما وقع فجأة من غير روية ولا مشاورة، واستشهد بقول الشاعر:

من يأمن الحدثان مثل ضبيرة القرشي ماتا * سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلانا يعني بغتة من غير مقدمة، وحكى عن الرياضي إن العرب تسمي آخر

يوم من شوال: فلتة، من حيث إن كل من لم يدرك ثاره وطلبه فيه فاته لأنهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثار، وذو القعدة من الأشهر الحرم، فسموا ذلك اليوم فلتة، لأنهم إذا أدركوا فيه ثارهم فقد أدركوا ما كاد يفوتهم، فأراد عمر على هذا أن بيعة أبي بكر تداركها بعد ما كادت تفوت.

وقوله: وقى الله شرها.. دليل على تصويب البيعة، لان المراد بذلك أن الله تعالى دفع شر الاختلاف فيها.

قال: فأما قوله: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فالمراد من عاد إلى أن يبايع من غير مشاورة ولا عدد يثبت صحة البيعة به ولا ضرورة داعية إلى البيعة ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة قهرا فاقتلوه، وإذا احتل ذلك وجب حمله على المعنى الذي ذكرنا ولم نتكلف ذلك، لان قول عمر يطعن في بيعة أبي

بكر، ولا أن قوله حجة عند المخالف، ولكن تعلقوا به ليوهموا أن بيعته غير متفق عليه، وأن أول من ذمها من عقدها. انتهى ما ذكره أبو علي.

وبمثل هذا الجواب أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول، وشارح المقاصد، وشارح المواقف، ومن يحذو حذوهم.

وأورد السيد الاجل رضي الله عنه على صاحب المغني: بأن ما تعلقت به من العلم الضروري برضا عمر ببيعته أبي بكر وإمامته.. فالمعلوم ضرورة بلا شبهة أنه كان راضيا بإمامته، وليس كل من رضي شيئا كان متدينا به معتقدا لصوابه، فإن كثيرا من الناس يرضون بأشياء من حيث كانت دافعة لما هو أضر منها وإن كانوا لا يرونها صوابا، ولو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرها، وقد علمنا أن معاوية كان راضيا ببيعة يزيد لعنه الله وولايته العهد من بعده، ولمن يكن متدينا بذلك ومعتقدا صحته، وإنما رضي عمر ببيعة أبي بكر من حيث كانت حاجزة عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولو ملك الاختيار لكان مصير الامر إليه آثر في نفسه وأقر لعينه. فإن ادعى أن المعلوم ضرورة تدين عمر ببيعة أبي بكر وأنه أولى بالإمامة منه فهو مدفوع عن ذلك أشد دفع، مع أنه قد كان يندر منه - أعني عمر - في وقت بعد آخر ما يدل على ما ذكرناه.

وقد روى الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عباس الهمداني، عن سعيد

ابن جبير، قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل: كانا والله شمسي هذه الأمة ونوريها. فقال له ابن عمر: وما يدريك؟. فقال له الرجل:

أو ليس قد ائتلفا؟. فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، وأشهد أني كنت عند أبي يوما وقد أمرني أن أحبس الناس عنه، فاستأذن عليه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال عمر: دويبة سوء ولهو خير من أبيه، فأوجسني ذلك، فقلت: يا أبة! عبد الرحمن خير من أبيه؟!. فقال: ومن ليس خيرا من أبيه لا أم لك، إئذن لعبد الرحمن، فدخل عليه فكلمه في الحطيئة الشاعر أن يرضى عنه - وكان عمر قد حبسه في شعر قاله -، فقال عمر: إن الحطيئة لبذي فدعني أقومه بطول الحبس، فألح عليه عبد الرحمن وأبى عمر، وخرج عبد الرحمن فأقبل علي أبي، فقال: أفي غفلة أنت إلى يومك هذا عما كان من تقدم أحيمق بني تيم علي وظلمه لي؟!. فقلت: يا أبة! لا علم لي بما كان من ذلك. فقال: يا بني! وما عسيت ان تعلم؟. فقلت: والله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم. قال:

إن ذلك لكذلك على زعم أبيك وسخطه. فقلت: يا أبة! أفلا تحكي عن فعله بموقف في الناس تبين ذلك لهم. قال: وكيف لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم؟ إذن يرضخ رأس أبيك بالجندل.

قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس، فقال: يا أيها الناس! إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه.

وروى الهيثم بن عدي - أيضا -، عن مجالد بن سعيد، قال: غدوت يوما إلى الشعبي - وإنما أريد أن أسأله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقول -، فأتيته في مسجد حية - وفي المسجد قوم ينتظرونه - فخرج، فتقربت إليه، وقلت: أصلحك الله! كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدثا قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة؟. قال: نعم، قد كان ابن مسعود يقول ذلك.

وكان ابن عباس يقوله أيضا، وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها، ويصرفها عن غيرهم؟ فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب على أبي بكر. فقال الأزدي، والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل ولا أقول بالجميل فيه من عمر في أبي بكر، فأقبل علي الشعبي فقال: هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل فقال: يا أخا الأزد! كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها؟! أترى عدوا يقول في عدو يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر. فقال الرجل: سبحان الله! يا أبا عمرو! وأنت تقول ذلك؟!. فقال الشعبي: أنا أقوله، قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الاشهاد، فلمه أو دع! فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم بشئ لم أفهمه، فقال مجالد:

فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثه فيهم.. قال: إذا والله لا أحفل به، وشئ لم يحفل به عمر بن الخطاب حين قام على رؤوس المهاجرين والأنصار أحفل به أنا؟! وأنتم أيضا فأذيعوه عني ما بدا لكم.

وروى شريك بن عبد الله النخعي، عن محمد بن عمرو بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن عبد الله بن سلمة، عن أبي موسى الأشعري، قال: حججت مع عمر ابن خطاب، فلما نزلنا وعظم الناس، خرجت من رحلي أريد عمر فلقيني مغيرة ابن شعبة فرافقني، ثم قال: أين تريد؟. فقلت: أمير المؤمنين عمر، فهل لك؟. قال: نعم، قال: فانطلقنا نريد رحل عمر، فإنا لفي طريقنا إذ ذكرنا تولي عمر، و قيامة بما هو فيه، وحياطته على الاسلام، ونهوضه بما قبله من ذلك، ثم خرجنا إلى ذكر أبي بكر، فقلت للمغيرة، يا لك الخير (9)! لقد كان أبو بكر مسددا في عمر كأنه ينظر إلى قيامة من بعده وجده واجتهاده وعنائه في الاسلام. فقال المغيرة: لقد كان ذلك، وإن كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه، وما كان لهم في ذلك من حظ. فقلت له: لا أبا لك! من القوم الذين كرهوا ذلك من

عمر؟. فقال لي المغيرة: لله أنت كأنك في غفلة لا تعرف هذا الحي من قريش، وما قد خصوا به من الحسد؟. فوالله لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشار الحسد وللناس كلهم عشر. فقلت: مه يا مغيرة! فإن قريشا بانت بفضلها على الناس.. ولم نزل في مثل ذلك حتى انتهينا إلى رحل عمر بن الخطاب فلم نجده، فسألنا عنه، فقيل: خرج آنفا، فمضينا نقفوا أثره حتى دخلنا المسجد، فإذا عمر يطوف بالبيت، فطفنا معه، فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة فتوكأ على المغيرة، وقال: من أين جئتما؟.

فقلنا: يا أمير المؤمنين!

خرجنا نريدك فأتينا رحلك فقيل لنا خرج يريد المسجد فاتبعناك.

قال: تبعكما الخير، ثم إن المغيرة نظر إلي وتبسم، فنظر إليه عمر فقال: مم تبسمت أيها العبد؟. فقال: من حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا إليك.

فقال: وما ذاك الحديث؟..

فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش وذكر من أراد صرف أبي بكر عن استخلافه، فتنفس الصعداء، ثم قال:

ثكلتك أمك يا مغيرة، وما تسعة أعشار الحسد؟! إن فيها لتسعة أعشار الحسد كما ذكرت وتسعة أعشار العشر، وفي الناس عشر، وقريش شركاؤهم في عشر العشر أيضا، ثم سكت مليا وهو يتهادى بيننا، ثم قال: ألا أخبركما بأحسد قريش

كلها؟!. قلنا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: أو عليكما ثيابكما؟. قلنا: نعم. قال:

وكيف بذلك وأنتما ملبسان ثيابكما؟!. قلنا له: يا أمير المؤمنين! وما بال الثياب؟.

قال: خوف الإذاعة من الثياب. فقلت له: أتخاف الإذاعة من الثياب، فأنت والله من ملبسي الثياب أخوف، وما الثياب أردت!. قال: هو ذلك، فانطلق وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله فخلى أيدنا من يده، ثم قال: لا تريما.. ثم دخل، فقلت للمغيرة: لا أبا لك لقد عثرنا بكلامنا معه وما كنا فيه وما رآه حبسنا إلا ليذاكرنا إياها. قال: فإنا لكذلك إذ خرج إلينا آذنه، فقال: ادخلا، فدخلنا، فإذا عمر مستلق على برذعة الرحل، فلما دخلنا أنشأ يتمثل ببيت كعب ابن زهير:

لا تفش سرك إلا عند ذي ثقة * أولى وأفضل ما استودعت أسرارا صدرا رحيبا وقلبا واسعا ضمنا * لا تخش منه إذا أودعت اظهارا فعلمنا أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه، فقلت أنا له: يا أمير

المؤمنين! أكرمنا وخصنا وصلنا. فقال: بماذا يا أخا الأشعريين؟. قلت:

بإفشاء سرك إلينا وإشراكنا في همك، فنعم المستسران نحن لك. فقال:

إنكما لكذلك، فاسألا عما بدا لكما ؟ ثم قال: فقام إلى الباب ليغلقه، فإذا آذنه الذي أذن لنا عليه في الحجرة، فقال: امض عنا - لا أم لك -، فخرج وأغلق الباب خلفه ثم جلس وأقبل علينا، وقال: سلا تخبرا. قلنا: نريد أن تخبرنا يا أمير المؤمنين بأحسد قريش الذي لم تأمن ثيابنا على ذكره لنا. فقال: سألتما عن معضلة وسأخبر كما، فليكن عندكما في ذمة منيعة وحرز ما بقيت، فإذا مت فشأنكما وما أحببتما من إظهار أو كتمان. قلنا: فإن لك عندنا ذلك. قال أبو موسى: وأنا أقول في نفسي ما أظنه يريد إلا الذين كرهوا استخلاف أبي بكر له كطلحة وغيره، فإنهم قالوا: لا يستخلف علينا فظا غليظا، وإذا هو يذهب إلى غير ما في نفسي.

فعاد إلى التنفس، فقال: من تريانه؟.

قلنا: والله ما ندري إلا ظنا.

قال: ومن تظنان؟.

قلنا: عساك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الامر عنك.

قال: كلا والله، بل كان أبو بكر أعق وأظلم، هو الذي سألتما عنه، كان والله أحسد قريش كلها، ثم أطرق طويلا فنظر إلي المغيرة ونظرت إليه، وأطرقنا مليا لاطراقه، وطال السكوت منا ومنه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه، ثم قال: وا لهفاه! على ضئيل بني تميم بن مرة، لقد تقدمني ظالما وخرج إلي منها آثما. فقال له المغيرة: أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالما فقد عرفناه، فكيف خرج إليك منها آثما؟.

قال: ذلك لأنه لم يخرج إلي منها إلا بعد يأس منها، أما والله لو كنت أطعت زيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشئ أبدا، ولكني قدمت وأخرت، وصعدت وصوبت، ونقضت وأبرمت، فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشب به منها والتلهف على نفسي، وأملت إنابته ورجوعه، فوالله ما فعل حتى فرغ منها بشيما.

قال المغيرة: فما منعك منها يا أمير المؤمنين! وقد عرضها عليك يوم السقيفة بدعائك إليها؟!. ثم أنت الآن تنقم وتتأسف، فقال: ثكلتك أمك يا مغيرة! إني كنت لأعدك من دهاة العرب، كأنك كنت غائبا عما هناك، إن الرجل كادني فكدته، وماكرني فماكرته، وألفاني أحذر من قطاة، أنه لما رأى شغف الناس به وإقبالهم بوجوههم عليه، أيقن أنهم لا يريدون به بدلا، فأحب لما رأى من حرص الناس عليه وشغفهم به أن يعلم ما عندي، وهل تنازعني نفسي إليها، وأحب أن يبلوني بإطماعي فيها والتعريض لي بها، وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرضه علي لم يجب الناس إلى ذلك، فألفاني قائما على أخمصي مستوفزا حذرا ولو أجبته إلى قبولها لم يسلم الناس إلى ذلك، واختبأها ضغنا علي في قلبه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين، مع ما بدا لي من كراهة الناس لي، أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها علي: لا نريد سواك يا أبا بكر، أنت لها، فرددتها إليه فعند ذلك رأيته وقد التمع وجهه لذلك سرورا، ولقد عاتبني

مرة على كلام بلغه عني، وذلك لما قدم عليه بالأشعث أسيرا فمن عليه وأطلقه وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، فقلت للأشعث - وهو قاعد بين يديه -:

يا عدو الله! أكفرت بعد إسلامك، وارتددت ناكصا على عقبيك، فنظر إلي الأشعث نظرا شزرا علمت أنه يريد أن يكلمني بكلام في نفسي، ثم لقيني بعد ذلك في بعض سكك المدينة فرافقني، ثم قال لي: أنت صاحب الكلام يا ابن الخطاب؟!. فقلت: نعم يا عدو الله، ولك عندي شر من ذلك. فقال: بئس الجزاء هذا لي منك. فقلت: على م تريد مني حسن الجزاء؟. قال: لأنفتي لك من اتباع هذا الرجل - يريد أبا بكر -، والله ما جرأني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك، ولو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا عليك. قلت: ولقد كان ذلك فما تأمر الآن؟. قال: إنه ليس بوقت أمر، بل وقت صبر، ومضى ومضيت، ولقي الأشعث الزبرقان بن بدر السعدي فذكر له ما جرى بيني وبينه، فنقل الزبرقان ذلك إلى أبي بكر، فأرسل إلي فأتيته، فذكر ذلك لي، ثم قال:

إنك لتشوق إليها يا بن الخطاب. فقلت: وما يمنعني الشوق إلى ما كنت أحق

به ممن غلبني عليه؟ أما والله لتكفن أو لأكلمن كلمة بالغة بي وبك في الناس تحملها الركبان حيث ساروا، وإن شئت استدمنا ما نحن فيه عفوا. فقال: بل تستديمه وإنها لصائرة إليك بعد أيام، فما ظننت أنه يأتي عليه جمعة حتى يردها علي، فتغافل والله، فما ذكرني بعد ذلك المجلس حرفا حتى هلك، ولقد مد في أمدها عاضا على نواجذه حتى حضره الموت، فأيس منها فكان منه ما رأيتما، فاكتما ما قلت لكما عن الناس كافة وعن بني هاشم خاصة، وليكن منكما بحيث أمرتكما إذا شئتما على بركة الله، فمضينا ونحن نعجب من قوله، فوالله ما أفشينا سره حتى هلك.

ثم قال السيد رضي الله عنه: فكأني بهم عند سماع هذه الروايات يستغرقون ضحكا تعجبا واستبعادا وإنكارا ويقولون: كيف يصغى إلى هذه الأخبار ، ومعلوم ضرورة تعظيم عمر لأبي بكر ووفاقه له وتصويبه لإمامته؟

وكيف يطعن عمر في إمامة أبي بكر وهي أصل لإمامته وقاعدة لولايته؟! وليس هذا بمنكر ممن طمست العصبية على قلبه وعينيه، فهو لا يرى ولا يسمع إلا ما يوافق اعتقادات مبتدأة قد اعتقدها، ومذاهب فاسدة قد انتحلها، فما بال هذه الضرورة تخصهم ولا تعم من خالفهم، ونحن نقسم بالله على أنا لا نعلم ما يدعونه، ونزيد على ذلك بأنا نعتقد أن الامر بخلافه، وليس في طعن عمر على بيعته أبي

بكر ما يؤدي إلى فساد إمامته، لأنه يمكن أن يكون ذهب إلى أن إمامته نفسه لم تثبت بالنص عليه، وإنما تثبت بالاجماع من الأمة والرضا، فقد ذهب إلى ذلك جماعة من الناس، ويرى أن إمامته أولى من حيث لم تقع بغتة ولا فجأة، ولا اختلف الناس في أصلها، وامتنع كثير منهم من الدخول فيها حتى أكرهوا وتهددوا وخوفوا.

وأما الفلتة، وإن كانت محتملة للبغتة - على ما حكاه صاحب الكتاب - والزلة، والخطيئة، فالذي يخصصها بالمعنى الذي ذكرناه قوله: وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا الكلام لا يليق بالمدح وهو بالذم أشبه، فيجب أن يكون محمولا على معناه وقوله: إن المراد بقوله: وقى الله شرها.. إنه دفع شر الاختلاف فيها عدول عن الظاهر، لان الشر في ظاهر الكلام مضاف إليها دون غيرها.

وأبعد من هذا التأويل قوله: إن المراد من عاد إلى مثلها من غير ضرورة وأكره المسلمين عليها فاقتلوه، لان ما جرى هذا المجرى لا يكون مثلا لبيعة أبي بكر عندهم، لان كل ذلك ما جرى فيها على مذاهبهم، وقد كان يجب على هذا أن يقول من عاد إلى خلافها فاقتلوه، وليس له أن يقول إنما أراد بالتمثيل وجها واحدا، وهو وقوعها من غير مشاورة لان ذلك إنما تم في أبي بكر خاصة، لظهور أمره واشتهار فضله، ولأنهم بادروا إلى العقد خوفا من الفتنة، وذلك لأنه غير منكر أن يتفق من ظهور فضل غير أبي بكر واشتهار أمره، وخوف الفتنة ما اتفق

لأبي بكر، فلا يستحق قتلا ولا ذما، على أن قوله: مثلها.. يقتضي وقوعها على الوجه الذي وقعت عليه، وكيف يكون ما وقع من غير مشاورة لضرورة داعية وأسباب موجبة مثلا لما وقع بلا مشاورة، ومن غير ضرورة ولا أسباب؟.

والذي رواه عن أهل اللغة من أن آخر يوم من شوال يسمى: فلتة، من حيث إن كل من لم يدرك فيه ثاره فقد فاته.. فإنا لا نعرفه، والذي نعرفه أنهم يسمون الليلة التي ينقضي بها أحد الشهور الحرم ويتم: فلتة، وهي آخر ليلة من ليالي الشهر، لأنه ربما رأى قوم الهلال لتسع وعشرين ولم يبصره الباقون فيغير هؤلاء على أولئك وهم غارون، فلهذا سميت هذه الليلة: فلتة، على أنا قد بينا أن مجموع الكلام يقتضي ما ذكرنا من المعنى، ولو سلم له ما رواه عن أهل اللغة في احتمال هذه اللفظة.

وقوله في أول الكلام: ليست الفلتة: الزلة والخطيئة.. إن أراد أنها لا تختص بذلك فصحيح، وإن أراد أنها لا تحتمله فهو ظاهر الخطأ، لان صاحب العين قد ذكر في كتابه أن الفلتة من الامر الذي يقع على غير إحكام.

وبعد، فلو كان عمر لم يرد بقوله توهين بيعة أبي بكر بل أراد ما ظنه المخالفون، لكان ذلك عائدا عليه بالنقص، لأنه وضع كلامه في غير موضعه،

وأراد شيئا فعبر عن خلافه، فليس يخرج هذا الخبر من أن يكون طعنا على أبي بكر إلا بأن يكون طعنا على عمر. انتهى.

ولنوضح بعض ما تقدم في كلام السيد، وما أو رده من الروايات:

قوله: قد كان يندر من عمر.. أي يسقط ويقع. قال في النهاية: في حديث عمر: (ان رجلا ندر في مجلسه فامر القوم كلهم بالتطهير لئلا يخجل الرجل).

قال: معناه أنه ضرط كأنها ندرت منه من غير اختيار.

ودويبة سوء - بفتح السين - بالإضافة، وفيه دلالة على غباوة عبد الرحمن للتصغير وعلى حمقه لكون اللفظة تصغير الدابة، وعلى خبث طينته للإضافة إلى السوء.

والوجس - كالوعد -: الفزع، وأوجسني.. أي أفزعني.

والبذاء - بالمد -: الفحش والكلم القبيح، ويقال فلان: بذي - كغني - وبذي اللسان.

ويرضح رأس أبيك.. أي يسكر ويدق، من الرضح - بالراء والضاد المعجمة والحاء المهملة أو بالخاء المعجمة -.

والجندل - كجعفر -: الحجارة.

وتجاسر فجسر.. أي اجترأ فاقدم على اظهار ما كان في ضميره.

والضب - بالفتح -: الحقد والغيظ، ولا احفل به.. أي لا أبالي.

وبالك الخير - بالباء -.. أي قلبك وشأنك، ويحتمل الياء، حرف النداء بحذف المنادى أي: يا هذا لك الخير أو يا من لك الخير، وفي بعض النسخ: مالك الخير.

والصعداء - بضم الصاد وفتح العين والمد -: تنفس ممدود.

وسكت مليا.. أي طائفة من الزمان.

ويتهادى بيننا.. أي يمشي بيننا معتمدا علينا.

والإذاعة: الافشاء.

ولا تريما.. أي لا تبرحا، يقال رام يريم: إذا برح وزال عن مكانه.

والعثرة: الزلة، وعثرنا بكلامنا.. أي أخطأنا في حكاية كلامنا.

وبرذعة الرحل: الكساء الذي يلقى تحت الرحل على رحل البعير.

ووا لهفاه: كلمة يتحسر بها.

والضئيل: الحقير السخيف.

وخرج إلي منها.. أي تركها لي وسلمها إلي.

والتلمظ: تتبع بقية الطعام في الفم باللسان، والمعنى لم يذق من حلاوتها أبدا.

والتصوب: النزول، والمراد: قلبت هذا الامر ظهرا لبطن ، وتفكرت في جميع شقوقه.

والاغضاء: - في الأصل -: إدناء الجفون.

ونشب.. أي علق، والمعنى لم أجد بدا من الصبر على الشدة كما يصبر الانسان على قذى في عينه أو شجا في حلقه.

قوله: حتى فرغ منها.. في بعض النسخ: فغر بها.. أي فتح فاه.

والبشم - بالباء الموحدة والشين المعجمة -: التخمة. والسئام:.. أي لم يسلمها إلي إلا بعد استيفاء الحظ والسأم منها.

ونقم.. أي كره كراهة بالغة حد السخط.

والدهاء: النكر وجودة الرأي.

والشغف - بالغين المعجمة والمهملة -: شدة الحب.

ويبلوني.. أي يمتحنني ويختبرني.

والأخمص: ما لم يصب الأرض من القدم.

والوفز: العجلة، والمستوفز: الذي يقعد قعودا منتصبا غير مطمئن..

أي أوجدني متهيئا للاقدام والنهوض منتظرا للفرصة غير غافل.

واختباها.. أي ادخرها.

والغائلة: الداهية.

والنظر الشزر: النظر بمؤخر العين.

والانفة: الاستنكاف وكراهة الشئ للحمية ولغيره.

وأمد الشئ غايته.

والنواجذ: أقاصي الأسنان، والعض عليها: كناية عن شدة التعلق والتمسك بالشئ.

ثم اعلم أن ابن أبي ا لحديد - بعد ما ذكر كلام السيد رضي الله عنه -

قال - ما حاصله -: إنه لا يبعد أن يقال: إن الرضا والسخط والحب والبغض وما شاكل ذلك من الأخلاق النفسانية وإن كانت أمورا باطنة فإنها قد تعلم وتضطر الحاضرون إلى حصولها بقرائن أحوال يفيدهم العلم الضروري، كما يعلم خوف الخائف وسرور المبتهج... فغير منكر أن يقول قاضي القضاة إن المعلوم ضرورة من حال عمر تعظيم أبي بكر ورضاه بخلافته وتدينه بذلك، فالذي اعترضه السيد به غير وارد عليه، وأما الاخبار التي رواها عن عمر فأخبار غريبة ما رأيناها في الكتب المدونة إلا في كتاب المرتضى وكتاب المستبشر لمحمد بن جرير الطبري - الذي هو من رجال الشيعة -.. وأنت تعلم حال الاخبار الغريبة التي لا توجد في الكتب المدونة، كيف هي؟.

وأورد عليه أن الأمور الباطنة والصفات النفسانية لا ريب في أنها قد تظهر أحيانا بظهور آثارهم وشهادة القرائن عليها، لكن الاطلاع عليها - سيما على وجه العلم بها والجزم بحصولها - أمر متعسر، سيما إذا قامت الدواعي إلى إخفائها وتعلق الغرض بسترها، وأكثر ما يظن به العلم في هذا الباب فهو من قبيل الظن، بل من قبيل الوهم، وجميعها - وإن اشتركت في تعسر العلم بها - إلا أنه في بعضها - سيما في بعض الاشخاص، وفي بعض الأحوال أشد - وكثيرا ما يظن المخالطون لرجل وخواصه وبطانته في دهر طويل إنه يتدين بدين أو يحب أحدا أو يبغضه ثم يظهر خلافه، والدواعي إلى إخفاء عمر بعض أبي بكر أو عدم التدين بخلافته أمر واضح لا سترة به، فإنه كان أساسا لخلافته واصلا لامارته، ومع ذلك كانت

خلافة أبي بكر وسيلة إلى ما هو مقصدهم الأقصى، وقرة عيونهم من دفع أهل البيت عليهم السلام عن هذا المقام، فكان قدح عمر في أبي بكر تخريبا لهذا الأساس ومناقضا لذلك الغرض، ولم يكن كارها لخلافة أبي بكر إلا لأنه كانت خلافة نفسه أحب إليه وأقر لعينه - كما يظهر من كلام السيد رضي الله عنه ومن رواياته -.

ومن نظر بعين الانصاف علم أن تعظيم عمر لأبي بكر وإظهاره الرضا بإمارته - مع كونها وسيلة لانتقال الامر إليه وصرفه عن أهل البيت - لا دلالة فيه بوجه من الوجوه على تدينه بإمامة أبي بكر، وكونها أحب إليه من خلافة نفسه، وإن ما ادعوا من العلم الضروري في ذلك ليس إلا عتوا في التعصب وعلوا في التعسف.

لا يقال: إذا كانت خلافة أبي بكر أساسا لخلافة عمر وسببا لدفع علي عليه السلام عنها فكيف كان عمر - مع شدة حيلته ودهائه - يقول على رؤوس الاشهاد:

كانت بيعة أبي بكر فلتة - بالمعنى الذي زعمتموه؟ وكيف يظهر مكنون ضميره لأبي موسى والمغيرة وغيرهما - كما يدل عليه الروايات المذكورة؟!.

لأنا نقول: إما إفشاؤه ما أسر في نفسه إلى أبي موسى والمغيرة وابن عمر فلم يكن مظنة للخوف على ذهاب الخلافة، إذ كان يعرفهم بحبهم له وثيق بأنهم لا يظهرون ذلك إلا لأهله، ولو أظهروه لأنكر عليهم عامة الناس، فلم يبال بإفشائه إليهم.

وأما حكاية الفلتة، فكانت بعد استقرار خلافته وتمكن رعبه وهيبته في قلوب الناس، وقد دعاه إليها أنه سمع أن عمار بن ياسر كان يقول: لو قد مات عمر لبايعت عليا عليه السلام - كما اعترف به الجاحظ، وحكاه عنه ابن أبي

الحديد - قال: وقال غيره..: إن المعزوم على بيعته لو مات عمر كان طلحة ابن عبيد الله، ويدل على أن قصة الفلتة كانت لمثل ذلك ما في رواية طويلة رواها البخاري وغيره من قول عمر في خطبته أنه: بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعت فلانا، فلا يغرن امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت، فلقد كان كذلك، ولكن وقى الله شرها.

فخاف من بطلان ما مهدوه وعقدوا عليه العهود والمواثيق من بذل الجهد واستفراغ الوسع في صرف الامر عن أمير المؤمنين عليه السلام ومنعه عنه، ومع ذلك هاج الضغن الكامن في صدره فلم يقدر على إخفائه والصبر عليه، فظهر منه مثل هذا الكلام.

وأما ما ذكره من أن الاخبار التي رواها السيد رضي الله عنه غير موجودة في الكتب، فليس غرضه من إيرادها إلا نوع تأييد لما ذكره من أن ادعائهم العلم الضروري من قبيل المجازفة، ومن راعى جانب الانصاف وجانب الاعتساف علم أن الامر كما ذكره.

ثم قال ابن أبي الحديد: اعلم أن هذه اللفظة وأمثالها كان عمر يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة، ولا حيلة له فيها، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها. ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن

يتكلف وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءا ولا يريد بها تخطئة ولا ذما (2)!، كما قدمناه في اللفظة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية.. وغير ذلك، والله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه، ولقد كانت نيته من أظهر النيات وأخلصها لله سبحانه والمسلمين، ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق.

ويرد عليه أن اقتضاء الطبيعة واستدعاء الغريزة - التي جعله معذرة له - إن أراد أنه بلغ إلى حيث لم يبق لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلم بخلاف ما في ضميره، بل كان يصدر عنه الذم في مقام يريد المدح، والشتم في موضع يريد الاكرام، ويخرج بذلك عن حد التكليف، فلا مناقشة في ذلك، لكن مثل هذا الرجل يعده العقلاء في زمرة المجانين، ولا خلاف في أن العقل من شروط الإمامة.

وإن أراد أنه يبقى مع ذلك ما هو مناط التكليف فذلك مما لا يسمن ولا يغني من جوع، فإن إبليس استكبر على آدم بمقتضى الجبلة النارية ومع ذلك استحق النار وشملته اللعنة إلى يوم الدين، والزاني إنما يزني بمقتضى الشهوة التي جبله الله عليها ولا حيلة له فيها، ومع ذلك يرجم ولا يرحم.

ونعم ما تمسك به في إصلاح هذه الكلمة من قول عمر - في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليهذو، أو إن الرجل ليهجر -، ورده على رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبنا كتاب الله، كما سيأتي في مطاعنه مفصلا

إن شاء الله تعالى.

وهذا في الحقيقة تسليم لما ذكره السيد رضي الله عنه من أنه لا يخرج هذا الكلام من أن يكون طعنا على أبي بكر إلا بأن يكون طعنا على عمر.

ثم قال ابن أبي الحديد: وقول المرتضى: قد يتفق من ظهور فضل غير أبي بكر، وخوف الفتنة ما اتفق لأبي بكر فلا يستحق القتل، فإن لقائل أن يقول:

إن عمر لم يخاطب بهذا إلا أهل عصره، وكان يذهب إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر، ولا من يحتمل له أن يبايع فلتة كما احتمل ذلك لأبي بكر، فإن اتفق أن يكون في عصر آخر بعد عصره من يظهر فضله، ويكون في زمانه كأبي بكر في زمانه فهو غير داخل في نهي عمر وتحريمه.

ويرد عليه ظاهر مثل هذا الخطاب عمومه لما بعد عصر الخطاب، ولذلك لم يخصص أحد ما ورد في الاخبار من الأوامر والنواهي بزمان دون آخر.

ولو فرضنا اختصاص الحكم بأهل ذلك العصر نقول: من أين كان يعلم عمر أن مدة خلافته - والعياذ بالله - لا يمتد حينا من الدهر يظهر للناس من فضل رجل من أهل ذلك العصر مثل ما ظهر لأبي بكر حتى لا يستحق من دعا إلى بيعته القتل، فإن ظهور الفضل الذي زعمه لأبي بكر لم يكن ثابتا له في جميع عمره، بل إنما توهمه فيه من توهم بعد حين وزمان، ولم يكن عمر خطب بهذه الخطبة عند علمه بموته حتى يعلم أنه ليس في أهل العصر من تمد إليه الأعناق مثل أبي بكر فإنه خطب بها أول جمعة دخل المدينة بعد انصرافه من الحج، ولم يكن طعنه أبو لؤلؤة حتى يعلم أنه سيموت ولا يبقى زمانا يمكن فيه ظهور فضل رجل من أهل العصر فكان اللائق أن يقيد كلامه ببعض القيود ولا يهمل ذكر الشروط.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.