پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۲۹، ص ۶۴۴–۴۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

الثالث: إنه عليه السلام صرح في كثير من الروايات السالفة بأن الخلافة

كانت حقا له، وإنه كان مظلوما فيها، فلو كان عليه السلام يرى إمامتهم حقا وخلافتهم صحيحة ومع ذلك يتألم ويتظلم ويقول إنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، ويصرح بأنه لو كان له أعوان لقاتلهم ولم يقعد عن طلب حقه، لزمه إنكار الحق والرد على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، والحسد عليهم بما آتاهم الله من فضله، والجمهور - مع علو درجتهم في النصب - لا يمكنهم التزام ذلك، فبعد ثبوت التألم والتظلم لا تبقى لاحد شبهة في أنه عليه السلام كان معتقدا لبطلان خلافتهم، وقد تواترت الاخبار بيننا وبينهم في أنه عليه السلام لم يفارق الحق ولم يفارقه - كما سيأتي في أبواب فضائله عليه السلام - وقد اعترف ابن أبي الحديد وغيره بصحة هذا الخبر بل تواتره.

وقال الشهرستاني في جواب استدلال العلامة رحمه الله بقوله صلى الله عليه وآله: اللهم أدر الحق معه حيث ما دار.. وغيره مما سبق ما هذا لفظه: إن هذا شئ لا يرتاب فيه حتى يحتاج إلى دليل.

وحديث الثقلين أيضا متواتر كما ستعرف في بابه، وهو كاف في هذا الباب.

وهل كان غصبهم الخلافة وصرفها عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله

قبل دفنه، وهمهم بإحراق بيتهم، وسوقه لأمير المؤمنين عليه السلام بأعنف العنف إلى البيعة، وتكذيبه في شهادته، ودعوى المواخاة، وتهديده بالقتل وإيذاءه في جميع المواطن، وغصب حق فاطمة عليها السلام وتكذيبها وقتل ولدها، وقتل الحسن والحسين صلوات الله عليهما.. من مقتضيات وصية نبيهم صلى الله عليه وآله فيهم؟!!.

ولعمري ما أظن عاقلا يرتاب بعد التأمل فيما جرى في ذلك الزمان في أن القول بخلافتهم وخلافته عليه السلام متناقضان، وكيف يرضى عاقل بإمامة إمامين بحكم كل منهما بضلال الآخر؟!.

وقد روى محمد بن جرير الطبري في تاريخه: أن عمر بن الخطاب كان يقول يوم السقيفة: أيها الناس! بايعوا خليفة الله، فإن من بات ليلة بغير إمام كان عاصيا، ولا ريب في تخلفه عليه السلام عن بيعتهم مدة طويلة كما عرفت.

حكاية ظريفة تناسب المقام:

روى في كتاب الصراط المستقيم وغيره أن ابن الجوزي قال يوما على منبره: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عما روي أن عليا عليه السلام سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع؟ فقال: روي ذلك، قالت: فعثمان ثم ثلاثة أيام منبوذا في المزابل وعلي عليه السلام حاضر؟. قال: نعم. قالت: فقد لزم الخطأ لأحدهما. فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة الله، وإلا فعليه. فقالت: خرجت عائشة إلى حرب علي عليه السلام بإذن النبي

صلى الله عليه وآله أو لا؟ فانقطع ولم يحر جوابا.

حكاية أخرى:

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: حدثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن عالية، قال: كنت حاضرا عند إسماعيل بن علي الحنبلي الفقيه - وكان مقدم الحنابلة ببغداد - إذ دخل رجل من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة، فانحدر إليه يطالبه فيه، واتفق أن حضر يوم زيارة الغدير - والحنبلي المذكور بالكوفة - ويجتمع بمشهد أمير المؤمنين عليه السلام من الخلائق جموع عظيمة تتجاوز حد الاحصاء.

قال ابن عالية: فجعل الشيخ إسماعيل يسائل ذلك الرجل ما فعلت..؟

ما رأيت..؟ هل وصل مالك إليك..؟ هل بقي منه بقية عند غريمك..؟

وذلك الرجل يجاوبه، حتى قال له: يا سيدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير، وما يجري عند قبر علي بن أبي طالب من الفضائح والأقوال الشنيعة، وسب الصحابة جهارا من غير مراقبة ولا خيفة.

فقال له إسماعيل: أي ذنب لهم، والله ما جرأهم على ذلك ولا فتح لهم هذا الباب إلا صاحب ذلك القبر. فقال ذلك الرجل: ومن هو صاحب القبر؟.

قال: علي بن أبي طالب. قال: يا سيدي! هو الذي سن لهم ذلك وعلمهم إياه وطرقهم إليه؟!. قال: نعم والله. قال: يا سيدي! فإن كان محقا فما لنا نتولى فلانا وفلانا، وإن كان مبطلا فما لنا نتولاه! ينبغي أن نبرأ إما منه أو منهما.

قال ابن عالية: فقام إسماعيل مسرعا فلبس نعليه وقال: لعن الله إسماعيل الفاعل بن الفاعل إن كان يعرف جواب هذه المسألة، ودخل دار حرمه، وقمنا نحن فانصرفنا.

الرابع: أن ايذاءه وغصب حقه عليه السلام على الوجه الذي يكشف تظلماته عنه لا ريب في أنه تخلف عن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والروايات من الجانبين متواطئة على أن المتخلف عنهم هالك، وأنهم سفينة النجاة، وسيأتي في بابه نقلا من كتبهم المعتبرة كالمشكاة وفضائل السمعاني وغيرهما.

68 - وقال العلامة قدس سره في كشف الحق: روى الزمخشري - وكان من أشد الناس عنادا لأهل البيت (ع) وهو الثقة المأمون عند الجمهور - بإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: فاطمة مهجة قلبي وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمناء ربي، وحبل ممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى.

تتميم:

ينبغي أن يعلم أن من أقوى الحجج على ضلال خلفائهم الثلاثة إنكار أئمتنا عليهم السلام لهم، وقولهم فيهم بأنهم على الباطل، لاعتراف جمهور علماء أهل الخلاف بفضلهم وعلو درجتهم، ولو وجدوا سبيلا إلى القدح فيهم والطعن عليهم لسارعوا إلى ذلك مكافاة الطعن الشيعة في أئمتهم ولعنهم إياهم، وذلك من فضل الله تعالى على أئمتنا صلوات الله عليهم، حيث أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، حتى أن الناصب المعاند اللغوي الشهرستاني قال في مفتتح شرح كتاب كشف الحق - بعد ما بالغ في ذم المصنف قدس الله روحه -: ومن الغرائب أن ذلك الرجل وأمثاله ينسبون مذهبهم إلى الأئمة الاثني عشر رضوان الله عليهم أجمعين وهم صدور إيوان الاصطفاء، وبدور سماء الاجتباء، ومفاتيح أبواب الكرم، ومجاريع هو أطل النعم، وليوث غياض البسالة، وغيوث رياض الإيالة، وسباق مضامير السماحة، وخزان نفوذ الرجاحة، والاعلام الشوامخ في الارشاد والهداية، والجبال الرواسخ في الفهم والدراية..

ثم ذكر أبياتا أنشدها في مدحهم، ثم ذكر أن الأئمة عليهم السلام كانوا يثنون على الصحابة، واستشهد برواية نقلها من كتاب كشف الغمة، وزعم أن الباقر عليه السلام سمى فيها أبا بكر: صديقا.

69 - وقال صاحب إحقاق الحق رحمه الله تعالى: إن الحكاية عن كشف الغمة افتراء على صاحبه، وليس فيه من الرواية عين ولا أثر...

ثم نقل عن الكتاب المذكور قول الصادق عليه السلام: ولدني أبو بكر مرتين، وزاد فيه لفظا: الصديق.

ولا يرتاب عاقل في أن القول بأن أئمتنا سلام الله عليهم كانوا يرون خلافتهم حقا من الخرافات الواهية التي لا يقبلها ولا يصغي إليها من له أدنى حظ من العقل والانصاف، ولو أمكن القول بذلك لأمكن إنكار جميع المتواترات والضروريات، ولجاز لليهودي أن يدعي أن عيسى عليه السلام لم يدع النبوة بل كان يأمر الناس بالتهود، وللنصراني أن يقول مثل ذلك في نبينا صلى الله عليه وآله، وبعد ثبوت كون أهل البيت عليهم السلام ذاهبين إلى بطلان خلافتهم، والى أنهم كانوا ضالين مضلين، ثبت بطلان خلافتهم بالاجماع منا ومن الجمهور، إذ لم يقل أحد من الفريقين بضلال أهل البيت عليهم السلام سيما في مسألة الإمامة، وإذا ثبت بطلانهم ثبت خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بالاجماع أيضا منا ومنهم، بل باتفاق جميع المسلمين.

وأما ما حكي من القول بخلافة العباس فقد صرح جماعة من أهل السير بأنه مما وضعه الجاحظ تقربا إلى العباسيين ولم يقل به أحد قبل زمانهم، ومع ذلك فقد انقرض القائلون به ولم يبق منهم أحد، فتحقق الاجماع على ما ادعيناه بعدهم.

ويدل على بطلانه - أيضا - ما وعده الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله من بقاء الحق إلى يوم الدين، كما هو المسلم بيننا وبين المخالفين.

قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام...... في حديث:

فقال له رجل: يا بن رسول الله! إني عاجز ببدني عن نصرتكم ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن [عليهم]، فكيف حالي؟.

فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلوات الله عليهم أنه قال:

من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته جميع الاملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه ولعنوا من يلعنه ثم ثنوا، فقالوا: اللهم صل على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عز وجل: قد أجبت دعاءكم، وسمعت نداءكم، وصليت على روحه في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار.

بحار الأنوار: 27 / 222 - 223 حديث 11 تفسير الإمام العسكري (ع): 16 و 17

عن الصادق عليه السلام: من خالفكم وإن عبد واجتهد منسوب إلى هذه الآية: * (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) *.

تفسير القمي: 723 بحار الأنوار: 8 / 356 روضة الكافي: 160.

ثواب الأعمال: 200.

NoteV30P007N16 باب آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحا وتلويحا 1 - قال السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة: قال محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل: علي بن إبراهيم، بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يقرأ على الناس، وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان، فغضب عليه السلام وقال: قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم، وهذه مصر قد انفتحت، وقتل معاوية بن خديج محمد بن أبي بكر، فيا لها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي بمحمد!

فوالله ما كان إلا كبعض بني، سبحان الله ! بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا، وأنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم إن شاء الله تعالى.

فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: أدخل علي عشرة من ثقاتي، فقال: سمهم لي يا أمير المؤمنين، فقال: أدخل أصبغ بن نباتة وأبا الطفيل عامر

ابن واثلة الكناني، وزر بن حبيش الأسدي، وجويرية بن مسهر العبدي، وخندق بن زهير الأسدي، وحارثة بن مضرب الهمداني، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، ومصابيح النخعي، و علقمة بن قيس، وكميل بن زياد، وعمير بن زرارة، فدخلوا إليه، فقال لهم: خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله ابن أبي رافع وأنتم شهود كل يوم جمعة، فإن شغب شاغب عليهم فانصفوه بكتاب الله بينكم وبينه:

بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين، فإن الله يقول: * (وإن من شيعته لإبراهيم) * وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب وأنتم شيعة النبي محمد صلى الله عليه وآله كما أن من شيعته إبراهيم اسم غير مختص، وأمر غير مبتدع، وسلام عليكم، والله هو السلام المؤمن أولياءه من العذاب المهين، الحاكم عليهم بعدله، بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأنتم معاشر العرب على شر حال، يغذوا أحدكم كلبه، ويقتل ولده، ويغير على غيره، فيرجع وقد أغير عليه، تأكلون العلهز والهبيد والميتة والدم، منيخون على أحجار خشن وأوثان مضلة، تأكلون الطعام الجشب، وتشربون

الماء الآجن، تسافكون دماءكم، ويسبي بعضكم بعضا، وقد خص الله قريشا بثلاث آيات وعم العرب بآية، فأما الآيات اللواتي في قريش فهو قوله تعالى:

* (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) *، والثانية:

* (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) *، والثالثة: قول قريش لنبي الله صلى الله عليه وآله حين دعاهم إلى الاسلام والهجرة: * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) *، فقال الله تعالى: * (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون) *، وأما الآية التي عم بها العرب فهو قوله: * (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) *، فيا لها نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها، ويا لها مصيبة ما أعظمها إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها، فمضى نبي الله صلى الله عليه وآله وقد بلغ ما أرسل به، فيا لها مصيبة خصت الأقربين وعمت المؤمنين لم تصابوا بمثلها ولن تعاينوا بعدها مثلها، فمضى لسبيله صلى الله عليه وآله وترك كتاب الله وأهل

بيته إمامين لا يختلفان، وأخوين لا يتخاذلان، ومجتمعين لا يفترقان، ولقد قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله ولأنا أولى بالناس مني بقميصي هذا، وما ألقى في روعي، ولا عرض في رأيي ان وجه الناس إلى غيره، فلما أبطأوا عني بالولاية لهممهم، وتثبط الأنصار - وهم أنصار الله وكتيبة الاسلام - قالوا: أما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا أحق بها من غيري، فوالله ما أدري إلى من أشكو؟

فإما أن يكون الأنصار ظلمت حقها، وإما أن يكونوا ظلموني حقي، بل حقي المأخوذ وأنا المظلوم.

فقال قائل قريش: إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الأئمة من قريش، فدفعوا الأنصار عن دعوتها ومنعوني حقي منها، فأتاني رهط يعرضون علي النصر، منهم ابنا سعيد، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن العازب.

فقلت لهم: إن عندي من نبي الله صلى الله عليه وآله عهدا وله إلي وصية لست أخالف عما أمرني به، فوالله لو خزموني بأنفي لأقررت لله تعالى سمعا وطاعة، فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله منه ومن غيره، وقد كان نبي الله أمر أسامة بن زيد على جيش وجعلهما في جيشه، وما زال النبي صلى الله عليه

وآله إلى أن فاضت نفسه يقول: أنفذوا جيش أسامة، فمضى جيشه إلى الشام حتى انتهوا إلى أذرعات فلقى جمعا من الروم فهزموهم وغنمهم الله أموالهم، فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن الاسلام تدعو إلى محودين محمد وملة إبراهيم عليهما السلام خشيت إن أنا لم أنصر الاسلام وأهله أرى فيه ثلما وهدما تك المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم تزول وتنقشع كما يزول وينقشع السحاب، فنهضت مع القوم في تلك الاحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا وإن زعم الكافرون.

ولقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيها الناس! إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، ولا أبايعكم حتى يبايع علي، ولعلي لا أفعل وإن بايع، ثم ركب دابته وأتى حوران وأقام في خان حتى هلك ولم يبايع. وقام فروة بن عمر الأنصاري - وكان يقود مع رسول الله صلى الله عليه وآله

فرسين ويصرم ألف وسق من تمر فيتصدق به على المساكين - فنادى: يا معشر قريش! أخبروني هل فيكم رجل تحل له الخلافة وفيه ما في علي عليه السلام؟!.

فقال قيس بن مخزمة الزهوي: ليس فينا من فيه ما في علي عليه السلام.

فقال له: صدقت، فهل في علي عليه السلام ما ليس في أحد منكم؟. قال: نعم.

قال: فما يصدكم عنه؟. قال: إجماع الناس على أبي بكر. قال: أما والله لئن أحييتم سنتكم لقد أخطأتم سنة نبيكم، ولو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم. فولي أبو بكر فقارب واقتصد فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، حتى إذا احتضر، قلت في نفسي:

ليس يعدل بهذا الامر عني، ولولا خاصة بينه وبين عمر وأمر كانا رضياه بينهما، لظننت أنه لا يعدله عني وقد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة الأسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن وقال: إذا افترقتما فكل واحد منكما على حياله، وإذا اجتمعتما فعلي عليكم جميعا، فأغزنا وأصبنا سبيا فيهم خويلة بنت جعفر جار الصفا - وإنما سمي جار الصفا من حسنه - فأخذت الحنفية خولة واغتنمها خالد مني، وبعث بريدة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله محرشا علي، فأخبره بما كان من أخذي خولة، فقال: يا بريدة! حظه في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي، سمعها أبو بكر وعمر، وهذا بريدة حي لم يمت، فهل

بعد هذا مقال لقائل؟!.

فبايع عمر دون المشورة فكان مرضي السيرة من الناس عندهم، حتى إذا احتضر قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، للذي قد رأى مني في المواطن، وسمع من الرسول صلى الله عليه وآله، فجعلني سادس ستة وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، ودعا أبا طلحة زيد بن سعد الأنصاري فقال له: كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن يرضى من هؤلاء الستة، فالعجب من اختلاف القوم إذ زعموا أن أبي بكر استخلفه النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان هذا حقا لم يخف على الأنصار فبايعه الناس على الشورى، ثم جعلها أبو بكر لعمر برأيه خاصة، ثم جعلها عمر برأيه شورى بين ستة، فهذا العجب من اختلافهم، والدليل على ما لا أحب أن أذكر قول هؤلاء الرهط الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض، فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم ورسوله؟!.

إن هذا الامر عجيب، ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي! كانوا يسمعون وأنا أحاج أبا بكر وأنا أقول: يا معشر قريش! أنا أحق بهذا الامر منكم، ما كان منكم من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، ويدين دين الحق، وإنما حجتي إني ولي هذا الامر من دون قريش، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الولاء لمن أعتق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق الرقاب من النار، وأعتقها من الرق، فكان للنبي صلى الله عليه وآله ولاء هذه

الأمة، وما لي بعده ما كان له، فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه وآله جاز لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم، بقول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلى الله عليه وآله، فإن شاؤوا فليقولوا ذلك، فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن آخذ بأنفاسهم، وأعترض في حلوقهم، ولا يكون لهم في الامر نصيب، فأجمعوا على إجماع رجل واحد منهم حتى صرفوا الولاية عني إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها فيما بينهم، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو - وأظنه جنيا - فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان فقال:

يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وبدا منكر ما لقريش لا علا كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا إن عليا هو أولى به * منه فولوه ولا تنكروا فكان لهم في ذلك عبرة، ولولا أن العامة قد علمت بذلك لم أذكره، فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا، وعلمت أهل القنوت أن يقولوا: اللهم لك أخلصت القلوب وإليك شخصت الابصار، وأنت دعيت بالألسن، وإليك تحوكم في الأعمال فافتح بيننا وبين قومنا بالحق، اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وهواننا على الناس، وشدة الزمان، ووقوع الفتن بنا، اللهم ففرج ذلك بعدل تظهره، وسلطان حق تعرفه.

فقال عبد الرحمن بن عوف: يا بن أبي طالب! إنك على هذا الامر لحريص؟!.

فقلت: لست عليه حريصا، و إنما أطلب ميراث رسول الله صلى الله

عليه وآله وحقه، وإن ولاء أمته لي من بعده، وأنتم أحرص عليه مني إذ تحولون بيني وبينه، وتصرفون وجهي دونه بالسيف، اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا أيامي، ودفعوا حقي، وصغروا قدري وعظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم، فاستلبونيه.

ثم قال: اصبر مغموما أو مت متأسفا، وأيم الله لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا، ولكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا، إنما حقي على هذه الأمة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وعجلوا له حقه قبله حامدا، وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد، وليس يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي عهدا فقال: يا بن أبي طالب! لك ولايتي فإن ولوك في عافية ورجعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله سيجعل لك مخرجا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، ولو كان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها، ولكنني منيت برجلين حديثي عهد بالاسلام، العباس وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت

ريقي على الشجا، وصبرت على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار.

وأما أمر عثمان فكأنه علم من القرون الأولى * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * خذله أهل بدر وقتله أهل مصر، والله ما أمرت ولا نهيت ولو أنني أمرت كنت قاتلا، ولو أني نهيت كنت ناصرا، وكان الامر لا ينفع فيه العيان ولا يشفي فيه الخبر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله من أنا خير منه، ولا يستطيع من خذله أن يقول نصره من هو خير مني، وأنا جامع أمره: استأثر فأسا الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، والله يحكم بينكم وبينه والله ما يلمزني في دم عثمان ثلمة ما كنت إلا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي فلما قتلتموه أتيتموني تبايعوني، فأبيت عليكم وأبيتم على، فقبضت يدي فبسطتموها، وبسطتها فمددتموها، ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل لبعض، حتى

انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن حمل إليها الصغير وهدج إليها الكبير، وتحامل إليها العليل، وحسرت لها الكعاب. فقالوا: بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر، فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق ولا نختلف، فبايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايعني طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فكان أول من بايعني طلحة والزبير، فقالا: نبايعك على أنا شركاءك في الامر. فقلت: لا، ولكنكما شركائي في القوة، وعوناي في العجز. فبايعاني على هذا الامر ولو أبيا لم أكرههما كما لم أكره غير هما، وكان طلحة يرجو اليمن والزبير يرجو العراق، فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدر، فأتيا عائشة واستخفاها مع كل شئ في نفسها علي، والنساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان أيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين وشهادة امرأتين برجل، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال، وقادهما عبيد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الأموال والرجال، فبينما هما يقودانها إذ هي تقود هما، فاتخذاها فئة يقتلان دونها، فأي خطيئة أعظم مما أتيا إخراجهما زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله من بيتها، فكشفا عنها حجابا ستره الله عليها، وصانا حلائلهما في بيوتهما ولا أنصفا الله ولا رسوله من أنفسها،

ثلاث خصال مرجعهما على الناس، قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) *، وقال: * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * وقال: * (لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) * فقد بغيا علي، ونكثنا بيعتي، ومكرا بي، فمنيت بأطوع الناس في الناس عائشة بنت أبي بكر، وبأشجع الناس الزبير، وبأخصم الناس طلحة، وأعانهم علي يعلى بن منبه بأصوع الدنانير، والله لئن استقام أمري لأجعلن ماله فيئا للمسلمين، ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي، وبها شيعتي خزان بيت مال الله ومال المسلمين، فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي، فمن أطاعهم أكفروه، ومن عصاهم قتلوه، فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوها في سبعين رجلا من عباد أهل البصرة ومخبتيهم يسمون: المثفنين، كأن راح أكفهم ثفنات الإبل، وأبي أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري، فقال: اتقيا الله! إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضى على الغائب، أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب ببيعتي إياه، وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما، فخنق حتى مات، وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال: يا طلحة! هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، هذا كتابي إليك. قال: هل تدري ما فيه؟ قال: أقرأه علي، فإذا فيه عيب عثمان ودعاؤه إلى قتله، فسيره من البصرة، وأخذوا على عاملي عثمان

ابن حنيف الأنصاري غدرا فمثلوا به كل المثلة، ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه، وقتلوا شيعتي، طائفة صبرا، وطائفة غدرا، وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله، فوالله لو لم يقتلوا منهم إلا رجلا واحدا لحل لي به دماءهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل، دع مع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين، فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله، وأما الزبير فذكرته قول رسول الله صلى الله عليه وآله: انك تقاتل عليا (ع) وأنت ظالم له، وأما عائشة فإنها كان نهاها رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسيرها فعضت يديها نادمة على ما كان منها. وقد كان طلحة لما نزل ذا قار قام خطيبا فقال: يا أيها الناس! إنا أخطأنا في عثمان خطيئة ما يخرجنا منها إلا الطلب بدمه، وعلي قاتله، وعليه دمه. وقد نزل دارن مع شكاك اليمن ونصارى ربيعة ومنافقي مضر، فلما بلغني قوله وقل كان عن الزبير فيه، بعثت إليهما أناشدهما بحق محمد صلى الله عليه وآله ما أتيتماني وأهل مصر محاصرو عثمان، فقلتما:

اذهب بنا إلى هذا الرجل فإنا لا نستطيع قتله إلا بك، فلما تعلم أنه سير أبا ذر رحمه الله، وفتق عمارا، وآوى الحكم بن أبي العاص - وقد طرده رسول الله صلى الله

عليه وآله وأبو بكر وعمر - واستعمل الفاسق على كتاب الله الوليد بن عقبة، وسلط خالد بن عرفطة العذري على كتاب الله يمزق ويخرق، فقلت: كل هذا قد علمت ولا أرى قتله يومي هذا، وأوشك سقاءه أن يخرج المخض زبدته، فأقرا بما قلت. وأما قولكما: إنكما تطلبان بدم عثمان فهذان ابناه عمرو وسعيد فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما، متى كانت أسد وتيم أولياء بني أمية؟! فانقطعا عند ذلك.

فقام عمران بن حصين الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو الذي جاءت عنه الأحاديث - وقال: يا هذان لا تخرجان ببيعتكما من طاعة علي، ولا تحملانا على نقض بيعته، فإنا لله رضا، أما وسعتكما بيوتكما حتى أتيتما بأم المؤمنين؟! فالعجب لاختلافها إياكما، ومسيرها معكما، فكفا عنا أنفسكما، وارجعا من حيث جئتما، فلسنا عبيد من غلب، ولا أول من سبق، فهما به ثم كفا عنه، وكانت عائشة قد شكت في مسيرها وتعاظمت القتال، فدعت ء كاتبها عبيد الله بن كعب النميري فقالت: اكتب، من عائشة بنت أبي بكر إلى علي ابن أبي طالب فقال هذا أمر لا يجري به القلم، قالت: ولم؟! قال: لان علي بن أبي طالب في الاسلام أول، وله بذلك البداء في الكتاب. فقالت: اكتب، إلى علي بن أبي طالب من عائشة بنت أبي بكر، أما بعد: فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا قدمك في الاسلام، ولا غناك من رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما خرجت مصلحة بين بيني لا أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين.. في كلام لها كثير، فلم أجبها بحرف، وأخرت جوابها لقتالها، فلما قضى الله لي الحسني سرت إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عباس على

البصرة، فقدمت الكوفة وقد اتسقت لي الوجوه كلها إلا الشام، فأحببت أن أتخذ الحجة، وأقضى العذر، وأخذت بقول الله تعالى: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) *، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذرا إليه، متخذا للحجة عليه، فرد كتابي، وجهد حقي، ودفع بيعتي، وبعث إلي أن ابعث إلي قتلة عثمان، فبعثت إليه: ما أنت وقتلة عثمان؟! أولاده أولى به، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصموا إلي القوم لأحملكم وإياهم على كتاب الله، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي، فلما يئس من هذا الامر بعث إلي أن اجعل الشام لي حياتك، فإن حدث بك حادثة عن الموت لم يكن لاحد علي طاعة، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه فأبيت عليه.

فبعث إلي: إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام فلما قتلوا عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز، فبعثت إليه: إن كنت صادقا فسم لي رجلا من قريش الشام تحل له الخلافة، ويقبل في الشورى فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من تحل له الخلافة، ويقبل في الشورى، ونظرت إلى أهل شام فإذا هم بقية الأحزاب فراش نار وذباب طمع تجمع من كل أوب ممن ينبغي له أن يؤدب ويحمل على السنة، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي، ثم نهضوا في وجه المسلمين، ينضحونهم بالنبل، ويشاجرونهم بالرماح، فعند ذلك نهضت إليهم، فلما عضتهم السلاح، ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها،

فأنبأكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن وإنما رفعوها مكيدة وخديعة، فامضوا لقتالهم، فقلتم: اقبل منهم وأكففت عنهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن جامعونا على ما نحن عليه من الحق، فقبلت منهم وكففت عنهم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ويميتا من أماته القرآن، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما، فنبذا ما في الكتاب وخالفا ما في القرآن وكانا أهله، ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا حتى إذا عاثوا في الأرض يفسدون ويقتلون، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد، وقتلوا خباب بن الأرت وابنه وأم ولده، والحارث بن مرة العبدي، فبعثت إليهم داعيا، فقلت: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلتهم، ثم شدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين، فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فقلتم: كلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصيدا فأذن لنا فلنرجع ولنقصد بأحسن عدتنا، وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا عدة من قتل منا حتى إذا أظللتم على النخيلة أمرتكم أن تلزموا معسكركم، وأن

تضموا إليه نواصيكم، وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ولا نسائكم، فإن أصحاب الحرب مصابروها وأهل التشهير فيها، والذين لا يتوجدون من سهر ليلهم، ولا ظمأ نهارهم، ولا فقدان أولادهم ولا نسائهم، وأقامت طائفة منكم معدة وطائفة دخلت المصر عاصية، فلا من دخل المصر عاد إلي، ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر، فلقد رأيتني وما في عسكري منكم خمسون رجلا، فلما رأيت ما أنتم عليه دخلت عليكم فما قدر لكم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا، لله أبوكم ألا ترون أي مصر قد افتتحت؟

وأي أطرافكم قد انتقصت؟ وأي مسالحكم ترقى؟ وأي بلادكم تغزى؟

وأنتم ذوو عدد جم وشوكة شديدة، وأولو بأس قد كان مخوفا، لله أنتم! أين تذهبون؟ وأنى تؤفكون؟.

ألا إن القوم جدوا وتأسوا وتناصروا، وإنكم أبيتم ونيتم وتخاذلتم

وتغاششتم، ما أنتم إن بقيتم على ذلك سعداء، فأنبهوا - رحمكم الله - نائمكم، وتحروا لحرب عدوكم، فقد أبدت الرغوة عن الصريح، وأضاء الصبح لذي عينين، فانتبهوا إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأهل الجفاء، ومن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله انفا، وللاسلام كله حربا، أعداء السنة والقرآن، وأهل البدع والاحداث، ومن كانت نكايته تتقى وكان على الاسلام وأهله مخوفا، وأكلة الرشا، وعبيد الدنيا، ولقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يديه من سلطانه، فصغرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين، وأي سهم لهذا المشتري وقد شرب الخمر، وضرب حدا في الاسلام، وكلكم يعرفه بالفساد في الدنيا، وإن منهم من لم يدخل في الاسلام وأهله حتى رضخ له عليه رضيخة، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت لكم ذكر مساوية أكثر وأبور، وأنتم تعرفونهم بأعيانهم وأسمائهم كانوا على الاسلام ضدا، ولنبي الله صلى الله عله وآله حربا، وللشيطان حزبا، لم يتقدم إيمانهم، ولم يحدث نفاقهم، وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الفخر والتكبر والتسلط بالجبرية والفساد في الأرض، وأنتم على ما كان منكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، منكم الفقهاء والعلماء والفهماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار، ألا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية السفهاء البطاة عن الاسلام

الجفاة فيه؟! اسمعوا قولي - يهدكم الله - إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، فوالله لئن أطعتموني لا تغووا، وإن عصيتموني لا ترشدوا، قال الله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) *، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) *، فالهادي من بعد النبي صلى الله عليه وآله هاد لامته على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن عسى أن يكون الهادي إلا الذي دعاكم إلى الحق وقادكم إلى الهدى، خذوا للحرب أهبتها، وأعدوا لها عدتها، فقد شبت وأوقدت نارها، وتجرد لكم الفاسقون لكيلا يطفئوا نور الله بأفواههم ويغزوا عباد الله، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء أولى بالحق من أهل البر والأخباث في طاعة ربهم ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم وحدي وهم أهل الأرض ما استوحشت منهم ولا باليت، ولكن أسف يريني، وجزع يعتريني من أن يلي هذه الأمة فجارها وسفهاؤها فيتخذون مال الله دولا، وكتاب الله دغلا، والفاسقين حزبا، والصالحين حربا، وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأنيبكم وتحريصهم، وتركتكم إذا أبيتم حتى ألقاهم متى حم لي لقاءهم،

فوالله إني لعلى الحق، وإنني للشهادة لمحب، وإني إلى لقاء الله ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه منتظر، إني نافرتكم ف‍ * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) * ولا تثاقلوا في الأرض فتعموا بالذل، وتقروا بالخسف، ويكون نصيبكم الاخسر، إن أخا الحرب اليقظان الارق إن نام لم تنم عينه، ومن ضعف أو ذي، ومن كره الجهاد في سبيل الله كان المغبون المهين، إني لكم اليوم على ما كنت عليه أمس ولستم لي على ما كنتم عليه، من تكونوا ناصريه أخذ بالسهم الأخيب، والله لو نصرتم الله لنصركم وثبت أقدامكم، إنه حق على الله أن ينصر من نصره ويخذل من خذله، أترون الغلبة لمن صبر بغير نصر وقد يكون الصبر جبنا ويكون حمية، وإنما الصبر بالنصر والورود بالصدر، والبرق بالمطر.

اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا من الأولى.

تبيين:

الشغب - بالتسكين -: تهييج الشر.

وقال الجوهري: العلهز - بالكسر -: طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة.

وقال: الهبيد: حب الحنظل.

والجشب - بكسر الشين - الغليظ.

والاجن: المتغير.

والروع - بالضم -: القلب والعقل، ولعله كناية عن أنه لم يكن مظنة أن يفعلوا ذلك لما اجتمع له من النصوص والفواضل والسوابق، لأنه عليه السلام كان يعلم وقوع تلك الأمور ويخبر بها قبل وقوعها.

ويقال: خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة انفه يشد فيها الزمام ويقال لكل مثقوب: مخزوم، ذكره الجوهري.

وقال: انثال عليه الناس من كل وجه: انصبوا.

قوله عليه السلام: وظننت.. أي علمت، كما ورد كثيرا في الآيات بهذا المعني، أو المعنى: إني ظننت أن الناس يرونني أولى وأحق ويعاونونني على

منازعتهم.

وقوله عليه السلام: تقارب.. أي لم يبالغ في معاندة الحق بعد غصب الخلافة حيلة وخديعة، لأنه كان يستقيل تارة ويعتذر إليه عليه السلام أخرى، ويرجع إليه في الأمور ليتمشى أمره، ويظهر للناس أنه إنما ولي الأمر لصلاح المسلمين.

قال في النهاية: فيه سددوا وقاربوا.. أي اقتصدوا في الأمور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في أموره: إذا اقتصد.

قوله عليه السلام: لولا خاصة.. أي محبة أو خلطة خاصة.

والتحريش: الاغراء بين القوم.

وهذا الخبر يدل على أن خولة إنما سبيت في حياة النبي صلى الله عليه وآله فلا تبقى للمخالفين فيها شبهة، وقد مر الكلام فيه وسيأتي.

والنعي: خبر الموت.

وقوله عليه السلام: لا علا كعبها.. جملة دعائية. قال في النهاية:.. في حديث قيلة: والله لا يزال كعبك عاليا.. هو دعاء لها بالشرف والعلو.

قوله عليه السلام: وأضاعوا أيامي.. أي ضيعوا ولم يلتفتوا إلى أيامي المشهورة التي نصرت فيها الدين ووقيت فيها المسلمين، وفي بعض النسخ:

بالذال المعجمة من الإذاعة بمعنى الافشاء، فالمراد بالأيام أيام مظلوميته عليه السلام، ولعله تصحيف، والظاهر: واكفئوا إنائي أو أصغوا إنائي كما مر.

قوله عليه السلام: فكأنه علم.. إشارة إلى ما ذكره تعالى في قصة فرعون إنه قال لموسى عليه السلام: * (فما بال القرون الأولى) *، والمشهور في تفسيره أنه سئل عن حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة، فقال موسى: * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * أي إنه غيب لا يعلمه إلا الله، وإنما أنا عبد ملك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به، فمراده عليه السلام هنا أن أمر عثمان في الآخرة وما ترتب على أعماله الشنيعة في علمه تعالى وهو أعلم بذلك، وإنما عبر كذلك للمصلحة، أو المعنى أن أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الأولى كقارون.

قوله عليه السلام: لا ينفع فيه العيان.. لعل المعنى أن أمره كان أمرا مشتبها على من عاين الامر وعلى من سمع الخبر فلا يدري كيف وقع، أو اشتبه على أكثر الناس إنه هل كان قتله حقا أو باطلا.

والثلمة - بالضم -: الخلل في الحايط وغيره.

قوله عليه السلام: فئة يقاتلان دونها.. لعل المراد بها هنا المرجع، من فاء إذا رجع، ولا يبعد أن يكون قبة - بالقاف والباء الموحدة المشددة أو بالقاف

والنون المشددة - وهي بالضم -: الجبل الصغير وقلة الجبل، والمنفرد المستطيل في السماء أو الجبل السهل المستوي المنبسط على الأرض.

وقوله عليه السلام: ثلاث خصال.. استئناف كلام.

قوله عليه السلام: بأطوع الناس.. أي انها لقلة عقلها كانت تطيع الناس في كل باطل، أو على بناء المفعول.. أي كان الناس يطيعونها في كل ما تريد، والأول أظهر لفظا، والثاني معنى.

والأنجع: الأنفع، والذي أثر كلامه أكثر، أو تدبيره أوفر، قال في القاموس: نجع الطعام - كمنع - نجوعا: هنأ أكله، والعلف في الدابة والوعظ والخطاب فيه: دخل فأثر كانجع.. وانتجع: طلب الكلأ في موضعه، وفلانا:

اتاه طالبا معروفة، وفي بعض النسخ: وبأشجع الناس.

والمناجزة في الحرب: المبادرة والمقاتلة.

والراح - جمع الراحة - وهي الكف، ولعل المراد بها هنا بطونها.

والثفنة - بكسر الفاء: واحدة ثفنات البعير - وهي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين وغيرهما.

قوله عليه السلام: الفاسق على كتاب الله.. أي الذي سماه الله في كتابه

فاسقا، في قوله تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) * كما مر مرارا.

وعرفطة - بضم العين وسكون الراء وضم الفاء -.

والعذري.. نسبة إلى جدته العليا: عذرة بن سعد.

قوله عليه السلام: وأوشك سقاءه.. لعله مثل.

والمخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج ما فيه من الزبد، والمعنى أنه يفعل بنفسه ما يحصل به المقصود، أو يفعل هؤلاء فيه ما يغني عن فعل غيرهم.

قولها: ولا قدمك.. أي تقدمك في الاسلام وسبقك، ذكره الجزري.

والغنا - بالفتح - النفع: ويقال ما يغني عنك هذا.. أي ما يجدي عنك وما ينفعك. وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهو التعب، والأول أظهر.

قوله تعالى: * (من قوم) *.. أي معاهدين * (خيانة) *.. أي نقض عهد بأمارات تلوح لك * (فانبذ إليهم) *.. أي فاطرح إليهم عهدهم * (على سواء) *..

أي على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد، وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول.. أي ثابتا على طريق سوي، أو من المنبوذ إليهم، أو

منهما على غيره، ذكره البيضاوي.

قوله عليه السلام: عن رضاع الملي.. في الروايات الأخر: خدع الصبي عن اللبن، ولعله هنا عن الرضاع الملي.. أي عن رضاع يتملأ الصبي منه، ولعله - على ما في النسخ - المراد به رضاع اللبن الملي، أو الطفل الملي.

والفراش - بالفتح -: الطير الذي يلقي نفسه في ضوء السراج.

قوله عليه السلام: من كل أوب.. أي من جهة، وفي بعض النسخ:

أدب - بالدال المهملة - وهو الظرف.

وقال الفيروزآبادي: نضح فلانا بالنبل: رماه، وقال: شجرة بالرمح: طعنه.

قوله عليه السلام: وكانا أهله.. أي كانا أهلا لمخالفة القرآن، ولم يكن مستبعدا منهما. وعثا يعثو عثوا: أفسد.

وقال في النهاية: يقال نصل السهم: إذا خرج منه النصل، ونصل - أيضا -: إذا ثبت نصله في الشئ.. فهو من الأضداد.

قوله عليه السلام: وعاد أكثرها قصدا.. قال في القاموس: رمح قصد - ككتف - وقصيد واقصاد: متكسر انتهى. وفي بعض النسخ: وعاد أكثرنا قعيدا.. أي قاعدا عن الحرب عاجزا، والقعيد: الجراد لم يستو جناحه، ولعله تصحيف.

قوله عليه السلام: ظللتم على النخيلة.. على بناء التفعيل، وفي بعض النسخ على الافعال.. أي أشرفتم، يقال: أظلك فلان: إذا دنا منك كأنه القى عليك ظله فضمن معنى الاشراف، ويقال: ظللت اعمل كذا - بالكسر -: إذا عملته بالنهار، فيمكن أن يقرأ على بناء المجرد، لكن فيه تكلف.

قوله عليه السلام: نواصيكم.. أي تطيعوا إمامكم في لزوم معسكركم، فإن الاخذ بالناصية كناية عن الإطاعة، وفي بعض النسخ: قواصيكم.. أي تدعوا إلى حضور معسكركم الفرق القاصية البعيدة عنكم، ولعله أظهر.

قوله عليه السلام: والى مصالحكم ترقى.. أي تصعد وترفع من بينكم، أو من المهموز من رقأ الدمع إذا سكن، ولا يبعد أن يكون بالزاء مهموزا من الرزء بمعنى النقص فخفف، وفي بعض النسخ إلى مسالحكم - بالسين -..

أي ثغوركم وهو الصواب.. أي يرقى العدو عليها.

قوله عليه السلام: تأسوا.. أي اقتدى بعضهم ببعض في التعاون والجد، وفي بعض النسخ: بؤسوا - بضم الهمزة - من البأس - بمعنى الشدة في الحرب.

قوله عليه السلام: فقد أبدت الرغوة.. هذا مثل ساير يضرب لظهور الحق.

قال الزمخشري في المستقصى: أبدى الصريح عن الرغوة هذا من مقلوب الكلام، وأصله أبدت الرغوة عن الصريح، كقوله وتحت الرغوة اللبن الصريح. قال عبيد الله بن زياد لهانئ بن عروة حين سأل عن مسلم ابن عقيل - وكان متواريا عنه - فجحد ثم أقر، يضرب في ظهور كامن الامر.

قوله: انفا - ككتف أو كصاحب - ولعله من الانفة بمعنى الاستنكاف والتكبر، والأظهر إلبا - باللام والباء - بقرينة حربا، يقال: هم عليه إلب - بالفتح والكسر - أي مجتمعون عليه بالظلم والعداوة، والتأليب: التحريص والافساد، والألب - بالفتح -: التدبير على العدو من حيث لا يعلم والطرد الشديد، والألب والحرب كثيرا ما يذكران معا، وعلى تقديرين لا بد من تجوز في اللام.

وقال الجوهري: شببت النار والحرب أشبها شبا وشبوبا: إذا أوقدتهما.

قوله عليه السلام: ولكن أسف يبريني.. أي يهزلني، من بريت السهم أو ينبريني من انبرى له أي اعترض، أو يريني من ورى القيح جوفه: أفسده، وفلان فلانا أصاب رئته، أو يريبني من أربيته.. أي زدته يعني يزيدني هما،

وكانت نسخ المنقول منه تحتمل الجميع.

والدول - جمع دولة، بالضم -: هو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم.

وكتاب الله دغلا.. أي يخدعون الناس به. والدغل بالتحريك -:

الفساد والشر والمكر.

وحم له كذا - على المجهول - قدر.

والخسف: الذل والمشقة والنقصان.

والأرق: السهر، وقد أرقت - بالكسر -.. أي سهرت.. فانا ارق، ذكره الجوهري.

قوله: بغير نصر.. أي من الله تعالى، فينبغي أن يكون الصبر لله تعالى، فإن الصبر قد يكون لأجل الجبن عن الفرار وللحمية، ويمكن أن يقرأ بالبصر - بالباء -.. أي بالعلم أو البصيرة.

قوله عليه السلام: وإنما الصبر بالنصر.. أي ما قرن الصبر إلا بالنصر، وفي بعض النسخ بالعكس، وهو ظاهر، ويؤيد الأول الفقرتان اللتان بعدهما، فإن المراد بهما أن الورود على الماء مقرون بالصدور. والصدر - بالفتح - الرجوع،

وبالتحريك الاسم منه.

والبرق مقرون بالمطر.. ويمكن أن يقرأ بالبصر هنا - أيضا بالباء -، فتفطن.

وقد مر تفسير بعض الفقرات وسيأتي شرح بعضها فيما نقلناه وسننقل من خطبه عليه السلام.

2 - وروى السيد رضي الله عنه في الكتاب المذكور، عن محمد بن يعقوب الكليني مما رواه في كتاب الرسائل، عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن وغيرهما، عن سهل بن زياد، عن العباس بن عمران، عن محمد بن القاسم بن الوليد الصيرفي، عن المفضل، عن سنان بن ظريف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يكتب بهذا الخطبة إلى أكابر أصحابه، وفيها كلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، إلى المقربين في الأضلة، الممتحنين بالبلية، المسارعين في الطاعة، المنشئين في الكرة، تحية منا إليكم، سلام عليكم، أما بعد:

فإن نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلا به مع اتباع كلمة الله والتصديق بها، فالكلمة من الروح، والروح من النور، والنور نور السماوات والأرض، فبأيديكم سبب وصل إليكم منا نعمة من الله لا تعقلون شكرها،

خصكم بها واستخلصكم لها * (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) * إن الله عهد أن لن يحل عقده أحد سواه، فتسارعوا إلى وفاء العهد، وامكثوا في طلب الفضل، فإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الامر كما قد وقع لسبع بقين من صفر، تسير فيها الجنود، يهلك فيها البطل الجحود، خيولها عراب، وفرسانها حراب، ونحن بذلك واقفون، ولما ذكرنا منتظرون انتظار المجدب المطر لينبت العشب، ويجنى الثمر، دعاني إلى الكتاب إليكم استنقاذكم من العمى، وإرشادكم باب الهدى، فاسلكوا سبيل السلامة، فإنها جماع الكرامة، اصطفى الله منهجه، وبين حججه، وأرف أرفه، ووصفه وحده وجعله نصا كما وصفه، إن العبد إذا أدخل حفرته يأتيه ملكان أحدهما منكر

والآخر نكير، فأول ما يسألانه عن ربه، وعن نبيه، وعن وليه، فإن أجاب نجا وإن تحير عذباه.

فقال قائل: فما حال من عرف ربه، وعرف نبيه، ولم يعرف وليه؟. فقال: ذلك مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. قيل: فمن الولي يا رسول الله (ص)؟. فقال: وليكم في هذا الزمان أنا، ومن بعدي وصيي، ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله كي ما تقولوا كما قال الضلال قبلكم حيث فارقهم نبيهم: * (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) *، وإنما كان تمام ضلالتهم جهالتهم بالآيات وهم الأوصياء فأجابهم الله: * (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) * وإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة عن معرفة الأوصياء حتى يعلن إمام علمه، فالأوصياء قوام عليكم بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، لأنهم عرفاء العباد عرفهم الله إياهم عند أخذ المواثيق عليهم بالطاعة لهم، فوصفهم في كتابه فقال عز وجل: * (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) * وهم الشهداء على الناس، والنبيون شهداء لهم بأخذه لهم مواثيق العباد بالطاعة، وذلك قوله:

* (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين

كقروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا تكتمون الله حديثا) *.

وكذلك أوحى الله إلى آدم: أن يا آدم! قد انقضت مدتك، وقضيت نبوتك، واستكملت أيامك، وحضر أجلك، فخذ النبوة وميراث النبوة واسم الله الأكبر فادفعه إلى ابنك: هبة الله، فإني لم أدع الأرض بغير علم يعرف، فلم تزل الأنبياء والأوصياء يتوارثون ذلك حتى انتهى الامر إلي، وأنا أدفع ذلك إلى علي وصيي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، وإن عليا يورث ولده حيهم عن ميتهم، فمن سره أن يدخل جنة ربه فليتول عليا والأوصياء من بعده، وليسلم لفضلهم، فإنهم الهداة بعدي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، فهم عترتي من لحمي ودمي، أشكوا إلى الله عدوهم والمنكر لهم فضلهم، والقاطع عنهم صلتي، فنحن أهل البيت شجرة النبوة ومعدن الرحمة ومختلف الملائكة، وموضع الرسالة، فمثل أهل بيتي في هذه الأمة كمثل سفينة نوح (ع) من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له، فأيما راية خرجت ليست من أهل بيتي فهي الدجالية، إن الله اختار لدينه أقواما انتجبهم للقيام عليه والنصر له، طهرهم بكلمة الاسلام، وأوحى إليهم مفترض القرآن، والعمل بطاعته في مشارق الأرض ومغاربها، إن الله خصكم بالاسلام، واستخلصكم له، وذلك لأنه أمتع سلامة، وأجمع كرامة، اصطفى الله منهجه،

ووصفه ووصف أخلاقه، ووصل أطنابه من ظاهر علم وباطن حكم، ذي حلاوة ومرارة، فمن طهر باطنه رأى عجائب مناظره في موارده ومصادره، ومن فطن لما بطن رأى مكنون الفطن وعجائب الأمثال والسنن، فظاهره أنيق، وباطنه عميق، ولا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه، فيه مفاتيح الكلام، ومصابيح الظلام، لا يفتح الخيرات إلا بمفاتحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه، فيه تفصيل وتوصيل، وبيان الاسمين الأعلين اللذين جمعا فاجتمعا، لا يصلحان إلا معا، يسميان فيفترقان، ويوصلان فيجتمعان، تمامهما في تمام أحدهما، حواليها نجوم، وعلى نجومها نجوم، ليحمي حماه، ويرعى مرعاه، وفي القرآن تبيانه وبيانه وحدوده وأركانه، ومواضع مقاديره، ووزن ميزانه، ميزان العدل، وحكم الفصل، إن دعاة الدين فرقوا بين الشك واليقين، وجاؤا بالحق، بنوا للاسلام بنيانا فأسسوا له أساسا وأركانا، وجاؤا على ذلك شهودا بعلامات وأمارات، فيها كفي المكتفي، وشفاء المشتفي، يحمون حماه، ويرعون مرعاه، ويصونون مصونه، ويفجرون عيونه، بحب الله وبره وتعظيم أمره وذكره بما يحب أن يذكر به، يتواصلون بالولاية، ويتنازعون بحسن الرعاية،

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.