بحارالانوار · المجلد الثامن
باب نادر قال أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد: أخبرني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، عن فارس بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن شيبة، عن محمد ب
ج ۳۱، ص ۱۴۰–۱۹۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۱۲
باب نادر قال أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد: أخبرني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، عن فارس بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن شيبة، عن محمد بن يحيى الطوسي، عن محمد بن خالد الدمشقي، عن سعيد بن محمد بن عبد الرحمن بن خارجة الرقي، قال: قال معاوية بن فضلة كنت في الوفد الذين وجههم عمر بن الخطاب وفتحنا مدينة حلوان، وطلبنا المشركين في الشعب فلم يردوا عليهم، فحضرت الصلاة فانتهيت إلى ماء فنزلت عن فرسي وأخذت بعنانه، ثم توضأت وأذنت، فقلت: الله أكبر. الله أكبر.. فأجابني شئ من الجبل وهو يقول: كبرت تكبيرا.. ففزعت لذلك فزعا شديدا ونظرت يمينا وشمالا، فلم أر شيئا، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فأجابني وهو يقول: الان حين أخلصت. فقلت: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: نبي بعث. فقلت: حي على الصلاة. فقال: فريضة افترضت. فقلت: حي على الفلاح. فقال: قد أفلح من أجابها، فاستجاب
لها. فقلت: قد قامت الصلاة. فقال: البقاء لامة محمد (ص) وعلى رأسها تقوم الساعة، فلما فرغت من أذاني ناديت بأعلى صوتي حتى أسمعت ما بين لابتي الجبل، فقلت: إنسي أم جني؟.. قال: فأطلع رأسه من كهف الجبل، فقال: ما أنا بجني ولكني إنسي. فقلت له: من أنت يرحمك الله؟. قال: أنا وذيب بن ثملا من حواري عيسى بن مريم عليه السلام، أشهد أن صاحبكم نبي، وهو الذي بشر به عيسى بن مريم، ولقد أردت الوصول إليه فحالت فيما بيني وبينه فارس وكسرى وأصحابه، ثم أدخل رأسه في كهف الجبل فركبت دابتي ولحقت بالناس وسعد بن أبي وقاص أميرنا، فأخبرته بالخبر، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فجاء كتاب عمر يقول: ألحق الرجل، فركب سعد وركبت معه حتى انتهينا إلى الجبل، فلم نترك كهفا ولا شعبا ولا واديا إلا التمسناه فيه فلم نقدر عليه، وحضرت الصلاة فلما فرغت من صلاتي ناديت بأعلى صوتي: يا صاحب الصوت الحسن والوجه الجميل قد سمعنا منك كلاما حسنا فأخبرنا من أنت يرحمك الله؟ أقررت بالله ونبيه صلى الله عليه وآله، قال: فأطلع رأسه من كهف الجبل فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية، له هامة كأنها رحى، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قلت: وعليك السلام ورحمة الله، من أنت
يرحمك الله؟. قال: أنا رزيب بن ثملا وصي العبد الصالح عيسى بن مريم (ع) كان سأل ربه لي البقاء إلى نزوله من السماء وقراري في هذا الجبل، وأنا موصيكم سددوا وقاربوا وخصالا يظهر في أمة محمد صلى الله عليه وآله، فإن ظهرت فالهرب الهرب، ليقوم أحدكم على نار جهنم حتى تطفأ منه خير له من البقاء في ذلك الزمان. قال معاوية بن فضلة: قلت له: يرحمك الله! أخبرنا بهذه الخصال لنعرف ذهاب دنيانا وإقبال آخرتنا؟. قال: نعم، إذا استغنى رجالكم برجالكم، واستغنت نساؤكم بنسائكم، وانتسبتم إلى غير مناسبكم، وتوليتم إلى غير مواليكم، ولم يرحم كبيركم صغيركم، ولم يوقر صغيركم لكبيركم، وكثر طعامكم فلم تروه إلا بأغلى أسعاركم، وصارت خلافتكم في صبيانكم، وركن علماؤكم إلى ولاتكم، فأحلوا الحرام وحرموا الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، واتخذوا القرآن ألحانا ومزامير في أصواتهم، ومنعتم حقوق الله من أموالكم، ولعن آخر أمتكم أولها، وزوقتم المساجد، وطولتم المنابر، وحليتم المصاحف بالذهب والفضة، وركب نساؤكم السروج، وصار مستشار أموركم نساؤكم وخصيانكم، وأطاع الرجل امرأته، وعق والديه، وضرب الشاب والديه، وقطع كل ذي رحم رحمه، وبخلتم بما في أيديكم، وصارت أموالكم عند شراركم، وكنزتم الذهب والفضة، وشربتم الخمر، ولعبتم بالميسر، وضربتم
بالكبر، ومنعتم الزكاة ورأيتموها مغرما، والخيانة مغنما، وقتل البرئ لتعتاظ 1 العامة بقتله، واختسلت قلوبكم فلم يقدر أحد منكم يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وقحط المطر فصار قيظا، والولد غيظا، وأخذتم العطاء فصار في السقاط 2، وكثر أولاد الخبيثة - يعني الزنا -، وطففت المكيال، وكلب عليكم عدوكم، 3 وضربتم بالمذلة، وصرتم أشقياء، وقلت الصدقة حتى يطوف الرجل من الحول إلى الحول ما يعطى 4 عشرة دراهم، وكثر الفجور، وغارت العيون، فعندنا نادوا فلا جواب لهم، يعني دعوا فلم يستجب لهم.
قال الكراجكي رحمه الله 5: اعلم - أيدك الله 6 -: إن قوله في هذا الخبر:
ولعن آخر أمتكم أولها مما يظن الناصبي أن فيه طعنا علينا، لما نحن فيه 7 من ذم الظالمين 8 بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك ظن فاسد، لأنا إنما نلعن من ثبت عندنا ظلمه، وقد لعن الله تعالى الظالمين في كتابه، فقال: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾. وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بأن من أصحابه من يغير بعده ويبدل ويغوي ويفتن ويضل ويظلم ويستحق العقاب الأليم والخلود في الجحيم.
فمما روي عنه في ذلك قوله صلى الله عليه وآله لأصحابه: لتتبعن سنن
من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في حجر ضب لا تبعتموهم. فقالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟. قال: فمن إذن؟!.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم - وقد ذكرت عنده فتنة الدجال -: ألا وإني لفتنة بعضكم أخوف مني لفتنة الدجال.
وقوله عليه السلام لأصحابه: إنكم لمحضورون يوم القيامة حفاة عراة، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي!.
فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.
وقوله عليه السلام في حجة الوداع لأصحابه: ألا لأخبرنكم ترتدون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا أني قد شهدت وغبتم.
وقوله صلى الله عليه وآله - في مرضه الذي توفي فيه -: أقبلت افتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يكون لأصحابي بعدي ذلة يعمل بها قوم يكبهم الله عزو جل في النار على مناخرهم.
وحدثني من طريق العامة عبد الله بن عثمان بن حماس بمدينة الرملة، عن أبي الحسن أحمد بن محبوب، عن أبي العباس محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، عن كثير بن عبد أبي الحسن الحذاء، عن محمد بن حمير، عن مسلمة بن علي، عن عمر بن ذرة، عن فلانة الحرمي، عن أبي مسلم الخولاني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن عمر بن الخطاب، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بلحيتي - وأنا اعرف الحزن في وجهه -، فقال: يا عمر! إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبرئيل آنفا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت:
أجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فمم ذاك يا جبرئيل؟ لا قال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. فقلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟. قال: كل سيكون. فقلت: ومن أين ذلك وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ لا قال: بكتاب الله يضلون، وأول ذلك من قبل أمرائهم وقرائهم، يمنع الامراء الحقوق فيسأل الناس حقوقهم فلا يعطونها فيفتتنوا ويقتتلوا، ويتبعوا القراء هوى الامراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. فقلت: يا جبرئيل! فبم يسلم من يسلم منهم؟. قال :
بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه.
فهذا بعض ما ورد من الاخبار في أنه كان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من ضل وأضل، وظلم وغشم، ووجب لعنه والبراءة منه من فعله، فاما الوجه الذي يجب أن يحمل عليه ما تضمنه الخبر الذي أوردناه من قوله (ص): ولعن آخر أمتكم أولها، فهو ما استحله الظالمون المبغضون لأمير المؤمنين عليه السلام من لعنه والمجاهرة بسبه وذمه. قلت: فلسنا نشك في أنه قد برئت منه الخوارج ولعنه معاوية ومن بعده من بني أمية على المنابر، وتقرب أكثر الناس إلى والة الجور بذمه، ونشأ أولادهم على سماع البراءة منه وسبه.
NoteV31P149N25 باب تفصيل مثالب عثمان وبدعه والاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم وبعض أحواله الطعن الأول: أنه ولي أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ولا يؤتمن عليه، ومن ظهر منه الفسق والفساد، ومن لا علم له، مراعاة لحرمة القرابة، وعدولا عن مراعاة حرمة الدين والنظر للمسلمين، حتى ظهر ذلك منه وتكرر، وقد كان عمر حذره من ذلك حيث وصفه بأنه كلف بأقاربه، وقال له: إذا وليت هذا الامر فلا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس فوقع منه ما حذره إياه، وعوتب عليه فلم ينفع العتب، وذلك نحو استعماله الوليد بن عقبة وتقليده إياه حتى ظهر منه شرب الخمر، واستعماله سعيد بن العاص حتى ظهرت منه الأمور التي عندها أخرجه
أهل الكوفة، وتوليه عبد الله بن أبي سرح وعبد الله بن عامر بن كريز، حتى روي عنه في أمر ابن أبي صح إنه لما تظلم منه أهل مصر وصرفه عنهم بمحمد ابن أبي بكر كاتبه بأن يستمر على ولاية وأبطن خلاف ما أظهر، وهذا طريقة من غرضه خلاف الدين. وروي أنه كاتبه بقتل محمد بن أبي بكر وغيره ممن يرد عليه، وظفر بذلك الكتاب، ولذلك عظم التظلم من بعد وكثر الجمع، وكان ذلك سبب الحصار والقتل، وحتى كان من أمر مروان وتسلطه عليه وعلى أموره ما قتل بسببه.
ولا يمكن أن يقال: إنه لم يكن عالما بأحوال هؤلاء الفسقة، فإن الوليد كان في جميع أحواله من المجاهرين بالفجور وشرب الخمور، وكيف يخفى على عثمان، وهو قريبه ولصيقه وأخوه لامه؟!، ولذا قال سعد بن أبي وقاص - في رواية الواقدي - وقد دخل الكوفة: يا أبا وهب (8)! أمير أم زائر؟. قال: بل أمير.
فقال سعد: ما أدري أحمقت بعدك أم كست بعدي؟!. فقال: ما حمقت بعدي ولا كست بعدك، ولكن القوم ملكوا فاستأثروا. فقال سعد: ما أراك إلا صادقا.
وفي رواية أبي مخنف لوط بن يحيى: ان الوليد لما دخل الكوفة مر على مسجد عمرو بن زرارة النخعي فوقف، فقال عمرو: يا معشر بني أسد! بئس ما استقبلنا به أخوكم ابن عفان، أمن عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين السهل القريب ويبعث علينا بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر قديما وحديثا؟! واستعظم الناس مقدمه، وعزل سعد به، وقالوا: أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد صلى الله عليه وآله.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الوليد: أمه أروى بنت كريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أم عثمان بن عفان، والوليد بن عقبة أخو عثمان لامه يكنى: أبا وهب، أسلم يوم فتح مكة، وولاه عثمان بالكوفة وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد: والله ما أدري
أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟!. فقال: لا تجزعن أبا إسحاق، فإنما هو الملك يتغدا قوم يتعشاه آخرون. فقال سعد: أراكم والله ستجعلونها ملكا.
قال: وروى جعفر بن سلميان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: لما قدم الوليد بن عقبة أميرا على الكوفة أتاه ابن مسعود فقال: ما جاء بك؟. قال: جئت أميرا. فقال ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟! لا وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله غفر الله لنا وله، فلقد كان من رجال قريش ظرفا وحلما وشجاعة وأدبا، وكان من الشعراء المطبوعين، كان الأصمعي وأبو عبيدة وابن الكلبي وغيرهم يقولون:
كان الوليد بن عقبة فاسقا شريب خمر، وكان شاعرا كريما أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي كثيرة مشهورة يسمج بنا ذكرها هاهنا، ونذكر منها طرفا..
ذكر عمر بن شيبة 1 بإسناده عن ابن شوذب، قال: صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات، ثم التفت إليهم، فقال:
أزيدكم؟!. فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم.
قال: وحدثنا محمد بن حميد، عن 2 جرير، عن الأجلح، عن الشعبي - في حديث الوليد بن عقبة حين شهدوا عليه -، فقال الحطيئة 3:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * إن الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت 4 صلاتهم * أأزيدكم سكرا وما يدري؟
فأبوا أبا وهب ولو أذنوا 5 * لقرنت بين الشفع والوتر وذكر أبياتا أخر في ذلك عنه، ثم قال 6: وخبر صلاته بهم 7 سكران. وقوله لهم: أزيدكم؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الاخبار.
ثم قال 8: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن - فيما علمت - أن قوله تعالى ﴿٩): إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه [وآله] إلى بني المصطلق مصدقا فأخبر عنهم أنهم
ارتدوا وأبوا من أداء الصدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه فهابهم 1 ولم يعرف ما عندهم، فانصرف عنهم وأخبر بما ذكرنا، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه [وآله] خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت فيهم، فأخبروه أنهم متمسكون بالاسلام ونزلت... الآية. وروى عن مجاهد وقتادة مثل ما ذكرنا.
وعن 2 ابن أبي ليلي في قوله 3 تعالى 4: ﴿إن جائكم فاسق بنبأ..﴾ 5.
قال: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
ومن حديث الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام والوليد بن عقبة 6: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون﴾. انتهى كلام ابن عبد البر.
وقال المسعودي في مروج الذهب: كان عماله على أعماله جماعة منهم الوليد بن عقبة على الكوفة، وهو ممن أخبر النبي صلى الله عليه [وآله] إنه من
أهل النار، وعبد الله بن أبي سرح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد الله بن عامر البصرة، وصرف عن الكوفة الوليد وولاها سعيد بن العاص.
وكان السبب في صرف الوليد - على ما روي - أنه كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما أذن المؤذن للصلاة خرج متفضلا في غلائله، فتقدم على المحراب في صلاة الصبح فصلى بهم أربعا، و قال: أتريدون أن أزيدكم؟!. وقيل: إنه قال في سجوده - وقد أطال - الشراب فأسقني، فقال له بعض من كان خلفه: ما تزيد (10)؟ لا زادك الله بخير، والله ما أعجب إلا ممن بعثك إلينا واليا، وعلينا أميرا، وكان هذه القائل عتاب بن غيلان الثقفي.
وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصا المدينة، وشاع بالكوفة فعله وظهر فسقه ومداومته شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو
زينب بن عوف الأزدي وأبو جندب بن زهير الأزدي وغيرهما فوجدوه سكرانا مضطجعا على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ، ثم تقيأ عليهم ما شرب من الخمر فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان فشهدوا عنده أن الوليد أنه يشرب الخمر، فقال عثمان: وما يدريكم أن ما شرب خمر (8)؟. فقالوا: هو الخمرة التي كنا نشرب في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه فزبرهما ودفع في صدورهما، وقال: تنحيا عني!. فخرجا وأتيا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود وأبطلت الحدود؟!. فقال له عثمان: فما ترى؟. قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك، فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدل بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما فأقاما الشهادة عليه ولم يدل بحجة، فألقى عثمان السوط إلى علي عليه السلام، فقال
علي لابنه الحسن عليهما السلام: قم يا بني! فأقم عليه ما أوجب الله عليه.
فقال: يكفينيه بعض من ترى، فلما نظر علي عليه السلام إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه توقيا لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكث (4)!. فقال عقيل بن أبي طالب - وكان فيمن حضر -: إنك لتتكلم يا بن أبي معيط كأنك لا تدري من أنت؟ وأنت علج من أهل صفورية.. كان ذكر أن أباه يهودي منها، فأقبل الوليد يروغ من علي عليه السلام فاجتذبه وضرب به الأرض وعلاه بالسوط، فقال له عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا؟. قال: بلى وشر من هذا، إذا فسق ومنع حق الله أن يؤخذ منه، فولى سعيد بن العاص، فلما
دخل سعيد الكوفة أبى أن يصعد المنبر إلا أن يغسل وأمر بغسله، وقال: إن الوليد كان نجسا رجيما، فلما اتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور أنكرت عليه وابتز الأموال، وقال في بعض الأيام أو أنه كتب إلى عثمان: إنما هذه السواد قطين لقريش. فقال له الأشتر: أتجعل ما أفاء الله علينا بسيوفنا ومراكز رماحنا بنيانا لك ولقومك؟، ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكبا فذكر سوء سيرة سعيد وسألوه عزله، ومكث الأشتر وأصحابه أياما لا يخرج إليهم من عثمان في سعيد شئ، واتصلت أيامهم بالمدينة.. إلى آخر القصة.
وروى ابن الأثير في الكامل قصة شرب الوليد، وقال: الصحيح إن الذي جلده هو عبد الله بن جعفر.
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج روايات عديدة في قصة الوليد
وشربه الخمر ونزول الآية فيه.. وغير ذلك حكاها عن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
ومنها: ما رواه أبو الفرج بإسناده، عن علي على السلام: أن امرأة الوليد ابن عقبة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله تشتكي إليه الوليد، وقالت: إنه يضربها، فقال لها: ارجعي إليه وقولي له: إن رسول الله... مد يده وقال:
اللهم عليك بالوليد.. مرتين أو ثلاثا.
وعن أبي عبيدة وهشام بن الكلبي والأصمعي أن الوليد تقيأ في المحراب لما شرب الخمر بالكوفة، وصلى الصبح أربعا، وقرأ بالمأمومين رافعا صوته:
علق القلب الربابا * بعدما شابت وشابا فشخص بعض أهل الكوفة إلى عثمان.. إلى آخر القصة.
وعن ابن الاعرابي: أن أبا زبيد - وهو أحد ندماء الوليد - وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة، فأنزله الوليد دار عقيل بن أبي ي الب عند باب المسجد واستوهبها منه فوهبها له، وكان ذلك أولا الطعن عليه من أهل الكوفة، لان أبا زبيد كان يخرج من داره حتى يشق المسجد إلى الوليد، فيسمر عنده ويشرب معه فيخرج ويشق المسجد وهو سكران.
وروى في كتاب الاستيعاب بإسناده، عن أبي عثمان، قال: رأيت الذي يلعب بين يدي الوليد بن عقبة فيري أنه يقطع رأس رجل ثم يعيده، فقام إليه جندب بن كعب فضرب وسطه بالسيف، وقال: قولوا له فليحيي نفسه الان.
قال: فحبس الوليد جندبا وكتب إلى عثمان، فكتب عثمان أن خل سبيله، فتركه.
وبإسناده عن إبراهيم، قال: كان ساحر يلعب بين يدي الوليد يريهم أنه يدخل في فم الحمار ويخرج من ذنبه أو من دبره، ويدخل في أست الحمار ويخرج من فيه، ويريهم أنه يضرب رأس نفسه فيرمي به ثم يشتد فيأخذه ثم يعيده مكانه، فانطلق جندب إلى الصيقل وسيفه عنده، فقال: وجب أجرك فهاته. قال: فأخذه واشتمل عليه، ثم جاء إلى الساحر مع أصحابه - وهو في بعض ما كان يصنع - فضرب عنقه فتفرق أصحاب الوليد ودخل هو البيت، وأخر جندب وأصحابه فسجنوا، فقال لصاحب السجن: قد عرفت السبب الذي سجنا فيه، فخل سبيل أحدنا حتى يأتي عثمان، فخلى سبيل أحدهم، فبلغ ذلك الوليد فأخذ صاحب السجن فصلبه، قال: وجاء كتاب عثمان: أن خل سبيلهم ولا تعرض لهم، ووافى كتاب عثمان قبل قتل المصلوب فخلى سبيله.
وقال المسعودي: ضرب عنق السجان وصلبه بالكناسة.
وقال ابن عبد البر في ترجمة سعيد بن العاص: كان سعيد هذا أحد أشراف قريش استعمله عثمان على الكوفة ثم عزله، وولي الوليد بن عقبة فمكث مدة ثم شكاه أهل الكوفة فعزله ورد سعيد أهل الكوفة وكتبوا إلى عثمان: لا
حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك، وكان في سعيد تجبر وغلظة وشدة سلطان.
وروى ابن أبي الحديد، عن الواقدي والمدائني وابن الكلبي وغيرهم، قال: وذكره الطبري في تاريخه، وغيره من المؤرخين: أن عليا عليه السلام لما رد المصريين رجعوا بعد ثلاثة أيام فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص، وقالوا:
وجدنا غلام عثمان بالموضع المعروف: بالبويب على بعير من إبل الصدقة، ففتشنا متاعه - لأنا استربنا بأمره - فوجدنا فيه هذه الصحيفة - ومضمونها - أمر عبد الله ابن سعد بن أبي سرح بجلد عبد الرحمن بن عديس وعمرو بن الحمق، وحلق رؤوسهما ولحاهما وحبسهما، وصلب قوم آخرين من أهل مصر.
وقيل: إن الذي أخذت منه الصحيفة أبو الأعور السلمي... وجاء الناس إلى علي عليه السلام وسألوا أن يدخل إلى عثمان فيسأله عن هذه الحال، فقام جاء إليه فسأله، فأقسم بالله ما كتبت ولا أمرت، فقال محمد بن مسلمة:
صدق، هذا من عمل مروان. فقال: لا أدري، وكان أهل مصر حضورا، فقالوا: أفيجري عليك ويبعث غلامك على جمل من إبل الصدقة، وينقش على خاتمك، ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا تدري؟!. قال: نعم.
قالوا: إنك إما صادق أو كاذب، فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا وعقوبتنا بغير حق، وإن كنت صادقا فقد استحققت الخلع لضعفك عن هذا الامر وغفلتك، وخبث بطانتك، ولا ينبغي لنا أن نترك هذا الامر بيد من يقطع الأمور دونه لضعفه وغفلته، فاخلع نفسك منه.. إلى آخر الخبر.
الطعن الثاني:
أنه لو لم يقدم عثمان على أحداث يوجب خلعه والبراءة منه لوجب على الصحابة أن ينكروا على من قصده من البلاد متظلما، وقد عملنا أن بالمدينة قد كان كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ولم ينكروا على القوم بل أسلموه ولم يدفعوا عنه، بل أعانوا قاتليه ولم يمنعوا من قتله،
وحضروه منعوا الماء عنه تركوه بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن، مع أنهم متمكنون من خلاف ذلك، وذلك من أقوى الدلائل على ما ذكر، ولو لم يكن في أمره إلا ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
الله قتله وأنا معه. وإنه كان في أصحابه من يصرح بأنه قتل عثمان ومع ذلك لا يقيدهم ولا ينكر عليهم، وكان أهل الشام يصرحون بأن مع أمير المؤمنين قتلة عثمان، ويجعلون ذلك من أوكد الشبه ولا ينكر ذلك عليهم، مع أنا نعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام لو أراد منعهم من قتله والدفع عنه مع غيره لما قتل، فصار كفه عن ذلك مع غيره من أدل الدلائل على أنهم صدقوا عليه ما نسب إليه من الاحداث، وأنهم لم يقبلوا ما جعله عذرا، ولا يشك من نظر في أخبار الجانبين في أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن كارها لما وقع في أمر عثمان.
فقد روى السيد رضي الله عنه في الشافي، عن الواقدي، عن الحكم بن الصلت، عن محمد بن عمار ياسر، عن أبيه، قال: رأيت عليا عليه السلام على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله حين قتل عثمان وهو يقول: ما أحببت قتله ولا كرهته، ولا أمرت به ولا نهيت عنه.
وقد روى محمد بن سعد، عن عفان، عن حرير بن بشير، عن أبي جلدة، أنه سمع عليا عليه السلام يقول - وهو يخطب فذكر عثمان: وقال -: والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته ولا مالات على قتله، ولا ساءني.
ورواه أبو بشير، عن عبيدة السلماني، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: من كان سائلي عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه.
وقد روي هذا اللفظ من طرق كثيرة، وقد رواه شعبة، عن أبي حمزة الضبعي، قال: قلت لابن عباس: إن أبي أخبرني أنه سمع عليا عليه السلام يقول: ألا من كان سائلي عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه. قال: صدق أبوك، هل تدري ما يعني بقوله؟ إنما عني أن الله قتله وأنا عني أن الله قتله وأنا مع الله.
قال السيد رحمه الله: فإن قيل: كيف يصح الجمع بين معاني هذه الأخبار ؟.
قلنا: لا تنافي بين الجميع، لأنه تبرأ من مباشرة قتله والمؤازرة عليه، ثم قال: ما أمرت بذلك ولا نهيت عنه.. يريد أن قاتليه لم يرجعوا إلي ولم يكن مني قول في ذلك بأمر ولا نهي، فأما قوله: الله قتله وأنا معه، فيجوز أن يكون المراد الله حكم بقتله وأوجبه وأنا كذلك، لان من المعلوم أن الله لم يقتله على الحقيقة، فإضافة القتل إلى الله لا يكون إلا بمعنى الحكم والرضا، وليس يمتنع أن يكون مما حكم الله به ما لم يتوله بنفسه، ولا أزر عليه، ولا شايع فيه.
فإن قال: هذا ينافي قوله عليه السلام: ما أحببت قتله ولا كرهته..
وكيف يكون من حكم الله و حكمه أن يقتل وهو لا يحب قتله؟.
قلنا: يجوز أن يريد بقوله ما أحببت قتله ولا كرهته.. إن ذلك لم يكن مني على سبيل التفصيل ولا خطر لي ببال، وإن كان على سبيل الجملة يحب قتل من غلب على أمور المسلمين، وطالبوه بأن يعتزل، لأنه بغير بحق مستول عليهم فامتنع من ذلك، ويكون فائدة هذا الكلام التبرؤ من مباشرة قتله والامر به على سبيل التفصيل أو النهي، ويجوز أن يريد: إنني ما أحببت قتله إن كانوا تعمدوا القتل ولم يقع على سبيل الممانعة وهو غير مقصود، ويريد بقوله: ما كرهته.. إني لم أكرهه على كل حال ومن كل وجه. انتهى.
وأقول: يمكن أن يكون المعنى: إني ما أحببت قتله لتضمنه الفتن العظيمة التي نشأت بعد قتله من ارتداد آلاف من المسلمين وقتلهم وعدم استقرار الخلافة عليه صلوات الله عليه، ولا كرهته لأنه كان كافرا مستحقا للقتل، فلا تنافي بين الامرين.
وأما تركه غير مدفون ثلاثة أيام:
فقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب، قال: لما قتل عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام، فلما كان في الليل أتاه اثنا عشر رجلا فيهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير ومحمد بن حاطب ومروان بن الحكم فلما ساروا إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن: والله لئن دفنتموه
هاهنا لنخبرن الناس غدا، فاحتملوه - وكان على باب وأن رأسه على الباب ليقول طق طق - حتى ساروا به إلى حش كوكب فاحتفروا له، وكانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق، فما أخرجوه ليدفنوه صاحت، فقال لها ابن الزبير:
والله لئن لم تسكني لأضربن الذي فيه عيناك. قال: فسكتت، فدفن.
وروى ابن أبي الحديد، عن محمد بن جرير الطبري، قال: بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن، ثم إن حكيم بن حزام وجبير بن مطعم كلما عليا عليه السلام في أن يأذن في دفنه ففعل، فلما سمع الناس بذلك قعد له قوم في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله، ومعهم الحسن بن علي (ع) وابن الزبير وأبو جهم بن حذيفة بين الغرب والعشاء، فأتوا به حائطا من حيطان المدينة، يعرف ب: حش كوكب، وهو خارج البقيع، فصلوا عليه، وجاء ناس من الابصار ليمنعوا من الصلاة عليه، فأرسل علي عليه السلام فمنع من رجم سريره، وكف الذين راموا منع الصلاة عليه، ودفن في حش كوكب، فلما ظهر معاوية على الامرة أمر بذلك الحائط فهدم وأدخل في البقيع، وأمر الناس فدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل بمقابر المسلمين بالبقيع.
وقيل: إن عثمان لم يغسل، وإنه كفن في ثيابه التي قتل فيها.
وقد روى ذلك ابن الأثير في الكامل والأعثم الكوفي في الفتوح مطابقا لما حكاه ابن أبي الحديد، وزاد الأعثم: أنهم دفنوه بعد ما ذهب الكلاب بإحدى رجليه، وقال: صلى عليه حكيم بن حزام أو جبير بن مطعم.
ولا يخفى على ذي مسكة من العقل دلالته على أن أمير المؤمنين عليه السلام كان راضيا بكونه مطروحا ثلاثة أيام على المزبلة، بل على أنه لم يأذن في دفنه إلا بعد الأيام الثلاثة، فلو كان أمير المؤمنين عليه السلام معتقدا لصحة إمامته، بل لو كان يراه كأحد من المسلمين ومن عرض الناس لما رضي بذلك بل كان يعجل في تجهيزه ودفنه، ويأمر بدفنه في مقابر المسلمين حتى لا يلتجئ المجهزون له إلى دفنه في حش كوكب.
والحش هو المخرج، وكان ذلك الموضع بستانا كان الناس يقضون الحوائج فيه كما هو دأبهم في قضاء الحاجة في البساتين، وكوكب اسم رجل من الأنصار، كما ذكره في الاستيعاب.
والامام الذي رضي له أمير المؤمنين عليه السلام بمثل تلك الحال فحاله غير خفي على أولي الألباب، ولا ريب في أنه لو لم يكن عليه السلام راضيا بقتله لجاهد قاتليه، فإنه ليس في المنكرات أشنع وأقبح من قتل إمام فرض الله طاعته على
العالمين و حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن من مات ولم يعرفه كان ميتته ميتة جاهلية، وقد صرح عليه السلام في كثير من كلماته بأنه لم ينه عن قتله ولم ينصره، وإنه كان في عزلة عن أمره كما سيأتي، وهل يريب اللبيب في أنه عليه السلام لو كان نصره أو أنكر قتله لبالغ في إظهار ذلك للناس وفي مكاتباته إلى معاوية، فإنه لم يكن لمعانديه عليه السلام شبهة أقوى من اتهامه بقتل عثمان، وإنما كان عليه السلام يقتصر على التبري من قتله لأنه لم يكن من المباشرين، وذلك مما لا يرتاب فيه من له معرفة بالسير والآثار، وحينئذ فالكف عن نصرة عثمان والذب عنه إما مطعن لا مخلص عنه فيمن يدور الحق معه حيثما داروا في أعيان الصحابة الكبار حيث لم يدفعوا شرذمة قليلة عن إمامتهم في دار عزهم حتى قتلوه أهون قتلة، وطرحوه في المزابل، ولم يتمكن رهطه وعشيرته من دفنه في مقابر المسلمين، أو هو قدح في ذلك الامام حيث اختلس الخلافة وغصبها من أهلها، ولم يخلع نفسه منها.
فلينظر الناصرون له في أمرهم بعين الانصاف، وليتحرزوا عن اللجاج والاعتساف!.
الطعن الثالث:
إنه رد الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد امتنع أبو بكر من رده، فصار بذلك مخالفا للسنة ولسيرة من تقدمه، وقد شرط عليه في عقد البيعة اتباع سيرتهما.
قال السيد رضي الله عنه في الشافي: روى الواقدي من طرق مختلفة وغيره، أن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح أخرجه النبي صلى الله عليه وآله إلى الطائف، وقال: لا يساكنني في بلد أبدا، فجاءه عثمان فكلمه فأبى، ثم كان من أبي بكر مثل ذلك، ثم كان من عمر مثل ذلك، فلما قام عثمان أدخله ووصله وأكرمه، فمشى في ذلك علي عليه السلام والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر حتى دخلوا على عثمان، فقالوا له:
إنك قد أدخلت هؤلاء القوم - يعنون الحكم ومن معه - وقد كان النبي صلى الله عليه وآله أخرجهم وأبو بكر وعمر، وإنا نذكرك الله والاسلام ومعادك، فإن لك معادا ومنقلبا، وقد أبت ذلك الولاة قبلك ولم يطمع أحد أن يكلمهم فيهم، وهذا شئ نخاف الله عليك فيه. فقال عثمان: إن قرابتهم مني حيث تعلمون، وقد كان رسول الله حيث كلمته أطمعني في أن يأذن لهم، وإنما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم، ولن يضركم مكانهم شيئا، وفي الناس من هو شر منهم.
فقال علي عليه السلام: لا أجد شرا منه ولا منهم، ثم قال علي عليه السلام: هل تعلم عمر يقول: والله ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس،
و والله إن فعل ليقتلنه؟!. قال: فقال عثمان: ما كان أحد منكم يكون بينه وبينه من القرابة ما بيني وبينه وينال من القدرة ما أنال إلا أدخله، وفي الناس من هو شر منه. قال: فغضب علي عليه السلام، وقال: والله لتأتينا بشر من هذا إن سلمت، وستري - يا عثمان - غب ما تفعل، ثم خرجوا من عنده.
وما ادعاه بعض المتعصبين من أن عثمان اعتذر بأنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك.. فليس في الكتب منه عين ولا أثر، وهذا الخبر ليس فيه إلا أن الرسول أطعمه في رده، ثم صرح بأن رعاية القرابة هي الموجبة لرده ومخالفته رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقال السيد: وقد روي من طرق مختلفة أن عثمان لما كلم أبا بكر وعمر في رد الحكم أغلظا له وزبراه، وقال له عمر: يخرجه رسول الله صلى الله عليه وآله وتأمرني أن أدخله؟! والله لو أدخلته لم آمن يقول قائل غير عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لئن أشق باثنتين كما تشق الأبلمة أحب إلي من أن أخالف
رسول الله صلى الله عليه وآله أمرا، وإياك - يا بن عفان - أن تعاودني فيه بعد اليوم وما رأينا عثمان قال في جواب هذا التعنيف والتوبيخ من أبي بكر وعمر، إن عندي عهدا من الرسول صلى الله عليه وآله لا أستحق معه عتابا ولا تهجينا، وكيف تطيب نفس مسلم موقر لرسول الله صلى الله عليه وآله معظم له بأن يأتي إلى عدو لرسول الله صلى الله عليه وآله يصرح بعداوته والوقيعة فيه حتى يبلغ به الامر إلى أن كان يحكي مشية رسول الله (ص) فطرده وأبعده ولعنه حتى صار مشهورا بأنه طريد رسول الله (ص)، فيكرمه ويرده إلى حيث أخرج منه، ويصله بالمال العظيم إما من مال المسلمين أو من ماله، إن هذا لعظيم كبير؟!.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.. عم عثمان وأبو مروان بن الحكم، كان مسلمة الفتح، وأخرجه رسول الله صلى الله عليه [وآله] من المدينة وطرده عنها فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان، وقيل: إن مروان ولد بالطائف فمل يزل الحكم بالطائف إلى أن ولي عثمان فرده إلى المدينة وبقي فيها، وتوفي في آخر خلافة عثمان.
واختلف في السبب الموجب لنفي الرسول صلى الله عليه [وآله] إياه،
فقيل: كان يتحيل ويختفي ويتسمع ما يسره رسول الله صلى الله عليه [وآله] إلى كبائر أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار وفي المنافقين، فكان يغشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه، وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته..
إلى أمور غيرها كرهت ذكرها، ذكروا ان النبي صلى الله عليه [وآله] كان إذا يمشي يتكفأ وكان الحكم يحكيه، فالتفت النبي صلى الله عليه [وآله] يوما فرآه يفعل ذلك، فقال صلى الله عليه [وآله]: فكذلك فلتكن، فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ.. ثم روى أخبارا في لعنه.
وأما التمسك بالاجتهاد في هذا الباب فهو أوهن وأهجن لان الرسول صلى الله عليه وآله إذا حظر شيئا أو أباحه لم يكن لاحد أن يجتهد في خلافه، ولو سوغنا الاجتهاد في مقابل النص لم نأمن أن يؤذي الاجتهاد إلى تحليل الخمر وإسقاط الصلاة، وإنما يجوز الاجتهاد عندهم فيما لا نص فيه فيه كما ذكره السيد رحمه الله.
وقد ورد في أخبارنا إيواء عثمان المغيرة بن أبي العاص، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وآله عن ذلك ولعن من يحمله ومن يطعمه ومن يسقيه وأهدر دمه..
وفعل جميع ذلك، وقتل رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وزنا بجاريتها، وقد مرت في باب أحوالها عليها السلام.
الطعن الرابع:
ما صنع بأبي ذر رضي الله عنه الإهانة والضرب والاستخفاف التسيير مع علو شأنه الذي لا يخفى على أحد.
فقد روى السيد رحمه الله في الشافي وابن أبي الحديد في شرح النهج - واللفظ للسيد -: إن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث ابن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يقول: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويتلو قول الله عز وجل: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم
بعذاب أليم)، فرفع ذلك مروان إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر نائلا مولاه:
أن انته عما يبلغني عنك، فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله، فوالله لان أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أرضي عثمان بسخط الله! فأغضب عثمان ذلك، فأحفظه وتصابر، وقال عثمان يوما:
أيجوز للامام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضاه؟!. فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين، أتعلمنا ديننا؟!. فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، إلحق بالشام، فأخرجه إليها، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردها عليه.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر: يا معاوية! إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهو الاسراف، وكان أبو ذر رحمه الله تعالى يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه (ص)، والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا مكذبا،
وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه. وقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كانت لكم فيه حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد، فاحمل جنيدبا إلي على أغلظ مركب وأوعره، فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد، فلما تقدم أبو ذر المدينة، بعث إليه عثمان أن الحق بأي أرض شئت، فقال: بمكة؟. قال: لا. قال: فبيت المقدس؟. قال: لا. قال: فبأحد المصرين (10)؟. قال: لا، ولكني إلى الربذة.. فسيره إليها، فلم يزل بها حتى مات.
وفي رواية الواقدي: أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له: لا أنعم الله بك عينا يا جندب. فقال أبو ذر: أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عبد الله، فاخترت اسم رسول الله الذي سماني رسول الله به على اسمي. فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول إن يد الله مغلولة، وان الله
فقير ونحن أغنياء؟!. فقال أبو ذر: لو كنتم لا تزعمون، لأنفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دخلا، ثم يريح الله العباد منهم فقال عثمان لمن حضره: أسمعتموها من نبي الله (ص)؟!. فقالوا: ما سمعناه، فقال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله؟!. فقال أبو ذر لمن حضره: أما تظنون أني صدقت؟!. فقالوا: لا، والله ما ندري. فقال عثمان: ادعوا لي عليا، فدعي، فلما جاء قال عثمان لأبي ذر:
أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص، فحدثه، فقال عثمان لعلي عليه السلام: هل سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟. فقال عليه السلام: لا، وصدق أبو ذر، فقال: كيف عرفت صدقه؟. فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فقال من حضر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعا: لقد صدق أبو ذر، فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم تتهموني؟! ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم!.
وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده، عن صهبان مولى الأسلميين، قال:
رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت.. وفعلت؟!.
فقال له أبو ذر: قد نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني. فقال عثمان: كذبت، ولكنك تريد الفتنة وتحبها، قد قلبت الشام علينا. فقال له أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك، لا يكون لاحد عليك كلام. فقال له عثمان: ما لك ولذلك لا أم لك!. فقال أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب!، إما أن أضربه أو أحسبه أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من الأرض، فتكلم علي عليه السلام - وكان حاضرا -، فقال: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: (وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)، فأجابه عثمان بجواب غليظ لم أحب أن أذكره، وأجابه علي عليه السلام بمثله.
ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه، فمكث كذلك أياما، ثم أمر أن يؤتى به، فلما أتي به و وقف بين يديه، قال: ويحك يا عثمان!
أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيت أبا بكر وعمر!، هل رأيت هذا هديهم، إنك لتبطش في بطش جبار!. فقال: اخرج عنا من بلادنا. فقال أبو ذر: فما أبغض إلي جوارك! فإلى أين أخرج؟. قال: حيث شئت. قال:
فأخرج إلى الشام أرض الجهاد. فقال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها؟!. قال: إذن أخرج إلى العراق.. قال: لا. قال: ولم؟. قال:
تقدم على قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة. قال: فأخرج إلى مصر؟. قال:
لا. قال: فإلى أين أخرج؟. قال: حيث شئت. فقال أبو ذر: هو إذن التعرب بعد الهجرة، أخرج إلى نجد؟. فقال عثمان: الشرف الشرف الابعد أقصى فأقصى. فقال أبو ذر: قد أبيت ذلك علي. قال: امض على وجهك هذا، ولا تعدون الربذة. فخرج إليها.
أقول: الجواب الغليظ الذي لم يحب ذكره هو قوله لعنه الله: بفيك التراب، وقوله عليه السلام: بل بفيك التراب، كما رواه في تقريب المعارف.
ثم قال: وروى الواقدي، عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة، فقلت له: ألا تخبرني! خرجت من المدينة طائعا أو أخرجت؟. قال: أما إني كنت في ثغر من الثغور أغني عنهم، فأخرجت إلى مدينة الرسول، فقلت: دار هجرتي وأصحابي، فأخرجت منها إلى ما ترى، ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مربي رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، فقال: فضربني برجليه، فقال: لا أراك نائما في المسجد. فقلت: بأبي أنت وأمي! غلبتني عيني فنمت فيه. فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟.
فقلت: إذن ألحق بالشام، فإنها أرض مقدسة، وأرض تقية الاسلام، وأرض الجهاد. فقال: كيف بك إذا أخرجوك منها؟. قال: فقلت له: أرجع إلى المسجد. قال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟. قلت: آخذ سيفي فأضرب به.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا أدلك على خير من ذلك، استق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي.
وكان يقول بالربذة: ما ترك الحق صديقا.
وكان يقول فيها: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.
ثم قال السيد رضي الله عنه: والاخبار في هذا الباب أكثر من أن نحصرها وأوسع من أن نذكرها.
أقول: وروى المسعودي في مروج الذهب أبسط من ذلك.. إلى أن قال: لما رد عثمان أبا ذر رضي الله عنه إلى المدينة على بعير عليه قتب يابس، معه
خمسمائة من الصقالبة يطردون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك؟. فقال: هيهات! لن أموت حتى أنفى.. وذكر ما ينزل به من هؤلاء فيه.. وساق الحديث إلى قوله: فقال له عثمان: وار وجهك عني. قال: أسير إلى مكة: قال: لا والله. قال: فإلى الشام؟. قال: لا والله. قال: فإلى البصرة؟. قال: لا والله. فاختر غير هذه البلدان. قال: لا والله لا أختار غير ما ذكرت لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد. قال: إني مسيرك إلى الربذة. قال: الله أكبر! صدق رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قد أخبرني بكل ما أنا لاق. قال: وما قال لك؟. قال: أخبرني أني أمنع من مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولى دفني نفر يردون من العراق إلى نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل فحمل عليه امرأته، وقيل: ابنته، وأمر عثمان أن يتجافاه الناس
حتى يسير إلى الربذة ، ولما طلع عن المدينة - ومروان يسيره عنها - طلع عليه علي ابن أبي طالب عليه السلام ومعه ابناه عليهما السلام وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان وقال: يا علي! إن أمير المؤمنين ينهى الناس أن يمنحوا أبا ذر أو يسقوه، فإن كنت لم تعلم بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه بالسوط، فضرب بين أذني ناقة مروان وقال: تنح! نحاك الله إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف، فلما أراد علي (ع) الانصراف بكى أبو ذر وقال: رحمكم الله أهل البيت إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي عليه السلام، فقال عثمان: يا معشر المسلمين! من يعدوني من علي؟ رد رسولي عما وجهته له، وفعل وفعل، والله لنعطيه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس وقالوا: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر!. فقال علي (ع):
غضب الخيل على اللجم، فلما كان بالعشي و وجاء عثمان قال: ما حملك على
ما صنعت بمروان؟ ولم اجترأت علي ورددت رسولي وأمري؟. فقال: أما مروان فاستقبلني بردي فرددته عن ردي، وأما أمرك لم أرده. فقال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس عن أبي ذر وشيعه (4)؟. فقال علي (ع): أو كلما أمرتنا به من شئ نرى طاعة الله والحق في خلافه اتبعنا فيه أمرك، لعمر الله ما نفعل.
فقال عثمان: أقد مروان. قال: ومم أقيده؟. قال: ضربت بين أذني راحلته وشتمته فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك!!. قال علي (ع): أما راحلتي فهي تلك، فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فعل، وأما أنا فوالله لئن شتمني لأشتمنك بمثله لا كذب فيه ولا أقول ألا حقا. قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته، فوالله ما أنت بأفضل عندي منه!، فغضب علي عليه السلام وقال: لي تقول هذا القول؟! أمروان يعدل بي؟!!! فلا والله أنا أفضل منك وأبي أفضل من أبيك، وأمي أفضل من أمك، وهذه نبلي قد نثلتها فأنثل نبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه وقام فدخل، وانصرف علي عليه السلام فاجتمع إليه أهل بيته ورجال المهاجرين والأنصار، فلما كان من الغد واجتمع الناس شكا إليهم في مروج الذهب: قال - من دون فاء -.
في المصدر: يردني.
في مروج الذهب: فلم أرده قال..
في المصدر: وعن تشييعه.
في مروج الذهب: بالله لا نفعل، قال..
في المصدر: فليفعل.
في مروج الذهب: أنت مثلها بما لا أكذب، بدال من: بمثله لا كذب.
في المصدر: فغضب علي بن أبي طالب وقال: إلى.
في مروج الذهب: وبمروان تعدلني!! فأنا والله أفضل..
في المصدر: وهلم فانتثل بنبلك. قال في القاموس 4 / 54: نثل الكنانة: استخرج نبلها نتثرها.
ونحوه في الصحاح 5 / 1825.
جاءت في المصدر: فقام ودخل داره.
زيادة: إلى عثمان، جاءت في مروج الذهب. (*)
عليا (ع) وقال: إنه يغشني ويظاهر من يغشني - يريد بذلك أبا ذر وعمارا أو غيرهما -، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا. وقال علي (ع): والله ما أردت بتشييعي أبا ذر إلا الله تعالى. انتهى.
وقد مر في باب أحوال أبي ذر تلك القصة وفضائله ومناقبه من طرق أهل البيت عليهم السلام.
وروى ابن الأثير في جامع الأصول برواية الترمذي، عن أنس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر، أشبه عيسى في ورعه. قال عمر: أفنعرف ذلك له يا رسول الله؟!. قال: نعم، فاعرفوا له.
وعن بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يجبهم. قيل: يا رسول الله! سمهم لنا؟. قال: علي منهم.. يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم.
وعن ابن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر. قال:
أخرجه الترمذي.
و عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: ما أظلت
الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، شبيه عيسى بن مريم. فقال عمر بن الخطاب - كالحاسد -: يا رسول الله (ص)! أفنعرف ذلك له؟. قال: نعم، فاعرفوه.
قال: أخرجه الترمذي: وقال قد روى بعضهم هذا الحديث فقال: أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم.
أقول: وإذا كان أبو ذر رضوان الله عليه من الذي يحبهم الله وأمر رسوله بحبهم فإيذاؤه والإهانة به في حكم المعاداة لله ولرسوله، وإذا كان أصدق الناس لهجة فحال من شهد عليه بالكذب والضلال معلوم، وما اشتملت عليه القصة من منازعته مع أمير المؤمنين عليه السلام وشتمه يكفي في القدح فيه ووجوب لعنه.
الطعن الخامس:
أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه، وقد رووا في فضله في صحاحهم أخبارا كثيرة، وكان ابن مسعود يذمه ويشهد بفسقه وظلمه.
قال السيد رضي الله عنه في الشافي: قد روى كل من روى السيرة من أصحاب الحديث - على اختلاف طريقهم - أن ابن مسعود كان يقول: ليتني وعثمان برمل عالج يحثو علي وأحثو عليه حتى يموت الأعجز مني ومنه.
ورووا أنه كان يطعن عليه فيقال له: ألا خرجت إليه ليخرج معك؟!.
فيقول: والله لان أزوال جبلا راسيا أحب إلي من أن أزوال ملكا مؤجلا. وكان يقول في كل يوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا: إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة،
وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه ونهاه عن خطبة هذه فأبى أن ينتهي، فكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان يستقدمه عليه....
وقد روي عنه من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول: ما يزن عثمان عند الله جناح بعوضة..
و أوصى عند موته أن لا يصلي عليه عثمان، ولما أتاه عثمان في مرضه وطلب منها الاستغفار قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي...
وروى الواقدي بإسناده، وغيره، أن عثمان لما استقدمه المدينة دخلها ليلة جمعة، فلما عليم عثمان بدخوله، قال: أيها الناس! إنه قد طرقكم الليلة
دويبة من تمر على طعامه تقئ وتسلح.
فقال ابن مسعود: لست كذلك، ولكني صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر، وصاحبه يوم أحد، وصاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين.
قال: وصاحت عائشة: أيا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله؟!. فقال عثمان: أسكتي. ثم قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود:
أخرجه إخراجا عنيفا، فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب المسجد، فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه. فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.
وفي رواية أخرى: إن ابن زمعة الذي فعل به ما فعله كان مولى لعثمان
أسود، وكان مشذبا طوالا.
وفي رواية: إن فاعل يحموم مولى عثمان.
وفي رواية: إنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد الله: أنشدك الله أن تخرجني من مسجد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الراوي:
فكأني أنظر إلى حموشة ساقي عبد الله بن مسعود ورجلاه يختلفان على عنق مولى عثمان حتى أخرج من المسجد، وهو الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله:
لساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد.
وقد روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرطي: أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذر، وهذه قصة أخرى، وذلك أن أبا ذر لما حضرته الوفاة بالربذة وليس معه إلا امرأته وغلامه أوصى إليهما أن غسلاني ثم كفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم قولا
لهم: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك، وأقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين، فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها، فقام إليهم العبد، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فأعينونا على دفنه، فأنهل ابن مسعود باكيا وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، قال:
تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه.
هذا بعض ما رواه في الشافي آخذا من كتبهم المعتبرة.
وقد رووا أصولهم المشورة كجامع الأصول والاستيعاب وصحاحهم المتداولة مناقب جمة لابن مسعود لم ينقلوا مثلها لعثمان تركناها مخافة الاطناب، فضربه وإخراجه وإهانته وإيذاؤه من أعظم الطعون على عثمان، أحله الله تعالى أسفل درك النيران.
الطعن السادس:
ما صنع بعمار ياسر رضي الله عنه - الذي أطبق المؤالف المخالف على فضله وعلو شأنه، ورووا أخبارا مستفيضة دالة على كرامته وعلو درجته -.
قال السيد رضي الله عنه في الشافي: ضرب عمار مما لم يختلف فيه الرواة وإنما اختلفوا في سببه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.