پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

باب نادر قال أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد: أخبرني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، عن فارس بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن شيبة، عن محمد ب

ج ۳۱، ص ۱۹۲–۲۴۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۱۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

فروى عباس بن هشام الكلبي، عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكل كلام شديد حتى غضب فخطب، وقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام. فقال له علي عليه السلام: إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه. فقال عمار: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك. فقال عثمان: أعلي - يا ابن ياسر وسمية - تجتري؟ خذوه.. فأخذوه، ودخل عثمان فدعا به وضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج فحمل إلى منزل أم سلمة زوج النبي (ص) فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى. وقال: الحمد لله، ليس هذا أول يوم أوذينا فيه

في الله تعالى. فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان عمار حليفا لبني مخزوم -: يا عثمان! أما علي فاتقيته، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشأن. فقال عثمان: وإنك لها هنا يا بن القسرية (5)!. قال: فإنهما قسريتان - وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة -، فشتمه عثمان وأمر به فأخرج، فأتي به أم سلمة فإذا هي قد غضبت لعمار، وبلغ عائشة ما صنع بعمار فغضبت وأخرجت شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله ونعلا من نعاله وثوبا من ثيابه، وقالت: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا ثوبه وشعره ونعله لم يبل بعد.

وروى آخرون: ان السبب في ذلك أن عثمان مر بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن مسعود، فغضب على عمار لكتمانه إياه موته - إذا كان المتولي للصلاة عليه والقيام بشأنه - فعندها وطئ عثمان عمارا حتى أصابه الفتق.

وروى آخرون: أن المقداد وطلحة والزبير وعمارا وعدة من أصحاب رسول الله (ص) كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه ربه، وأعلموه أنه مواثبوه إن لم يقلع، فأخذ عمار الكتاب فأتاه به فقرأ منه صدرا، فقال عثمان: أعلي

تقدم من بينهم؟. فقال: لأني أنصحهم لك. فقال: كذبت يا بن سمية!.

فقال: أنا والله ابن سمية وأنا ابن ياسر، فأمر غلمانه فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه - وهما في الخفين - على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه.

ثم قال رحمه الله: وقد روي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة، ان عمارا كان يقول: ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر وأنا الرابع، وأنا شر الأربعة!:

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وأنا أشهد أنه قد حكم بغير ما أنزل الله.

وروي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة، أنه قيل له: بأي شئ أكفرتم عثمان؟. فأقل: بثلاث، جعل المال دولة الأغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة من حارب الله ورسوله وعمل بغير كتاب الله.. ثم ساق السيد الكلام.. إلى أن قال: فلا عذر يسمع من * (هامش) لا توجد: لك، في (س).

لا توجد: ثم، في الشافي.

خ. ل: برجله.

خ. ل: وهي، وكذا جاءت في المصدر.

وأورده ابن أبي الحديد في شرحه عن نهج البلاغة 1 / 239 من دون غمز فيه.

أقول: قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: ذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب رسول الله (ص) كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه.. ثم عدد حملة كبيرة من مطاعنه حرية بالملاحظة، وأجمل ذكر ذلك ابن عبد البر في العقد الفريد 2 / 272.

السيد المرتضى في الشافي 4 / 291.

في (س): يشهدوه.

المائدة: 44.

في المصدر: قال بثلاثة.

الشافي 4 / 292 - 293. (*)

ايقاع نهاية المكروه ممن روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال فيه: عمار جلدة ما بين العين والأنف و متى تنكى الجلدة تدم الانف.

وروي أنه قال (ص): ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟!.

وروي، عن خالد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله.

وأي كلام غليظ سمعه عثمان من عمار يستحق به ذلك المكروه العظيم الذي تجاوز مقدار ما فرضه لله تعالى في الحدود؟! وإنما كان عمار وغيره ينثوا عليه أحداثه ومعايبه أحيانا على ما يظهر من سيئ أفعاله، وقد كان يجب عليه أحد أمرين: إما أن ينزع عما يواقف عليه من تلك الأفعال، أو أن يبين عذره فيها و براءته منها ما يظهر ويشتهر وينتشر، فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه

وتفسيقه زجره عن ذلك بوعظ أو غيره، ولا يقدم على ما يفعله الجبابرة والأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل الله تعالى وحكمه به انتهى.

وعندي أن السبب الحامل لعثمان على ما صنع بعمار هو أن عمارا كان من المجاهرين بحب علي عليه السلام، وان من غلبه على الخلافة غاصب لها، فحملته عداوته لأمير المؤمنين عليه السلام، حبه للرئاسة على إهانته وضربه حتى حدث به الفتق وكسر ضلعا من أضلاعه، فإنه قد ذكر ابن الأثير في الكامل وغيره في غيره في قصة الشورى إن عمارا كان يقول لابن عوف: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا (ع)، وعارضه في ذلك عبد الله بن أبي سرح وغيره واشتد الامر وشتم بعضهم بعضا.

وروى المسعودي في مروج الذهب: إن عمارا حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره ومعه بنو أمية، فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ - وقد كان عمي - قالوا: لا.

قال: يا بني أمية! تلقفوها تلقف الكرة والذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة فانتهره عثمان وساءه ما قال وأنهى هذا القول إلى المهاجرين والأنصار، فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش! أما إذا صرفتم هذا الامر عن أهل بيت نبيكم مرة هاهنا ومرة هاهنا فما

أنا بآمن أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهل هذا البيت بعد نبيكم.

وروى ابن أبي الحديد، عن أبي بكر الجوهري: أن أبا سفيان قال - لما بويع عثمان -: كان هذا الامر في تيم، وأنى لتيم هذا الامر (3)؟ ثم صار إلى عدي فأبعد وأبعد، ثم رجعت إلى منازلها واستقر الامر قراره، فتلقفوها تلقف الكرة!.

قال: وقال أبو بكر: وحدثني مغيرة بن محمد المهلبي، قال: ذاكرت إسماعيل بن إسحاق القاضي بهذا الحديث، وإن أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت (4)!

أنفق ولا تكن كأبي حجر، وتداولوها يا بني أمية تداول الولدان الكرة، فوالله ما من جنة ولا نار، وكان الزبير حاضرا، فقال عثمان لأبي سفيان: أعزب! فقال:

يا بني! هاهنا أحد؟. قال الزبير: نعم والله لا كتمتها عليك.

قال: فقال إسماعيل: هذا باطل. قلت: وكيف ذلك؟. قال: ما أنكر هذا من أبي سفيان، ولكن أنكر أن يكون عثمان سمعه ولم يضرب عنقه. انتهى.

وإنما أوردت هذا الخبر ليظهر لك حقيقة إسلام القوم.

ولنرجع إلى بعض ما كنا فيه:

روى ابن أبي الحديد - نقلا من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري - بإسناده، عن أبي كعب الحارثي، قال:.. أتيت المدينة فأتيت عثمان

ابن عفان - وهو الخليفة يومئذ -، فسألته عن شئ من أمر ديني، وقلت: يا أمير المؤمنين! إني رجل من أهل اليمن من بني الحارث بن كعب، واني أريد أن أسألك عن أشياء فأمر حاجبك أن لا يحجبني. فقال: يا وثاب! إذا جاءك هذا الحارثي فأذن له. قال: فكنت إذا جئت قرعت الباب، قال: فكنت إذا جئت قرعت الباب، كال: من ذا؟. فقلت:

الحارثي، فيقول: أدخل، فدخلت يوما فإذا عثمان جالس وحوله نفر سكوت لا يتكلمون كأن على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم جلست، فلم أسأله عن شئ لما رأيت من حالهم وحاله، فبينا أنا كذلك إذا جاء نفر فقالوا: إنه أبى أن يجئ.

قال: فغضب وقال: أبى أن يجئ؟! اذهبوا فجيئوا به، فإن أبى فجروه جرا، قال: فمكثت قليلا فجاؤوا ومعهم رجل آدم طوال أصلع في مقدم رأسه شعرات وفي قفاه شعرات، فقلت: من هذا؟. قالوا: عمار بن ياسر. فقال له عثمان: أنت الذي يأتيك رسلنا فتأبى أن تجئ؟. قال: فكلمه بشئ لم أدر ما هو، ثم خرج فما زالوا ينفضون من عنده حتى ما بقي غيري، فقام، فقلت: والله لا أسأل عن هذا الامر أحدا، أقول: حدثني فلان حتى أدري ما يصنع، فتبعته حتى دخل المسجد، فإذا عمارا جالس إلى سارية وحوله نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يبكون. فقال عثمان: يا وثاب! علي بالشرط، فجاؤوا.

فقال: فرقوا بين هؤلاء، ففرقوا بينهم، ثم أقيمت الصلاة فتقدم عثمان فصلى بهم، فلما كبر قالت امرأة من حجرتها: يا أيها الناس!.. ثم تكلمت فذكرت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وما بعثه الله به، ثم قالت: تركتم أمر الله

وخالفتم عهده. ونحو هذا، ثم صمتت، وتكلمت امرأة أخرى بمثل ذلك فإذا هما عائشة وحفصة، قال: فسلم عثمان وأقبل على الناس وقال: لان هاتين لفتانتان يحل لي سبهما وأنا بأصلهما عالم، فقال له سعد بن أبي وقاص: أتقول هذا لحبائب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم؟!. فقال: وفيم أنت وما هاهنا؟، ثم أقبل نحو سعد عامدا ليضربه فانسل سعد، فخرج من المسجد، فاتبعه عثمان فلقي عليا (ع) بباب المسجد، فقال له علي عليه السلام: أين تريد؟. قال: أريد هذا الذي.. كذب وكذا يعنى سعد يشتمه، فقال له علي عليه السلام: أيها الرجل! دع عنك هذا؟. قال: فلم يزل بينهما كلام حتى غضبا.

فقال عثمان: ألست الذي خلفك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يوم تبوك؟.

فقال علي عليه السلام: ألست الفار عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يوم أحد، قال: ثم حجز الناس بينهما، قال: ثم خرجت من المدينة حتى

انتهيت إلى الكوفة فوجدت أهلها أيضا بينهم شرق نشبوا في الفتنة وردوا سعيد بن العاص فلم يدعوه يدخل إليهم، فلما رأيت ذلك رجعت حتى أتيت بلاد قومي.

وقد مر.. وسيأتي الاخبار في فضل عمار، وهو أشهر من الشمس في رابعة النهار.

وقد روى ابن عبد البر في الاستيعاب وغيره، عن عائشة، قالت: ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أشاء أن أقول فيه إلا قلت إلا عما ر بن ياسر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول:

ملئ عمار إيمانا حتى أخمص قدميه. وبرواية أخرى: حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا.

وعن خالد بن الوليد: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: من أبغض عمارا أبغضه الله قال خالد: فما زلت أحبه من يومئذ.

وعن أنس عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال: اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وبلال.

وعن علي عليه السلام قال: جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يوما فعرف صوته، فقال: مرحبا بالطيب المطيب إئذنوا له.

وروى في المشكاة، عن الترمذي، عن أبي هريرة - في حديث - قال عمار: هو الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه [وآله].

وعن أنس، عنه صلى الله عليه وآله، قال: قال: إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة:

علي وعمار وسلمان.

وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما على بدنه.

وعن أحمد بإسناده، عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام فأغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله]، قال: فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي صلى الله عليه [وآله]، قال:

فجعل يغلظه له ولا يزيده إلا غلظة والنبي صلى الله عليه [وآله] ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: ألا تراه؟. فرفع النبي صلى الله عليه [وآله] رأسه، وقال: من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله.

قال خالد: فخرجت فما كان شئ أحب إلي من رضى عمار، فلقيته بما رضي فرضي.

وروى في جامع الأصول، عن البخاري، عن عكرمة، عن أبي سعيد

الخدري في ذكر بناء المسجد، قال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه [وآله] فجعل رسول الله صلى الله عليه [وآله] ينفض التراب عنه، ويقول: ويح عمار! يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.

قال: ويقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.

وروى من صحاحهم الاخبار السالفة بأسانيد.

ولا يخفى على عاقل - بعد ملاحظة الأخبار السابقة التي رووها في صحاحهم - حال من ضرب وشتم وأهان وعادى رجلا قال فيه النبي صلى الله عليه وآله:

إن من عاداه فقد عادى الله ومن أبغضه فقد أبعض الله، وإن الجنة تشتاق إليه، وإنه مملو إيمانا، وإن الله أجاره من الشيطان، وكفى بذلك كفرا ونفاقا وطغيانا وشقاقا.

الطعن السابع:

إنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف 1 وأبطل ما لا شك أنه منزل من القرآن، وأنه مأخوذ من الرسول صلى الله عليه وآله، ولو كان ذلك حسنا لسبق إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيأتي في كتاب القرآن 2 أن أمير المؤمنين عليه السلام جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله كما أوصأ 3 به فجاء به إلى المهاجرين والأنصار، فلما رأى أبو بكر وعمر اشتماله على فضائح القوم أعرضا عنه وأمرا زيد بن ثابت بجمع القرآن وإسقاط ما اشتمل منه على الفضائح ، ولما استخلف 4 عمر سأل عليا عليه السلام أن يدفع إليه القرآن الذي جمعه ليحرقه 5 ويبطله، فأبى عليه السلام عن ذلك، وقال: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ من ولدي، ولا يظهر حتى يقوم القائم من أهل البيت

عليهم السلام فيحمل الناس عليه ويجري السنة على ما يتضمنه ويقتضيه.

وسيأتي الأخبار الكثيرة في ذلك من طرق الخاصة والعامة.

وتفصيل القول في ذلك، أن الطعن فيه من وجهين:

الأول: جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت إبطال للقرآن المنزل، وعدول عن الراجح إلى المرجوح في اختيار زيد بن ثابت من حملة قراءة القرآن، بل هو رد صريح لقول الرسول صلى الله عليه وآله وعلى ما يدل عليه صحاح أخبارهم.

والثاني: أن إحراق المصاحف الصحيحة استخفاف بالدين ومحادة لله رب العالمين.

أما الثاني، فلا يخفى على من له حظ من العقل والايمان.

وأما الأول، فلان أخبارهم متضافرة أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وان النبي صلى الله عليه وآله لم ينه أحدا عن الاختلاف في قراءة القرآن بل قررهم عليه، وصرح بجوازه، وأمر الناس بالتعلم من ابن مسعود وغيره ممن منع عثمان من قراءتهم، وورد في فضلهم وعلمهم بالقرآن ما لم يرد في زيد بن ثابت، فجمع الناس على قارءته وحظر ما سواه ليس إلا ردا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وإبطالا للصحيح الثابت من كتاب الله عز وجل. فأما ما يدل من رواياتهم على

أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وعلى تقرير النبي صلى الله عليه وآله على الاختلاف في القراءة.

فمنها: ما رواه البخاري، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: أقرأني جبرئيل على حرف فراجعته فزادني، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى على سبعة أحرف.

وروى في جامع الأصول، عن البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي بأسانيدهم، عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأه على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟. قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقتل: كذبت، فإن رسول الله صلى الله

عليه [وآله] وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أرسله، إقرأ يا هشام.

فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كذلك أنزلت، ثم قال: إقرأ يا عمر. فقرأته القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كذلك أنزلت: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه.

قال في جامع الأصول: أخرجه الجماعة: وقال الترمذي هذا حديث صحيح.

وروى مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي في صحاحهم - وأورده فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها، ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة

صاحبه، فلما قضيت الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقلت: إن هذا قرأ أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقرئا فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ما قد غشيني، ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا. فقال لي: يا أبي! أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه:

أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية: إقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة: إقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقال: اللهم اغفر لامتي، اللهم اغفر لامتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام .

أقول: وقد رووا روايات كثيرة بتلك المضامين لا نطيل الكلام بإيرادها،

وفي بعضها قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل، فقال: يا جبرئيل!

إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط، فقال لي: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.

فهذه الأخبار كما ترى صريحة في جواز القراءة على الوجوه المختلفة، وإن كلا من الأحرف السبعة من كلام الله المنزل، وفي بعض الروايات تصريح بأنه صلى الله عليه وآله كره المنع من القراءات المتعددة، فجمع الناس على قراءة واحدة، والمنع عما سواها رد صريح ومضادة لنص الرسول صلى الله عليه وآله.

وما قيل: من أن المراد بنزوله على سبعة أحرف اشتماله على سبعة معان، كالوعد والوعيد والمحكم والمتشابه والحلال والحرام والقصص والأمثال والأمر والنهي .. ونحو ذلك فالاخبار تدفعه، لأنها ناطقة بأن السبعة الأحرف مما يختلف به اللفظ وليس الاختلاف فيها مقصورا على المعنى.

وكذا ما يقال - من أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وضبطتها عنه الأئمة وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا عنها ما لم يثبت متواترا، وإن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى - فهو مردود بأن من راجع السير وكتب القراءة علم أن مصحف عثمان لم يكن إلا حرفا واحد، وأنه أبطل ما سوى ذلك الحرف، ولذلك نقم عليه ابن مسعود وغيره، وكان غرضه رفع الاختلاف وجمع الناس على أمر واحد واختيار هؤلاء السبعة من بين القراء، والاقتصار على قراءتهم، ورفض

من سواهم من القراء على كثرتهم إنما هو من فعل المتأخرين، وقد تشعبت القراءات واختلفت كلمة القراء بعدما جمع عثمان الناس على قراءة زيد بن ثابت، وكتب المصاحف السبعة - على المشهور بين القراء - فبعث بواحد منها إلى الكوفة وبواحد إلى البصرة والى كل من الشام ومكة واليمن والبحرين بواحد وأمسك في المدينة مصحفا كانوا يقولون له: الامام، ثم لما كانت تلك المصاحف مجردة عن النقط وعلامة الاعراب ونحو ذلك، وكانت الكلمات المشتملة على حرف الألف مرسومة فيها بغير ألف، اختلفت القراءات بحسب ما تحتمله صورة الكتابة، فقرأ كل بما ظنه أولى من حيث المعنى أو من جهة قواعد العربية واللغة إلا في مواضع يسيرة لم يتفقوا على صورة الكتابة، والظاهر أنها نشأت من كتاب المصاحف السبعة، واختلافها إما لان كلا منهم كتب الكلمة بلغة كانت عنده أصح كالصراط - بالصاد والسين -، أو للسهو والغفلة، أو لاشتباه حصل في صورة الكتابة.

وبالجملة، جميع القراء المتأخرين عن عصر الصحابة السبعة وغيرهم يزعمون مطابقة قراءتهم لمصحف من مصاحف عثمان، بل للقراءة الواحدة التي جمع عثمان الناس عليها وأمر بترك ما سواها، فهذه القراءات إنما تشعبت عن مصاحف عثمان، ولذلك اشترط علماء القراءة في صحه القراءة ووجوب اعتبارها ثلاثة شروط: كونها منقولة عن الثقات، وكونها غير مخالفة للقواعد، وكونها مطابقة لرسم مصحف من تلك المصاحف بحيث تحتملها صورة الكتابة وإن كانت محتملة لغيرها، وادعوا انعقاد الاجماع على صحة كل قراءة كانت كذلك، ولما كثر اختلاف القراء وتكثرت القراءات الصحيحة عندهم جرى المتأخرون منهم على سنة عثمان في إبطال القراءات، فاقتصر طائفة منهم على السبعة، وزاد طائفة ثلاثة، وزاد بعضهم على العشرة، وطرح بعضهم الثلاثة من العشرة، وزاد عشرين رجلا، وزاد الطبري على السبعة نحو خمسة عشر رجلا، وقد فعلوا

بالرواة عن السبعة أو العشرة أو فوقهما ما فعلوا بهؤلاء، فاعتبروا قوما من الرواة وطرحوا أكثرهم.

وقد سبط الجزري في النشر الكلام في ذلك، قال - بعد إيراد تشعب القراءات وكثرتها ما هذا لفظه -: بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، أو أن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه [وآله] هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية التيسير، وأنها هي المشار إليها بقوله صلى الله عليه [وآله]: أنزل القرآن على سبعة أحرف، حتى أن بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ.

ثم قال: وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا: إنزل القرآن على سبعة أحرف، وسمعوا قراءات السبعة، فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار إليها، ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء وخطأوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصر على دون هذه العدد أو زاده أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة؟.. ثم هذا الكلام عن إمامه أبي العباس المهدوي.

أقول: فظهر أن تعدد تلك القراءات لا ينفع في القدح فيما فعله عثمان من المنع من غير قراءة زيد بن ثابت وجمع الناس عليهما، ثم لو تنزلنا عن هذا المقام وقلنا بجواز جمع الناس على قراءة واحدة فنقول: اختيار زيد بن ثابت على مثل عبد الله بن مسعود والمنع من قراءته وتعلم القرآن منه مخالفة صريحة لأمر الرسول

صلى الله عليه وآله على ما تظافرت به أخبارهم الصحيحة عندهم.

فقد روى ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال: استقرؤا القرآن من أربعة نفر فبدأ بابن أم عبد.

وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - فبدأ به - ومعاذ بن جبل: وأبي ابن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة.

قال: وقال صلى الله عليه [وآله] وسلم: من أحب أن يسمع القرآن غضا فليسمعه من ابن أم عبد. وبعضهم يرويه: من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد. وعن عبد الله مثله.

وعن أبي وائل، قال: سمعت ابن مسعود يقول: إني لاعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله صورة ولا آية إلا وأنا أعلم فيما نزلت، ومتى نزلت. قال أبو وائل: فما سمعت أحدا أنكر عليه ذلك.

وعن حذيفة قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن عبد الله كان من أقربهم وسيلة، وأعلمهم بكتاب الله عز وجل.

وعن أبي ظبيان، قال: قال لي عبد الله بن عباس: أي القراءتين تقرأ؟.

قلت: القراءة الأولى، قراءة ابن أم عبد. فقال لي: بل هي القراءة الأخيرة، إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يعرض القرآن على جبرئيل في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم عرضه عليه مرتين، فحضر ذلك عبد الله فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل.

وعن علقمة، قال: جاء رجل إلى عمر - وهو بعرفات - فقال: جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، فغضب عمر غضبا شديدا وقال: ويحك! ومن هو؟. قال: عبد الله بن مسعود. قال: فذهب عنه الغضب، وسكن وعاد إلى حاله، وقال: والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحق بذلك منه.

قال: وسئل علي عليه السلام عن قوم من الصحابة منهم ابن مسعود، فقال: أما ابن مسعود فقرأ القرآن وعلم السنة.. وكفى بذلك.

وعن شقيق، عن أبي وائل، قال: لما أمر عثمان في المصاحف بما أمر، قام عبد الله بن مسعود خطيبا، فقال: تأمرونني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟ والذي نفسي بيده لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم

سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب مع الغلمان، والله ما نزل من القرآن شئ إلا وأنا أعلم في أي شئ نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغنيه الإبل لاتيته. قال: ثم استحيى مما قال، فقال: وما أنا بخيركم.

قال شقيق: فقعدت في الحق فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فما سمعت أحدا أنكر عليه ولا رد ما قال.

وروى في جامع الأصول، عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ذكر عنده عبد الله بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: خذوا القرآن من أربعة، من: عبد الله، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب.

استقرؤا القرآن من أربعة، من: ابن مسعود - فبدأ به -، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ، وأبي.

وفي رواية الترمذي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و [وآله] وسلم:

خذوا القرآن من أربعة، من: ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة.

وروي من الصحاح أكثر الاخبار السالفة بأسانيد، فهذا ما رووه في ابن مسعود وأن النبي صلى الله عليه وآله أمر الناس بأخذ القرآن منه، وصرح بأن قراءته مطابقة للقرآن المنزل، فالمنع من قراءته وإحراق مصحفه رد على الرسول صلى الله عليه وآله ومحادة عز وجل، ومع التنزل عن مخالفة النص أيضا نقول كان على عثمان أن يجمعهم على قراءة عبد الله دون زيد، إذ قد روي في فضل عبد الله ما سمعت ولم يذكروا لزيد بن ثابت فضلا يشابه ما روي في عبد الله سندا ولا متنا، وقد رووا ما يقدح فيه ولم يذكر أحد منهم قدحا في عبد الله، والاطناب في ذلك يوجب الخروج عما هو المقصود من الكتاب، ومن أراد ذلك فليرجع إلى الاستيعاب وغيره ليظهر له ما ذكرنا.

وقال في الاستيعاب: كان زيد عثمانيا ولم يكن فيمن شهد شيئا من مشاهد علي عليه السلام مع الأنصار.

فظهر أن السبب الحامل لهم على تفويض جمع القرآن إليه أولا، وجمع الناس على قراءته ثانيا تحريف الكلم عن مواضعه، وإسقاط بعض الآيات الدالة على فضل أهل البيت عليهم السلام والنص عليهم، كما يظهر من الاخبار المأثورة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، ولو فوضوا إلى غيره لم يتيسر لهم ما حاولوا.

ومن جملة القراءات التي حظرها وأحرق المصحف المطابق لها قراءة أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وقد عرفت في بعض الروايات السابقة أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالأخذ عنهما. هذا سوق الطعن على وجه الالزام وبناء الكلام على الروايات العامية، وأما إذا بني الكلام على ما روي عن أهل البيت عليهم السلام

فتوجه الطعن أظهر وأبين، كما ستطلع عليه في كتاب القرآن 1 إن شاء الله.

توضيح:

قوله: فسقط في نفسي.. يقال للنادم المتحسر على فعل فعله: سقط في يده وهو مسقوي في يده 2، قال الله تعالى: ﴿لما سقط في أيديهم﴾ ولعله هنا أيضا بهذا المعنى.

وقال بعض شراح الحديث من العامة: سقط - ببناء مجهول -..

أي ندمت ووقع في خاطري من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ما لم أقدر على وصفه، ففاعل سقط محذوف.. أي سقط في نفسي ما لم يسقط مثله في الاسلام ولا في الجاهلية، لأنه كان في الجاهلية غافلا أو متشككا، وكان من أكابر الصحابة، وما وقع له فهو من نزغة الشيطان وزال ببركة يد النبي صلى الله عليه وآله.

وقال النووي في شرح الصحيح مسلم: أي وقع في نفسي من تصويب قراءة الرجلين أشد مما كنت في الجاهلية، لأنه كان إما جاهلا أو متشككا ووسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب.

قوله: ففضت - بكسر الفاء -، قوله: عرقا، تمييز، كقولهم تصيب الفرس عرقا. وقال الكرماني: إسناد الفيضان إلى نفسه وإن كان مستدركا بالتميز فإن فيه إشارة إلى أن العرق فاض منه حتى كأن النفس فاضت معه، ومثله قولهم: سالت

عيني دمعا.

الطعن الثامن:

إنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة من بيت مال المسلمين، نحو ما روي أنه دفع إلى أربعة من قريش - زوجهم بناته - أربعمائة ألفي دينار، وأعطى مروان مائد ألف عند فتح إفريقية، ويروى خمس إفريقية.

وروى السيد رضي الله عنه، عن الواقدي بإسناده، قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص.

وروى أيضا أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبغت ثلاثمائة

ألف فوهبها له حين أتاه بها.

وقد روى أبو مخفف والواقدي جميعا: أن الناس أنكروا على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف، فكلمه علي عليه السلام والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن في ذلك، فقال: إن لي قرابة ورحما. فقالوا : أما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذو رحم؟!. فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، قالوا: فهداهما والله أحب إلينا من هداك.

وقد روى أبو مخنف أنه لما قدم على عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العاص من من مكة - وناس معه - أمر لعبد الله بثلاثمائة ألف ولكل واحد واحد من القوم بمائة ألف، وصك بذلك على عبد الله بن الأرقم - وكان خازن بيت المال - فاستكثره وبرد الصك به، ويقال أنه سأل عثمان أن يكتب عليه بذلك كتاب دين فأبى ذلك، وامتنع ابن الأرقم أن يدفع المال إلى القوم، فقال له عثمان:

إنما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت؟. فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازنا للمسلمين وإنما خازنك غلامك، والله لا إلي لك بيت المال أبدا، و جاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر، ويقال: بل ألقاها إلى عثمان، فدفعها عثمان إلى نايل مولاه.

وروى الواقدي أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت المال إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم، فلما دخل بها عليه قال له: يا أبا محمد! إن أمير المؤمنين أرسل إليك يقول لك: إنا قد شغلناك عن التجارة ولك ذو رحم أهل حاجة، ففرق هذا المال فيهم، واستعن به على عيالك.

فقال عبد الله بن الأرقم: مالي إليه حاجة وما عملت لان يثيبني عثمان؟ والله لئن كان هذا من مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف درهم، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن أزرأ من ماله شيئا.

وروى الواقدي، عن أسامة بن زيد، عن نافع مولى الزبير، عن عبد الله ابن الزبير، قال: أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين إفريقية فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة، فأعطى عثمان مروان بن الحكم تلك الغنائم.

وروى الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، قالت: لما بنى مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه - وكان المسور ممن دعاه - فقال مروان - وهو يحدثهم -: والله ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين در هما فما فوقه. فقال المسور: لو أكلت طعامك وسكت كان خيرا لك، لقد غزوت معنا إفريقية وأنك لأقلنا مالا ورقيقا وأعوانا وأخفنا ثقلا، فأعطاك ابن عمك خمس إفريقية وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين.

وروى الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف: أن مروان ابتاع خمس إفريقية بمائتي ألف درهم ومائة ألف دينار وكلم عثمان فوهبها له، فأنكر الناس ذلك على عثمان.. هذا ما أورده السيد رحمه الله من الاخبار.

وروى المسعودي وغيره - من مؤرخي الخاصة والعامة - أكثر من ذلك.

وهذا عدول عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسيرة المتقدمين عليه، وأصل الخروج عن العدول في القسمة وإن كان من بدع عمر إلا أن عثمان ترك العدل رأسا بحيث لم يخف بطلانه وتضمنه للجور العظيم والبدعة الفاحشة على العوام أيضا، ولما اعتاد الرؤساء في أيامه بالتوثب على الأموال واقتناء الذخائر ونسوا سنة الرسول في التسوية بين الوضيع والشريف شق عليهم سيرة أمير المؤمنين عليه السلام فعدلوا عن طاعته ومال طائفة منهم إلى معاوية وخرج عليه طلحة والزبير فقامت فتنة الجمل وغيرها، فهذه البدعة - مع قطع النظر عن خطر التصرف في أموال المسلمين - كانت من مواد الشرور والفتن الحادثة بعدها إلى يوم النشور.

الطعن التاسع:

أنه عطل الحدود الواجبة كالحد في عبيد الله بن عمر، فإنه قتل الهرمزان بعد إسلامه فلم يقد به، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يطلبه.

روى السيد رحمه الله في الشافي، عن زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح: أن أمير المؤمنين عليه السلام أتى عثمان بعد ما استخلف، فكلمه في عبيد الله ولم يكلمه أحد غيره، فقال: أقتل هذا الفاسق الخبيث الذي قتل امرءا مسلما. فقال عثمان: قتلوا أباه بالأمس وأقتله اليوم؟!، وإنما هو رجل من أهل الأرض، فلما أبى عليه مر عبيد الله على علي عليه السلام، فقال له: يا فاسق! ايه! أما والله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لأضربن عنقك، فلذلك خرج مع معاوية على أمير المؤمنين عليه السلام.

وروى القباد، عن الحسن بن عيسى، عن زيد، عن أبيه: أن المسلمين لما قال عثمان: إني قد عفوت عن عبيد الله بن عمر، قالوا: ليس لك أن تعفو عنه.

قال: بلى، إنه ليس لجفيتة والهرمزان قرابة من أهل الاسلام، وأنا أولى بهما - لأني ولي المسلمين - فقد عفوت.

فقال علي عليه السلام: إنه ليس كما تقول، إنما أنت في أمر هما بمنزلة أقصى المسلمين، وإنما قتلهما في إمرة غيرك، وقد حكم الوالي الذي قبلك الذي قتلا في إمارته بقتله، ولو كان قتلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه، فاتق الله!

فإن الله سائلك عن هذا. ولما رأى عثمان أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة وأقطعه بها دارا وأرضا، وهي التي يقال لها: كويفة ابن عمر، فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه وكثر كلامهم فيه.

وروي عن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال: ما أمسى عثمان يوم ولي حتى نقموا عليه في أمر عبيد الله بن عمر، حيث لم يقتله بالهرمزان. انتهى ما رواه السيد رضي الله عنه.

وروى الشيخ في مجالسه، عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن

عقدة، عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن عمه القاسم بن جعفر العلوي، عن عبد الله بن محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد: أن الناس كلموا عثمان في أمر عبيد الله بن عمر وقتله الهرمزان، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! قد أكثرتم في أمر عبيد الله بن عمر والهرمزان وإنما قتله عبيد الله تهمة بدم أبيه، وإن أولى الناس بدم الهرمزان الله ثم الخليفة، ألا واني قد وهبت دمه لعبيد الله!.

فقام المقداد بن الأسود، فقال: يا أمير المؤمنين! ما كان لله كان الله أملك به منك، وليس لك أن تهب ما الله أملك به منك، فقال: ننظر وتنظرون، فبلغ قول عثمان عليا عليه السلام فقال: والله لئن ملكت لأقتل عبيد الله بالهرمزان، فبلغ ذلك عبيد الله فقال: والله لئن ملك لفعل.

وقال ابن الأثير في الكامل وابن عبد البر في الاستيعاب وصاحب روضة الأحباب وكثير من أرباب السير: قتل عبيد الله بن عمر بأبيه ابنة أبي لؤلؤة وقتل جفيته والهرمزان وأشار علي عليه السلام على عثمان بقتله بهم فأبى، ثم ذكر في الكامل رواية يتضمن عفو ابن هرمزان عن عبيد الله، وأن عثمان مكنه من

قتله، ثم قال: والأول أصح، لان عليا عليه السلام لما ولي الخلافة أرد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام، ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يتعرض له علي عليه السلام. انتهى.

وإذا تأملت فيما نقلنا لا يبقى لك ريب في بطلان ما أجاب به المتعصبون من المتأخرين، وكفى في طعنه معارضته أمير المؤمنين عليه السلام - الذي لا يفارق الحق باتفاقهم - معه في ذلك، والله العاصم عن الفتن والمهالك.

الطعن العاشر:

أنه حمى الحمى عن لمسلمين، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله

جعلهم شرعا سواء في الماء والكلأ.

وأجاب قاضي القضاة وغيره بأنه حماه لابل الصدقة، وقد روى عنه هذا الكلام بعينه، وأنه قال: إنما فعلت ذلك لابل الصدقة، وقد أطلقته الآن، وأنا استغفر الله.

ورد عليهم السيد رضي الله عنه بأن المروي بخلاف ما ذكر، لان الواقدي روى باسناده، قال: كان عثمان يحمى الربذة والسرف والنقيع فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني أمية، حتى كان آخر الزمان،

صلى الله عليه وآله.

وقال ابن أبي الحديد في شرح الخطبة الشقشقية: أن عثمان... حمى

المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية.

الطعن الحادي عشر:

أنه أعطى من بيت المال الصدقة المقاتلة وغيرها، وذلك مما لا يحل في الدين، ودفع الاعتراضات الواردة عليه مذكور في الشافي.

الطعن الثاني عشر:

إتمامه الصلاة بمنى مع كونه مسافرا، وهو مخالف للسنة ولسيرة من تقدمه.

فقد روى في جامع الأصول، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود. فقال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فياليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.

قال: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. وفي أخرى لأبي داود زيادة: ومع عثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها.. وذكر الحديث.

وفي رواية النسائي، قال: صلى عثمان بمنى أربع حتى بلغ ذلك عبد الله ابن مسعود، فقال: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ركعتين.

وله في أخرى، قال، صليت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في السفر ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين.

وروى البخاري ومسلم والنسائي - على ما أورده صاحب جامع

الأصول -، عن عبد الله بن عمر، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بمنى ركعتين وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعا، وكان ابن عمر إذا صلى مع الامام صلى أربعا، وإذا صلى وحده صلى ركعتين.

قال: أخرجه البخاري ومسلم من طرق أخرى، عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه: صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدرا من خلافته ثم أتمها أربعا.

وأخرجه البخاري ولم يقل: وغيره ().

وفي رواية النسائي مختصر، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه

[وآله] وسلم بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين.

وفي جامع الأصول، عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم صلى الصلاة، بمنى ركعتين، وأن أبا بكر صلاها بمنى ركعتين، وأن عمر بن الخطاب صلاها بمنى ركعتين، وأن عثمان صلاها ركعتين شطر أمارته ثم أتمها بعد.

قال: أخرجه الموطأ. وعن أنس، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بمنى ومع أبي بكر ومع عمر ركعتين ومع عثمان صدرا من إمارته.

قال: أخرجه النسائي. عن عمران بن حصين، قال - وقد سئل عن صلاة المسافر، فقال -: حججت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فصلى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثماني سنين فصلى ركعتين. قال: أخرجه الترمذي.

وعن موسى بن سلمة، قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت

بمكة إذا لم أصل مع الامام؟!. قال: ركعتين، سنة أبي القاسم صلى الله عليه [وآله] وسلم.

وفي رواية النسائي، قال: تفوتني الصلاة في جماعة - وأنا بالبطحاء - ما ترى أصلي؟. قال: ركعتين، سنة أبي القاسم صلى الله عليه [وآله] وسلم.

وعن حارثة بن وهب، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم - ونحن أكثر ما كنا وآمنه - بمنى ركعتين. أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

وفي رواية أبي داود والنسائي ، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] بمنى والناس أكثر ما كانوا، فصلى بنا ركعتين في حجة الوداع.

وقال ابن الأثير في الكامل: إن كثيرا من الأصحاب عابوا عليه ما صنع بمنى، قال: وفي سنة تسع وعشرين حج عثمان فضرب فسطاطه بمنى - وكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى - وأتم الصلاة بها وبعرفة، وكان أول ما تكلم به الناس في عثمان ظاهرا حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علي (ع): ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين وأنت صدرا من خلافتك، فما أدري ما ترجع إليه؟ ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأبي بكر وعمر وصليتهما أنت ركعتين؟. قال: بلى! ولكني أخبرت أن بعض من حج من اليمن وجفاة الناس قالوا إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتي وقد اتخذت بمكة أهلا ولي بالطائف مال، فقال عبد الرحمن: ما في هذا عذر، أما قولك اتخذت بها أهلا فإن زوجك بالمدينة تخرج بها إذا شئت وأنها تسكن بسكناك، وأما مالك بالطائف، فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ينزل عليه الوحي والاسلام قليل ثم أبو بكر وعمر فصلوا ركعتين، وقد ضرب الاسلام بجرانه. فقال: اعمله بما أرى. فخرج من عنده فلاقى ابن مسعود، فقال: والخلاف شر، وقد صليت بأصحابي أربعا. فقال عبد الرحمن:

قد صليت بأصحابي ركعتين، وأما الان فسوف أصلي أربعا. قال: وقيل كان ذلك سنة ثلاثين.

وروى نحو ذلك صاحب روضة الأحباب، وقال: أنكر الأصحاب عليه ضرب الفسطاط بمنى وإطعامه الناس، إذ كان ذلك من شعار أهل الجاهلية ولم يقدم عليه أحد منذ بعث النبي صلى الله عليه [وآله] إلى ذلك الزمان، وقد سألوا رسول الله صلى الله عليه [وآله]: لنضربن لك فسطاطا بمنى، فقال: لا، منى مناخ من سبق.

وروى في جامع الأصول، عن عائشة أنها قالت: قلت: يا رسول الله! ألا نبني لك بمنى بيتا يظلل من الشمس؟، فقال: لا، إنما هو مناخ لمن سبق إليه.

قال: أخرجه الترمذي وأبو داود.

ثم إن الشافعي 1 ذهب إلى أن فصر الصلاة رخصة ليس بعزيمة، لقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح﴾، وقال: والقصر أفضل.

وقال مالك وأبو حنيفة: إنه عزيمة، ويدل عليه من طرق الجمهور روايات كثيرة، ونفي الجناح لا ينافي كون القصر عزيمة، وسيأتي القول فيه في بابه، مع أن القول بالتخير لا ينفع في دفع الطعن عنه، إذ لو كان له سبيل إليه لما اعتذر بالاعذار الواهية كما عرفت، بل يظهر من إعراض المعترض والمعتذر عنه رأسا اتفاق الأصحاب على بطلانه.

الطعن الثالث عشر:

جرأته على الرسول صلى الله عليه وآله ومضادته له، فقد حكى العلامة رحمه الله في كتاب كشف الحق، عن الحميدي، قال: قال السدي في تفسير قوله

تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ 1 أنه لما توفي أبو سلمة وعبد الله 2 ابن حذافة وتزوج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أمر أتاهما: أم سلمة وحفصة، قال طلحة وعثمان: أينكح محمد نساءنا إذا متنا ولا تنكح نساؤه إذا مات؟! والله لو قد مات لقد أجلبنا 3 على نسائه بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة، وعثمان يريد أم سلمة، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما﴾ 4، وأنزل: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدلهم عذابا مهينا﴾ 5.

الطعن الرابع عشر:

عدم إذعانه لقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالحق، فقد روى العلامة رحمه الله في كشف الحق 6، عن السدي في تفسير قوله تعالى: ﴿ويقولون أمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ 7، ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون..﴾ الآيات، وقال:

نزلت في عثمان بن عفان لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله بني النضير فغنم أموالهم، فقال عثمان لعلي عليه السلام: إئت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فأسأله أرض.. كذا وكذا، فإن أعطاكها فأنا شريك فيها، وآتيه أنا فأسأله إياها فإن أعطانيها فأنت شريكي فيها، فسأله عثمان أولا فأعطاه إياها، فقال لي علي عليه السلام: أشركني، فأبى عثمان، فقال: بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فأبى أن يخاصمه إلى النبي صلى الله عليه [وآله]، فقيل له: لم لا تنطلق معه إلى النبي صلى الله عليه [وآله]؟!، فقال هو ابن عمه فأخاف 1 أن يقضي له!. فنزلت الآيات، فلما بلغ النبي (ص) 2 ما أنزل الله فيه أقر لعلي عليه السلام بالحق.

وقد مر 3 هذا من تفسير علي بن إبراهيم 4، وأنها نزلت فيه بوجه آخر.

الطعن الخامس عشر:

إنه زعم أن في المصحف لحنا، فقد حكى العلامة رحمه الله في الكتاب المذكور 5، عن تفسير الثعلبي 6 في قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾، قال:

قال عثمان: إن في المصحف لحنا. فقيل له: ألا تغيره؟. فقال: دعوه! فلا يحلل

حراما ولا يحرم حلالا، ورواه الرازي أيضا في تفسيره.

الطعن السادس عشر:

تقديمه الخطبتين في العيدين، وكون الصلاة مقدمة على الخطبتين قبل عثمان مما تضافرت به الاخبار العامية، فقد روى مسلم في صحيحه، عن عطا، قال: سمعت ابن عباس يقول: أشهد على رسول الله صلى الله عليه [وآله] أنه يصلي قبل الخطبة.

وعن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعته يقول: إن النبي صلى الله عليه [وآله] قام يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس.

وعن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه [وآله] وأبا بكر

وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.

والاخبار في ذلك من طرق أهل البيت عليهم السلام مستفيضة.

وقال العلامة رحمه الله في المنتهى: لا نعرف في ذلك خلافا إلا من بني أمية.

وروى الكليني، عن علي بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الخطبة في العيدين بعد الصلاة، وإنما أحدث الخطبة قبل الصلاة عثمان.

وروى الشيخ في التهذيب باسناده، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام في صلاة العيدين، قال: الصلاة قبل الخطبتين...، وكان أول من أحدثها بعد الخطبة

عثمان لما أحدث إحداثه، كان إذا فرغ من الصلاة قام الناس ليرجعوا، فلما رأى ذلك قدم الخطبتين واحتبس الناس للصلاة.

الطعن السابع عشر:

إحداثه الاذان يوم الجمعة زائدا على ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو بدعة محرمة، ويعبر عنه تارة بالاذان الثالث، لان النبي صلى الله عليه وآله شرع للصلاة أذانا وإقامة فالزيادة ثالث، أو مع صلاة الصبح، وتارة بالاذان الثاني، والوجه واضح، وهو ما يقع ثانيا بالزمان، أو ما لم يكن بين يدي الخطيب، لأنه الثاني باعتبار الاحداث سواء وقع أولا بالزمان أو ثانيا.

وقال ابن إدريس: ما يفعل بعد نزول الامام.

وقد روى إحداث عثمان الاذان الثالث يوم الجمعة ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاثين من الهجرة، ورواه صاحب روضة الأحباب، ورواه من

أصحاب صحاحهم البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي على ما رواه في جامع الأصول عنهم، عن زيد بن السائب في روايات عديدة:

منها: أنه كان الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وعمر إذا خرج الامام أقيمت الصلاة، فلما كان عثمان نادى النداء الثالث على الزوراء.

وروي، عن الشافعي أنه قال: ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر وعمر أحب إلي.

الطعن الثامن عشر:

ما ذكره في روضة الأحباب أنه لما حج في سنة ست وعشرين من الهجرة أمر بتوسيع المسجد الحرام، فابتاع دار من رضي بالبيع من الساكنين في جوار المسجد، ومن لم يرض به أخذ داره قهرا، ثم لما اجتمعوا إليه وشكوا وتظلموا أمر بحبسهم حتى كلمهم فيهم عبد الله بن خالد بن الوليد فشفعه فيهم وأطلقهم.

ولا ريب في أن غصب الدور وجعلها مسجدا حرام في الشريعة باتفاق المسلمين.

الطعن التاسع عشر:

إنه لم يتمكن من الاتيان بالخطبة، فقد روى في روضة الأحباب أنه لما كان أول جمعة من خلافته صعد المنبر فعرضه العي فعجز عن أداء الخطبة وتركها، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: أيها الناس! سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد عي نطقا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، أقول قولي واستغفروا

الله لي ولكم.. فنزل.

قال: وفي رواية قال: الحمد لله.. وعجز عن الكلام.

وفي رواية أنه قال: أول كل مركب صعب، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلي إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أعش فاتكم الخطبة على وجهها، ويعلم الله إن شاء الله تعالى.

وقال ابن أبي الحديد في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام: وإنا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه.. إنه روى أبو عثمان في كتاب البيان والتبيين، إن عثمان صعد المنبر فارتج عليه. فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وسآتيكم الخطبة على وجهها.. ثم نزل.

قال: وخطب مروان بن الحكم فحصر، فقال: اللهم إنا نحمدك

ونستعينك ونشرك بك! 1.

قال: وخطب مصعب بن حيان خطبة نكاح فحصر، فقال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فقالت أم الجارية: عجل الله موتك، ألهذا دعوتك 2؟. انتهى 3.

والظاهر من هذه الروايات أن الخطبة كانت خطبة الجمعة الواجبة 4، وأن عثمان 5 لما حصر وعرضه العي ترك الخطبة ولم يأمر أحدا بالقيام بها وإقامة الصلاة، وإلا لرووه ولم يهملوا ذكره، فالامر في ذلك ليس مقصورا على العجز والقصور بل فيه ارتكاب المحظور، فيكون أوضح في الطعن 6.

الطعن العشرون:

جهله بالأحكام، فقد روى العلامة قدس الله روحه في كشف الحق 7، عن صحيح مسلم، وأورده صاحب روضة الأحباب أن امرأة دخلت على زوجها فولدت لستة أشهر فرفع ذلك 8 إلى عثمان فامر برجمها، فدخل عليه علي عليه السلام، فقال: إن الله عز وجل يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ 9، وقال تعالى: ﴿وفصاله في عامين﴾ فلم يصل رسوله إليهم إلا بعد الفراغ من رجمها،

فقتل المرأة لجهله لحكم الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل:

[ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ].

ومن الشواهد على جهله أن مروياته في كتب الجمهور - مع حرص أتباعه من بني أمية والمتأخرين عنهم على إظهار فضله - لم يزد على مائة وستة وأربعين.

وقد رووا عن أبي هريرة الدوسي خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا،

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.