پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

باب نادر قال أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد: أخبرني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، عن فارس بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن شيبة، عن محمد ب

ج ۳۱، ص ۳۷۷–۴۲۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۶ از ۱۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

قال: فهل فيكم أحد أنزل الله تعالى فيه آية التطهير حيث يقول تعالى:

[إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا]، غيري وغير زوجتي وابني؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد ولد آدم عليه السلام وعلي سيد العرب، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما سألت الله عز وجل لي شيئا إلا سألت لك مثله، غيري؟!. قالوا: لا.

قال فهل فيكم أحد كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله في المواطن كلها، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد ناول رسول الله صلى الله عليه وآله قبضة من تراب تحت قدميه فرمى بها في وجوه الكفار فانهزموا، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قضى دين رسول الله صلى الله عليه وآله وأنجز عداته، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد اشتاقت الملائكة إلى رؤيته فاستأذنت الله تعالى في زيارته، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وأداته، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله في أهله وجعل أمر أزواجه إليه من بعده، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد حمله رسول الله صلى الله عليه وآله على كتفه حتى كسر الأصنام التي كانت على الكعبة، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد اضطجع هو ورسول الله صلى الله عليه وآله في لحاف واحد إذ كفلني، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت صاحب رايتي ولوائي في الدنيا والآخرة، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد كان أول داخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وآخر خارج من عنده ولا يحجب عنه، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم من نزلت فيه وفي زوجته وولديه: [ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا..].. إلى سائر ما اقتص الله تعالى من ذكرنا في هذه السورة، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: [أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله]، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أنزل الله تعالى فيه: [أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون..].. إلى آخر ما اقتص الله تعالى من خبر المؤمنين،

غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي زوجته وولديه آية المباهلة، وجعل الله عز وجل نفسه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، غيري؟!. قالوا: اللهم لا.

قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله] لما وقيت رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الفراش، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد سقى رسول الله صلى الله عليه وآله من المهراس لما اشتد ظمأه وأحجم عن ذلك أصحابه، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم إني أقول كما قال عبدك موسى: [رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري]..

إلى آخر دعوة موسى عليه السلام إلا النبوة، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد هو أدنى الخلائق برسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة وأقرب إليه مني كما أخبركم بذلك صلوات الله عليه وآله، غيري؟!.

قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن من شيعتك رجلا يدخل في شفاعته الجنة مثل ربيعة ومضر، غيري؟!. قالوا: لا.

قال فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت وشيعتك

هم الفائزون تردون يوم القيامة رواء مرويين ويرد عدوكم ظماء مقمحين، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب هذه الشعرات فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله تعالى، ومن أبغضها وآذاها فقد أبغضني وآذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله تعالى لعنه الله وأعد له جهنم وساءت مصيرا. فقال أصحابه: وما شعراتك هذه يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟. قال: علي وفاطمة والحسن والحسين، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الأعظم الذي يفرق بين الحق والباطل، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد طرح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه وأنا تحت الثوب وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: اللهم أنا وأهل بيتي هؤلاء إليك لا إلى النار، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله بالجحفة بالشجيرات من خم: من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله تعالى، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد كان رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين زوجته؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد جلس بين رسول الله صلى الله عليه وآله وزوجته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ستر دونك يا علي، غيري؟!. قالوا:

لا.

قال: فهل فيكم أحد احتمل باب خيبر يوم فتحت حصنها ثم مشى به ساعة ثم ألقاه فعالجه بعد ذلك أربعون رجلا فلم يقلوه من الأرض، غيري؟!.

قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت معي في قصري ومنزلك تجاه منزلي في الجنة، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت أولى الناس بأمتي من بعدي، والى الله من والاك وعادى الله من عاداك، وقاتل الله من قاتلك بعدي، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين وأشهرا قبل الناس، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنك عن يمين العرش يا علي يوم القيامة يكسوك الله عز وجل بردين: أحدهما أحمر والآخر أخضر، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أطعمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاكهة الجنة لما هبط بها جبرئيل عليه السلام وقال: لا ينبغي أن يأكله في الدنيا إلا نبي أو وصي نبي، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت أقومهم بأمر الله، وأوفاهم بعهد الله، وأعلمهم بالقضية، وأقسمهم بالسوية، وأرأفهم بالرعية، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت قسيم النار تخرج منها من آمن وأقر، وتدع فيها من كفر، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال للعين وقد غاضت: انفجري! فانفجرت، فشرب منها القوم وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون معه فشرب وشربوا وشربت خيلهم وملأوا رواياهم، غيري؟!. قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله حنوطا من حنوط الجنة، قال: أقسم هذا أثلاثا، ثلثا لي حنطني به، وثلثا لابنتي، وثلثا لك، غيري؟!. قالوا: لا.

قال:.. فما زال يناشدهم ويذكر لهم ما أكرمه الله تعالى وأنعم عليه به حتى قام قائم الظهيرة ودنت الصلاة، ثم أقبل عليهم وقال: أما إذا أقررتم على أنفسكم وبان لكم من سببي الذي ذكرت، فعليكم بتقوى الله وحده، وأنهاكم عن سخط الله فلا تعرضوا له ولا تضيعوا أمري، وردوا الحق إلى أهله، واتبعوا سنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسنتي من بعده، فإنكم إن خالفتموني خالفتم نبيكم فقد سمع ذلك منه جميعكم، وسلموها إلى من هو لها أهل وهي له أهل، أما والله ما أنا بالراغب في دنياكم، ولا قلت ما قلت لكم افتخارا ولا تزكية لنفسي، ولكن حدثت بنعمة ربي، وأخذت عليكم بالحجة.. ونهض إلى الصلاة، قال: فتوامر القوم فيما بينهم وتشاوروا، فقالوا: قد فضل الله علي بن أبي طالب بما ذكر لكم، ولكنه رجل لا يفضل أحدا على أحد ويجعلكم ومواليكم سواء، وإن وليتموه إياها ساوى بين أسودكم وأبيضكم، ووضع السيف على عاتقه، ولكن ولوها عثمان فهو أقدمكم ميلادا، وألينكم عريكة، وأجدر أن يتبع مسرتكم، والله رؤوف رحيم.

25 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن أحمد بن عبيد الله، عن الربيع بن سيار، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد يرفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه مثله.

إيضاح:

قال الجوهري: عصوته بالعصا: ضربته بها.. والعصا - مقصورا -:

مصدر قولك عصي بالسيف يعصى: إذا ضرب به.

وقال: قصعت هامته: إذا ضربتها ببسط كفك وقصع الله شبابه. وفي النهاية: فقصعه الله.. أي دفعه وكسره.

وفي بعض النسخ بالفاء وهو الكسر والدفع الشديد.

وقال الجوهري: فت الشئ.. أي كسره..، يقال: فت عضدي وهد ركني.

وقال الفيروزآبادي: فت في ساعدة: أضعفه.

والاقماح: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمحه الغل: إذا ترك رأسه

مرفوعا من ضيقه. وفي بعض النسخ: مظمئين، كما في الروايات الآخر على التأكيد، وفي بعضها: مفحمين.. أي مسكتين بالحجة.

أقول: قال أرباب السير والمحدثون من المخالفين لما طعن أبو لؤلؤة عمر ابن الخطاب وعلم أنه قد انقضت أيامه واقترب أجله، قال له بعض أصحابه: لو استخلفت يا أمير المؤمنين! فقال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله، فقال له رجب: ول عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا! ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته (5)؟! رواه ابن الأثير في الكامل والطبري، عن شيوخه بطرق متعددة، ثم قال: لا إرب لعمر في خلافتكم فما حمدتها فارغب فيها لاحد من أهل بيتي، فإن تك

خيرا فقد أصبنا منه وإن تك شرا فقد صرف عنا، حسب آل عمر أن يحاسب منهم واحد ويسأل عن أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله، فخرج الناس ورجعوا إليه، فقالوا له: لو عهدت عهدا، فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أولي أمركم رجلا هو أحراكم أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي عليه السلام - فرهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمها إليه ويصيرها تحته، فخفت أن أتحملها حيا وميتا، وعلمت أن الله غالب أمره.

ثم قال: عليكم بالرهط الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله:

إنهم من أهل الجنة ومات وهو راض عن هذه الستة من قريش: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم، ثم قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه، ثم قال: أدعوهم لي.. فدعوهم، فدخلوا عليه وهو ملقى على فراشه يجود بنفسه،

فنظر إليهم فقال: أكلكم يطمع في الخلافة (1)؟! فوجموا، فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير، وقال: وما الذي يبعدنا منها، وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة. فقال عمر: أفلا أخبركم عن أنفسكم؟. قالوا:

قل، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا، فقال: أما أنت يا زبير! فوعقة لقس، مؤمن الرضا كافر الغضب، يوما إنسان ويوما شيطان، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير، فإن أفضت إليك - فليت شعري - من يكون للناس يوم تكون شيطانا، ومن يكون يوم تغضب إماما، وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة.

ثم أقبل على طلحة - وكان له مبغضا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته: ما قال في عمر، وقد تقدم ذكره - فقال له: أقوال أم أسكت؟. قال: قل، فإنك لا تقول من الخير شيئا. قال: أما إني أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد والبأو

الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساخطا عليك للكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب -، والكلمة المذكورة هي أنه لما نزلت آية الحجاب قال طلحة: ما الذي يغنيه حجابهن اليوم وسيموت غدا فننكحهن، كذا ذكره ابن أبي الحديد عن شيخه الجاحظ.

وروى المفسرون، عن مقاتل، قال: قال طلحة بن عبد الله: لئن قبض رسول الله صلى الله عليه [وآله] لأنكحن عائشة بنت أبي بكر، فنزلت: [وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا..] الآية.

وقد مر في رواية علي بن إبراهيم أن طلحة قال: لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلا خيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا.

ثم قال ابن أبي الحديد: قال الجاحظ: لو قال لعمر قائل: أنت قلت أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول لطلحة إنه مات صلى الله عليه [وآله] ساخطا عليك للكلمة التي قلتها لكان قد

رماه بمشاقصه، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا، فكيف هذا؟.

ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص، فقال: إنما أنت صاحب مقنب من هذه المقانب تقاتل به وصاحب قنص وقوس وسهم، وما زهرة والخلافة وأمور الناس؟!.

ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأما أنت يا عبد الرحمن! فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك ولكن لا يصلح لهذا الامر من فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الامر؟!.

ثم أقبل على علي عليه السلام، فقال: لله أنت، لولا دعابة! فيك، أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على المحجة البيضاء والحق الواضح.

ثم أقبل على عثمان، فقال: هيها إليك! كأني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس وآثرتهم بالفئ فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا، والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته، فقال: فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنه كائن.

قال ابن أبي الحديد: ذكر هذا الخبر كله أبو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية، وذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر.

وقال الزمخشري في الفائق: إن عمر دخل عليه ابن عباس - حين طعن - فرآه مغتما لمن يستخلف بعده، فجعل ابن عباس يذكر له أصحابه، فذكر عثمان، فقال: إنه كلف بأقاربه، وروي: أخشى حفده وأثرته. قال: فعلي؟.

قال: ذاك رجل فيه دعابة!. قال: فطلحة؟. قال: لولا بأو فيه. وروي أنه قال: الأكنع، إن فيه باؤ أو نخوة. قال: فالزبير؟. قال: وعقة لقس. وقال روي: ضرس ضبس، أو قال: ضمس. وروي: لا يصلح أن يلي هذا الامر إلا حصيف العقدة قليل الغرة، الشديد في غير عنف. فعبد الرحمن؟. قال:

أوه! ذكرت رجلا صالحا و لكنه ضعيف، وهذا الامر لا يصلح له إلا اللين من غير ضعف والقوي من غير عنف، و اللين في غير ضعف، الجواد في غير

سرف، البخيل في غير وكف. قال: فسعد بن أبي وقاص؟. قال: ذاك يكون في مقنب من مقانبكم.

ثم فسر ألفاظه، فقال، الكلف: الايلاع بالشئ مع شغل القلب والمشقة، يقال: كلف فلان بهذا الامر وبهذه الجارية فهو بها كلف مكلف، ومنه المثل: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا، وهو من كلف الشئ بمعنى تكلفه..

الحفد: الجمع وهو من أخوات الحفل والحفش، ومنه المحفد بمعنى المحفل، واحتفد بمعنى احتفل. عن الأصمعي، وقيل: لمن يخف في الخدمة، وللسائر إذا خب: حافد، لأنه يحتشد في ذلك، ويجمع له نفسه، ويأتي بخطأه متتابعة،... وتقول العرب للأعوان والخدم: الحفدة، وأخشى حفده.. أي حفوفه في مرضاة أقاربه.

الأثرة: الاستيثار بالفئ وغيره.

الدعابة - كالمزاحة - ودعب يدعب كمزح يمزح، ورجل دعب ودعابة.

البأو: العجب والكبر.

الأكنع: الأشل، وقد كنعت أصابعه كنعا إذا تشنجت،... وقد كانت أصيبت يده مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وقاه بها يوم أحد.

النخوة: العظيمة والكبر. وقد نخى كزهى وانتخى.

رجل وعقة لعقة ووعق لعق.. إذا كان فيه حرص ووقوع في الامر بجهل وضيق نفس وسوء خلق... ويخفف فيقال: وعقة ووعق، وهو من العجلة والتسرع،... ويقال: ما أوعقك عن كذا.. أي ما أعجلك...

لقست نفسه إلى الشئ: إذا نازعت إليه وحرصت عليه لقسا، والرجل لقس، وقيل: لقست: خبثت. وعن أبي زيد: اللقس: هو الذي يلقب الناس ويسخر منهم، ويقال: النقس - بالنون - ينقس الناس نفسا.

الضرس: الشرس، الزعر من الناقة الضروس، وهي التي تعض حالبها، ويقال: اتق الناقة بجز ضراسها.. أي بحدثان نتاجها وسوء خلقها، وذلك لشدة عطفها على ولدها في هذا الوقت.

الضيس والضمس قريبان من الضرس، يقال: فلان ضيس شر، وجمعه أضياس.

الضمس: المضغ.

الوكف: الوقوع في المآثم والعيب، وقد وكف فلان يوكف وكفا وأوكفته أنا إذا أوقعته. قال:

الحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائهم وكف

وهو من وكف المطر إذا وقع، و منه توكف الخبر وهو توقعه.

المقنب من الخيل.. الأربعون و الخمسون.

وفي كتاب العين زهاء ثلاثمائة، يعني إنه صاحب جيوش، وليس يصلح لهذا الامر. انتهى كلام الزمخشري.

وروى ابن عبد البر في الاستيعاب أنه قال في علي عليه السلام: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق المستقيم. فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم عليا؟. قال: أكره أن أتحملها حيا وميتا.

وحكاه السيد رضي الله عنه في الشافي، عن البلاذري في تاريخه، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن مسلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع: أن عمر بن الخطاب كان مستند إلى ابن العباس - وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد -، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا، ولم أستخلف بعدي أحدا، وإنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله. فقال سعيد بن زيد: أما أنك لو أشرت إلى رجل من المسلمين ائتمنك الناس. فقال عمر: لقد رأيت من أصحابي حرصا شنيعا وأنا جاعل هذا الامر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات

رسول الله صلى الله عليه [وآله] وهو عنهم راض، ثم قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الامر إليه لوثقت به، سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟. فقال له: قاتلك الله! والله ما أردت الله بها، ما أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته. قال عفان: يعني بالرجل الذي أشار إليه بعبد الله بن عمر: المغيرة بن شعبة.

وقال في موضع آخر منه: روى محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد ابن عبد الله الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عيينة، عن ابن عباس، قال:

قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد صلى الله عليه [وآله]؟! - وذلك قبل أن يطعن -، فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟. قال: أصاحبكم؟

يعني عليا عليه السلام. قلت: نعم والله هو لها أهل في قرابته من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وصهره وسابقته وبلائه. فقال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة. قلت: فأين أنت عن طلحة؟. قال: فإن فيه الزهو والنخوة. قلت:

عبد الرحمن؟. قال: رجل صالح على ضعف فيه. قلت: فسعد؟. قال: ذلك صاحب مقنب وقتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير؟. قال: وعقة لقس، مؤمن الرضا كافر الغضب، شحيح، وإن هذا الامر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت عن

عثمان (1)؟. قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه.

وروى أحمد بن أعثم في تاريخه: أن كلامه في حق الستة كان قبل أن يطعنه أبو لؤلؤة بيومين أو ثلاثة، وذلك أنه لما هدده أبو لؤلؤة - وقد تقدم ذكره - صعد المنبر في غده وذكر رؤيا رآها في ليلته، ثم قال: إني لا أرتاب في اقتراب أجلي فإذا كان ذلك فاختاروا رجلا من الستة الذين توفى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وهو عنهم راض.. وذكر هم بأسمائهم، ثم نزل فأخذ بيد عبد الله بن العباس وخرج من المسجد، ثم تنفس الصعداء وقال: إني لا أجزع من الموت ولكن أحزن على هذا الامر بعدي، فقال له عبد الله: ما تقول في علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد لاح لك أمره في الهجرة والقرابة والسوابق؟. فقال: صدقت يا بن عباس! وإني لاعلم منه أنه لو صار إليه لأقام الناس على المحجة البيضاء، ولكني يمنعني منه دعابة فيه وحرصه على هذا الامر.. ثم ذكر كلا من الباقين وعابه بنحو مما ذكر آنفا، ثم تأسف على فقد معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة، ثم دخل داره.

قال: ثم طعنه أبو لؤلؤة بعد ذلك بخنجر له رأسان وقبضته في وسطه كما تقدم.

قال: ولم يكن طلحة يومئذ بالمدينة، فقال عمر: انتظروا بطلحة ثلاثة أيام فإن جاء وإلا فاختاروا رجلا من الخمسة.

وقال محمد بن جرير الطبري: إن طلحة لم يذكر في هذا المجلس ولم يكن يومئذ بالمدينة.

ثم قال لهم: إنهظوا إلى حجرة عائشة فتشاوروا فيها، ووضع رأسه وقد نزفه الدم، فدخلوا الحجرة وتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: إن أمير المؤمنين لم يمت بعد ففيم هذا اللغط؟!، وانتبه عمر وسمع الأصوات، فقال: أعرضوا عنها فإذا أنا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع من موتي إلا وعليكم أمير، وليحضر عبد الله بن عمر مشيرا وليس له شئ من الامر، وطلحة بن عبيد الله شريككم في الامر، فإن قدم إلى ثلاثة أيام فاحضروه أمركم، وإلا فأرضوه، ومن لي برضا طلحة!. فقال سعد: أنا لك به ولن نخالف إن شاء الله.

ثم ذكر وصيته لأبي طلحة الأنصاري وما خص به عبد الرحمن بن عوف من كون الحق في الفئة التي هو فيها، وأمره بقتل من يخالف، ثم خرج الناس، فقال علي للعباس: عدل بالامر عني يا عم (7)؟. قال: وما علمك؟. قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان، فيوليها أحدهما الآخر فلو كان الآخران معي لم يغنيا شيئا. فقال العباس: لم أرفعك إلى شئ إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك عند

مرض رسول الله صلى الله عليه وآله أن تسأله عن هذا الامر فيمن هو؟ فأبيت، وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة فأبيت، وقد أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى اليوم أن ترفع نفسك عنها ولا تدخل معهم، فأبيت، فاحفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم الامر فقل: لا، إلا أن يولوك، واعلم أن هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الامر حتى يقوم لك به غيرك، وأيم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير.

فقال علي عليه السلام: أما إني أعلم أنهم سيولون عثمان، وليحدثن البدع والاحداث، ولئن بقي لأذكرنك وإن قتل أو مات ليتداولنها بنو أمية بينهم، وإن كنت حيا لتجدني حيث يكرهون، ثم تمثل:

حلفت برب الراقصات عشية * غدون خفافا يبتدرن المحصبا ليحتلبن رهط ابن يعمر غدوة * بخيعا بنو الشداخ وردا مصلبا

قال: ثم التفت فرأى أبا طلحة الأنصاري فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لا ترع أبا حسن.. وهذا الذي حكيناه عن الطبري.

ذكره ابن الأثير في الكامل، قالوا: ثم قال عمر: ادعو لي أبا طلحة الأنصاري، فدعوه له، فقال: يا أبا طلحة! إن الله طالما أعز بكم الاسلام، فإذا عدتم من حفرتي فاختر خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفهم وخذ هؤلاء النفر بإمضاء الامر وتعجيله، واجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فإن اتفق خمس وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن بن عوف فإن أصرت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقها.

وفي رواية ابن الأثير: فإن رضي ثلاثة فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن واقتلوا الباقين.

ثم قال: وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على الامر فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم، فلما دفن عمر، جمعهم أبو طلحة الأنصاري في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في بيت المال، وقيل: في حجرة عائشة بإذنها ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفهم، فجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا على باب البيت فحصبهما سعد

وأقامهما وقال: تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أهل الشورى، ثم تكلم أهل الشورى فأشهد هم طلحة بن عبيد الله على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به عليا عليه السلام وعثمان، وإن الخلافة لا تخلص له، فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب علي عليه السلام بهبته أمر لا انتفاع له به، وذلك كان لانحرافه عن علي عليه السلام لكونه تيميا وابن عم أبي بكر، وقد كان في صدور بني هاشم حنق وغيظ على بني تيم لخلافة أبي بكر، وكذا في صدور تيم على بني هاشم، فلما رأى زبير ذلك قال: وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي عليه السلام، وذلك لما دخلته من حمية النسب، وذلك لأنه كان ابن عمة أمير المؤمنين عليه السلام، وهي صفية بنت عبد المطلب، وكان أبو طالب عليه السلام خاله فبقي من الستة أربعة، فقال سعد بن أبي وقاص: وأنا قد وهبت حقي لابن عمي عبد الرحمن وذلك لأنهما كانا من بني زهرة، وكان سعد يعلم أن الامر لا يتم له، فلما لم يبق إلا الثلاثة قال عبد الرحمن لعلي عليه السلام وعثمان: أيكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟!. فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن: أشهدكم أني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما، فأمسكا، فبدأ بعلي عليه السلام، فقال له: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله (ص) وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر. فقال: بل على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله واجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان، فعرض ذلك عليه، فقال:

نعم، فعاد إلى علي (ع) فأعاد قوله، فعل عبد الرحمن ذلك ثلاثا، فلما رأى أن عليا

غير راجع عما قاله، وأن عثمان ينعم له بالإجابة، صفق على يد عثمان، فقال:

السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال علي عليه السلام: والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم. قالوا: ففسد بعد ذلك بين عثمان وعبد الرحمن فلم يكلم أحدهما الآخر حتى مات عبد الرحمن.

وروى ابن أبي الحديد، عن أبي هلال العسكري في كتاب الأوائل:

استجيبت دعوة علي عليه السلام في عثمان وعبد الرحمن فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين،... ولما بنى عثمان قصره طمار والزوراء وصنع طعاما كثيرا ودعا الناس إليه كان فيهم عبد الرحمن، فلما نظر إلى البناء والطعام، قال: يا بن عفان!

لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وإني أستعيذ الله من بيعتك، فغضب عثمان، وقال: أخرجه عني يا غلام، فأخرجوه، وأمر الناس أن لا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس، كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى مات.

والذي يظهر من رواية ابن الأثير في الكامل ومحمد بن جرير في تاريخه هو أنه لم يتحقق بيعة عثمان في اليوم الأول من الشورى.

قال ابن الأثير: كان عبد الرحمن يدور لياليه يلقى أصحاب رسول الله

صلى الله عليه [وآله] وأمراء الاجناد يشاورهم حتى إذا كانت الليلة التي صبيحتها تستكمل الأيام الثلاثة التي أجلها عمر أتى منزل المسور بن مخرمة فأيقظه، وقال:

إني لم أذق في هذه الليلة كثير غمض، فانطلق فادع الزبير وسعد، فدعاهما فبدأ بالزبير، فقال له: خل ابني عبد مناف و هذا الامر، فقال: نصيبي لعلي عليه السلام، وقال لسعد: اجعل نصيبك لي. فقال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي، أيها الرجل! بايع لنفسك وأرحنا. فقال له: جعلت على نفسي أن أختار وإن لم أفعل لم أردها، إني رأيت روضة خضراء كثيرة العشب فدخل فحل ما رأيت أكرم منه فمر كأنه سهم ولم يلتف إلى شئ منها حتى قطعها ولم يعرج، ودخل بعير يتلوه واتبع أثره حتى خرج منها، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه ومضى قصد الأولين، ثم دخل بعير رابع فوقع في الروضة، ولا والله لا أكون الرابع، إن أحدا ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما فيرضى الناس عنه.

قال: وأرسل المسور يستدعي عليا فناجاه طويلا ثم أرسل إلى عثمان

فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح...، فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار والى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى ارتج المسجد بأهله، فقال: أيها الناس! إن الناس قد أحبوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصار هم فأشيروا علي؟. فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف الناس فبايع عليا عليه السلام. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا عليه السلام قلنا سمعا وطاعة. فقال عبد الله بن أبي سرح: إن أردت أن لا يختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله أبي ربيعة المخزومي:

صدق، إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا...، فشتم عمار ابن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟!. فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، فقال عمار:

أيها الناس! إن الله أكرمنا بنبيه فأنى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم؟!. فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية، وما أنت وتأمير قريش لانفسها. فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن! أفرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن - أيها الرهط - على أنفسكم سبيلا، ودعا عليا عليه السلام، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه [وآله] وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان، فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني جعلت ما برقبتي من ذاك في رقبة عثمان، فبايعه. فقال علي عليه السلام: ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه

علينا، [فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون]، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامر إليك، والله كل يوم في شأن. فقال عبد الرحمن: يا علي! لا تجعلن على نفسك سبيلا - يعني يقتلك أبو طلحة حسب ما أمره به عمر -. فخرج علي عليه السلام وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال عمار: يا عبد الرحمن! لقد تركته وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون...، ثم قال المقداد: تالله ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لاعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن أحدا أقضى بالحق ولا أعلم ولا أتقى منه، أما والله لو أجد أعوانا عليه لقاتلتهم. فقال عبد الرحمن: اتق الله يا مقداد! فإني خائف عليك الفتنة... وقال علي عليه السلام: إني لاعلم ما في أنفسهم، إن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر في صلاح شأنها، فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش.

قال: وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل له بايع لعثمان. فقال: كل قريش راض به؟. قالوا: نعم، فأتى عثمان، فقال له عثمان:

أنت على رأس أمرك وإن أبيت رددتها. قال: أتردها؟. قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك؟. قال: نعم. قال: قد رضيت، لا أرغب عما أجمعوا عليه.

وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد! قد أصبت إن بايعت عثمان، وقال

لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا. فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور!

لو بايعت غير عثمان لبايعته ولقلت هذه المقالة، قال: وكان المسور يقول: ما رأيت أحدا مد قوما فيما دخلوا فيه بمثل ما مدهم عبد الرحمن.

ثم قال ابن الأثير: وقد ذكر أبو جعفر رواية أخرى في الشورى، عن المسور بن مخرمة قريبا مما تقدم، غير أنه قال: لما دفنوا عمر جمعهم عبد الرحمن وخطبهم وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق، فتكلم عثمان... وذكر ابن الأثير ما خطب به عثمان ثم الزبير ولا حاجة بنا إلى إيراد خطبتهما.

ثم أورد كلام علي بن أبي طالب عليه السلام وهو قوله:

الحمد لله الذي اختار محمدا صلى الله عليه وآله منا نبيا وابتعثه إلينا رسولا، فنحن أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة، وأمان لأهل الأرض، ونجاة لمن طلب، إن لنا حقا إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله صيل الله عليه وآله عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اسمعوا كلامي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الامر

بعد هذا الجمع تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى لا يكون لكم جماعة، وحتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة.

وقد روى ابن أبي الحديد هذا الكلام، عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ثم قال: وذكر الهروي في كتاب الجمع بين الغريبين قوله عليه السلام:

وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل.. وفسره على وجهين: أحدهما: أن من ركب عجز البعير يعاني مشقة، فكأنه قال: وإن نمنعه نصبر على المشقة كما يصبر عليها راكب عجز البعير. والوجه الثاني : أنه أراد نتبع غيرنا كما أن راكب عجز البعير يكون رديفا لمن هو أمامه، فكأنه قال: وإن نمنعه نتأخر ونتبع غيرنا كما يتأخر راكب عجز البعير.

NoteV31P407N27 باب احتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على جماعة من المهاجرين والأنصار لما تذاكروا فضلهم في أيام خلافة عثمان وغيره مما احتج به في أيام خلافة خلفاء الجور وبعدها 1 - الإحتجاج: روي عن سليم بن قيس الهلالي، أنه قال: رأيت عليا عليه السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في خلافة عثمان وجماعة يتحدثون ويتذاكرون العلم، فذكروا قريشا وفضلها وسوابقها وهجرتها وما قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله من الفضل، مثل قوله صلى الله عليه وآله: الأئمة من قريش. وقوله صلى الله عليه وآله: الناس تبع لقريش وقريش أئمة العرب.

وقوله: لا تسبوا قريشا. وقوله: إن للقرشي مثل قوة رجلين من غيرهم. وقوله: من أبغض قريشا أبغضه الله. وقوله: من أراد هوان قريش أهانه الله.. وذكروا الأنصار وفضلها وسوابقها ونصرتها وما أثنى الله عليهم في كتابه، وما قال فيهم

رسول الله صلى الله عليه وآله من الفضل، وذكروا ما قاله في سعد بن معاذ و في جنازته، والذي غسلته الملائكة، والذي حمته الدبر.. فلم يدعوا شيئا من فضلهم حتى قال كل حي: منا فلان وفلان. وقالت قريش: منا رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنا حمزة، ومنا جعفر، ومنا عبيدة بن الحارث، وزيد بن حارثة، ومنا أبو بكر وعمر وسعد وأبو عبيدة وسالم وابن عوف.. فلم يدعوا من الحيين أحدا من أهل السابقة إلا سموه، وفي الحلقة أكثر من مائتي رجل فيهم علي ابن أبي طالب عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعمار والمقداد وأبو ذر وهاشم بن عتبة وابن عمر والحسن والحسين عليهما السلام وابن عباس ومحمد بن أبي بكر وعبد الله بن جعفر، ومن الأنصار أبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وأبو الهيثم بن التيهان ومحمد بن سلمة وقيس بن سعد بن عبادة وجابر بن عبد الله وأبو مريم وأنس بن مالك وزيد بن أرقم وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو ليلى ومعه ابنه عبد الرحمن قاعدا بجنبه غلام صبيح الوجه مديد القامة أمرد، فجاء أبو الحسن البصري ومعه ابنه الحسن غلام أمرد صبيح الوجه معتدل القامة، قال: فجعلت أنظر إليه وإلى عبد الرحمن

ابن أبي ليلى فلا أدري أيهما أجمل، غير أن الحسن أعظمهما وأطولهما، وأكثر القوم وذلك من بكرة إلى حين الزوال وعثمان في داره لا يعلم بشئ مما هم فيه، وعلي ابن أبي طالب عليه السلام لا ينطق هو ولا أحد من أهل بيته، فأقبل القوم عليه، فقالوا: يا أبا الحسن! ما يمنعك أن تتكلم؟. فقال: ما من الحيين أحد إلا وقد ذكر فضلا وقال حقا، فأنا أسألكم - يا معاشر قريش والأنصار! - بمن أعطاكم الله هذا الفضل؟ أبأنفسكم وعشائركم وأهل بيوتاتكم أمر بغيركم؟. قالوا: بل أعطانا الله ومن به علينا بمحمد صلى الله عليه وآله وعشيرته لا بأنفسنا وعشائرنا ولا بأهل بيوتاتنا.

قال: صدقتم، يا معاشر قريش والأنصار! ألستم تعلمون أن الذي نلتم به من خير الدنيا والآخرة منا أهل البيت خاصة دون غيرهم؟ فإن ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إني وأهل بيتي كنا نورا بين يدي الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق الله آدم عليه السلام بأربعة عشر ألف سنة فلما خلق الله آدم وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض، ثم حمله في السفينة في صلب نوح عليه السلام، ثم قذف به في النار في صلب إبراهيم عليه السلام، ثم لم يزل الله عز وجل ينقلنا من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، ومن الأرحام الطاهرة، إلى الأصلاب الكريمة من الآباء والأمهات لم يلتق واحد منهم على سفاح قط.

فقال أهل السابقة والقدمة وأهل بدر وأهل أحد: نعم قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أني أول الأمة إيمانا بالله وبرسوله؟.

قالوا: اللهم نعم.

قال: نشدتكم بالله، أتعلمون أن الله عز وجل فضل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية، وإني لم يسبقني إلى الله عز وجل والى رسوله (ص) أحد من هذه الأمة؟. قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم بالله، أتعلمون حيث نزلت. [والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار] [والسابقون السابقون * أولئك المقربون] سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أنزلها الله عز وجل في الأنبياء وفي أوصيائهم، فأنا أفضل أنبياء الله ورسله وعلي بن أبي طالب عليه السلام وصيي أفضل الأوصياء؟. قالوا: اللهم نعم.

قال: فأنشدكم بالله، أتعلمون حيث نزلت: [يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم]، وحيث نزلت: [إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون]، وحيث نزلت: [ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة]. قال الناس: يا رسول الله! أخاصة في بعض المؤمنين أم عامة بجميعهم (9)؟ فأمر الله عز وجل نبيه أن يعلمهم ولاة أمرهم وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجهم، فنصبني للناس بغدير خم، ثم خطب

فقال: أيها الناس! إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري فظننت أن الناس مكذبوني فأوعدني لابلغها أو ليعذبني، ثم أمر فنودي بالصلاة جامعة ثم خطب، فقال: أيها الناس! أتعلمون أن الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؟. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قم يا علي، فقمت، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فقام سلمان، فقال: يا رسول الله (ص)! ولاء كما ذا؟. قال: ولاء كولائي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، فأنزل الله عز وجل: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا]، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: الله أكبر تمام نبوتي وتمام دين الله ولاية علي بعدي، فقام أبو بكر وعمر وقالا: يا رسول الله (ص )! هذه الآيات خاصة في علي؟!. قال: بلى، فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة. قالا: يا رسول الله (ص)! بينهم لنا. قال: أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي، ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا

علي الحوض، فقالوا كلهم: اللهم نعم، قد سمعنا ذلك وشهدنا كما قلت سواء.

وقال بعضهم: قد حفظنا جل ما قلت ولم نحفظ كله، وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا، فقال علي عليه السلام: صدقتم، ليس كل الناس يستوي في الحفظ.

أنشدكم بالله عز وجل من حفظ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله، لما قام وأخبر به. فقام زيد بن أرقم والبراء بن عازب وأبو ذر، والمقداد، وعمار، فقالوا: نشهد لقد حفظنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قائم على المنبر وأنت إلى جنبه وهو يقول: أيها الناس! إن الله أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيي وخليفتي والذي فرض الله على المؤمنين في كتابه طاعته وقرنه بطاعته وطاعتي، وأمركم بولايته، وإني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم فأوعدني ربي لابلغنها أو يعذبني.

أيها الناس! إن الله أمركم في كتابه بالصلاة فقد بينتها لكم والزكاة والصوم والحج فبينتها لكم وفسرتها، وأمركم بالولاية وإني أشهدكم أنها لهذا خاصة - و وضع يده على يد علي بن أبي طالب عليه السلام - ثم لابنيه من بعده، ثم للأوصياء من بعدهم من ولدهم عليهم السلام لا يفارقون القرآن ولا يفارقهم حتى يردوا علي الحوض.

أيها الناس! قد بينت لكم مفزعكم بعدي وإمامكم ودليلكم وهاديكم،

وهو أخي علي بن أبي طالب، وهو فيكم بمنزلتي فيكم، فقلدوه دينكم وأطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده جميع ما علمني الله عز وجل من علمه وحكمته فاسألوه وتعلموا منه ومن أوصيائه بعده، ولا تعلموهم ولا تتقدموهم ولا تخلفوا عنهم، فإنهم مع الحق والحق معهم، ولا يزايلونه ولا يزايلهم.. ثم جلسوا.

قال سليم: ثم قال علي عليه السلام: أيها الناس! أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في كتابه: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] فجمعني وفاطمة وابني حسنا وحسينا ثم ألقى علينا كساء، وقال:

اللهم إن هؤلاء أهل بيتي ولحمتي يؤلمني ما يؤلمهم، ويجرحني ما يجرحهم، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقالت أم سلمة: وأنا يا رسول الله (ص)؟. فقال: أنت إلى خير، إنما نزلت في وفي أخي علي وفي ابني وفي تسعة من ولد الحسين خاصة ليس معنا أحد غيرنا، فقالوا كلهم: نشهد أن أم سلمة حدثتنا بذلك، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فحدثنا كما حدثتنا به أم سلمة.

ثم قال علي عليه السلام: أنشدكم بالله، أتعلمون أن الله أنزل: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] (10)؟. فقال سلمان: يا رسول

الله! عامة هذه الآية أم خاصة؟. فقال: أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك، وأما الصادقون فخاصة لأخي علي (ع) وأوصيائي بعده إلى يوم القيامة؟. فقالوا: اللهم نعم.

قال: فأنشدكم بالله، أتعلمون أني قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك: ولم خلفتني مع النساء والصبيان (6)؟. فقال: إن المدينة لا تصلح إلا بي أوبك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟.

قالوا: اللهم نعم.

قال: فأنشدكم بالله، أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في سورة الحج:

[يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير..] إلى آخر السورة؟، فقام سلمان، فقال: يا رسول الله! من هؤلاء الذين أنت عليهم شهيد وهم شهداء على الناس، الذين اجتباهم الله ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ملة أبيهم إبراهيم؟. قال: عني بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصة دون هذه الأمة، فقال سلمان: بينهم لنا يا رسول الله؟. فقال: أنا وأخي علي وأحد عشر من ولدي؟. قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطيبا - و لم يخطب بعد ذلك -، فقال: أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله

وعترتي أهل بيتي فتمسكوا بهما لا تضلوا، فإن اللطيف الخبير أخبرني وعهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فقام عمر بن الخطاب - وهو شبه المغضب -، فقال: يا رسول الله! أكل أهل بيتك؟!. فقال: لا، ولكن أوصيائي منهم، أولهم علي أخي ووزيري وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي، هو أولهم، ثم ابني الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد حتى يردوا علي الحوض شهداء لله في أرضه وحججه على خلقه، وخزان علمه، ومعادن حكمته، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله. فقالوا كلهم: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك...

ثم تمادى بعلي عليه السلام السؤال: فما ترك شيئا إلا ناشدهم الله فيه وسألهم عنى حتى أتى على آخر مناقبه وما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله، كل ذلك يصدقونه ويشهدون أنه حق، ثم قال حين فرغ: اللهم اشهد عليهم.

وقالوا: اللهم اشهد أنا لم نقل إلا ما سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وما حدثناه من نثق به من هؤلاء وغيرهم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: أتقرون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من زعم أنه يحبني ويبغض عليا فقد كذب وليس يحبني؟! ووضع يده على رأسي، فقال له قائل:

كيف ذلك يا رسول الله (ص)؟. قال: لأنه مني وأنا منه، ومن أحبه فقد أحبني

ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله. قال: نحو من عشرين رجلا من أفاضل الحيين: اللهم نعم. وسكت بقيتهم.

فقال للسكوت: مالكم سكتم؟!. قالوا: هؤلاء الذين شهدوا عندنا ثقات في قولهم وفضلهم وسابقتهم، قالوا: اللهم اشهد عليهم. فقال طلحة بن عبيد الله - وكان يقال له داهية قريش -: فكيف تصنع بما ادعى أبو بكر وأصحابه الذين صدقوه وشهدوا على مقالته يوم أتوه بك تقادوا و في عنقك حبل، فقالوا لك: بايع، فاحتججت بما احتججت به فصدقوك جميعا. ثم ادعى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أبى الله أن يجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة، فصدقه بذلك عمر وأبو عبيدة وسالم ومعاذ بن جبل، ثم قال طلحة:

كل الذي قلت وادعيت واحتججت به من السابقة والفضل حق نقر به ونعرفه.

فأما الخلافة فقد شهد أولئك الأربعة بما سمعت. فقام علي عليه السلام - عند ذلك وغضب من مقالته - فأخرج شيئا قد كان يكتمه، وفسر شيئا قاله يوم

مات عمر لم يدر ما عني به، فأقبل على طلحة والناس يسمعون، فقال: أما والله - يا طلحة - ما صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة الأربعة، هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع إن قتل الله محمدا أو توفاه أن يتوازروا علي ويتظاهروا فلا تصل إلي الخلافة، والدليل - والله - على باطل ما شهدوا وما قلت - يا طلحة - قول نبي الله يوم غدير خم: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم وهم أمراء علي وحكام؟! وقول رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة، فلو كان مع النبوة غيرها لاستثناه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله: إني قد تركت فيكم أمرين كتاب الله وعترتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما لا تتقدموهم ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، أفينبغي أن يكون الخليفة على الأمة إلا أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه، وقد قال الله عز وجل: [أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون]، وقال: [وزاده بسطة في العلم

والجسم]، وقال: [ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ولت أمة قط أمرها رجلا وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فأما الولاية فهي غير الامارة، والدليل على كذبهم وباطلهم وفجورهم أنهم سلموا علي بإمرة المؤمنين بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن الحجة عليهم وعليك خاصة وعلى هذا معك - يعني الزبير - وعلى الأمة رأسا، وعلى هذا سعد وابن عوف وخليفتكم هذا القائم - يعني عثمان - فإنا معشر الشورى الستة أحياء كلنا إن جعلني عمر بن الخطاب في الشورى إن كان قد صدق هو وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وآله، أجعلنا شورى في الخلافة أو في غيرها؟ فإن زعمتم أنه جعلها شورى في غير الامارة فليس لعثمان إمارة، وإنما أمرنا أن نتشاور في غيرها، وإن كانت الشورى فيها فلم أدخلني فيكم، فهلا أخرجني وقد قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج أهل بيته من الخلافة، وأخبر أنه ليس لهم فيها نصيب؟!. ولم قال عمر حين دعانا رجلا رجلا، فقال لعبد الله ابنه -

وها هو إذا - أنشدك بالله يا عبد الله بن عمر! ما قال لك حين خرجت؟. قال: أما إذا ناشدتني بالله، فإنه قال: إن يتبعوا أصلع قريش لحملهم على المحجة البيضاء وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم. قال: يا بن عمر! فما قلت له عند ذلك؟. قال: قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟. قال: وما رد عليك؟. قال:

رد على شيئا أكتمه. قال عليه السلام: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني به في حياته: ثم أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في نومه فقد رآه في يقظته. قال: فما أخبرك (8)؟.

قال عليه السلام: فأنشدك بالله يا بن عمر! لئن أخبرتك به لتصدقن؟.

قال: إذا أسكت. قال: فإنه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟.

قال: الصحيفة التي كتبناها بيننا والعهد في الكعبة، فسكت ابن عمر وقال:

أسألك بحق رسول الله (ص) لما سكت عني.

قال سليم: فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس خنقته العبرة وعيناه تسيلان، وأقبل أمير المؤمنين علي عليه السلام على طلحة والزبير وابن عوف

وسعد، فقال: والله لئن كان أولئك الخمسة أو الأربعة كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ما يحل لكم ولايتهم، وإن كانوا صدقوا ما حل لكم أيها الخمسة أن تدخلوني معكم في الشورى، لان إدخالكم إياي فيها خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله ورد عليه، ثم أقبل على الناس، فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم وما تعرفوني به، أصادق أنا فيكم أم كاذب؟!. قالوا: بل صديق صدوق، والله ما علمناك كذبت كذبة قط في جاهلية ولا اسلام.

قال: فوالله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة وجعل منا محمدا صلى الله عليه وآله وأكرمنا بعده بأن جعلنا أئمة المؤمنين لا يبلغ عنه غيرنا، ولا تصلح الإمامة والخلافة إلا فينا، ولم يجعل لاحد من الناس فيها معنا أهل البيت نصيبا ولا حقا، أما رسول الله صلى الله عليه وآله فخاتم النبيين وليس بعده نبي ولا رسول، ختم برسول الله صلى الله عليه وآله الأنبياء إلى يوم القيامة وجعلنا من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلفاء في أرضه وشهداء على خلقه، وفرض طاعتنا في كتابه، وقرننا بنفسه في كتابه المنزل وبينه في غير آية من القرآن، والله عز وجل جعل محمدا نبيا وجعلنا خلفاء من بعده في خلقه وشهداء على خلقه، وفرض

طاعتنا في كتابه وقرننا بنفسه في كتابه المنزل.

ثم إن الله تبارك وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبلغ ذلك أمته فبلغهم كما أمره الله.. فأيهما أحق بمجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانه، وقد سمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثني ببراءة، فقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، أنشدكم بالله، أسمعتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله؟. قالوا: اللهم نعم، نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثك ببراءة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.