بحارالانوار · المجلد الثامن
باب نادر قال أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد: أخبرني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، عن فارس بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن شيبة، عن محمد ب
ج ۳۱، ص ۴۲۰–۴۵۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۷ از ۱۲
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة قدر أربع أصابع، وإنه لا يصلح أن يكون المبلغ عنه غيري، فأيهما أحق بمجلسه ومكانه - الذي سمي بخاصته أنه من رسول الله صلى الله عليه وآله أو من حضر مجلسه من الأمة -؟!. فقال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففسر لنا كيف لا يصلح لاحد أن يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله غيرك؟. ولقد قال لنا ولسائر الناس: ليبلغ الشاهد الغائب، فقال - بعرفة في حجة الوداع -: نضر الله امرءا سمع مقالتي ثم بلغها غيره، فرب
حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله عز وجل، والسمع والطاعة والمناصحة لولاة الامر ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم محيلة من ورائهم، وقال في غير موطن: ليبلغ الشاهد الغائب.
فقال علي عليه السلام: إن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم ويوم عرفة في حجة الوداع ويوم قبض في آخر خطبة خطبها حين قال:
إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وأهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض كهاتين الإصبعين، ألا أن أحدهما قدام الآخر فتمسكوا بهما لا تضلوا ولا تزلوا، ولا تقدموهم ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، و إنما أمر العامة جميعا أن يبلغوا من لقوا من العامة إيجاب طاعة الأئمة من آل محمد عليه وعليهم السلام وإيجاب حقهم، ولم يقل ذلك في شئ من الأشياء غير ذلك، وإنما أمر العامة أن يبلغوا العامة حجة من لا يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله جميع
ما يبعثه الله به غيرهم، ألا ترى - يا طلحة -! أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي - وأنتم تسمعون -: يا أخي إنه لا يقضي عني ديني ولا يبرء ذمتي غيرك، تبرئ ذمتي وتؤدي ديني وغراماتي وتقاتل على سنتي؟!. فلما ولي أبو بكر قضى عن نبي الله دينه وعداته فاتبعتموه جميعا؟!، فقضيت دينه وعداته، وقد أخبرهم إنه لا يقضي عنه دينه وعداته غيري، ولم يكن ما أعطاهم أبو بكر قضاء لدينه وعداته، وإنما كان الذي قضى من الدين والعدة هو الذي أبرأه منه، وإنما بلغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله جميع ما جاء به من عند الله من بعده الأئمة الذين فرض الله في الكتاب طاعتهم وأمر بولايتهم، الذين من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله. فقال طلحة: فرجت عني ما كنت أدري ما عنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فسرته لي، فجزاك الله يا أبا الحسن عن جميع أمة محمد صلى الله عليه وآله الجنة. يا أبا الحسن! شئ أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت: أيها الناس! إني لم أزل مشتغلا برسول الله صلى الله عليه وآله بغسله وكفنه ودفنه، ثم اشتغلت بكتاب الله حتى جمعته، فهذا كتاب الله عندي مجموعا لم يسقط عني حرف واحد، ولم أر ذلك الذي كتبت وألفت، وقد رأيت عمر بعث إليك أن ابعث به إلي، فأبيت أن تفعل، فدعا عمر
الناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها، وإذا ما لم يشهد عليها غير رجل واحد أرجاها فلم يكتب، فقال عمر - وأنا أسمع -: أنه قد قتل يوم اليمامة قوم كانوا يقرأون قرآنا لا يقرأه غيرهم فقد ذهب، وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها، والكاتب يومئذ عثمان، وسمعت عمر وأصحابه الذين ألقوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون: إن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، وأن النور نيف ومائة آية، والحجر مائة وتسعون آية، فما هذا؟، وما يمنعك - يرحمك الله - أن تخرج كتاب الله إلى الناس وقد عهد عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب وحمل الناس على قراءة واحدة، فمزق مصحف أبي بن كعب وابن مسعود وأحرقهما بالنار؟!. فقال له علي عليه السلام:
يا طلحة! إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد صلى الله عليه وآله عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وآله، وكل حلال وحرام أو حد أو حكم أو شئ تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة عندي مكتوب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط يدي حتى أرش الخدش.
فقال طلحة: كل شئ من صغير أو كبير أو خاص أو عام أو كان أو
يكون إلى يوم القيامة فهو عندك مكتوب؟!. قال: نعم، وسوى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلي في مرضه مفتاح ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب، ولو أن الأمة منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، يا طلحة! ألست قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب فيه ما لا تضل أمته، فقال صاحبك: إن نبي الله يهجر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله فتركها؟. قال: بلى، قد شهدته. قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالذي أراد أن يكتب ويشهد عليه العامة، فأخبره جبرئيل عليه السلام أن الله عز وجل قد قضى على أمته الاختلاف والفرقة، ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط:
سلمان وأبو ذر والمقداد، وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسماني أولهم ثم ابني هذا ثم ابني هذا - وأشار إلى الحسن والحسين - ثم تسعة من ولد ابني الحسين، أكذلك كان يا أبا ذر ويا مقداد؟!.
فقاما ثم قالا: نشهد بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال طلحة: والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق ولا أبر عند الله من أبي ذر، وأنا أشهد أنهما لم يشهدا
إلا بحق وأنت عندي أصدق وأبر منهما.
ثم أقبل علي عليه السلام، فقال: اتق الله عز وجل يا طلحة! وأنت يا زبير! وأنت يا سعد! وأنت يا بن عوف! اتقوا الله وآثروا رضاه، واختاروا ما عنده، ولا تخافوا في الله لومه لائم. ثم قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن، ألا تظهره للناس؟!. قال: يا طلحة! عمدا كففت عن جوابك، فأخبرني عما كتب عمرو عثمان، أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟!. قال طلحة: بل قرآن كله. قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتنا، وبيان حقنا، وفرض طاعتنا. قال طلحة:
حسبي، أما إذا كان قرآنا فحسبي.
ثم قال طلحة: أخبرني عما في يديك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام إلى من تدفعه؟ ومن صاحبه بعدك؟. قال: إن الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أدفعه إليه. قال: من هو؟. قال وصيي وأولى الناس بعدي بالناس ابني الحسن ثم يدفعه ابني الحسن عند موته إلى ابني الحسين، ثم يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه، هم مع القرآن لا يفارقونه والقرآن معهم لا يفارقهم، أما أن معاوية وابنه سيليان بعد عثمان ثم يليهما سبعة من ولد الحكم بن أبي
العاص واحد بعد واحد تكملة اثني عشر إمام ضلالة، وهم الذين رأي رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره يردون الأمة على أدبارهم القهقرى، عشرة منهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم، وعليهما مثل جميع أوزار هذه الأمة إلى يوم القيامة.
أقول: روى الصدوق رحمه الله في إكمال الدين مختصرا من هذا الاحتجاج، عن أبيه وابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس.
ووجدت في أصل كتاب سليم مثله.
بيان: قال الجوهري: الدبر - بالفتح -: جماعة النحل.. ويقال للزنابير أيضا دبر ، ومنه قيل لعاصم بن ثابت الأنصاري: حمى الدبر، وذلك أن المشركين لما قتلوه أرادوا ان يمثلوا به فسلط الله عليهم الزنابير الكبار تأبر الدارع فارتدعوا عنه حتى اخذه المسلمون فدفنوه.
قوله عليه السلام: حجة من لا يبلغ... المراد بالموصول الأئمة عليهم السلام، فإنهم الذين لا يبلغ سواهم جميع ما يبعث الله النبي (ص) به، والغرض أن ما يلزمهم إبلاغه هو الكلام الذي يكون حجة للامام على الخلق من النص عليه وما يدل على وجوب طاعته، فإن بإخبار الامام فقط لا تتم الحجة في ذلك، فأما تبليغ سائر الأشياء فهو شأن الإمام عليه السلام.
قوله عليه السلام: ولم يكن ما أعطاهم.. لعل المعنى أن قاضي الدين والعداة هو الذي يبرئ ذمة الغريم والواعد، و لا يبرئ الذمة إلا ما كان بجهة شرعية، وبعد تعيين النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام لقضاء الدين والعداة ونهى الغير عن ذلك، إذا أتى به غيره لم يكن بجهة شرعية فلا يبرئ الذمة، فما أداه أبو بكر لم يكن داخلا في قضاء الدين والعدة. فقوله عليه السلام: وإنما كان الذي قضى.. إشارة إلى ما ذكرنا، أي ليس القاضي إلا الذي أبرأ المديون منه، وأبو بكر لم يكن كذلك.
ولنذكر بعض الزوائد التي وجدناها في كتاب سليم، وبعض الاختلافات بينه وبين سائر الروايات.
قال - بعد قوله -: لم يلتق واحد منهم على سفاح قط.. فقال أهل السابقة والقدمة وأهل بدر وأهل أحد نعم قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال: فأنشدكم الله، أتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخا بين كل رجلين من أصحابه وآخى بيني وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟. فقالوا: اللهم نعم.
قال: أتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله اشترى موضع مسجده ومنازله فأتيناه ثم بنى عشرة منازل تسعة له وجعل لي عاشرها في وسطها، ثم سد كل باب شارع إلى المسجد غير بابي، فتكلم في ذلك من تكلم، فقال: ما أنا
سددت أبوابكم وفتحت بابه ولكن الله أمرني بسد أبوابكم وفتح بابه، ولقد نهى الناس جميعا أن يناموا في المسجد غيري، وكنت أجنب في المسجد ومنزلي ومنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد يولد لرسول الله صلى الله عليه وآله ولي فيه أولاد؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن عمر حرص على كوة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثم قال صلى الله عليه وآله: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيره وغير هارون وابنيه، وأن الله أمرني أن أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال - في غزوة تبوك -: أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت ولي كل مؤمن من بعدي؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا أهل نجران إلى المباهلة أنه لم يأت إلا بي وبصاحبتي وابني؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أتعلمون أنه دفع إلي اللواء يوم خيبر، ثم قال: لأدفعها إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، ليس بجبان ولا فرار يفتحها الله على يديه (3)؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعثني ببراءة وقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينزل به شديدة قط إلا قدمني لها ثقة بي، وأنه لم يدع باسمي قط إلا أن يقول: يا أخي.. وادعوا لي
أخي..؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى بيني وبين جعفر وزيد في ابنة حمزة، فقال: يا علي! أنت مني وأنا منك وأنت ولي كل مؤمن بعدي؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أنه كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وآله في كل يوم وليلة دخلة وخلوة، إذا سألته أعطاني، وإذا سكتت ابتدأني؟. قالوا: اللهم نعم .
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله فضلني على حمزة وجعفر، فقال لفاطمة: إن زوجك خير أهلي وخير أمتي، أقدمهم سلما، وأعظمهم حلما (6)؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا سيد ولد آدم (ع) وأخي علي سيد العرب، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني بغسله وأخبرني أن جبرئيل عليه السلام يعينني عليه؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: أفتقرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في آخر خطبة خطبكم: أيها الناس! إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وأهل بيتي؟. قالوا: اللهم نعم.
قال: فلم يدع شيئا مما أنزل الله فيه خاصة وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ناشدهم الله به، فمنه ما يقولون جميعا نعم، ومنه ما يسكت بعضهم ويقول بعضهم اللهم نعم، ويقول الذين سكتوا أنتم عندنا ثقات، وقد حدثنا غيركم ممن نثق به أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال حين فرغ: اللهم اشهد عليهم.. وساق الحديث إلى قوله:
فقال: أما والله - يا طلحة - ما صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع، إن قتل الله محمدا أو مات أن يتوازروا أو يتظاهروا علي.. وساق إلى قوله:
فأينا أحق بمجلسه ومكانه الذي يسمي بخاصة أنه من رسول الله صلى الله عليه وآله، أو من خص من بين الأمة أنه ليس من رسول الله صلى الله عليه وآله.. وساق إلى قوله: يا طلحة! عمدا كففت عن جوابك. قال:
فأخبرني عما كتب عمر وعثمان، أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟. قال: بل قرآن
كله إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار.. وساق إلى قوله: ومن صاحبه بعدك؟. قال: إلى الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أدفعه إليه. قال:
من هو؟. قال: وصيي.. وساق إلى قوله في آخر الخبر.
يردون أمته على أدبارهم القهقرى، فقالوا: يرحمك الله يا أبا الحسن وجزاك الله أفضل الجزاء عنا.
2 - الخصال: القطان والسناني والدقاق والمكتب والوراق جميعا، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن سليمان بن حكيم، عن ثور ابن يزيد، عن مكحول، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلا وقد شركته فيها وفضلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم.
قلت: يا أمير المؤمنين! فأخبرني بهن.
فقال عليه السلام: إن أول منقبة لي أني لم أشرك بالله طرفة عين، ولم أعبد اللات والعزى.
والثانية: أني لم أشرب الخمر قط.
والثالثة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله استوهبني من أبي في صباي
فكنت أكيله وشريبه ومؤنسه ومحدثه.
والرابعة: أني أول الناس إيمانا وإسلاما.
والخامسة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا علي! أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
والسادسة: أني كنت آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله ودليته في حفرته.
والسابعة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أنامني على فراشه حيث ذهب إلى الغار وسجاني ببرده، فلما جاء المشركون ظنوني محمدا فأيقظوني، وقالوا: ما فعل صاحبك؟. فقلت: ذهب في حاجته. فقالوا: لو كان هرب لهرب هذا معه.
وأما الثامنة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب، ولم يعلم ذلك أحدا غيري.
وأما التاسعة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا علي! إذا حشر الله عز وجل الأولين والآخرين نصب لي منبرا فوق منابر النبيين، ونصب لك منبرا فوق منابر الوصيين، فترتقي عليه.
وأما العاشرة: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا أعطى في القيامة شيئا إلا سألت لك مثله.
وأما الحادية عشرة: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي! أنت أخي وأنا أخوك يدك في يدي حتى ندخل الجنة.
وأما الثانية عشرة: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا
علي! مثلك في أمتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.
وأما الثالثة عشرة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله عممني بعمامة نفسه بيده ودعا لي بدعوات النصر على أعداء الله، فهزمتهم بإذن الله عز وجل.
وأما الرابعة عشرة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن أمسح يدي على ضرع شاة قد يبس ضرعها، فقلت: يا رسول الله! بل امسح أنت. فقال:
يا علي! فعلك فعلي، فمسحت عليها يدي فدر علي من لبنها فسقيت رسول الله صلى الله عليه وآله شربة، ثم أتت عجوز فشكت الظمأ فسقيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني سألت الله عز وجل أن يبارك في يدك ففعل.
وأما الخامسة عشرة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى إلي وقال:
يا علي! لا يلي غسلي غيرك، ولا يواري عورتي غيرك، فإنه إن رأى أحد عورتي غيرك تفقأت عيناه. فقلت له: كيف؟ فكيف لي بتقليبك يا رسول الله (ص)؟. فقال: إنك ستعان، فوالله ما أردت أن أقلب عضوا من أعضائه إلا قلب لي.
وأما السادسة عشرة: فإني أردت أن أجرده فنوديت، يا وصي محمد! لا تجرده، فغسلته والقميص عليه، فلا والله الذي أكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة ما رأيت له عورة، خصني الله بذلك من بين أصحابه.
وأما السابعة عشرة: فإن الله عز وجل زوجني فاطمة - وقد كان خطبها أبو بكر وعمر - فزوجني الله من فوق سبع سماواته، فقال رسول الله صلى الله عليه
وآله: هنيئا لك يا علي، فإن الله عز وجل قد زوجك فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وهي بضعة مني. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله! أو لست منك؟. قال : بلى يا علي، وأنت مني وأنا منك كيميني من شمالي، لا أستغني عنك في الدنيا والآخرة.
وأما الثامنة عشرة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي! أنت صاحب لواء الحمد في الآخرة، وأنت يوم القيامة أقرب الخلائق مني مجلسا يبسط لي ويبسط لك فأكون في زمرة النبيين، وتكون في زمرة الوصيين، ويوضع على رأسك تاج النور وإكليل الكرامة، يحف بك سبعون ألف ملك حتى يفرغ الله عز وجل من حساب الخلائق.
وأما التاسعة عشرة: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فمن قاتلك منهم فإن لك بكل رجل منهم شفاعة في مائة ألف من شيعتك.
فقلت: يا رسول الله (ص)! فمن الناكثون؟. قال: طلحة والزبير، سيبايعونك بالحجاز، وينكثانك بالعراق، فإذا فعلا ذلك فحاربهما فإن في قتالهما طهارة لأهل الأرض.
قلت: فمن القاسطون؟. قال: معاوية وأصحابه.
فقلت: فمن المارقون؟. قال: أصحاب ذو الثدية، وهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فاقتلهم فإن في قتلهم فرجا لأهل الأرض، وعذابا معجلا عليهم، وذخرا لك عند الله عز وجل يوم القيامة.
وأما العشرون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: مثلك في أمتي مثل باب حطة في بني إسرائيل، فمن دخل في ولايتك فقد دخل الباب
كما أمره الله عز وجل.
وأما الحادية والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولن يدخل المدينة إلا من بابها، ثم قال: يا علي!
إنك سترعى ذمتي وتقاتل على سنتي، وتخالفك أمتي.
وأما الثانية والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
إن الله تبارك وتعالى خلق ابني الحسن والحسين من نور ألقاه إليك والى فاطمة، وهما يهتزان كما يهتز القرطان إذا كانا في الاذنين، ونور هما متضاعف على نور الشهداء سبعين ألف ضعف، يا علي! إن الله عز وجل قد وعدني أن يكرمهما كرامة لا يكرم بها أحدا ما خلا النبيين والمرسلين.
وأما الثالثة والعشرون : فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني خاتمه في حياته ودرعه ومنطقته وقلدني سيفه وأصحابه كلهم حضور وعمي العباس حاضر، فخصني الله عز وجل منه بذلك دونهم.
وأما الرابعة والعشرون: فإن الله عز وجل أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله: [يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجويكم صدقة] فكان لي دينار فبعثه بعشرة دراهم، كنت إذا ناجيت رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق قبل ذلك بدرهم، ووالله ما فعل هذا أحد من أصحابه قبلي ولا بعدي، فأنزل الله عز وجل: [ء أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم
صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم..] - الآية، فهل تكون التوبة إلا من ذنب كان؟.
وأما الخامسة والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وهي محرمة على الأوصياء حتى تدخلها أنت يا علي، إن الله تبارك وتعالى بشرني فيك ببشرى لم يبشر بها نبيا قبلي، بشرني بأنك سيد الأوصياء، وأن ابنيك الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة يوم القيامة.
وأما السادسة والعشرون: فإن جعفرا أخي الطيار في الجنة مع الملائكة المزين بالجناحين من در وياقوت وزبرجد.
وأما السابعة والعشرون: فعمي حمزة سيد الشهداء.
وأما الثامنة والعشرون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله تبارك وتعالى وعدني فيك وعدا لن يخلفه، جعلني نبيا وجعلك وصيا، وستلقى من أمتي من بعدي ما لقي موسى من فرعون، فاصبر واحتسب حتى تلقاني فأوالي من والاك وأعادي من عاداك.
وأما التاسعة والعشرون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
يا علي! أنت صاحب الحوض لا يملكه غيرك وسيأتيك قوم فيستسقونك فتقول:
لا.. ولا مثل ذرة، فينصرفون مسودة وجوههم، وسترد عليك شيعتي وشيعتك فتقول: ردوا رواء مرويين، فيردون مبيضة وجوههم.
وأما الثلاثون: فإني سمعته صلى الله عليه وآله يقول: يحشر أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فأول راية ترد علي راية فرعون هذه الأمة، وهو معاوية.
والثانية : مع سامري هذه الأمة، وهو عمرو بن العاص.
والثالثة: مع جاثليق هذه الأمة، وهو أبو موسى الأشعري.
والرابعة: مع أبي الأعور السلمي.
وأما الخامسة: فمعك يا علي تحتها المؤمنون وأنت امامهم، ثم يقول الله تبارك وتعالى للأربعة: [ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة..] وهم شيعتي ومن والاني وقاتل معي الفئة الباغية والناكبة عن الصراط، وباب الرحمة هم شيعتي، فينادي هؤلاء: ألم نكن فيه معكم [قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور] [فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي موليكم وبئس المصير]، ثم ترد أمتي وشيعتي فيروون من حوض محمد صلى الله عليه وآله، بيدي عصى عوسج أطرد بها أعدائي طرد غريبة الإبل.
وأما الحادية والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
لولا أن يقول فيك الغالون من أمتي ما قالت النصاري في عيسى بن مريم لقلت
فيك قولا لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون به.
وأما الثانية والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
إن الله تبارك وتعالى نصرني بالرعب فسألته أن ينصرك بمثله فجعل لك من ذلك مثل الذي جعله لي.
وأما الثالثة والثلاثون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله التقم أذني وعلمني ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فساق الله تبارك وتعالى إلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله.
وأما الرابعة والثلاثون: فإن النصارى ادعوا أمرا فأنزل الله عز وجل:
[فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم] فكانت نفسي نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، والنساء فاطمة (ع)، والأبناء الحسن والحسين، ثم ندم القوم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله الاعفاء فأعفاهم، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد صلى الله عليه وآله لو باهلونا لمسخوا قردة وخنازير.
وأما الخامسة والثلاثون : فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وجهني يوم بدر، فقال: ائتني بكف حصيات مجموعة في مكان واحد، فأخذتها ثم شممتها فإذا هي طيبة تفوح منها رائحة المسك، فأتيته بها فرمى بها وجوه المشركين، وتلك الحصيات أربع منها كن من الفردوس، وحصاة من المشرق، وحصاة من المغرب، وحصاة من تحت العرش، مع كل حصاة مائة ألف ملك مدد لنا، لم يكرم الله عز وجل
بهذه الفضيلة أحدا قبل ولا بعد.
وأما السادسة والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
ويل لقاتلك، إنه أشقى من ثمود ومن عاقر الناقة، وإن عرش الرحمن ليهتز لقتلك، فأبشر يا علي، فإنك في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين.
وأما السابعة والثلاثون: فإن الله تبارك وتعالى قد خصني من بين أصحاب محمد صلى الله عليه وآله بعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام، وذلك مما من الله به علي وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، وقال لي الرسول صلى الله عليه وآله: يا علي! إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأعلمك ولا أجفوك، وحق علي أن أطيع ربي وحق عليك أن تعي.
وأما الثامنة والثلاثون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بعثني بعثا ودعا لي بدعوات وأطلعني على ما يجري بعده، فحزن لذلك بعض أصحابه و قال:
لو قدر محمدا أن يجعل ابن عمه نبيا لجعله، فشرفني الله علي بالاطلاع على ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وآله.
وأما التاسعة والثلاثون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
كذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا، لا يجتمع حبي وحبه إلا في قلب مؤمن، إن الله عز وجل جعل أهل حبي وحبك يا علي في أول زمرة السابقين إلى الجنة، وجعل أهل بغضي وبغضك في أول زمرة الضالين من أمتي إلى النار.
وأما الأربعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وجهني في بعض الغزوات إلى ركي فإذا ليس فيه ماء، فرجعت إليه فأخبرته، فقال: أفيه.
طين؟. فقلت : نعم. فقال: إيتني منه، فأتيت منه بطين، فتكلم فيه، ثم قال:
ألقه في الركي، فألقيته، فإذا الماء قد نبع حتى امتلأ جوانب الركي، فجئت إليه فأخبرته، فقال لي: وفقت يا علي وببركتك نبع الماء، فهذه المنقبة خاصة لي من دون أصحاب النبي صلى الله عليه وآله.
وأما الحادية والأربعون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
أبشر يا علي! فإن جبرئيل عليه السلام أتاني فقال لي: يا محمد! إن الله تبارك وتعالى نظر إلى أصحابك فوجد ابن عمك وختنك على ابنتك فاطمة خير أصحابك، فجعله وصيك والمؤدي عنك.
وأما الثانية والأربعون، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
أبشر يا علي! فإن منزلك في الجنة مواجه منزلي، وأنت معي في الرفيق الاعلى في أعلى عليين، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وما أعلى عليون؟. فقال:
قبة من درة بيضاء لها سبعون ألف مصراع مسكن لي ولك يا علي.
وأما الثالثة والأربعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل رسخ حبي في قلوب المؤمنين وكذلك رسخ حبك يا علي في قلوب المؤمنين، ورسخ بغضي وبغضك في قلوب المنافقين، فلا يحبك إلا مؤمن تقي ولا يبغضك إلا منافق كافر.
وأما الرابعة والأربعون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
لن يبغضك من العرب إلا دعي، ولا من العجم إلا شقي، ولا من النساء إلا سلقلقية.
وأما الخامسة والأربعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دعاني - وأنا
رمد العين - فتفل في عيني، وقال: اللهم اجعل حرها في بردها وبردها في حرها، فوالله ما اشتكت عيني إلى هذه الساعة.
وأما السادسة والأربعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه وعمومته بسد الأبواب وفتح بابي بأمر الله عز وجل، فليس لأحد منقبة مثل منقبتي.
وأما السابعة والأربعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني في وصيته بقضاء ديونه وعداته، فقلت: يا رسول الله! قد علمت أنه ليس عندي مال.
فقال: سيعينك الله، فما أردت أمرا من قضاء ديونه وعدته إلا يسره الله لي حتى قضيت ديونه وعداته، وأحصيت ذلك فبلغ ثمانين ألفا وبقي بقية أوصيت الحسن أن يقضيها.
وأما الثامنة والأربعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني في منزلي - ولم يكن طعمنا منذ ثلاثة أيام - فقال: يا علي! هل عندك من شئ؟. فقلت:
والذي أكرمك بالكرامة واصطفاك بالرسالة ما طعمت وزوجتي وابناي منذ ثلاثة أيام. فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا فاطمة! أدخلي البيت وانظري هل تجدين شيئا؟. فقالت: خرجت الساعة. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أدخله أنا؟!. فقال: أدخله بسم الله، فدخلت فإذا أنا بطبق موضوع عليه رطب وجفنة من ثريد، فحملتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا علي! رأيت الرسول الذي حمل هذا الطعام، فقلت: نعم. فقال: صفه لي، فقلت: من بين أحمر وأخضر وأصغر. فقال: تلك خطط جناح جبرئيل عليه السلام مكللة بالدر والياقوت، فأكلنا من الثريد حتى شبعنا، فما رئي إلا خدش أيدينا وأصابعنا، فخصني الله عز وجل بذلك من بين الصحابة.
وأما التاسعة والأربعون: فإن الله تبارك وتعالى خص نبيه صلى الله عليه وآله بالنبوة وخصني النبي صلى الله عليه وآله بالوصية، فمن أحبني فهو سعيد يحشر في زمرة الأنبياء عليهم السلام.
وأما الخمسون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما مضى أتى جبرئيل عليه السلام، فقال: يا محمد! لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فوجهني على ناقته الغضباء، فلحقته بذي الحليفة فأخذتها منه، فخصني الله عز وجل بذلك.
وأما الحادية والخمسون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أقامني للناس كافة يوم غدير خم، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين.
وأما الثانية والخمسون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي! ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبرئيل عليه السلام؟!. فقلت: بلى. قال: قل: " يا رزاق المقلين، ويا راحم المساكين، ويا أسمع السامعين، ويا أبصر الناظرين، ويا أرحم الراحمين، ارحمني وارزقني ".
وأما الثالثة والخمسون: فإن الله تبارك وتعالى لن يذهب بالدنيا حتى يقوم منا القائم يقتل مبغضينا ولا يقبل الجزية، ويكسر الصليب والأصنام، وتضع الحرب أوزارها، ويدعو إلى أخذ المال فيقسمه بالسوية، ويعدل في الرعية.
وأما الرابعة والخمسون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
يا علي! سيلعنك بنو أمية ويرد عليهم ملك بكل لعنة ألف لعنة، فإذا قام القائم لعنهم أربعين سنة.
وأما الخامسة والخمسون: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: سيفتتن فيك طوائف من أمتي، فتقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم
يخلف شيئا فيما إذا أوصى عليا، أو ليس كتاب ربي أفضل الأشياء بعد الله عز وجل؟ والذي بعثني بالحق لئن لم تجمعه بإتقان لم يجمع أبدا، فخصني الله عز وجل بذلك من دون الصحابة.
وأما السادسة والخمسون: فإن الله تبارك وتعالى خصني بما خص به أولياؤه وأهل طاعته وجعلني وارث محمد صلى الله عليه وآله، فمن ساءه ساءه ومن سره سره.. وأومى بيده نحو المدينة.
وأما السابعة والخمسون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بعض الغزوات ففقد الماء فقال لي: يا علي! قم إلى هذه الصخرة، وقل: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وآله انفجري إلي ماء، فوالله الذي أكرمه بالنبوة، لقد أبلغتها الرسالة فاطلع منها مثل ثدي البقرة، فسال من كل ثدي منها ماء، فلما رأيت ذلك أسرعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال: انطلق يا علي فخذ من الماء، وجاء القوم حتى ملؤا قربهم وأدواتهم وسقوا دوابهم وشربوا وتوضئوا، فخصني الله عز وجل بذلك من دون الصحابة.
وأما الثامنة والخمسون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني في بعض غزواته - وقد نفذ الماء -، فقال: يا علي! ائت بتور، فأتيته به، فوضع يده اليمنى ويدي معها في التور، فقال: أنبع، فنبع الماء من بين أصابعنا.
وأما التاسعة والخمسون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وجهني إلى خيبر، فلما أتيته وجدت الباب مغلقا فزعزعته شديدا فقلعته ورميت به أربعين خطوة، فدخلت فبرز إلي مرحب فحمل علي وحملت عليه، وسقيت الأرض من
دمه، وقد كان وجه رجلين من أصحابه فرجعا منكسفين.
وأما الستون: فإني قتلت عمرو بن عبد ود، وكان يعد بألف رجل.
وأما الحادية والستون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
يا علي! مثلك في أمتي مثل [قل هو الله أحد]، فمن أحبك بقلبه فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن أحبك بقلبه وأعانك بلسانه فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن أحبك بقلبه وأعانك بلسانه ونصرك بيده فكأنما قرأ القرآن كله.
وأما الثانية والستون: فإني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المواطن والحروب وكانت رايته معي.
وأما الثالثة والستون: فإني لم أفر من الزحف قط، ولم يبارزني أحد إلا سقيت الأرض من دمه.
وأما الرابعة والستون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أتي بطير مشوي من الجنة فدعا الله عز وجل أن يدخل عليه أحب الخلق إليه فوفقني الله للدخول عليه حتى أكلت معه من ذلك الطير.
وأما الخامسة والستون: فإني كنت أصلي في المسجد فجاء سائل فسأل - وأنا راكع -، فناولته خاتمي من إصبعي، فأنزل الله تبارك وتعالى في: [إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون].
وأما السادسة والستون: فإن الله تبارك وتعالى رد علي الشمس مرتين، ولم يردها على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وآله غيري.
وأما السابعة والستون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أن أدعى بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته ولم يطلق ذلك لاحد غيري.
وأما الثامنة والستون: فإنه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي! إذا
كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين سيد الأنبياء؟ فأقوم، ثم ينادي: أين سيد الأوصياء؟ فتقوم، ويأتيني رضوان بمفاتيح الجنة، ويأتيني مالك بمقاليد النار، فيقولان: إن الله جل جلاله أمرنا أن ندفعها إليك ونأمرك أن تدفعها إلى علي بن أبي طالب، فتكون يا علي قسيم الجنة والنار.
وأما التاسعة والستون: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
لولاك ما عرف المنافقون من المؤمنين.
وأما السبعون: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نام ونومني وزوجتي فاطمة وابني الحسن والحسين وألقى علينا عباءة قطوانية، فأنزل الله تبارك وتعالى فينا:
[إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا]، وقال جبرئيل عليه السلام: أنا منكم يا محمد، فكان سادسنا جبرئيل عليه السلام.
3 و 4 - الخصال، أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي الجارود، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خطبنا علي بن أبي طالب عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إن قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم أنس بن مالك والبراء بن عازب الأنصاري والأشعث بن قيس الكندي وخالد بن يزيد البجلي.. ثم أقبل بوجهه على أنس بن مالك، فقال: يا أنس! إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ثم لم
تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يبتليك ببرص لا تغطيه العمامة، وأما أنت يا أشعث فإن كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يذهب بكريمتيك، وأما أنت يا خالد بن يزيد إن كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله إلا ميتة جاهلية، وأما أنت يا براء بن عازب إن كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله إلا حيث هاجرت منه.
قال جابر بن عبد الله الأنصاري: والله لقد رأيت أنس بن مالك وقد ابتلي ببرص يغطيه بالعمامة فما تساره، ولقد رأيت الأشعث بن قيس وقد ذهبت كريمتاه وهو يقول: الحمد لله الذي جعل دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالعمى في الدنيا ولم يدع علي بالعذاب في الآخرة فأعذب، وأما خالد ابن يزيد فإنه مات فأراد أهله أن يدفنوه، وحفر له في منزله فدفن، فسمعت بذلك كندة فجاءت بالخيل والإبل فعقرتها على باب منزلة، فمات ميتة جاهلية، وأما البراء بن عازب فإنه ولاه معاوية اليمن فمات بها ومنها كان هاجر.
NoteV31P449N28 باب ما جرى بين أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبين عثمان وولاته وأعوانه وبعض أحواله 1 - أمالي الطوسي: بإسناده، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة، عن عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري، قال: لما قدم أبو ذر على عثمان قال: أخبرني أي البلاد أحب إليك؟. قال: مهاجري. قال: لست بمجاوري. قال: فألحق بحرم الله فأكون فيه. قال: لا. قال: فالكوفة أرض بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال: لا. قال: فلست بمختار غيرهن، فأمره بالمسير إلى الربذة. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: اسمع وأطع وأنفذ حيث قادوك ولو لعبد حبشي مجدع، فخرج إلى الربذة، فأقام هنا مدة ثم دخل المدينة فدخل على عثمان - والناس عنده سماطين -، فقال: يا أمير المؤمنين! إن أخرجتني من أرضي إلى
أرض ليس بها زرع ولا ضرع إلا شويهات، وليس لي خادم إلا محررة، ولا ظل يظلني إلا ظل شجرة فاعطني خادما وغنيمات أعيش فيها، فحول وجهه عنه، فتحول عنه إلى السماط الآخر، فقال مثل ذلك، فقال له حبيب بن سلمة: لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخادم وخمسمائة شاة. قال أبو ذر: اعط خادمك وألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك مني، فإني إنما أسأل حقي في كتاب الله، فجاء علي عليه السلام، فقال له عثمان: ألا تغني عنها سفيهك هذا!. قال: أي سفيه؟!. قال: أبو ذر. قال علي عليه السلام: ليس بسفيه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر، أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون: [إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم]. قال عثمان: التراب في فيك. قال علي عليه السلام: بل التراب في فيك، أنشد بالله من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ذلك لأبي ذر، فقام أبو هريرة وعشرة فشهدوا بذلك، فولى علي عليه السلام.
قال ابن عباس: كنت عند أبي على العشاء بعد المغرب إذ جاء الخادم فقال: هذا أمير المؤمنين بالباب، فدخل عثمان فجلس، فقال له العباس: تعش.
قال: تعشيت، فوضع يده، فلما فرغنا من العشاء قام من كان عنده وجلست وتكلم عثمان، فقال: يا خال! أشكو إليك ابن أخيك - يعني عليا عليه السلام - فإنه أكثر في شتمي ونطق في عرضي، وأنا أعوذ بالله في ظلمكم بني عبد المطلب، إن يكن هذا الامر لكم فقد سلمتموه إلى من هو أبعد مني، وإن لا يكن
لكم فحقي أخذت، فتكلم العباس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وذكر ما خص الله به قريشا منه، وما خص به بني عبد المطلب خاصة، ثم قال: أما بعد فما حمدتك لابن أخي ولا حمدت ابن أخي فيك، وما هو وحده، ولقد نطق غيره، فلو أنك هبطت مما صعدت وصعدوا مما هبطوا لكان ذلك أقرب. فقال: أنت وذلك يا خال. فقال: فلم تكلم بذلك عنك؟.
قال: نعم، أعطهم عني ما شئت. وقام عثمان فخرج فلم يلبث أن رجع إليه فسلم وهو قائم، ثم قال: يا خال! لا تعجل بشئ حتى أعود إليك، فرفع العباس يديه واستقبل القبلة، فقال: اللهم أسبق لي ما لاخير لي في إدراكه، فما مضت الجمعة حتى مات.
2 - أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن عمه القاسم بن جعفر العلوي، عن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن أبي بكر ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أنه نزل على خالد بن أسيد بمكة، فقال له: لو أتيت ابن عمك فوصلك، فأتى عثمان فكتب له إلى عبد الله بن عامر أن صله بستمائة ألف، فنزل به من قابل فسأله، فقال له:
قد بارك الله لي في مشورتك فأتيته فأمر لي بستمائة ألف، فقال له ابن عمر: ستين ألفا!. قال: مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف.. ست مرات، فقال له ابن عمر:
اسكت! فما أسود عثمان.
أقول: روى ابن أبي الحديد في شرح النهج، عن الزبير بن بكار، قال:
روى في الموفقيات عن علي عليه السلام، قال: أرسل إلي عثمان في الهاجرة فتقنعت بثوبي وأتيته، فدخلت وهو على سريره - وفي يده قضيب وبين يديه مال دثر صبرتان من ورق وذهب -، فقال: دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني. فقلت: وصلتك رحم! إن كان هذا المال ورثته أو أعطاكه معط أو اكتسبته من تجارة كنت أحد رجلين: أما آخذ وأشكر أو أوفر وأجهد، وإن كان من مال الله وفيه حق المسلمين واليتيم وابن السبيل، فوالله ما لك ان تعطينيه ولا لي أن آخذه. فقال: أبيت والله إلا ما أبيت. ثم قام إلي بالقضيب فضربني، والله ما أرد يده حتى قضى حاجته، فتقنعت بثوبي ورجعت إلى منزلي وقلت: الله بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف ونهيتك عن منكر.
وعن الزبير بن بكار في الكتاب المذكور، قال: روى عن عمه، عن عيسى بن داود، عن رجاله، عن ابن عباس، قال: لما بنى عثمان داره بالمدينة أكثر
الناس عليه في ذلك فبلغه، فخطبنا في يوم الجمعة ثم صلى بنا، ثم عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (ص)، ثم قال: أما بعد، فإن النعمة إذا حدثت حدت لها حساد حسبها، وأعداء قدرها، وإن الله لم يحدث لنا نعما ليحدث لها حساد عليها، ومتنافسون فيها، ولكنه قد كان من بناء منزلنا هذا ما كان إرادة جمع المال فيه وضم القاصية إليه، فأتانا عن أناس منكم أنهم يقولون:
أخذ فيئنا وأنفق شيئا واستأثر بأموالنا، يمشون خمرا، وينطقون سرا، كأنا غيب عنهم، وكأنهم يهابون مواجهتنا، معرفة منهم بدحوض حجتهم، فإذا غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعضهم يذكرنا، وقد وجدوا على ذلك أعوانا من نظرائهم، ومؤازرين من شبهائهم، فبعدا بعدا! ورغما رغما!.
قال: ثم أنشد بيتين يومئ فيهما إلى علي عليه السلام:
توقد بنار أينما كنت واشتعل * فلست ترى مما تعالج شافيا تشط فيقضي الامر دونك أهله * وشيكا ولا تدعى إذا كنت نائيا وذكر تمام خطبته، ثم قال: ثم هم بالنزول فبصر بعلي بن أبي طالب عليه السلام ومعه عمار بن ياسر رحمه الله وناس من أهل هواه يتناجون، فقال:
أيها.. أيها! إسرارا لا جهارا؟! أما والذي نفسي بيده ما أحنق على جرة، ولا
أوتي من ضعف مرة، ولولا النظر مني و لي ولكم، والرفق بي وبكم لعاجلتكم، فقد اغتررتم وأقلتم من أنفسكم.
ثم رفع يديه يدعو وهو يقول: اللهم قد تعلم حبي للعافية وإيثاري للسلامة فأتنيها، قال: فتفرق القوم عن علي عليه السلام، وقام عدي بن الخياد... وكلمه بكلام ذكره، ثم قال: ونزل عثمان فأتى منزله وأتاه الناس وفيهم ابن عباس، فلما أخذوا مجالسهم أقبل على ابن عباس، فقال: ما لي ولكم يا بن عباس؟! ما أغراكم بي، وأولعكم بتعقيب أمري لتنقمون علي أمر العامة.. وعاتبه بكلام طويل، فأجابه ابن عباس، وقال - في جملة كلامه -:..
أخسأ الشيطان عنك لا يركب، وأغلب غضبك ولا يغلبك، فما دعاك إلى هذا الامر الذي كان منك؟. قال: دعاني إليه ابن عمك علي بن أبي طالب. قال ابن عباس: وعسى أن يكذب مبلغك!. قال عثمان: إنه ثقة. قال ابن عباس:
إنه ليس بثقة من أولع وأغرى. قال عثمان: يا بن عباس! الله إنك ما تعلم من
علي ما شكوت منه؟. قال: اللهم لا، إلا أن يقول كما يقول الناس، وينقم كما ينقمون، فمن أغراك به وأولعك بذكره دونهم؟. قال عثمان: إنما أفتى من أعظم الداء الذي ينصب نفسه لرأس الامر وهو علي ابن عمك، وهذا - والله - كله من نكده وشؤمه. قال ابن عباس: مهلا! استثن يا أمير المؤمنين! قل: إن شاء الله.
فقال: إن شاء الله. ثم قال: إني أنشدك يا بن عباس! الاسلام والرحم، فقد والله غلبت وابتليت بكم، والله لوددت أن هذا الامر كان صائرا إليكم دوني فحملتموه عني وكنت أحد أعوانكم عليه، إذا والله لوجدتموني لكم خيرا مما وجدتكم لي، ولقد علمت أن الامر لكم ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم، فوالله ما أدري أرفعوكم أم رفعوه عنكم. قال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين! فإنا ننشدك الله والاسلام والرحم مثل ما نشدتنا، أن تطمع فينا وفيك عدوا، وتشمت بنا وبك حسودا، إن أمرك إليك ما كان قولا، فإذا صار فعلا فليس إليك ولا في يدك، وإنا والله لتخالفن إن خولفنا، ولتنازعن إن نوزعنا، وما يمتنك أن يكون الامر صار إلينا دونك إلا أن يقول قائل منا ما يقوله الناس ويعيب كما عابوا! وأما صرف قومنا عنا الامر فعن حسد قد والله و ما عرفته، وبغي والله علمته، فالله بيننا وبين قومنا، وأما قولك انك لا تدري أرفعوه عنا أم رفعونا عنه (8)؟، فلعمري إنك لتعرف أنه لو صار إلينا هذا الامر ما ازددنا به
فضلا إلى فضلنا، ولا قدرا إلى قدرنا، وإنا لأهل الفضل وأهل القدر، وما فضل فاضل إلا بفضلنا، ولا سبق سابق إلا بسبقنا، ولولا هدانا ما اهتدى أحد، ولا أبصروا من عمى، ولا قصدوا من جور. فقال عثمان: حتى متى - يا بن عباس - يأتيني عنكم ما يأتيني؟! هبوني كنت بعيدا، أما كان لي من الحق عليكم أن أراقب وأن أناظر؟ بلى، ورب الكعبة ولكن الفرقة سهلت لكم القول في، وتقدمت بكم إلى الاسراع إلي، والله المستعان.
قال ابن عباس: فخرجت فلقيت عليا عليه السلام وإذا به من الغضب والتلظي أضعاف ما بعثمان، فأردت تسكينه فامتنع، فأتيت منزلي وأغلقت بابي واعتزلتهما، فبلغ ذلك عثمان، فأرسل إلي، فأتيته وقد هدأ غضبه، فنظر إلي ثم ضحك، وقال: يا بن عباس! ما أبطأ بك عنا، إن تركك العود إلينا دليل على ما رأيت عن صاحبك وعرفت من حاله، فالله بيننا وبينه، خذ بنا في غير ذلك.
قال ابن عباس: فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن علي عليه السلام شئ فأردت التكذيب عنه يقول: ولا يوم الجمعة حين أبطأت عنا وتركت العود إلينا، فلا أدري كيف أرد عليه.
وعن الزبير بن بكار - في كتاب المذكور -، عن عبد الله بن عباس،
قال: ما سمعت من أبي قط شيئا في أمر عثمان تلومه فيه أو يعذره ولا سألته عن شئ من ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه، فإنا عنده ليلة - ونحن نتعشى - إذ قيل: هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب. فقال: إئذنوا له. فدخل فأوسع له على فراشه، وأصاب من العشاء معه، فلما رفع قام من كان هناك وثبت أنا، فحمد عثمان الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا خال! فإني جئتك أستعذرك من ابن أخيك علي شتمني وشهر أمري وقطع رحمي وطعن في ديني، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب إن لكم حقا تزعمون إنكم غلبتم عليه فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم وأنا أقرب إليكم رحما منه؟ وما لمت منكم أحدا إلا عليا، ولقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله والرحم، وأنا أخاف أن لا يتركني فلا أتركه.
قال ابن عباس: فحمد أبي الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، يا بن أختي فإن كنت لا تحمد عليا لنفسك فإني لا أحمدك لعلي، وما علي وحده قال فيك، بل غيره، فلو أنك اتهمت نفسك للناس اتهم الناس أنفسهم لك، ولو أنك نزلت مما رفيت وارتقوا مما نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.
قال عثمان: فذلك إليك يا خال وأنت بيني وبينهم. قال: فأذكر لهم ذلك عنك. قال: نعم، وانصرف. فما لبثنا أن قيل: هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب.
قال أبي: إئذنوا له، فدخل فقام قائما ولم يجلس وقال: لا تعجل يا خال حتى أوذنك، فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالسا بالباب ينتظره حتى خرج فهو الذي فتأه عن رأيه الأول، فأقبل علي أبي، وقال: يا بني! ما إلى هذا من أمره
من شئ. ثم قال: يا بني! أملك عليك لسانك حتى ترى ما لا بد منه، ثم رفع يديه، فقال: اللهم أسبق بي ما لاخير لي في إدراكه، فما مرت جمعة حتى مات رحمه الله.
وعن الزبير بن بكار - في الكتاب المذكور -، عن ابن عباس، قال:
صليت العصر يوما ثم خرجت فإذا أنا بعثمان بن عفان في أيام خلافته في بعض أزقة المدينة وحده، فأتيته إجلالا له وتوقيرا لمكانه، فقال لي: هل رأيت عليا؟.
فقلت: خلفته في المسجد، فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله. قال: أما منزله فليس فيه، فابغه لنا في المسجد، فتوجهنا إلى المسجد وإذا علي عليه السلام يخرج منه، قال ابن عباس: وقد كنت أمس ذلك اليوم عند علي عليه السلام فذكر عثمان وتجرمه عليه، وقال: أما والله - يا بن عباس - إن من دوائه لقطع كلامه وترك لقائه.
فقلت له: يرحمك الله! كيف لك بهذا؟ فإن تركته ثم أرسل إليك فما أنت صانع؟. قال: أعتل وأعتل فمن يقسرني؟. فقلت: لا أحد. قال ابن عباس:
فلما تراءينا له وهو خارج من المسجد ظهر منه من التفلت والطلب للانصراف ما استبان لعثمان، فنظر إلي عثمان وقال: يا ابن عباس! أما ترى ابن خالنا يكره لقاءنا. فقلت: ولم حقك ألزم، وهو بالفضل أعلم، فلما تقاربا رماه عثمان بالسلام فرد عليه، فقال عثمان: إن تدخل فإياك أردنا، وإن تمض فإياك طلبنا، فقال علي عليه السلام: أي ذلك أحببت؟. قال: تدخل، فدخلا، وأخذ عثمان بيده فأهوى به إلى القبلة فقصر عنها وجلس قبالتها، فجلس عثمان إلى جانبه
فنكصت عنهما فدعواني جميعا فأتيتهما، فحمد عثمان الله وصلى على رسوله صلى الله عليه [وآله] ثم قال: أما بعد، يا ابني خالي وابني عمي فإذا جمعتكما في النداء فأستجمعكما في الشكاية على رضاي عن أحدكما ووجدي على الآخر.. إلى آخر كلامه.
وقال ابن عباس: فأطرق علي عليه السلام وأطرقت معه طويلا، أما أنا فأجللته أن أتكلم قبله، وأما هو فأراد أن أجيب عني وعنه، ثم قلت له: أتتكلم أم أتكلم أنا عنك؟. فقال: بل تكلم عني وعنك، فحمدت الله وأثنيت على رسوله صلى الله عليه [وآله] ثم قلت:.. وذكر كلامه.
قال: فنظر إلي علي عليه السلام نظرا هبته، وقال: دعه حتى يبلغ رضاه فيما هو فيه، فوالله لو ظهرت له قلوبنا وبدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمع الخبر عنها بإذنه ما زال متجرما سقما، والله ما أنا ملقى على وضمه وإني لمانع من وراء ظهري، وإن هذا الكلام منه لمخالفته منه وسوء عشرة. ثم ذكر كلام عثمان وما أجابه به علي عليه السلام، ثم قال: فأخذت بأيديهما حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا ونهضت عنهما فتشاورا وتوامرا وتذاكرا ثم افترقا، فوالله
ما مرت ثالثة حتى لقيني كل واحد منهما يذكر من صاحبه ما لا يبرك عليه الإبل، فعلمت أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها.
وروى ابن أبي الحديد - أيضا -، عن شيخه أبي عثمان الجاحظ، قال:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.