بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۲۹، ص ۴۹۶–۵۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲۲
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين 1 - معاني الأخبار، علل الشرائع: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: والله لقد تقمصها أخو تيم وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جزاء أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر
على هاتي أحجى، فصبرت وفي القلب قذا، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى إذا مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده، عقدها لأخي عدي بعده، فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها الآخر بعد وفاته، فصيرها والله في حوزة خشناء، يخشن مسها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب العصبة، إن عنف بها حرن وإن أسلس بها غسق، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس، وتلون واعتراض، وبلوى وهو مع هن وهني، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني منهم، فيالله وللشورى!
متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر (17)؟
فمال رجل بضعبه، وأصغى آخر لصهره، وقام ثلث القوم نافجا حضنيه بين نشيله ومعتلفه، وقاموا معه بني أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبت الربيع، حتى أجهز عليه عمله، وكسبت به مطيته، فما راعني إلا والناس إلي كعرف الضبع قد انثالوا علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، حتى إذا نهضت بالامر نكثت طائفة، وفسقت أخرى، ومرق آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول: [تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساد والعاقبة للمتقين]، بلى والله لقد سمعوها ووعوها لكن احلولت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقروا على كظة ظالم
ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غارباه، ولسقيت آخرها بكأس أولها، و لألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من خبقة عنز.. وناوله رجل من أهل السواد كتابا فقطع كلامه وتناول الكتاب، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو اطردت مقالتك إلى حيث بلغت؟! فقال: هيهات هيهات يا بن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قدرت.. فما أسفت على كلام قط كأسفي على كلام أمير المؤمنين عليه السلام إذ لم يبلغ حيث أراد.
قال الصدوق نور الله ضريحه: سألت الحسين بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر ففسره لي قال: تفسير الخبر:
قوله عليه السلام: لقد تقمصها.. أي لبسها مثل القميص، يقال تقمص الرجل وتدرع وتردى وتمندل.
وقوله: محل القطب من الرحى.. أي تدور علي كما تدور الرحى على قطبها.
قوله عليه السلام ينحدر عنه السيل ولا يرتقي إليه الطير.. يريد أنها
ممتنعة على غيري ولا يتمكن منها ولا تصلح له.
وقوله: فسدلت دونها ثوبا.. أي أعرضت عنها ولم أكشف وجوبها لي، والكشح: الجنب والخاصرة.
فمعنى قوله: طويت عنها كشحا.. أي أعرضت عنها، والكاشح الذي يوليك كشحه.. أي جنبه.
وقوله: طفقت.. أي أقبلت وأخذت أرتأي.. أي أفكر وأستعمل الرأي وأنظر في أن أصول بيد جذاء - وهي المقطوعة - وأراد قلة الناصر.
وقوله: أو أصبر على طخية.. فللطخية موضعان: فأحدهما الظلمة، والآخر: الغم والحزن، يقال: أجد على قلبي طخاء.. أي حزنا وغما، وهو هاهنا يجمع الظلمة والغم والحزن.
وقوله: يكدح مؤمن.. أي يدأب ويكسب لنفسه ولا يعطى حقه.
وقوله: أحجى.. أي أولى، يقال: هذا أحجي من هذا وأخلق وأحرى وأوجب كله قريب المعنى.
وقوله: في حوزة.. أي في ناحية، يقال: حزت الشئ أحوزه حوزا إذا جمعته، والحوزة ناحية الدار وغيرها.
وقوله: كراكب الصعبة.. يعني الناقة التي لم ترض.
إن عنف بها، العنف ضد الرفق.
وقوله: حرن.. أي وقف فلم يمش، وإنما يستعمل الحران في الدواب، فأما في الإبل فيقال: خلات الناقة وبها خلاء، وهو مثل حران الدواب، إلا أن العرب ربما تستعيره في الإبل.
وقوله: وإن أسلس بها غسق.. أي أدخله في الظلمة.
وقوله: مع هن وهني.. يعني الأدنياء من الناس، تقول العرب فلان هني وهو تصغير هن.. أي هو دون من الناس.. ويريدون بذلك تصغير أموره.
وقوله: فمال رجل بضبعه.. ويروى بضلعه، وهما قريب، وهو أن يميل بهواه ونفسه إلى الرجل بعينه.
وقوله: وأصغى آخر لصهره.. فالصغو: الميل، يقال: صغوك مع فلان أي.. ميلك معه.
وقوله: نافجا حضينه.. يقال في الطعام والشراب وما أشبههما قد انتفج بطنه - بالجيم -، ويقال في كل داء يعتري الانسان: قد انتفخ بطنه - بالخاء -، والحضنان جانبا الصدر.
وقوله: بين ثيله ومعتلفه.. فالثيل: قضيب الجمل وإنما استعاره للرجل هاهنا، والمعتلف: الموضع الذي يعتلف فيه.. أي يأكل، ومعنى الكلام بين مطعمه ومنكحه.
وقوله: يخضمون.. أي يكثرون وينقضون، ومنه قوله: خضمني الطعام.. أي نقض.
وقوله: أجهز.. أي أتى عليه وقتله، يقال: أجهزت على الجريح إذا كانت به جراحة فقتله.
وقوله: كعرف الضبع.. شبههم به لكثرته، والعرف: الشعر الذي يكون على عنق الفرس، فاستعاره للضبع.
وقوله: و قد انثالوا.. أي انصبوا علي وكثروا، ويقال: انتثلت ما في كنانتي من السهام إذا صببته.
وقوله: وراقهم زبرجها.. أي أعجبهم حسنها، واصل الزبرج النقش، وهو هاهنا زهرة الدنيا وحسنها.
وقوله: أن لا يقروا على كظة ظالم.. فالكظة: الامتلاء، يعني انهم لا
يصبرون على امتلاء الظالم من المال الحرام ولا يقاروه على ظلمه.
وقوله: ولا سغب مظلوم.. فالسغب: الجوع، ومعناه منعه من الحق الواجب له.
وقوله: لألقيت حبلها على غاربها.. مثل تقول العرب ألقيت حبل البعير على غاربه ليرعى كيف شاء.
ومعنى قوله: ولسقيت آخرها بكأس أولها.. أي لتركتهم في ضلالهم وعماهم.
وقوله: أزهد عندي.. فالزهيد: القليل.
قوله: من حبقة عنز.. فالحبقة ما يخرج من دبر العنز من الريح، والعطفة ما يخرج من أنفها.
وقوله: تلك شقشقة هدرت.. فالشقشقة: ما يخرجه البعير من جانب فيه إذا هاج وسكر.
2 - معاني الأخبار، علل الشرائع: الطالقاني، عن الجلودي، عن أحمد بن عمار بن خالد، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عيسى بن راشد، عن علي بن حذيفة، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
3 - أمالي الطوسي: الحفار، عن أبي القاسم الدعبلي، عن أبيه، عن أخي دعبل،
عن محمد بن سلامة الشامي، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، والباقر عليه السلام، عن ابن عباس قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة.. وذكر نحوه بأدنى تغيير.
4 - الإرشاد: روى جماعة عن أهل النقل من طرق مختلفة، عن ابن عباس قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام بالرحبة فذكرت الخلافة وتقديم من تقدم عليه، فتنفس الصعداء ثم قال: أم والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة..
وساق الخبر إلى آخره.
إيضاح: هذه الخطبة من مشهورات خطبه صلوات الله عليه روتها الخاصة والعامة في كتبهم وشرحوها وضبطوا كلماتها، كما عرفت رواية الشيخ الجليل المفيد وشيخ الطائفة والصدوق، ورواها السيد الرضي في نهج البلاغة والطبرسي في الاحتجاج قدس الله أرواحهم، وروى الشيخ قطب الدين الراوندي قدس سره في شرحه على نهج البلاغة بهذا السند: أخبرني الشيخ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم، عن الحاجب أبي الوفا محمد بن بديع والحسين بن أحمد بن
بديع والحسين بن أحمد بن عبد الرحمن، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الأصفهاني، عن سليمان بن أحمد الطبراني، عن أحمد بن علي الابار، عن إسحاق ابن سعيد أبي سلمة الدمشقي، عن خليد بن دعلج، عن عطان بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: كنا مع علي عليه السلام بالرحبة فجرى ذكر الخلافة ومن تقدم عليه فيها، فقال: أما والله لقد تقمصها فلان.. إلى آخر الخطبة.
ومن أهل الخلاف رواها ابن الجوزي في مناقبه، وابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد، وأبو علي الجبائي في كتابه، وابن الخشاب في درسه - على ما حكاه بعض الأصحاب - والحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب المواعظ والزواجر - على ما ذكره صاحب الطرائف -، وفسر ابن الأثير في النهاية لفظ الشقشقة، ثم قال: ومنه حديث علي عليه السلام في خطبة له: تلك
شقشقة هدرت ثم قرت.. وشرح كثيرا من ألفاظها.
وقال الفيروزآبادي في القاموس - عند تفسيرها -: الشقشقة - بالكسر - شئ - كالرئة - يخرجه البعير من فيه إذا هاج، والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس - لما قال: لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت -: يا بن عباس!
هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت.
وقال عبد الحميد بن أبي الحديد - ردا على من قال إنها تأليف السيد الرضي -: قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي - إمام البغداديين من المعتزلة -، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق السيد الرضي بمدة طويلة، ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية، وكان من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي، ومات قبل أن يكون الرضي موجودا..
ثم حكى عن شيخه مصدق الواسطي أنه قال: لما قرأت هذه الخطبة على
الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف ب: ابن الخشاب، قلت له: أتقول إنها منحولة؟!. فقال: لا والله! وإني لاعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق.. قال:
فقلت له: إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضي. فقال لي: أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور.. ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب قد صنفت قبل أن يخلق الرضي بمئتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرف أنها خطوط من هي من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي.
وقال ابن ميثم البحراني قدس سره: وجدت هذه الخطبة بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة. انتهى.
ومن الشواهد على بطلان تلك الدعوى الواهية الفاسدة أن القاضي عبد الجبار - الذي هو من متعصبي المعتزلة - قد تصدى في كتاب المغني لتأويل بعض كلمات الخطبة، ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدم عليه، ولم ينكر استناد الخطبة إليه.
وذكر السيد المرتضى رضي الله عنه كلامه في الشافي وزيفه، وهو أكبر من أخيه الرضي قدس الله روحهما، وقاضي القضاة متقدم عليهما، ولو كان يجد للقدح في استناد الخطبة إليه عليه السلام مساغا لما تمسك بالتأويلات الركيكة في مقام الاعتذار، وقدح في صحتها كما فعل في كثير من الروايات المشهورة، وكفى
للمنصف وجودها في تصانيف الصدوق رحمه الله، وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وكان مولد الرضي رضي الله عنه سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
ولنشرح الخطبة ثانيا لمزيد الايضاح والتبيين، وللإشارة إلى ما ذكره في تفسيرها وشرحها بعض المحققين، ونبني الشرح على ما أورده السيد قدس سره في النهج، ليظهر مواضع الاختلاف بينه وبين ما سلف من الروايات، مستعينا بخالق البريات.
5 - قال السيد: ومن خطبته له عليه السلام المعروفة ب: الشقشقية:
أما والله لقد تقمصها فلان... أي اتخذها قميصا، وفي التشبيه بالقميص الملاصق للبدن دون سائر الأثواب تنبيه على شدة حرصه عليها، والضمير راجع إلى الخلافة كما ظهر من سائر الروايات، وفلان كناية عن أبي بكر، وكان في نسخة ابن أبي الحديد: ابن أبي قحافة - بضم القاف وتخفيف الحاء - كما في بعض الروايات الآخر، وفي بعضها أخو تيم، والظاهر أن التعبير بالكناية نوع تقية
من السيد رحمه الله، والنسخة المقروءة عليه كانت متعددة، فلعله عدل في بعضها عن الكناية لزوال الخوف، ويمكن أن تكون التقية من النسخ، ويدل على أن الكناية ليست من لفظه عليه السلام أن قاضي القضاة في المغني تصدى لدفع دلالة تعبيره عليه السلام عن أبي بكر بابن أبي قحافة دون الألقاب المادحة على استخفاف به، بأنه: قد كانت العادة في ذلك الزمان أن يسمي أحدهم صاحبه ويكنيه ويضيفه إلى أبيه، حتى كانوا ربما قالوا لرسول الله صلى الله عليه [وآله]:
يا محمد (5)! فليس في ذلك استخفاف ولا دلالة على الوضع.
فأجاب السيد رضي الله عنه بما في الشافي عنه: بأنه ليس ذلك صنع من يريد التعظيم والتبجيل، وقد كانت لأبي بكر عندهم من الألقاب الجميلة ما يقصد إليه من يريد تعظيمه، وقوله ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان ينادى باسمه، فمعاذ الله، ما كان ينادي باسمه إلا شاك فيه، أو جاهل من طغام الاعراب. وقوله: إن ذلك عادة العرب.. فلا شك أن ذلك عادتهم فيمن لا يكون له من الألقاب أفخمها وأعظمها كالصديق.. ونحوه.
وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى.. الواو للحال، وقطب
الرحى: الحديدة المنصوبة في وسط السفلى من حجري الرحى التي تدور حولها العليا، أي تقمص الخلافة مع علمه بأني مدار أمرها، ولا تنتظم إلا بي، ولا عوض لها عني، كما أن الرحى لا تدور إلا بالقطب ولا عوض لها عنه.
وقال ابن أبي الحديد: عندي أنه أراد أمرا آخر، وهو أني من الخلافة في الصميم وفي وسطها وبحبوحتها، كما أن القطب وسط دائرة الرحى.
ولا يخفى نقصان التشبيه حينئذ.
وقال في المغني: أراد أنه أهل لها وأنه أصلح منه للقيام بها، يبين ذلك أن القطب من الرحى لا يستقل بنفسه ولا بد في تمامه من الرحى، فنبه بذلك على أنه أحق وإن كان قد تقمصها.
ورده السيد رضي الله عنه بأن هذا التأويل - مع أنه لا يرجي في غير هذا اللفظ من الألفاظ المروية عنه عليه السلام - فاسد، لان مفاد هذا الكلام ليس إلا التفرد في الاستحقاق، وأن غيره لا يقوم مقامه لا أنه أهل للامر وموضع له، وقوله: إن القطب لا يستقل بنفسه.. تأويل على عكس المراد، فإن المستفاد من هذا الكلام عند من يعرف اللغة عدم انتظام دوران الرحى بدون القطب، لاعدم استقلال القطب بدون الرحى.
ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير.. انحدار السيل لعله كناية عن إفاضة العلوم والكمالات وسائر النعم الدنيوية والأخروية على المواد القابلة.
وقيل: المعنى اني فوق السيل بحيث لا يرتفع إلي، وهو كما ترى.
ثم إنه عليه السلام ترقى في الوصف بالعلو بقوله: ولا يرقى إلي الطير، فإن مرقى الطير أعلى من منحدر السيل فكيف ما لا يرقى إليه؟ والغرض إثبات أعلى مراتب الكمال للدلالة على بطلان خلافة من تقمصها، لقبح تفضيل المفضول.
فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا.. يقال: سدل الثوب يسدله - بالضم - أي أرخاه وأرسله، ودون الشئ: امامه وقريب منه، والمعنى:
ضربت بيني وبينها حجابا وأعرضت عنها ويئست منها، والكشح: ما بين الخاصرة إلى اقصر الاضلاح، ويقال: فلان طوى كشحه.. أي اعرض مهاجرا ومال عني.
وقيل: أراد غير ذلك، وهو أن من أجاع نفسه فقد طوى كشحه كما أن من أكل وشبع فقد ملا كشحه.
وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء..
يقال: طفق في كذا.. أي اخذ وشرع، وأرتئي في الامر.. أي أفكر في طلب
الأصلح، وهو افتعل من رؤية القلب أو من الرأي، والصولة: الحملة والوثبة، والجذاء - بالجيم والذال المعجمة - المقطوعة والمكسورة أيضا - كما ذكره الجوهري -، وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: أصول بيد جذاء.. كنى به عن قصور أصحابه وتقاعدهم عن الغزو، فان الجند للأمير كاليد، ويروى بالحاء المهملة وفسره في موضعه باليد القصيرة التي لا تمد إلى ما يراد. قال: وكأنها بالجيم أشبه.
والطخية - بالضم، كما صحح في أكثر النسخ - الظلمة أو الغيم، وفي بعضها بالفتح: في القاموس: الطخية..: الظلمة، ويثلث، ولم يذكر الجوهري سوى الضم، وفسره بالسحاب، وفي النهاية: الطخية: الظلمة والغيم، والعمياء: تأنيث الأعمى، ووصف الطخية بها لان الرائي لا يبصر فيها شيئا. يقال: مفازة عمياء.. أي لا يهتدي فيها الدليل، وهي مبالغة في وصف الظلمة بالشدة، وحاصل المعنى، إني لما رأيت الخلافة في يد من لم يكن
أهلا لها كنت متفكرا مرددا بين قتالهم بلا أعوان وبين معاينة الخلق على جهالة وضلالة وشدة.
يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه..
يقال: هرم - كفرح - أي بلغ أقصى الكبر، والشيب - بالفتح - بياض الشعر، والكدح: الكد والعمل والسعي، والجمل الثلاثة أوصاف للطخية العمياء، وايجابها لهرم الكبير وشيب الصغير إما لكثرة الشدائد فيها، فإنها مما يسرع بالهرم والشيب، أو لطول مدتها وتمادي أيامها ولياليها، أو للامرين جميعا، وعلى الوجهين الأولين فسر قوله تعالى: [يوما يجعل الولدان شيبا]. وكدح المؤمن يمكن أن يراد به لازمه أعني التعب ومقاساة الشدة في الوصول إلى حقه..
وقيل: يسعى فلا يصل إلى حقه، فالكدح بمعناه.
وقيل: المراد به أن المؤمن المجتهد في الذب عن الحق والامر بالمعروف يسعى فيه ويكد ويقاسي الشدايد حتى يموت.
وفي رواية الشيخ والطبرسي: يرضع فيها الصغير ويدب فيها الكبير..
وهو كناية عن طول المدة - أيضا - أي يمتد إلى أن يدب كبيرا من كان يرضع صغيرا، يقال: دب يدب دبيبا: اي مشى على هنيئة.
فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحق
شجى أرى تراثي نهبا.. كلمة (ها) في هاتا للتنبيه، وتا للإشارة إلى المؤنث، أشير بها إلى الطخية الموصوفة، وأحجى.. أي أولى وأجدر وأحق، من قولهم:
حجى بالمكان إذا أقام وثبت، ذكره في النهاية.
وقيل: أي أليق وأقرب بالحجى وهو العقل. والقذي: جمع قذاة وهي ما يسقط في العين وفي الشراب أيضا من تبن أو تراب أو وسخ. والشجى: ما اعترض في الحلق ونشب من عظم ونحوه. والتراث: ما يخلفه الرجل لورثته، والتاء فيه بدل من الواو. والنهب: السلب والغارة والغنيمة، والجملة بيان لوجود القذى والشجى.
وفي رواية الشيخين والطبرسي: فرأيت الصبر..
وفي رواية الشيخ: تراث محمد صلى الله عليه وآله نهبا.
وفي تلخيص الشافي: من أن أرى تراثي نهبا.
والحاصل إني بعد التردد في القتال استقر رأيي على أن الصبر أجدر، وذلك
لأداء القتال إلى استئصال آل الرسول صلى الله عليه وآله واضمحلال كلمة الاسلام لغلبة الأعداء.
وقال بعض الشارحين: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولا يرقى إلي الطير فطفقت أرتئي بين كذا.. وكذا، فرأيت الصبر على هاتا أحجى فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا، وصبرت وفي العين قذى.. إلى آخر الفصل، لأنه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا ويطوي عنها كشحا، ثم يرتئي..
والتقديم والتأخير شائع في لغة العرب، قال الله تعالى: [انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما]. انتهى.
ويمكن أن يقال: سدل الثوب وطي الكشح لم يكن على وجه البت وتصميم العزم على الترك، بل المراد ترك العجلة والمبادرة إلى الطلب من غير تدبر في عاقبة الامر، ولعل الفقرتين بهذا المعنى أنسب.
حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده.. قيل: تقديره مضى على سبيله وأدلى بها إلى فلان.. أي ألقاها إليه ودفعها، والتعبير بلفظ فلان كما مر، وفي نسخة ابن أبي الحديد بلفظ: ابن الخطاب، وفي بعض الروايات:
إلى عمر، وإدلاؤه إليه بها نصبه للخلافة.
وكان ابن الخطاب يسمي نفسه خليفة أبي بكر، ويكتب إلى عماله من خليفة أبي بكر حتى جاءه لبيد بن أبي ربيعة وعدي بن حاتم فقالا لعمرو بن العاص: استأذن لنا على أمير المؤمنين.. فخاطبه عمرو بن العاص بأمير المؤمنين فجرى ذلك في المكاتيب من يومئذ، ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستيعاب.
ثم تمثل عليه السلام بقول الأعشى:
شتان بما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر تمثل بالبيت: أنشده للمثل.
والأعشى: ميمون بن جندل، وشتان - اسم فعل - بمعنى بعد وفيه معنى التعجب، والكور - بالضم - رحل البعير بأداته، والضمير راجع إلى الناقة، وحيان كان صاحب حصن باليمامة، وكان من سادات بني حنيفة، مطاعا في قومه يصله كسرى في كل سنة، وكان في رفاهية ونعمة مصونا من وعثاء السفر، لم يكن يسافر أبدا، وكان الأعشى ينادمه، وكان أخوه جابر أصغر سنا منه،
ويروى أن حيان عاتب الأعشى في نسبته إلى أخيه فاعتذر بأن الروي اضطرني إلى ذلك فلم يقبل عذره.
ومعنى البيت - كما أفاده السيد المرتضى رضي الله عنه - اظهار البعد بين يومه ويوم حيان لكونه في شدة من حر الهواجر، وكون حيان في راحة وخفض، وكذا غرضه عليه السلام بيان البعد بين يومه صابرا على القذى والشجى وبين يومهم فائزين بما طلبوا من الدنيا، وهذا هو الظاهر المطابق للبيت التالي له، وهو مما تمثل به عليه السلام - على ما في بعض النسخ - وهو قوله:
أرمي بها البيد إذا هجرت * وأنت بين القرو والعاصر والبيد - بالكسر -: جمع البيداء وهي المفازة، والتهجير: السير في الهاجرة، وهي نصف النهار عند شدة الحر، والقرو: قدح من الخشب، وقيل: إناء صغير أو إجانة للشرب، والعاصر: الذي يعصر العنب للخمر .. أي أنا في شدة حر الشمس أسوق ناقتي في الفيافي وأنت في عيش
وشرب.
وقال بعض الشارحين المعنى: ما أبعد ما بين يومي على كور الناقة أدأب وأنصب وبين يومي منادما حيان أخي جابر في خفض ودعة.
فالغرض من التمثيل اظهار البعد بين يومه عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله مقهورا ممنوعا عن حقه وبين يومه في صحبة النبي صلى الله عليه وآله.
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته..
أصل: يا عجبا: يا عجبي، قلبت الياء ألفا، كأن المتكلم ينادي عجبه ويقول له أحضر فهذا أوان حضورك.
وبينا: هي بين الظرفية أشبعت فتحتها فصارت ألفا، وتقع بعدها إذا الفجائية غالبا، والاستقالة: طلب الإقالة وهو في البيع فسخه للندم، وتكون في البيعة والعهد أيضا، واستقالته قوله بعدما بويع: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم.
وقد روى خبر الاستقالة الطبري في تاريخه، والبلاذري في أنساب
الاشراف، والسمعاني في الفضائل، وأبو عبيدة في بعض مصنفاته - على ما حكاه بعض أصحابنا - ولم يقدح الفخر الرازي في نهاية العقول في صحته، وإن أجاب عنه بوجوه ضعيفة، وكفى كلامه عليه السلام شاهدا على صحته، وكون العقد لآخر بين أوقات الاستقالة لتنزيل اشتراكهما في التحقيق والوجود منزلة اتحاد الزمان، أو لأن الظاهر من حال المستقبل لعلمه بأن الخلافة حق لغيره بقاء ندمه وكونه متأسفا دائما خصوصا عند ظهور أمارة الموت.
وقوله: بعد وفاته، ليس ظرفا لنفس العقد بل لترتب الآثار على المعقود بخلاف قوله: في حياته.
والمشهور أنه لما احتضر أحضر عثمان وأمره أن يكتب عهدا، وكان يمليه عليه، فلما بلغ قوله: أما بعد.. أغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلف عليكم عمر بن الخطاب.. فأفاق أبو بكر فقال: اقرأ، فقرأه فكبر أبو بكر وقال:
أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي؟! قال: نعم. قال: جزاك الله
خيرا عن الاسلام وأهله.. ثم أتم العهد وأمره أن يقرأه على الناس.
وذهب إلى عذاب الله في ليلة الثلاثاء بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة على ما ذكره ابن أبي الحديد.
وقال في الاستيعاب: قول الأكثر أنه توفي عشي يوم الثلاثاء المذكور، وقيل ليلته، وقيل عشي يوم الاثنين، قال: ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال أو سبع ليال، وقيل: أكثر من ذلك إلى عشرين يوما.
والسبب - على ما حكاه عن الواقدي - أنه اغتسل في يوم بارد، فحم ومرض خمسة عشر يوما.
وقيل: سل.
وقيل سم، وغسلته زوجته أسماء بنت عميس، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن ليلا في بيت عائشة.
لشد ما تشطرا ضرعيها.. اللام جواب القسم المقدر، وشد.. أي صار شديدا، وكلمة ما مصدرية، والمصدر فاعل شد، ولا يستعمل هذا الفعل إلا في التعجب.
وتشطرا: إما مأخوذ من الشطر - بالفتح - بمعنى النصف، يقال: فلان شطر ماله.. أي نصفه، فالمعنى أخذ كل واحد منهما نصفا من ضرعي الخلافة، وأما منه بمعنى خلف الناقة - بالكسر - أي حلمة ضرعها، يقال: شطر ناقته تشطيرا: إذا صر خلفين من أخلافها.. أي شد عليهما الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف لئلا يرضع منه الولد، وللناقة أربعة اخلاف، خلفان قادمان - وهما اللذان يليان السرة -، وخلفان آخران.
وسمى عليه السلام خلفين منها ضرعا لاشتراكهما في الحلب دفعة، ولم نجد التشطر على صيغة التفعل في كلام اللغويين.
وفي رواية المفيد رحمه الله وغيره: شاطرا - على صيغة المفاعلة - يقال:
شاطرت ناقتي، إذا احتلبت شطرا وتركت الآخر، وشاطرت فلانا مالي: إذا ناصفته.
وفي كثير من روايات السقيفة أنه عليه السلام قال - لعمر بن الخطاب بعد يوم السقيفة -: احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم يرده عليك غدا.
وقد مهد عمر أمر البيعة لأبي بكر يوم السقيفة، ثم نص أبو بكر عليه لما حضر أجله، وكان قد استقضاه في خلافته وجعله وزيرا في أمرها مساهما في وزرها، فالمشاطرة تحتمل الوجهين.
وفي رواية الشيخ والطبرسي ذكر التمثل في هذا الموضع بعد قوله:
ضرعيها.
فصيرها في حوزة خشناء يغلض كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها.. وليست (فيها) في كثير من النسخ.
والحوزة - بالفتح -: الناحية والطبيعة. والغلظ: ضد الرقة، والكلم - بالفتح - الجرح، وفي الاسناد توسع، وخشونة المس: الايذاء والاضرار وهو غير ما يستفاد من الخشناء، فإنها عبارة عن كون الحوزة بحيث لا ينال ما عندها ولا يفوز بالنجاح من قصدها، كذا قيل.
وقال بعض الشراح: يمكن أن يكون (من) في " الاعتذار منها " للتعليل، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لأجل تلك الحوزة.
وقال بعض الأفاضل: الظاهر أن المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولي
للخلافة بالأرض الخشناء في ناحية الطريق المستوي، وتشبيه الخلافة بالراكب السائر فيها أو بالناقة.. أي أخرجها عن مسيرها المستوي وهو من يستحقها إلى تلك الناحية الحزنة، فيكثر عثارها، أو عثار مطيتها فيها، فاحتاجت إلى الاعتذار من عثراتها الناشئة من خشونة الناحية، وهو في الحقيقة اعتذار من الناحية، فالعاثر والمعتذر حينئذ هي الخلافة توسعا، والضمير المجرور في (منها) راجع إلى الحوزة أو إلى العثرات المفهومة من كثرة العثار، ومن صلة للاعتذار أو للصفة المقدرة صفة للاعتذار، أو حالا عن (يكثر).. أي الناشئ أو ناشئا منها، وعلى ما في كثير من النسخ يكون الظرف المتضمن لضمير الموصوف أعني فيها محذوفا، والعثار والاعتذار على النسختين إشارة إلى الخطأ في الاحكام وغيرها، والرجوع عنها كقصة الحاملة والمجنونة وميراث الجد.. وغيرها.
وفي الاحتجاج: فصيرها والله في ناحية خشناء، يجفو مسها، ويغلظ كلمها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها حزم، وإن أسلس لها تقحم، يكثر فيها العثار، ويقل فيها الاعتذار...
فالمعنى انه كان يعثر كثيرا ولا يعتذر منها لعدم المبالاة، أو للجهل، أو لأنه لم يكن لعثراته عذر حتى يعتذر، فالمراد بالاعتذار إبداء العذر ممن كان معذورا ولم يكن مقصرا.
وفي رواية الشيخ رحمه الله: فعقدها والله في ناحية خشناء، يخشن مسها - وفي بعض النسخ: يخشى مسها -، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار والاعتذار فيها، صاحبها منها كراكب الصعبة إن شنق لها حزم، وإن أسلس لها عصفت به.
فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم..
الصعبة من النوق: غير المنقادة، واشنق بعيره.. أي جذب رأسها بالزمام، ويقال: اشنق البعير بنفسه: إذا رفع رأسه، يتعدى ولا يتعدى، واللغة المشهورة: شنق كنصر متعديا بنفسه، ويستعملان باللام، كما صرح به في النهاية.
قال السيد رحمه الله في النهج - بعد إتمام الخطبة - قوله عليه السلام: في هذه الخطبة - كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم.. يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها، يقال: أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه وشنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق، وإنما قال: أشنق لها ولم يقل أشنقها لأنها جعله في مقابلة قوله: أسلس لها، فكأنه عليه
السلام قال: إن رفع لها رأسها بالزمام بمعنى أمسكه عليها (انتهى).
فاللام للازدواج، والخرم: الشق، يقال: خرم فلانا - كضرب -.. أي شق وترة أنفه، وهي ما بين منخريه فخرم هو كفرح، والمفعول محذوف وهو ضمير الصعبة كما يظهر من كلام بعض اللغويين، أو أنفها كما يدل عليه كلام السيد وابن الأثير وبعض الشارحين، واسلس لها.. أي أرخى زمامها لها، وتقحم.. أي رمى نفسه في مهلكة، وتقحم الانسان الامر.. أي رمى نفسه فيها من غير روية.
وذكروا في بيان المعنى وجوها:
منها: ان الضمير في صاحبها يعود إلى الحوزة المكنى بها عن الخليفة أو أخلاقه، والمراد بصاحبها من يصاحبها كالمستشار وغيره، والمعنى ان المصاحب للرجل المنعوت حاله في صعوبة الحال كراكب الناقة الصعبة، فلو تسرع إلى إنكار القبائح من أعماله أدى إلى الشقاق بينهما وفساد الحال، ولو سكت وخلاه وما يصنع أدى إلى خسران المال.
ومنها: ان الضمير راجع إلى الخلافة أو إلى الحوزة، والمراد بصاحبها نفسه عليه السلام، والمعنى ان قيامي في طلب الامر يوجب مقاتلة ذلك الرجل وفساد أمر الخلافة رأسا، وتفرق نظام المسلمين، وسكوتي عن يورث التقحم في موارد
الذل والصغار.
ومنها: ان الضمير راجع إلى الخلافة، وصاحبها من تولى أمرها مراعيا للحق وما يجب عليه، والمعنى أن المتولي لأمر الخلافة إن أفرط في إحقاق الحق وزجر الناس عما يريدونه بأهوائهم أوجب ذلك نفار طباعهم وتفرقهم عنه، لشدة الميل إلى الباطل، وإن فرط في المحافظة على شرائطها ألقاه التفريط في موارد الهلكة، وضعف هذا الوجه وبعده واضح.
هذا ما قيل فيه من الوجوه، ولعل الأول أظهر.
ويمكن فيه تخصيص الصاحب به عليه السلام، فالغرض بيان مقاساته الشدائد في أيام تلك الحوزة الخشناء للمصاحبة، وقد كان يرجع إليه عليه السلام بعد ظهور الشناعة في العثرات، ويستشيره في الأمور للأغراض.
ويحتمل عندي وجها [كذا] آخر وهو: أن يكون المراد بالصاحب عمر، وبالحوزة سوء أخلاقه، ويحتمل إرجاع الضمير إلى الخلافة.
والحاصل: انه كان لجهله بالأمور، وعدم استحقاقه للخلافة، واشتباه الأمور عليه كراكب الصعبة، فكان يقع في أمور لا يمكنه التخلص منها أو لم يكن شئ من أموره خاليا عن المفسدة، فإذا استعمل الجرأة والجلادة والغلظة كانت على خلاف الحق، وإن استعمل اللين كان للمداهنة في الدين.
فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس وتلون واعتراض..
مني - على المجهول - أي ابتلي، والعمر - بالضم والفتح -: مصدر عمر الرجل - بالكسر - إذا عاش زمانا طويلا، ولا يستعمل في القسم الا العمر
- بالفتح -، فإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء، واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير لعمر الله قسمي، وان لم تأت باللام نصبته نصب المصادر، والمعنى على التقديرين أحلف ببقاء الله ودوامه، والخبط - بالفتح -: السير على غير معرفة وفي غير جادة، والشماس - بالكسر - النغار يقال: شمس الفرس شموسا وشماسا.. أي منع ظهره، فهو فرس شموس - بالفتح - وبه شماس، والتلون في الانسان: ان لا يثبت على خلق واحد، والاعتراض: السير على غير استقامة كأنه يسير عرضا.
والغرض بيان شدة ابتلاء الناس في خلافته بالقضايا الباطلة لجهلة واستبداده برأيه مع تسرعه إلى الحكم وإيذائهم بحدته وبالخشونة في الأقوال والافعال الموجبة لنفارهم عنه، وبالنفار عن الناس كالفرس الشموس، والتلون في الآراء والاحكام لعدم ابتنائها على أساس قوي، وبالخروج عن الجادة المستقيمة التي شرعها الله لعباده، أو بالوقوع في الناس في مشهدهم ومغيبهم، أو بالحمل على الأمور الصعبة، والتكاليف الشاقة. ويحتمل أن يكون الأربعة أوصافا للناس
في مدة خلافته، فإن خروج الوالي عن الجادة يستلزم خروج الرعية عنها أحيانا، وكذا تلونه واعتراضه يوجب تلونهم واعتراضهم على بعض الوجوه، وخشونته يستلزم نفارهم، وسيأتي تفاصيل تلك الأمور في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.
فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم..
وفي تلخيص الشافي: زعم أني سادسهم.
والمحنة: البلية التي يمتحن بها الانسان.
والزعم - مثلثة - قريب من الظن. وقال ابن الأثير: إنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه. وقال الزمخشري: هي ما لا يوثق به من الأحاديث. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: كل زعم في القرآن كذب.
وكانت مدة غصبه للخلافة - على ما في الاستيعاب - عشر سنين وستة أشهر. وقال: قتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقال الواقدي وغيره: لثلاث بقين منه، طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة.
واشتهر بين الشيعة أنه قتل في التاسع من ربيع الأول، وسيأتي فيه بعض الروايات.
والجماعة الذين أشار عليه السلام إليهم أهل مجلس الشورى، وهم ستة - على المشهور -: علي عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف.
وقال الطبري: لم يكن طلحة ممن ذكر في الشورى ولا كان يومئذ بالمدينة.
وقال أحمد بن أعثم: لم يكن بالمدينة. فقال عمر: انتظروا بطلحة ثلاثة أيام، فإن جاء وإلا فاختاروا رجلا من الخمسة.
فيا لله وللشورى..
الشورى - كبشرى، مصدر - بمعنى المشورة، واللام في فيا لله: مفتوحة لدخولها على المستغاث، أدخلت للدلالة على اختصاصها بالنداء للاستغاثة، وأما في: وللشورى فمكسورة دخلت على المستغاث له، والواو زائدة أو عاطفة على محذوف مستغاث له أيضا، قيل: كأنه قال: فيا لعمر وللشورى.. أو: لي وللشورى.. ونحوه، والأظهر فيا لله لما أصابني عنه، أو لنوائب الدهر عامة وللشورى خاصة، والاستغاثة للتألم من الاقتران بمن لا يدانيه في الفضائل، ولا يستأهل للخلافة، وسيأتي قصة الشورى في بابها.
متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه
النظائر..
وفي رواية الشيخ وغيره: فيا للشورى والله، متى اعترض الريب في مع الأولين، فأنا الآن اقرن..
وفي الاحتجاج: مع الأولين منهم حتى صرت الآن يقرن بي هذه النظائر.
ويقال: اعترض الشئ.. أي صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر، والريب: الشك، والمراد بالأول أبو بكر.
وأقرن إليهم - على لفظ المجهول - أي اجعل قرينا لهم ويجمع بيني وبينهم.
والنظائر الخمسة: أصحاب الشورى، وقيل: الأربعة كما سيأتي، والتعبير عنهم بالنظائر لان عمر جعلهم نظائر له عليه السلام، أو لكون كل منهم نظير الآخرين.
لكني أسففت أن أسفوا وطرت إذ طاروا..
وفي رواية الشيخ: و لكني أسففت مع القوم حيث أسفوا وطرت مع القوم حيث طاروا..
قال في النهاية - في شرح هذه الفقرة -: اسف الطائر: إذا دنا من
الأرض، واسف الرجل للامر: إذا قاربه، وطرت.. أي ارتفعت استعمالا للكلي في أكمل الافراد بقرينة المقابلة.
وقال بعض الشارحين: أي لكني طلبت الامر إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة لأنه حقي ولم أستنكف من طلبه.
والأظهر ان المعنى اني جريت معهم على ما جروا، ودخلت في الشورى مع أنهم لم يكونوا نظراء لي، وتركت المنازعة للمصلحة أو الأعم من ذلك بأن تكلمت معهم في الاحتجاج أيضا بما يوافق رأيهم، وبينت الكلام على تسليم حقية ما مضى من الأمور الباطلة، وأتممت الحجة عليهم على هذا الوجه.
فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هن وهن.
الصغي: الميل، ومنه أصغيت إليه: إذا ملت بمسعك نحوه. والضغن - بالكسر - الحقد والعداوة، والصهر - بالكسر -: حرمة الختونة. وقال الخليل: الاصهار: أهل بيت المرأة، ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان جميعا.
وهن على وزن أخ: كلمة كناية ومعناه شئ واصله هنو.
وقال الشيخ الرضي رضي الله عنه: الهن: الشئ المنكر الذي يستهجن
ذكره من العورة والفعل القبيح أو غير ذلك، والذي مال للضغن سعد بن أبي وقاص، لأنه عليه السلام قتل أباه يوم بدر، وسعد أحد من قعد عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام عند رجوع الامر إليه، كذا قال الراوندي رحمه الله.
ورده ابن أبي الحديد بأن أبا وقاص - واسمه مالك بن وهيب - مات في الجاهلية حتف أنفه، وقال: المراد به طلحة، وضغنه لأنه تيمي وابن عم أبي بكر، وكان في نفوس بني هاشم حقد شديد من بني تيم لأجل الخلافة وبالعكس، والرواية التي جاءت بأن طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى - إن صحت - فذو الضغن هو سعد، لان أمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، والضغنة التي كانت عنده من قبل أخواله الذين قتلهم علي عليه السلام، ولم يعرف أنه عليه السلام قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضغن إليه، والذي مال لصهره هو عبد الرحمن لان أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجة عبد الرحمن، وهي أخت عثمان من أمه أروى بنت كويز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.
وفي بعض نسخ كتب الصدوق رحمه الله: فمال رجل بضبعه - بالضاد المعجمة والباء - وفي بعضها: باللام.
وقال الجوهري: الضبع: العضد.. وضبعت الخيل.. مدت أضباعها في
سيرها..، وقال الأصمعي: الضبع: ان يهوي بحافره إلى عضده، وكنا في ضبع فلان - بالضم - أي في كنفه وناحيته. وقال: يقال ضلعك مع فلان..
أي ميلك معه وهواك.. ويقال: خاصمت فلانا فكان ضلعك علي.. أي ميلك.
وفي رواية الشيخ: فمال رجل لضغنه وأصغى آخر لصهره.. ولعل المراد بالكناية رجاؤه أن ينتقل الامر إليه بعد عثمان، وينتفع بخلافته والانتساب إليه باكتساب الأموال والاستطالة والترفع على الناس، أو نوع من الانحراف عنه عليه السلام، وقد عد من المنحرفين أو غير ذلك مما هو عليه السلام أعلم به، ويحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالمعطوف والمعطوف عليه كليهما، فالكناية تشتمل ذا الضغن أيضا.
إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع.
وفي رواية الشيخ: إلى أن قام الثالث نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه منها، وأسرع معه بنو أبيه في مال الله يخضمونه..
والحضن - بالكسر - ما دون الإبط إلى الكشح، والنفج - بالجيم -:
الرفع يقال: بعير منتفج الجنبين: إذا امتلأ من الاكل فارتفع جنباه، ورجل
منتفج الجنبين: إذا افتخر بما ليس فيه، وظاهر المقام التشبيه بالبعير. وقال ابن الأثير: كنى به عن التعاظم والخيلاء، قال: ويروى نافخا - بالخاء المعجمة - أي منتفخا مستعدا لان يعمل عمله من الشر، والظاهر على هذه الرواية أن المراد كثرة الاكل.
والنثيل: الروث - بالفتح -، والمعتلف - بالفتح - موضع الاعتلاف، وهو اكل الدابة العلف.. أي كان همه الاكل والرجع كالبهائم، وقد مر تفسير ما في رواية الصدوق رحمه الله.
قال في القاموس: النثيل - بالفتح والكسر - وعاء قضيب البعير.. أو القضيب نفسه، والخضم: الاكل بجميع الفم ويقابله القضم.. أي بأطراف الأسنان.
وقال في النهاية - في حديث علي عليه السلام -: فقام معه بنو أبيه
يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع..: الخضم: الاكل بأقصى الأضراس، والقضم بأدناها، ومنه حديث أبي ذر: تأكلون خضما ونأكل قضما، وقيل: الخضم خاص بالشئ الرطب والقضم باليابس، والفعل خضم - كعلم - على قول الجوهري وابن الأثير. وفي القاموس: كسمع وضرب، واعرب المضارع في النسخ على الوجهين جميعا. وقالوا: النبتة - بالكسر - ضرب من فعل النبات يقال: انه لحسن النبتة، والكلام إشارة إلى تصرف عثمان وبني أمية في بيت مال المسلمين وإعطائه الجوايز وإقطاعه القطائع كما سيأتي إن شاء الله.
إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته..
وفي الاحتجاج: إلى أن كبت به بطنته وأجهز عليه عمله..
والانكاث: الانتقاض، يقال: نكث فلان العهد والحبل فانتكث.. أي نقضه فانتقض. وفتل الحبل: برمه ولي شقيه. والاجهاز: اتمام قتل
الجريح واسراعه، وقيل: فيه ايماء إلى ما أصابه قبل القتل من طعن أسنة الألسنة وسقوطه عن أعين الناس.
وكبا الفرس: سقط على وجهه، وكبا به: أسقطه.
والبطنة: الكظة، أي: الامتلاء من الطعام.
والحاصل أنه استمرت أفعالهم المذكورة إلى أن رجع عليه حيله وتدابيره ولحقه وخامة العاقبة فوثبوا عليه وقتلوه، كما سيأتي بيانه.
فما راعني إلا والناس ينثالون علي من كل جانب..
وفي الاحتجاج: الا والناس رسل إلي كعرف الضبع يسألون أن أبايعهم وانثالوا على حقي..
وفي رواية الشيخ: فما راعني من الناس إلا وهم رسول كعرف الضبع يسألوني أبايعهم وأبى ذلك، وانثالوا علي..
والروع - بالفتح - الفزع والخوف، يقال: رعت فلانا وروعته فارتاع.. أي أفزعته ففزع، وراعني الشئ أي أعجبني، والأول هنا أنسب.
والثول: صب ما في الاناء، وانثال: انصب.
وفي بعض النسخ الصحيحة: والناس إلي كعرف الضبع ينثالون..
والعرف: الشعر الغليظ النابت على عنق الدابة، وعرف الضبع مما يضرب به المثل في الازدحام.
وفي القاموس: الرسل - محركة - القطيع من كل شئ.. والرسل - بالفتح -..
المترسل من الشعر، وقد رسل - كفرح - رسلا.. أي ما أفزعني حالة إلا حالة ازدحام الناس للبيعة، وذلك لعلمهم بقبح العدول عنه عليه السلام إلى غيره.
حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي...
الوطئ: الدوس بالقدم، والحسنان السبطان صلوات الله عليهما، ونقل عن السيد المرتضى رضي الله عنه أنه قال: روى أبو عمر: وأنهم الابهامان، وأنشد للشفري:
مهضومة الكشحين حزماء الحسن...
وروى أنه صلوات الله عليه كان يومئذ جالسا محتبيا - وهي جلسة رسول الله صلى الله عليه وآله المسماة بالقرفصاء - فاجتمعوا ليبايعوه زاحموا حتى وطؤوا إبهاميه، وشقوا ذيله، قال: ولم يعن الحسن والحسين عليهما السلام وهما رجلان كسائر الحاضرين.
وعطفا الرجل - بالكسر - جانباه، فالمراد شق جانبي قميصه عليه السلام أو ردائه عليه السلام لجلوس الناس أو وضع الاقدام وزحامهم حوله.
وقيل: أراد خدش جانبيه عليه السلام لشدة الاصطكاك والزحام. وفي بعض النسخ الصحيحة: وشق عطافي، وهو - بالكسر - الرداء، وهو أنسب.
مجتمعين حولي كربيضة الغنم..
الربيض والربيضة: الغنم المجتمعة في مربضها.. أي مأواها.
وقيل: إشارة إلى بلادتهم ونقصان عقولهم، لان الغنم توصف بقلة الفطنة.
فلما نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون..
وفي رواية الشيخ والاحتجاج: وقسط آخرون.
نهض - كمنع - قام، والنكث: النقص، والمروق: الخروج، وفسق الرجل - كنصر وضرب - فجر واصله الخروج ، والقسط: العدل والجور، والمراد به هنا الثاني.
والمراد بالناكثة: أصحاب الجمل، وقد روى أنه عليه السلام كان يتلو وقت مبايعتهم: و [من نكث فإنما ينكث على نفسه].
وبالمارقة: أصحاب النهروان.
وبالفاسقة أو القاسطة: أصحاب صفين وسيأتي اخبار النبي صلى الله
عليه وآله بهم وبقتاله عليه السلام معهم.
كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: [تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين]. الظاهر رجوع ضمير الجمع إلى الخلفاء الثلاثة لا إلى الطوائف - كما توهم - إذا الغرض من الخطبة ذكر هم لا الطوائف، وهو المناسب لما بعد الآية، لا سيما ضمير الجمع في سمعوها ووعوها. والغرض تشبيههم في الاعراض عن الآخرة والاقبال على الدنيا وزخارفها للأغراض الفاسدة بمن أعرض عن نعيم الآخرة لعدم سماع الآية وشرائط الفوز بثوابها، والمشار إليها في الآية هي الجنة، والإشارة للتعظيم.. أي تلك الدار التي بلغك وصفها.
والعلو: هو التكبر على عباد الله والغلبة عليهم، والاستكبار عن العبادة.
والفساد: الدعاء إلى عبادة غير الله، أو أخذ المال وقتل النفس بغير حق، أو العمل بالمعاصي والظلم على الناس، والآية لما كانت بعد قصة قارون وقبله قصة فرعون فقيل إن العلو إشارة إلى كفر فرعون، لقوله تعالى فيه: [علا في الأرض] والفساد إلى بغي قارون لقوله تعالى: [ولا تبغ الفساد في الأرض] ففي كلامه عليه السلام يحتمل كون الأول إشارة إلى
الأولين، والثاني إلى الثالث، أو الجميع إليهم جميعا، أو إلى جميع من ذكر في الخطبة كما قيل.
بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.
وفي رواية الشيخ: بلى والله لقد سمعوها ولكن راقتهم دنياهم وأعجبهم زبرجها..
وعى الحديث - كرمى -: فهمه وحفظه.
وحلي فلان بعيني وفي عيني - بالكسر -: إذا أعجبك، وكذلك حلى - بالفتح - يحلو حلاوة.
وراقني الشئ: أعجبني.
والزبرج: الزينة من وشي أو جوهر أو نحو ذلك، قال الجوهري: ويقال الزبرج: الذهب وفي النهاية: الزينة والذهب والسحاب.
أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر..
وفي رواية الشيخ: لولا حضور الناصر ولزوم الحجة وما أخذ الله من
أولياء الامر..
الفلق: الشق، وبرأ... أي خلق، وقيل: قلما يستعمل في غير الحيوان، والنسمة - محركة - الانسان أو النفس والروح.
والظاهر أن المراد بفلق الحبة شقها وإخراج النبات منها.
وقيل: خلقها.
وقيل: هو الشق الذي في الحب.
وحضور الحاضر.. اما وجود من حضر للبيعة فما بعده كالتفسير له، أو تحقق البيعة - على ما قيل -، أو حضوره سبحانه وعلمه، أو حضور الوقت الذي وقته الرسول صلى الله عليه وآله للقيام بالامر.
وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم..
كلمة ما مصدرية، والجملة في محل النصب لكونها مفعولا لاخذ أو موصولة والعائد مقدر، والجملة بيان لما أخذه الله بتقدير حرف الجر أو بدل منه أو عطف بيان له.
والعلماء: إما الأئمة عليهم السلام أو الأعم، فيدل على وجوب الحكم بين الناس في زمان الغيبة لمن جمع الشرائط.
وفي الاحتجاج: على أولياء الامر أن لا يقروا..
والمقارة - على ما ذكره الجوهري -: ان تقر مع صاحبك وتسكن. وقيل:
إقرار كل واحد صاحبه على الامر وتراضيهما به.
والكظة: ما يعتري الانسان من الامتلاء من الطعام، والسغب - بالتحريك - الجوع.
لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها..
الضمائر راجعة إلى الخلافة، والغارب: ما بين السنام والعنق أو مقدم السنام، وإلقاء الحبل ترشيح لتشبيه الخلافة بالناقة التي يتركها راعيها لترعى حيث تشاء ولا يبالي من يأخذها وما يصيبها، وذكر الحبل تخييل. والكأس اناء فيه شراب أو مطلقا.
وسقيها بكأس أولها تركها والاغراض عنها لعدم الناصر.
وقال بعض الشارحين: التعبير بالكأس لوقوع الناس بذلك الترك في حيرة تشبه السكر.
ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي عن عفطة عنز..
وفي الاحتجاج: ولألفوا دنياكم أهون عندي..
قوله عليه السلام: ألفيتم.. أي وجدتم، وإضافة الدنيا إلى المخاطبين لتمكنها في ضمائرهم ورغبتهم فيها، والإشارة للتحقير.
والزهد: خلاف الرغبة، والزهيد: القليل، وصيغة التفضيل على الأول على خلاف القياس كأشهر وأشغل.
والعنز - بالفتح - أنثى المعز ، وعفطتها: ما يخرج من انفها عند النثرة، وهي منها شبه العطسة، كذا قال بعض الشارحين، وأورد عليه أن المعروف في العنز النقطة - بالنون - وفي النعجة - العفطة - بالعين - صرح به الجوهري والخليل في العين. وقال بعض الشارحين: العفطة من الشاة كالعطاس من الانسان، وهو غير معروف، وقال ابن الأثير: أي ضرطة عنز.
قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، فلما فرغ من قراءته، قال له ابن عباس رحمة الله
عليه: يا أمير المؤمنين عليه السلام! لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت. فقال له: هيهات يا بن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قرت.
أهل السواد: ساكنو القرى، وتسمى القرى سوادا لخضرتها بالزرع والأشجار، والعرب تسمي الأخضر: أسود.
وناوله: أعطاه.
ويحتمل أن يكون اطردت - على صيغة الخطاب من باب الافعال - ونصب المقالة على المفعولية أو على صيغة المؤنث الغائب من باب الافتعال، ورفع المقالة على الفاعلية، والجزاء محذوف.. أي كان حسنا، وكلمة لو للتمني، وقد مر
تفسير الشقشقة - بالكسر -.
وهدير الجمل: ترديده الصوت في حنجرته وإسناده إلى الشقشقة تجوز.
وقرت.. أي سكنت. وقيل: في الكلام إشعار بقلة الاعتناء بمثل هذا الكلام إما لعدم التأثير في السامعين كما ينبغي، أو لقلة الاهتمام بأمر الخلافة من حيث إنها سلطنة، أو للاشعار بانقضاء مدته عليه السلام، فإنها كانت في قرب شهادته عليه السلام، أو لنوع من التقية أو لغيرها.
قال ابن عباس: فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على ذلك الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حديث أراد..
الأسف - بالتحريك -: أشد الحزن، والفعل كعلم، وقط من الظروف الزمانية بمعنى ابدا.
وحكى ابن أبي الحديد، عن ابن الخشاب أنه قال: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه لتتأسف (6)؟! والله ما رجع عن الأولين ولا عن الآخرين.
أقول: إنما أطنبت الكلام في شرح تلك الخطبة الجليلة لكثرة جدواها وقوة الاحتجاج بها على المخالفين، وشهرتها بين جميع المسلمين، وإن لم نوف في كل فقرة حق شرحها حذرا من كثرة الاطناب، وتعويلا على ما بينته في سائر الأبواب.
6 - كشف اليقين: من كتب احمد بن محمد الطبري المعروف بالخليلي ، عن أحمد بن محمد بن ثعلبة الخماني، عن مخول بن إبراهيم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال ابن عباس: كنت أتتبع غضب أمير المؤمنين عليه السلام إذا ذكر شيئا أو هاجه خبر، فلما كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام يذكر في كتابه أن معاوية وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان اجتمعوا عند معاوية فذكروا أمير المؤمنين فعابوه وألقوا في أفواه الناس أنه ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ويذكر كل واحد منهم ما هو أهله، وذلك لما أمر أصحابه بالانتظار له بالنخيلة فدخلوا الكوفة فتركوه، فغلظ ذلك عليه وجاء هذا الخبر فأتيته بابه في الليل، فقلت: يا قنبر! أي شئ خبر أمير المؤمنين؟
قال: هو نائم، فسمع كلامي.
فقال (ع): من هذا؟ قال: ابن عباس يا أمير المؤمنين.
قال: ادخل! فدخلت، فإذا هو قاعد ناحية عن فراشه في ثوب جالس
كهيئة المهموم، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين الليلة؟.
فقال: ويحك يا بن عباس! وكيف تنام عينا قلب مشغول، يا بن عباس!
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.