پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۵۵۴–۵۹۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۷ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

وروى أيضا في الموضع المذكور، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر في أول خلافته وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة، فدعاني إلى الاكل، فأكلت تمرة واحدة وأقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جرة كانت عنده، واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد الله.. يكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله؟. قلت: من المسجد. قال: كيف خلفت ابن عمك؟. فظننته يعني عبد الله بن جعفر، قلت: خلفته يلعب مع أترابه. قال: لم أعن ذلك، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان ويقرأ القرآن.

قال: يا عبد الله! عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة؟. قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] نص عليه؟. قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عما يدعيه، فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله صلى الله عليه [وآله] في أمره ذرؤ من قول لا يثبت

حجة ولا يقطع عذرا، ولقد كان يزيغ في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقا وحيطة على الاسلام، لا ورب هذا البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لا انتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله صلى الله عليه [وآله] أني علمت ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم.

قال ابن أبي الحديد: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا.

قوله: على خصفة هي - بالتحريك -: الجلة من الخوص تعمل للتمر.

وعليك دماء البدن: قسم بوجوب نحر البدن لو كتم ما سأله من أمر الخلافة.

وذرؤ من قول.. أي طرف منه ولم يتكامل، والمراد القول غير الصريح، وذرء من خير - بالهمزة - بمعنى شئ منه.

والزيغ - بالزاي والياء المثناة من تحت والغين المعجمة -: الجور والميل عن الحق، والضمير في أمره راجع إلى علي عليه السلام، أي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج عن الحق في أمر علي عليه السلام لحبه إياه أو إليه صلى الله عليه وآله، والمراد الاعتذار عن صرفه عما أراد بأنه كان يقع في الباطل أحيانا.

والاشفاق: الخوف.

والحيطة: الحفظ والصيانة.

قال الجوهري: مع فلان حيطة لك، ولا تقل عليك.. أي تحنن.

واستدل بعض الأصحاب على ذلك بما سبق في رواياتهم من تحسر ابن عباس وتحزنه عند تذكر تلك الواقعة وبكائه حتى بل دمعه الحصى، إذ من الظاهر أنه لم يقع بعد النبي صلى الله عليه وآله رزية ومصيبة توجب هذا النوع من الحزن والأسف، ولم تصب الأمة عامة وبني هاشم خاصة آفة إلا خلافة ابن أبي قحافة.

يؤيد ذلك أنه لا شك في اقتضاء المقام والحال أن يكون مراده عليه السلام كتابة الوصية في أمر الخلافة والإمامة، إذ العادة قد جرت - قديما وحديثا - في كل من ظهر له أمارة الارتحال من بين قومه وظن بدنو موته وحضور أجله بأن يوصي فيهم ويفوض أمرهم إلى من يحميهم عن الفتن والآفات، ويكون مرجعا لهم في نوائبهم، ويدفع عنهم شر الأعداء، وكلما تكثرت جهات المنافع وتشتتت وجوه المضار كانت الوصية أوجب وتركها أقبح، ولا ريب في أن الأمة يخاف عليهم بتركهم سدى من غير راع يقيمهم وهاد يهديهم أنواع الضرر في الدنيا والآخرة، فهل يظن عاقل بمن أرسله الله رحمة للعالمين أنه لا يهتم بأمر الاسلام والمسلمين ولا يوصي فيهم ولا ينصب لهم واليا يدفع عنهم شر أعدائهم ويهديهم إلى ما يصلحهم، ويكون خيرا لهم في آخرتهم ودنياهم؟! مع أنه قد أمر أمته بالوصية ورغبهم فيها.

وإذا ظهر أن مراده صلى الله عليه وآله كان تعيين الخليفة - كما اعترف به هذا القائل أيضا - فإن كان مقصوده صلى الله عليه وآله تأكيد نص الغدير وغيره في أمير المؤمنين عليه السلام، وتجديد ما عهد إلى الأمة فيه، ثبت المدعى، وتم الطعن.

وإن كان المراد الوصية لأبي بكر - كما رووه عن عائشة - فكيف يتصور من عمر بن الخطاب الممانعة في إحضار ما كان وسيلة إلى استخلافه مع شدة رغبته فيه؟!.

وقد قال شارح المقاصد في قصة الفلتة: كيف يتصور من عمر القدح في إمامة أبي بكر مع ما علم من مبالغته في تعظيمه وانعقاد البيعة له، ومن صيرورته خليفة باستخلافه.

وروى أنه لما كتب أبو بكر وصيته في عمر وأرسله بيد رجلين ليقرأه على الناس، قالا للناس: هذا ما كتبه أبو بكر، فإن قبلتموه نقرأه وإلا نرده؟!. فقال طلحة: أقرأه وإن كان فيه عمر. فقال له عمر: من أين عرفت ذكري فيه؟. فقال طلحة: وليته بالأمس وولاك اليوم.

على أنه لا حاجة في مقام الطعن إلى إثبات خصوص ما كان مرادا له صلى الله عليه وآله، فإن الرد عليه وظن أن الصواب في خلاف ما قضى به في معنى الشرك بالله، ولو كان في استخلاف أبي بكر أو عمر.

لكن كان الغرض التنبيه على فساد ما ذكره بعض المتعصبين من أن القول بأنه صلى الله عليه وآله أراد أن يؤكد النص على خلافة علي عليه السلام من باب الاخبار بالغيب، ولم لا يريد أن ينص بخلافة أبي بكر؟ وقد وافق هذا ما روينا عن عائشة أنه قال: ادعي لي أبا بكر - أباك - حتى أكتب له كتابا.

ومن تأمل بعين البصيرة فيما سبق - مع ما سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير وغيره - ظهر له أن المراد كان تأكيد النص بالكتاب، وليس الفهم من القرائن والدلائل من الاخبار بالغيب.

ثم إن ابن أبي الحديد في شرح الخطبة الشقشقية تصدى للاعتذار عن قول عمر، فقال: قد كان في أخلاق عمر فظاظة وعنجهية ظاهرة بحسب السامع لكلماته إن أراد بها ما لم يكن قد أراد، ويتوهم من يحكى له أنه قصد بها ما لم يقصده، فمنها: الكلمة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها، ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزية ولم يتحفظ منها، وكان الأحسن أن يقول: مغمور أو مغلوب بالمرض، وحاشاه أن يعني بها غير ذلك، ولجفاة الاعراب من هذا الفن كثير، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط:

رب العباد ما لنا وما لكا * قد كنت تستقينا فما بدا لكا أنزل علينا القطر لا أبا لكا فقال سليمان: أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد، فأخرجه أحسن مخرج وعلى نحو هذا يحمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبي صلى الله عليه وآله: ألم تقل لنا ستدخلونها..؟ في ألفاظ نكره حكايتها، حتى شكاه النبي صلى

الله عليه وآله إلى أبي بكر، وحتى قال له أبو بكر: إلزم بغرزه، فوالله إنه لرسول الله. انتهى.

ويرد عليه:

أولا: انه لا وجه لحمل الكلام على المحامل البعيدة وإخراجه عن ظاهره من غير دليل، وظاهر الكلام تقبيح لرأي رسول الله صلى الله عليه وآله ورد لقوله على أقبح وجه، ولم يقم برهان على عدم جواز الخطأ والارتداد على عمر بن الخطاب حتى يأول كلامه بالتأويلات البعيدة، وما رووه في فضله من الاخبار - فمع أنه من موضوعاتهم ولا حجة فيها على الخصم لتفردهم بروايتها - فأكثرها لا دلالة فيها على ما يجديهم في هذا المقام، والعجب أنهم يثبتون أنواع الخطايا والذنوب للأنبياء عليهم السلام لظواهر الآيات الواردة فيهم وينكروه علينا حملها على ترك الأولى وغيره من الوجوه - كما سبق ذكر كثير منها في المجلد الخامس - مع قيام الأدلة العقلية والنقلية على عصمتهم وجلالة قدرهم عما يظنون بهم، ولا يرضون بمثله في عمر بن الخطاب - مع عدم دليل على عصمته واشتمال كتبهم ورواياتهم على ما تسمع من مطاعنه - ولو جانبوا الاعتساف لم يجعلوه أجل قدرا من أنبياء الله عليهم السلام.

وثانيا: ان الطعن ليس مقصورا على سوء الأدب والتعبير بالعبارة الشنيعة، بل به وبالرد لقول الرسول صلى الله عليه وآله والانكار عليه، وهو في معنى الرد على الله عز وجل والشرك به، وإن كان بأحسن الألفاظ وأطيب العبارات، وما

ذكره - لو تم - فإنما ينفع في دفع الأول دون الثاني.

وأما قصة صلح الحديبية - التي أشار إليها - فليس الطعن فيها بلفظ يشتمل على سوء الأدب حتى يجري فيه تأويل، بل بالانكار لقول الرسول صلى الله عليه وآله وعدم تصديقه بعد قوله: أنا رسول الله (ص)، أفعل ما يأمرني به.. وهو إما تكذيب صريح للرسول صلى الله عليه وآله لو لم يصدقه في قوله ذلك، أو تقبيح صريح لما قضى الله به لو صدق الرسول صلى الله عليه وآله، وقد ذكر الموجه نفسه شرح هذه القصة في الجزء الثاني عشر في سلك الاخبار التي رواها عن عمر، قال: لما كتب النبي صلى الله عليه [وآله] كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين سهيل بن عمرو، وكان في الكتاب أن من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد ومن خرج من المشركين إلى النبي صلى الله عليه [وآله] يرد إليهم، غضب عمر وقال لأبي بكر: ما هذا يا أبا بكر؟ أيرد المسلمون إلى المشركين؟!. ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فجلس بين يديه، وقال: يا رسول الله! ألست رسول الله حقا؟!. قال: بلى. قال: ونحن المسلمون حقا؟. قال: نعم. قال:

وهم الكافرون (2)؟!. قال: نعم. قال: فعلى م نعطي الدنية في ديننا؟!. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا رسول الله (ص) أفعل ما يأمرني به ولن يضيعني، فقام عمر مغضبا، وقال: والله لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا!، وجاء إلى أبي بكر، فقال له: يا أبا بكر! ألم يكن وعدنا، أنا سندخل مكة، فأين ما وعدنا به؟!. فقال أبو بكر: أقال لك أن العام ندخلها؟. قال: لا. قال:

فسندخلها. قال: فما هذه الصحيفة التي كتبت؟ وكيف نعطي الدنية في

أنفسنا؟. فقال: يا هذا! إلزم غرزه فوالله إنه لرسول الله، إن الله لا يضيعه، فلما كان يوم الفتح وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله مفتاح الكعبة، قال: ادعوا لي عمر، فجاء، فقال: هذا الذي كنت وعدت به.

وروى البخاري في صحيحه في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب، عن الزهري، عن عروة بن الزهير، عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] من الحديبية... وساق الحديث.. إلى أن قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه [وآله]، فقلت: ألست نبي الله حقا؟.

قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا. قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري.

قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟!. قال: بلى، فأخبرتك انا نأتيه العام؟. قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقا؟. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟. قال:

أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا إنا سنأتي البيت

ونطوف به؟!. قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟. قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.

وروى البخاري في تفسير سورة الفتح من كتاب تفسير القرآن، ومسلم في كتاب القضاء، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفين، فقال رجل: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله..) * فقال علي [عليه السلام]: نعم، فقال سهل بن حنيف:

اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه [وآله] والمشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر، فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟. قال: بلى. قال:

ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟. فقال: يا بن الخطاب!

إني رسول الله (ص) ولن يضيعني الله أبدا. فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟. قال: يا بن الخطاب! إنه رسول الله (ص) ولن يضيعه الله أبدا...، فنزلت سورة الفتح، كذا في رواية البخاري.

وفي رواية مسلم - بعد قوله: ولن يضيعه الله أبدا - نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه [وآله] بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله

(ص)! أو فتح هو؟. فقال: نعم. فطابت نفسه ورجع.

وقد ذكر الروايات في جامع الأصول في كتاب الغزوات من حرف الغين.

وروى الشيخ الطبرسي رضي الله عنه في مجمع البيان قصة الحديبية بنحو مما سبق، وفيه: قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله، فقلت: ألست نبي الله.. إلى آخر الخبر.

ومن نظر في هذه الأخبار لم يشك في أنه لم يرض بقول النبي صلى الله عليه وآله وكان في صدره حرج مما قضى به رسول صلى الله عليه وآله، وقد قال الله عز وجل: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *، وظن رسول الله صلى الله عليه وآله في وعده كاذبا، وإلا فلا معنى لقيامه مغضبا متغيظا غير صابر حتى جاء إلى أبي بكر، وقوله: لو وجدت أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا، وإعادته كلامه في معرض الانكار لأبي بكر بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إني رسول الله (ص) ولست أعصيه، أو: أنا رسول الله (ص) أفعل ما يأمرني به.. على اختلاف ألفاظ الروايات السابقة، وكذلك يدل على ظنه الكذب برسول الله صلى الله عليه وآله قوله له: هذا الذي كنت وعدت به.. بعد أخذ مفتاح الكعبة وإرساله إليه ليقرأ عليه آية الفتح.

ويدل على شدة غضبه صلى الله عليه وآله وغيظه على عمر ما رواه البخاري - في باب غزوة الحديبية من كتاب المغازي -، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن

الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شئ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه [وآله]، ثم سأله فلم يجبه بشئ، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر! نزرت رسول الله صلى الله عليه [وآله] ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أنا ينزل في قرآن، فما نسيت أن سمعت صارخا يصرخ بي. قال:

فقلت: لقد خشيت أن ينزل في قرآن وجئت رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فسلمت عليه، فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) *.

وقال في النهاية: حديث عمر (أنه سأل رسول الله (ص) عن شئ مرارا فلم يجبه فقال لنفسه: ثكلتك أمك إنك يا عمر نزرت رسول الله (ص) مرارا لا يجيبك)، أي ألححت عليه في المسألة الحاحا أدبك بسكوته عن جوابك، يقال فلان لا يعطي حتى ينزر.. أي يلح عليه. انتهى.

ولا يخفى على ذي بصيرة أن ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وآله من الغضب والغيظ عليه - في الحديبية وفي مرضه صلى الله عليه وآله، حيث أمره بالخروج من البيت مع المتنازعين - لم يظهر بالنسبة إلى أحد من الصحابة، وكذلك ما ظهر عنه (كذا) من سوء الأدب لم يظهر عن غيره، ولا شك أن ظهور ذلك الغيظ منه صلى الله عليه وآله - مع خلقه العظيم، وعفوه الكريم، وخوفه في الفظاظة والغلظة من انفضاضهم، كما قال سبحانه: * (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفظوا من حولك) * - لم يكن إلا لشدة تفاحشه في ترك الأدب والوقاحة،

وبلوغ تأذي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغاية، وقد قال الله تعالى:

* (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) *، وقال سبحانه وتعالى: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة واعد لهم عذابا مهينا) * وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصبر على كثير من الأذى ويستحي من زجرهم، كما يدل عليه قوله تعالى - مشيرا إلى دخولهم بيوت النبي صلى الله عليه وآله من دون الاذن وغيره -: * (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق) * كما سبق.

هذا مع أن أتباع عمر بن الخطاب وحزبه قد ستروا كثيرا من كلماته الشنيعة وما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، كما يظهر من قول ابن أبي الحديد:

في ألفاظ نكره حكايتها حتى شكاه النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر.

ويؤيد هذا المعني أن قصة منع الكتابة لم يروها أحد ممن حضرها إلا ابن عباس، وقد صرحت الرواية بأنه كان في البيت رجال، وقالوا بعضهم: قربوا يكتب لكم، وبعضه قال ما قال عمر وكثر لغطهم وارتفعت أصواتهم.

وثالثا: إن ما اعتذر به - مع أن عمر كان يرسل في تلك الألفاظ على مقتضى غريزته وخشونة جبلته ولم يكن يقصد بها ظواهرها - فيه اعتراف بأنه كان لا يملك لسانه حتى يتكلم بما يحكم به عقله، وظاهر أن رجلا لم يقدر على ضبط لسانه في مخاطبة مثل النبي صلى الله عليه وآله - في علو شأنه في الدنيا والآخرة - معدود عند العقلاء في المجانين، ومثله لا يصلح للرئاسة العامة وخلافة من

اصطفاه الله على العالمين، ومن رضي بإمامة من يكره حكاية ألفاظه - كما مر من كلام الموجه - فقد بلغ الغاية في السفاهة وفاز بالقدح المعلى من الحماقة.

وأما من استشهد الشارح بشعره من الاعراب فهو ممن قال الله تعالى فيه:

* (الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) *، ومثله أحرى بأن يعد من البهائم، ولم يقل أحد بأن مثله يصلح للإمامة حتى يقاس بفعله فعل من ادعى الإمامة.

وما ذكره من أن الأحسن كان أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض فهو هذيان كقول إمامه، إذ الكلام في أنه لا يجوز الرد على الرسول صلى الله عليه وآله وإنكار قوله صلى الله عليه وآله مطلقا، سواء كان في حال المرض أو غيره، للآيات والأخبار الدالة على وجوب الانقياد لأوامره ونواهيه، وأنه لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا حقا، والهجر وغلبة المرض - وإن كان أمرا شائعا في أكثر البشر - إلا أنه لا استبعاد في براءة من اصطفاه الله على العالمين عنه، كما أن غلبة النوم يعم سائر الخلق.

وقد روى الخاص والعام أنه صلى الله عليه وآله كان لا ينام قلبه إذا

نامت عيناه، وقد اعترف النووي - على ما نقله عنه الكرماني في شرح صحيح البخاري - بأن النبي صلى الله عليه وآله كان معصوما من الكذب ومن تغيير الأحكام الشرعية في حال الصحة والمرض.

ومن الغرائب أنهم يستدلون على خلافة عمر بن الخطاب بما نص عليه أبو بكر في مرضه وكتب له، ولم يجوز أحد فيه أن يكون هجرا وناشئا من غلبة المرض، مع أنه أغمي عليه في أثناء كتابته العهد - كما رواه ابن أبي الحديد في كيفية عقده الخلافة لعمر من أنه كان يجود بنفسه فأمر عثمان أن يكتب عهدا، وقال: اكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به عبد الله بن عثمان إلى المسلمين، أما بعد.. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم ابن الخطاب..

وأفاق أبو بكر، فقال: اقرأ، فقرأه، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله، ثم أتم العهد وأمره أن يقرأ على الناس.

وجوزوا في رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون عهده هجرا وهذيانا، وقد كان في كتاب أبي بكر ووصيته - على ما ذكره شارح المقاصد وغيره - نوع من التردد في شأن عمر، حيث قال: إني استخلفت عمر بن الخطاب فإن عدل فذاك ظني به ورأيي فيه، وإن بدل وجار فلكل امرء ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب، * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * وكان قوله صلى الله عليه وآله: ائتوني بكتاب [كذا] أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده.. خاليا من

التردد صريحا في بعدهم عن الضلال بعد الكتاب، فكتاب أبي بكر من حيث المتن أولى بالشك، كما أن احتمال الهجر وغلبة المرض في شأنه كان أظهر، ولم يدل دليل من العقل والنقل على براءته من الهذيان، وكان كتاب الله بين أظهرهم، فكان اللائق بديانة عمر بن الخطاب أن لا يرضى بذلك الكتاب ويقول حسب الناس كتاب الله، وكان الأنسب لأشياعه الذين يجوزون الهذيان على سيد الأنام صلى الله عليه وآله تصحيحا لقول عمر بن الخطاب أن يترددوا في إمامته ولا يستندوا إلى وصية أبي بكر في شأنه.

ثم إن في قول عمر بن الخطاب في مقام الرد على الرسول صلى الله عليه وآله: حسبنا كتاب الله.. يدل على أنه لا حاجة إلى الخليفة مطلقا، فكيف سارع إلى السقيفة لعقد البيعة وجعله أهم من دفن سيد البرية عليه وآله أكمل الصلاة والتحية.

والحاصل، إن من لم يطبع الله على قلبه لم يشك في أنهم لم يهتموا إلا بنيل حطام الدنيا وزخارفها، وصرف الامارة والخلافة عن أهاليها ومعادنها.

واعلم أنهم عدوا من فضائل عمر بن الخطاب أنه كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله في كثير من المواطن، وكان يرجع إلى قوله ويترك ما حكم به.

فمن ذلك ما رواه ابن أبي الحديد في أخبار عمر في الجزء الثاني عشر، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الايمان، عن أبي هريرة، قال: كنا قعودا حول النبي صلى الله عليه [وآله] ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله

عليه [وآله] من بين أظهرنا فأبطأ علينا، فخشينا أن يقطع دوننا وفزعنا وقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه [وآله] حتى أتيت حائطا للأنصار لقوم من بني النجار فلم أجد له باب، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة - والربيع: الجدول - فاحتفزت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقال: أبو هريرة؟. فقلت: نعم يا رسول الله، قال:

ما شأنك؟. قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقطع دوننا، ففزعنا - فكنت أول من فزع - فأتيت هذا الحايط فاحتفزت كما تحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة! - وأعطاني نعليه، قال: - اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟. قلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه [وآله] بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة!. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] فأجهشت ببكاء وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله

صلى الله عليه [وآله]: ما لك يا أبا هريرة؟. قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: ارجع. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: ما حملك على ما فعلت؟. فقال: يا رسول الله (4)!

بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟. قال: نعم. قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون. قال رسول الله (ص): فخلهم.

قوله: من بين أظهرنا.. أي من بيننا.

ويقطع دوننا.. أي يصاب بمكروه من عدو وغيره.

وبئر خارجة - على التوصيف -.. أي قليب خارجة عن البستان، وقيل:

البئر: هو البستان، كقولهم: بئر أريس، وبئر بضاعة، وقيل: الخارجة اسم رجل فيكون على الإضافة.

واحتفزت - بالزاي -.. أي تضاممت ليسعني المدخل كما يفعل الثعلب، وقيل بالراء.

وروى البخاري في تفسير سورة براءة من كتاب تفسير القرآن، ورواه مسلم في باب فضائل عمر بن الخطاب، عن ابن عمر، قال: لما توفي عبد الله ابن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه [وآله] فقال: يا رسول الله! أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه (6)؟! فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: إنما خيرني الله، فقال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة..) * وسأزيد على السبعين، فقال:

إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فأنزل الله تعالى:

* (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله) *.

وفي رواية أخرى له عن عمر: أنه قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]:

أخر عني يا عمر! فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه

[وآله] ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة... قال:

فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه [وآله] والله ورسوله أعلم!.

وروى ابن أبي الحديد في أخبار عمر قريبا من الرواية الأولى، وفيها:

فقام رسول الله صلى الله عليه [وآله] بين يدي الصف، فجاء عمر فجذبه من خلفه، وقال: ألم ينهك الله عن الصلاة على المنافقين؟!.. قال: فعجب الناس من جرأة عمر على رسول الله صلى الله عليه [وآله].

ولا يذهب عليك أن الرواية الأولى - مع أن راويها أبو هريرة الكذاب - ينادي ببطلانها سخافة أسلوبها، وبعث أبي هريرة مبشرا للناس، وجعل النعليين علامة لصدقه، وقد أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله مبشرا ونذيرا للناس، وأمره بأن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، ولم يجعل أبا هريرة نائبا له في ذلك، ولم يكن القوم المبعوث إليهم أبو هريرة غائبين عنه صلى الله عليه وآله حتى يتعذر عليه أن يبشرهم بنفسه، وكان الأحرى تبليغ تلك البشارة في المسجد وعند اجتماع الناس لا بعد قيامه من بين القوم وغيبته عنهم واستتاره بالحائط، ولم تكن هذه البشارة مما يفوت وقته بالتأخير إلى حضور الصلاة واجتماع الناس، أو رجوعه صلى الله عليه وآله عن الحائط، وكيف جعل النعلين علامة لصدق أبي هريرة مع أنه يتوقف على العلم بأنهما نعلا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جاز أن لا يعلم ذلك من يلقاه أبو هريرة فيبشره، وإذا كان ممن يظن الكذب بأبي هريرة أمكن أن يظن أنه سرق نعلي رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يعتمد على قوله، ولو فرضنا

صدق أول الخبر أمكن أن يكون ما رواه أخيرا من رجوعه صلى الله عليه وآله إلى قول عمر من أكاذيبه.

ويؤيده ما رواه مسلم في الموضع المذكور ورواه غيره في عدة روايات أنه صلى الله عليه وآله: بشر الناس بأنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، وقد روى أبو هريرة نفسه ما يقرب من هذا المعنى.

ثم لو سلمنا صدق الخبر إلى آخره فلا شك في أنه يتضمن أن عمر رد قول النبي صلى الله عليه وآله على أخشن الوجوه وأقبحها - كما هو دأب الطغام والأجلاف -، ومع قطع النظر عما عرفت وستعرف من عدم جواز الاجتهاد في مقابلة النص، وأن الرد عليه صلى الله عليه وآله رد على الله وعلى حد الشرك بالله، كيف يجوز هذا النوع من سوء الأدب والغلظة من مقام الرد على المجتهد ولو كان مخطئا؟! وهو مأجور في خطأه، وقد أمكنه أن يرد أبا هريرة برفق ويناظر برسول الله صلى الله عليه وآله يوقفه على خطأه.

ثم من أين استحق أبو هريرة أن يضرب على صدره حتى يقع على أسته ولم يقدم على أمر سوى طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وطاعة الله، وقد أمر الله تعالى بها في زهاء عشرين موضعا من كتابه بقوله: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) *.

وأما رجوعه صلى الله عليه وآله عن الامر بتبشير الناس - فعلى تقدير صحته - لا دلالة فيه على اجتهاده صلى الله عليه وآله وخطأه في رأيه، ولا ينفي الشناعة عن فعل عمر، لجواز أن يكون الرجوع من قبيل النسخ بالوحي لمصلحة يعلمها الله تعالى، ويمكن أن تكون مصلحة تأليف قلب هذا الفظ الغليظ، كما أمر الله سبحانه بذلك في سائر المنافقين لئلا ينفضوا عن رسوله صلى الله عليه وآله فيلحق الاسلام ضرر أعظم من فوت المصلحة بترك التبشير في ذلك الوقت، ولا يخفي أن الاجتهاد المذكور مما لم يجوزه كثير من العامة، لكون المسألة مما يتعلق بأمور الدين لا الحروب وأمور الدنيا، و قد صرح بذلك شارح صحيح مسلم في شرح هذا الخبر، وقال: عدم جواز الخطأ عليه صلى الله عليه [وآله] في الأمور الدينية مذهب المحققين، وحكى عن شيخه أبي عمرو بن الصلاح توجيه النافين للاجتهاد المذكور بأنه كان لوحي ناسخ للوحي السابق.

وأما الرواية الثانية فسوء الأدب فيها بالأخذ بالثوب وجذبه صلى الله عليه وآله من خلفه واضح، وكذلك الانكار على قول الرسول صلى الله عليه وآله كما يظهر من قوله: إنه منافق - بعد قوله صلى الله عليه وآله: إني خيرت - وقوله: فلما أكثرت عليه.. - بعد قوله صلى الله عليه وآله: أخر عني، ونزول الآية، والنهي

عن الصلاة على المنافقين لا يدل على تصويبه كما مر، ويمكن أن تكون المصلحة في اختياره صلى الله عليه وآله الصلاة ونزول النهي أن يظهر للمنافقين أو غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينتفر عنهم لما يعود إلى البشرية والطبع بل لمحض الاتباع لما أمره الله سبحانه، وفي ذلك نوع من الاستمالة وتأليف القلوب.

ثم إنهم رووا في أخبارهم من إنكاره ورده على الرسول صلى الله عليه وآله ما لا يتضمن الرجوع.

روى البخاري في صحيحه في باب ما جاء في المتأولين من كتابة استتابة المرتدين عن سعيد بن عبيدة، قال: تنازع أبو عبد الرحمن وحبان بن عطية، فقال أبو عبد الرحمن لحيان: لقد علمت ما الذي جرأ صاحبك على الدماء - يعني عليا عليه السلام -؟. قال: ما هو؟ لا أبا لك!. قال: شئ سمعته يقوله. قال:

ما هو؟. قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله والزبير وأبا مرثد - وكلنا فارس -، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج...، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأتوني بها، فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله تسير على بعير لها، وكان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله صلى الله عليه [وآله] إليهم، فقلنا: أين الكتاب الذي معك؟. قالت: ما معي كتاب، فأنخنا بها بعيرها، فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئا، فقال صاحباي: ما نرى معها كتابا؟. قال فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه [وآله]؟ ثم حلف علي: والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك، فأهوت إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجت الصحيفة، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقال عمر: يا رسول الله!

قد خان الله ورسوله والمؤمنين، دعني فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه

[وآله]: يا حاطب! ما حملك على ما صنعت؟. قال: يا رسول الله! ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله، ولكني أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابك أحد إلا وله هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله، قال: صدق، لا تقولوا له إلا خيرا، قال: فعاد عمر، فقال: يا رسول الله! قد خان الله ورسوله والمؤمنين، دعني فلاضرب عنقه. قال: أو ليس من أهل بدر، وما يدريك لعل الله اطلع عليهم، فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة؟، فاغرورقت عيناه، فقال: الله ورسوله أعلم.

قال أبو عبد الله: خاخ - يعني بخائين معجمتين - أصح، ولكن كذا قال أبو عوانة: حاج - بالحاء المهملة ثم الجيم - وهو تصحيف، وهو موضع.

وروى البخاري في باب فضل من شهد بدرا من كتاب المغازي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي عليه السلام مثله بتغيير في اللفظ.

قوله: فأهوت إلى حجزتها.. الحجزة - بضم الحاء المهملة ثم الجيم الساكنة ثم الزاي -: مقعد الإزار، وحجزة السراويل: تكتها.

واغرورقت عيناه:.. أي دمعتا.

وأبو عبد الله هو: البخاري.

وقال الواقدي: روضة خاخ - بالمعجمتين - قريب من ذي الحليفة على بريد

من المدينة. أقول: ما في هذه الرواية من عود عمر إلى قوله: قد خان الله ورسوله..

دعني فلاضرب عنقه، بعد اعتذار حاطب وتصديق الرسول صلى الله عليه وآله إياه، وقوله: لا تقولوا له إلا خيرا.. رد صريح لقول الرسول صلى الله عليه وآله وارتكاب لنهيه.

واعتذار بعض المتعصبين بأنه ظن أن صدقه في عذره لا يدفع عنه ما يجب عليه من القتل في غاية السخافة، فإن قوله (ص): لا تقولوا له إلا خيرا، بعد قوله: صدق، يهدم أساس هذه الأوهام، ولا ريب في أن من رد على الرسول صلى الله عليه وآله في وجهه أحرى بضرب العنق ممن تلقى الرسول صلى الله عليه وآله عذره بالقبول، ونهى الناس عن تقريعه وتوبيخه.

ومما يدل على أن عمر كان يخالف صريحا قول رسول الله صلى الله عليه وآله ما حكاه في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري في باب من ترك قتال الخوارج للتأليف قال: أخرج أحمد بسند جيد، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقال: يا رسول الله! إني مررت بوادي.. كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه، فقال: اذهب إليه فاقتله، قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله، فرجع.

فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لعمر: اذهب فاقتله، فذهب فرآه

في تلك الحالة، فرجع. فقال: يا علي؟ اذهب إليه فاقتله، فذهب علي [عليه السلام] فلم، يره، فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يعودون فيه، فاقتلوهم فهم شر البرية.

قال: وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات.

وروى ابن أبي حديد في الجزء الثاني في شرح خطبته عليه السلام في تخويف أهل النهر. قال: في بعض الصحاح: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأبي بكر، وقد غاب الرجل - يعني ذا الخويصرة - عن عينه: قم إلى هذا فاقتله، فقام ثم عاد، وقال: وجدته يصلي، فقال لعمر: مثل ذلك، فعاد وقال:

وجدته يصلي، فقال لعلي عليه السلام مثل ذلك، فعاد فقال: لم أجده. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو قتل هذا لكان أول الفتنة وآخرها، أما إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..

الحديث.

وقال الجزري، في حديث الخوارج: (يخرج من ضئضئ هذا قوم...

يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، الضئضئ: الأصل يقال:

ضئضئ صدق وضوء ضوء صدق، وحكى بعضهم: ضئضئ - بوزن قنديل - يريد أنه يخرج من نسله وعقبه، ورواه بعضهم: بالصاد المهملة وهو بمعناه.

يمرقون من الدين.. أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه كما يمرق السهم الشئ المرمي به ويخرج منه، وستأتي الاخبار في ذلك مشروحة في باب كفر الخوارج.

وقال في الصراط المستقيم: ذكر الموصلي في مسنده، وأبو نعيم في حليته، وابن عبد ربه في عقده، وأبو حاتم في زينته، والشيرازي في تفسيره المستخرج من الاثني عشر تفسيرا: أن الصحابة مدحوا رجلا بكثرة العبادة فدفع النبي صلى الله عليه [وآله] سيفه إلى أبي بكر وأمره بقتله، فدخل فرآه يصلي فرجع، فدفعه إلى عمر وأمره بقتله، فدخل فرجع، فدفعه إلى علي عليه السلام فدخل فلم يجده، فقال صلى الله على [وآله]: لو قتل لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا.

وفي رواية أخرى: لكان أول الفتنة وآخرها.

فما أقدم عليه أبو بكر من الرجوع من دون أن يقتله - لكونه يصلي - لا ريب في أنه مخالفة ظاهرة للرسول صلى الله عليه وآله، فإن أمره بقتله كان بعد أن وصفه أبو بكر بالصلاة والخشوع، فلم يكن صلاته شبهة توهم دفع القتل، بل هو تقبيح صريح لأمر النبي صلى الله عليه وآله بقتله، وتكذيب لما يتضمنه ذلك من وجوب قتله، وأفحش منه رجوع عمر بن الخطاب معتذرا بعين ذلك الاعتذار الذي ظهر بطلانه ثانيا أيضا بأمره بالقتل بعد رجوع أبي بكر، واعتذاره ولزمهما بتلك المخالفة الشركة في آثام من خرج من ضئضئ هذا الرجل من الخوارج إلى

يوم القيامة. ومن أمعن النظر فيما سبق من الاخبار وغيرها علم أن رد عمر على رسول صلى الله عليه وآله وسلوكه مسلك الجفاء، وخلعه جلباب الحياء لم يكن مخصوصا بما أقدم عليه في مرضه (ص)، ومنعه عن الوصية لم يكن بدعا منه، بل كان ذلك عادة له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصفح عنه وعن غيره من المنافقين وغيرهم خوفا على الاسلام وإشفاقا من أن ينفضوا عنه لو قابلهم بمقتضى خشونتهم، وكافأهم بسوء صنيعهم.

وقد تبين من تفاسيرهم وصحاحهم أن عمر كان داخلا فيمن أريد بقوله تعالى: * (ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك) * فيكون من الذين قال الله تعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) *، وقد علم - أيضا مما سبق - أن الصحابة - إلا الأصفياء منهم - لم يقدروا رسول الله صلى الله عليه وآله حق قدره، ولذلك مال الطائفة إلى قول عمر وطائفة إلى قوله صلى الله عليه وآله، وسووا بينه وبين عمر، وجعلوه كواحد من المجتهدين والقائلين برأيهم ما شاؤوا فجوزوا رد ما قضى به والانكار لقوله صلى الله عليه وآله.

الطعن الثاني:

التخلف عن جيش أسامة.

ولا خلاف في أن عمر بن الخطاب كان من الجيش، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله المتخلف عنه.

وقد سبق في مطاعن أبي بكر ما فيه كفاية في هذا المعنى، ولا يجري هنا هاهنا ما سبق من الأجوبة الباطلة في منع الدخول في الجيش، فتوجه الطعن على عمر أظهر.

الطعن الثالث:

أنه بلغ في الجهل إلى حيث لم يعلم بأن كل نفس ذائقة الموت، وأنه يجوز الموت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه أسوة الأنبياء في ذلك، فقال: والله

ما مات حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم!، فقال له أبو بكر: أما سمعت قول الله عز وجل: * (إنك ميت وإنهم ميتون) *، وقوله تعالى: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * قال: فلما سمعت ذلك أيقنت بوفاته، وسقطت إلى الأرض، وعلمت أنه قد مات.

أقول: ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في النهاية حيث قال: أسن الماء يأسن فهو أسن: إذا تغيرت ريحه، ومنه حديث العباس في موت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال لعمر: خل بيننا وبين صاحبنا، فإنه يأسن كما يأسن الناس.. أي يتغير، وذلك أن عمر كان قد قال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لم يمت ولكنه صعق كما صعق موسى ومنعهم عن دفنه. وأجاب عنه قاضي القضاة بأنه قد روي عن عمر أنه قال: كيف

يموت وقد قال الله تعالى: * (ليظهره على الدين كله) *، وقال: * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * فلذلك نفى موته صلى الله عليه وآله، لأنه حمل الآية على أنه خبر عن ذلك في حال حياته حتى قال له أبو بكر: إن الله وعد بذلك وسيفعله، وتلا عليه فأيقن عند ذلك بموته، وإنما ظن أن موته متأخر عن ذلك الوقت، لا أنه منع من موته.

ثم قال: فإن قيل : فلم قال لأبي بكر - عند سماع الآية -: كأني لم أسمعها، ووصف نفسه بأنه أيقن بالوفاة.

قلنا:: لما كان الوجه في ظنه ما أزال الشبهة أبو بكر فيه جاز أن يتيقن.

ثم سأل نفسه عن سبب يقينه في ما لا يعلم إلا بالمشاهدة، وأجاب بأن قرينة الحال عند سماع الخبر أفادته اليقين ولو لم يكن في ذلك إلا خبر أبي بكر وادعاؤه لذلك والناس مجتمعون لحصل اليقين.

وقوله: كأني لم أسمع بهذه الآية ولم أقرأها.. تنبيه على ذهابه عن

الاستدلال بها، لا أنه على الحقيقة لم يقرأها و لم يسمعها، ولا يجب فيمن ذهب عن بعض أحكام الكتاب أن يكون لا يعرف القرآن، لان ذلك لو دل لوجب أن لا يحفظ القرآن إلا من يعرف جميع أحكامه.

وأجاب بنحو ذلك الرازي في نهاية العقول، وبمثله أجاب صاحب المقاصد.

وأجاب السيد رضي الله عنه في الشافي عن جواب القاضي بأنه: ليس يخلو خلاف عمر في وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله من أن يكون على سبيل الانكار لموته (ص) على كل حال، والاعتقاد لان الموت لا يجوز عليه أو يكون منكرا لموته في تلك الحال من حيث لم يظهر دينه على الدين كله.. وما أشبه ذلك مما قال صاحب الكتاب أنها كانت شبهة في تأخر موته عن تلك الحال.

فإن كان الوجه الأول، فهو مما لا يجوز خلاف العقلاء فيه، والعلم بجواز الموت على سائر البشر لا يشك فيه عاقل، والعلم من دينه صلى الله عليه وآله بأنه

سيموت كما فات من قبله ضروري، ولا يحتاج في مثل هذا إلى الآيات التي تلاها أبو بكر من قوله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * وما أشبهه.

وإن كان خلافه على الوجه الثاني، فأول ما فيه أن هذا الخلاف لا يليق بما احتج به أبو بكر من قوله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * لأنه لم ينكر على هذا جواز الموت، وإنما خالف في تقدمه وإن كان يجب أن يقول وأي حجة في هذه الآيات على من جوز عليه صلى الله عليه وآله الموت في المستقبل وأنكره في هذه الحال.

وبعد، فكيف دخلت الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق؟ ومن أين زعم أنه لا يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم؟ وكيف حمل معنى قوله تعالى: * (ليظهره على الدين كله) *، وقوله تعالى: * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) *، على أن ذلك لا يكون في المستقبل و بعد الوفاة، وكيف لم يخطر هذا إلا لعمر وحده؟ ومعلوم أن ضعف الشبهة إنما يكون من ضعف الفكرة وقلة التأمل والبصيرة، وكيف لم يوقن بموته لما رأى عليه أهل الاسلام من اعتقاد موته وما ركبهم من الحزن والكآبة لفقده؟ وهلا دفع بهذا اليقين ذلك التأويل البعيد فلم يحتج إلى موقف ومعرف، وقد كان يجب - إن كانت هذه شبهة - أن يقول في حال مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأى جزع أهله وأصحابه وخوفهم عليه الوفاة، حتى يقول أسامة بن زيد - معتذرا من تباطؤه عن

الخروج في الجيش الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرر ويردد الامر بتنفيذه -: لم أكن لأسأل عنك الركب؟ ما هذا الجزع والهلع وقد أمنكم الله من موته.. بكذا، ومن وجه.. كذا، وليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها - على ما ظنه - صاحب الكتاب، انتهى كلامه قدس الله روحه.

وأقول: وأعجب من قول عمر قول من يتوجه لتوجيه كلامه! وأي أمر أفحش من إنكار مثل هذا الامر عن مثل عمر - مع اطلاعه على مرض النبي صلى الله عليه وآله منذ حدث إلى أوان اشتداده، وانتهاء حاله إلى حيث انتهى - وكانت ابنته زوجة النبي صلى الله عليه وآله ومن ممرضاته، وقد رجع عن جيش أسامة بعد أمر النبي صلى الله عليه وآله له بالخروج في الخارجين خوفا من أن يحضره الوفاة فينقل الامر إلى من لا يطيب نفسه به، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد بين للناس في مجالس عديدة دنو أجله وحضور موته ، وأوصى للأنصار وأمر الناس باستيفاء حقوقهم كما هو دأب من حضره الموت، كما روي مفصلا في صحيح البخاري وصحيح مسلم وصحيح الترمذي وكتاب جامع الأصول وكامل ابن الأثير وغيرها من كتب السير والاخبار.

وقد روى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي...

وقد روي متواترا من الطريقين قوله لعلي عليه السلام: ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين.

وروى في جامع الأصول، أنه صلى الله عليه وآله قال: علي ولي كل مؤمن بعدي.

وقد رووا في المفتريات: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

وقد كان كثير مما ذكر مما خطب به صلى الله عليه وآله على رؤوس الاشهاد، فهل يجوز عاقل أن لا يقرع شئ من ذلك سمع عمر - مع شدة ملازمته للرسول صلى الله عليه وآله - ومن شك في مثل ذلك هل يجوز من شم رائحة من العقل أن يفوض إليه أمر بهيمة فضلا عن أن يفوض إليه أمر جميع المسلمين، ويرجع إليه في جميع أحكام الدين.

وأما اعتذار ابن أبي الحديد بأنه لم ينكر ذلك عمر على وجه الاعتقاد، بل على الاستصلاح، وللخوف من ثوران الفتنة قبل مجئ أبي بكر، فلما جاء أبو بكر قوي به جأشه فسكت عن هذا الدعوى، لأنه قد أمن بحضوره من خطب يحدث أو فساد يتجدد.

فيرد عليه:

أولا: أنه لو كان إنكاره ذلك إيقاعا للشبهة في قلوب الناس حتى يحضر أبو بكر لسكت عن دعواه عند حضوره.

وقد روى ابن الأثير في الكامل أن أبا بكر أمره بالسكوت فأبى، وأقبل أبو بكر على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر.

وثانيا: أنه لو كان الامر كما ذكر لاقتصر على إنكار واحد بعد حضور أبي

بكر، وقد اعترف ابن أبي الحديد بتكرر الانكار بعد الحضور أيضا.

وثالثا: أنه قال ابن أبي الحديد: روى جميع أرباب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما توفي كان أبو بكر في منزله بالسنح، فقام عمر بن الخطاب فقال: ما مات رسول الله (ص) ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته، ولا أسمع رجلا يقول: مات رسول الله (ص) إلا ضربته بسيفي، فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: بأبي وأمي طبت حيا وميتا، والله لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج والناس حول عمر وهو يقول لهم: إنه لم يمت، ويحلف، فقال له: أيها الحالف! على رسلك، ثم قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى:

* (إنك ميت وإنهم ميتون) *، وقال: * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) *، قال عمر: فوالله ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات.

وقد روى البخاري في صحيحه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] مات وأبو بكر بالسنح، قال: قال إسماعيل: تعني بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله (ص). قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله (ص) فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف! على رسلك، فلما تلكم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمد... الخبر.

فقوله: في رواية عائشة: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك.. صريح في نفي ما ذكره، إذ ظاهر أنه حكاية كلام عمر بعد تلك الواقعة مؤكدا بالحلف عليه، بل لا يرتاب ذو فطنة في أن قوله: فوالله ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض وعلمت أن رسول الله قد مات.. مما قاله عمر بعد ذلك اليوم وحكاية لما جرى فيه، فلو كان للمصلحة لا على وجه الاعتقاد لبين ذلك للناس بعد مجئ أبي بكر، أو بعد ذلك اليوم وزوال الخوف، ولم ينقل أحد من نقلة الاخبار ذلك، بل رووا ما يدل على خلافه.

قال المفيد قدس الله روحه في المجالس: روي عن محمد بن إسحاق،

عن الزهري، عن أنس أنه لما بويع أبو بكر في السقيفة - وكان الغد - جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس! إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأي، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله مستدبر أمرنا حتى يكون آخرنا موتا.

قال: وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: والله إني لامشي مع عمر في خلافته و ما معه غيري، وهو يحدث نفسه ويضرب قدميه بدرته إذ التفت إلي، فقال: يا بن عباس! هل تدري ما حملني على مقاتلي التي قلت حين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله؟. قال: قلت: لا أدري، أنت أعلم يا أمير المؤمنين، قال:

فإنه والله ما حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) *، فكنت أظن أنه سيبقى بعد أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه الذي حملني على أن قلت ما قلت.

والظاهر أنه جعل المخاطب بقوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة..) *.

جميع الأمة، فيلزم على ما فهم من دلالة الشهادة على البقاء وتأخر الموت أن يعتقد تأخر موت كل واحد من الأمة عن الناس، فكان عليه أن لا يذعن بموت أحد من الأمة، ولو سامحنا في كون المراد بعض الأمة لا نهدم أساس إنكاره، إذ لا شك في تأخر موته صلى الله عليه وآله عن بعض أمته، وأنه قد مات قبله كثير من أمته، ولو كان المراد ب‍ (البعض) الصحابة لزمه أن لا يذعن بموت أحد منهم، ولم يتعين ذلك البعض بوجه آخر حتى يزعم تأخر موته صلى الله عليه وآله عنهم.

وبالجملة، سوء الفهم وسخافة الرأي في مثل هذا الاستنباط مما لا يريب فيه عاقل، والظاهر أن هذا الاعتلال مما تفطن به بعد حال الانكار فدفع به بزعمه شناعة إنكاره.

ثم إنه أجاب شارح المقاصد بوجه آخر، وهو: أن ذلك الاشتباه كان لتشوش البال، واضطراب الحال، والذهول عن جليات الأحوال.

وحكى شارح كشف الحق عن بعضهم أنه قال: كان هذا الحال من غلبة المحبة، وشدة المصيبة، وإن قلبه كان لا يأذن له أن يحكم بموت النبي صلى الله عليه وآله.. وهذا أمر كان قد عم جميع المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله حتى جن بعضهم، وأغمي على بعضهم من كثره الهم، واختبل بعضهم، فغلب عمر شدة حال المصيبة، فخرج عن حال العلم والمعرفة وتكلم بعدم موته وأنه ذهب إلى مناجاة ربه.. وأمثال هذا لا يكون طعنا.

ويرد عليه أنه من الضروريات العادية أن من عظمت عليه المصيبة وجلت الرزية بفقد حبيبه حتى اشتبهت عليه الأمور الضرورية لا يترك تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولا يسرع إلى السقيفة لعقد البيعة والطمع في الخلافة

والامارة؟! ولم لم يتكلم في ذلك المجلس من شدة الحزن والوجد ما ينافي غرضه ولا يلائم في تدبيره الميشوم، ولم يأت في أمر الرئاسة وغصب الخلافة بهجر ولا هذيان، ولم يتخلل من الزمان ما يسع لاندمال الجرح ونسيان المصيبة؟ وكيف لم يأذن قلبه في الحكم بموته صلى الله عليه وآله مع أنه لم يضق صدره بأن يقول في وجهه الكريم: إنه ليهجر، ويمنعه من إحضار ما طلب، ويقول: حسبنا كتاب الله، الذي هو في قوة قوله: لا حاجة لنا بعد موتك إلى كتاب تكتبه لنا!! ومن بلغ به الحب إلى حيث يخرجه من حد العقل لا يجبه حبيبه بمثل هذا القول الشنيع، ولا يرفع صوته في الرد عليه، ومنازعة المنازعين من حد العقل إلى حد يخرجه الحبيب وإياهم عن البيت ويقول: اعزبوا عني ولا ينبغي التنازع عندي، ولا ينكر ذلك إلا متعنت لم يشم رائحة الانصاف، وما ذكره من جنون بعض الصحابة، وإغماء بعضهم، وخبل الآخرين فشئ لم نسمعه إلى الآن، نعم، لوعد ما أتوا به من ترك جسده المطهر والمسارعة إلى السقيفة طمعا في الرئاسة وشوقا إلى الامارة من فنون الجنون وضروب الخبل لكان له وجه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.