پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۴۱–۸۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۵ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

ويتساقون بكأس رؤية، ويتلاقون بحسن التحية، وأخلاق سنية، قوام علماء أمناء، لا يسوق فيهم الريبة، ولا تشرع فيهم الغيبة، فمن استبطن من ذلك شيئا استبطن خلقا سنيا، فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، واجتنب من يرديه، ويدخل مدخل كرامة، وينال سبيل سلامة، تبصرة لمن بصره، وطاعة لمن يهديه إلى أفضل الدلالة، وكشفا لغطاء الجهالة المضلة المهلكة، ومن أراد بعد هذا فليظهر بالهدى دينه، فإن الهدى لا تغلق أبوابه، وقد فتحت أسبابه ببرهان وبيان، لامرئ استنصح وقبل نصيحة من نصح بخضوع وحسن خشوع، فليقبل امرئ بقبولها، وليحذر قارعة قبل حلولها، والسلام.

توضيح: إلى المقربين في الأظلة .. أي الذين قربوا إلى الله أو إلينا في عالم الظلال وعالم الأرواح قبل حلولها الأجساد، وفي بعض النسخ: المقرين..

أي أقروا بإمامتنا في عالم الأرواح عند الميثاق.

قوله عليه السلام: المنشئين.. وفي بعض النسخ: المنشرين.. أي الذين

ينشرهم الله ويبعثهم وينشئهم بعد موتهم في الرجعة، أي هذا كتاب إلى المقربين، و (تحية) حال، أو خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف يفسره قوله: سلام عليكم، أو (سلام) مبتدأ و (تحية) خبره، وفي الأخير بعد.

وقوله عليه السلام: كلمة الله.. مبتدأ، وقوله: مع اتباعه.. خبره، والضمير راجع إلى الروح أو النور، أو الضمير راجع إلى المؤمن بقرينة المقام، وكلمة (الله) مفعول المصدر، ويؤيده أن في بعض النسخ: مع اتباع.. فيكون حال [كذا] عن الضمير المجرور.

والحاصل، أن نور البصيرة - وهي الولاية ومعرفة الأئمة (ع) - يصير سببا لتعلق روح الايمان، وبروح الايمان يحصل ويكمل التوحيد الخالص المقبول، والنور هو الذي مثل الله تعالى به نوره في القرآن المجيد في آية النور، والسبب الذي بأيدي الشعبة أيضا الولاية التي هي سبب التقرب إلى الله والنجاة من عقابه، أو حججها وبراهينها، أو علومهم ومعارفهم التي علموها مواليهم، والاحكام والشرائع خاصة، فإنها الوسيلة إلى التقرب إليه تعالى والى حججه عليهم السلام، ويؤيده ما في بعض النسخ وهو قوله: إتيان الواجبات.. وفي بعضها: إتيان واجبتان [كذا] - أي الكتاب وأهل البيت عليهم السلام - وإنما أتي بصيغة المفرد أولا وثانيا لارتباطهما بل اتحادهما حقيقة، و (نعمة) بدل أو عطف بيان للسبب، أو خبر الضمير الراجع إليه.

قوله عليه السلام: أن لن يحل عقده.. لعل المراد عقد الإمامة.. أي ليس للناس أن يحلوا عقدا وبيعة عقده الله تعالى لي في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، وفي بعض النسخ: عقده الأهواء.. أي لا يحل ما عقده الله تعالى لاحد آراء الناس وأهوائهم.

وقوله عليه السلام: كما قد وقع.. لعله إشارة إلى الصلح والرضا بالحكمين، أو إلى بعض غزوات الصفين، فعلى الأول سير الجنود إشارة إلى قتال الخوارج، وعلى الثاني إلى ما أراد عليه السلام من الرجوع إلى قتال معاوية.

والحراب: مصدر كالمحاربة، وجمع حربة، وفيها هنا تجوز، ويمكن أن يقرأ بالضم والتشديد جمع حارب، وفي بعض النسخ: أحزاب.. أي أحزاب الشرك الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وآله.

والأرف، كغرف جمع: أرفة - بالضم -، وهي الحد بين الأرضين، وأرف على الأرض تأريفا جعل لها حدودا وقسما.

ونص الشئ: أظهره.

وفي بعض النسخ: رصا - بالراء - من قولهم: رص البناء رصا: إذا لصق بعضه ببعض.

قوله عليه السلام: حيهم.. أي يرص حيهم.

والمراد بالاسمين الأعلين: كلمتا التوحيد، أو القرآن وأهل البيت عليهم السلام، والمراد بالنجوم أولا الأئمة، وثانيا الدلائل الدالة على إمامتهم.

قوله عليه السلام: ليحيى حماه.. الضمير راجع إلى الاسلام، وحماه ما حرمه الله فيه، ومرعاه ما أحله، وميزان العدل بيان للميزان، وحكم الفصل الحكم الذي يفصل بين الحق والباطل، ويقال: كفيك من رجل - مثلثة - حسبك.

وقوله: يحب الله.. إما متعلق بيفجرون، أو به وبما قبله على التنازع، أو بقوله: يتواصلون.

قوله: ويتساقون.. تفاعل من السقي. وفي بعض النسخ: يتناسقون..

أي يتتابعون، وفي بعضها: يتراشفون من قولهم رشف الماء: مصه.

أقول: وكانت النسخ التي عندنا سقيمة فصححناها على ما تيسر من اجتماعها، وعسى أن تيسر نسخة أخرى أقرب إلى الصحة، وبالله التوفيق. * * * * *

NoteV30P047N17 باب احتجاج الحسين عليه السلام على عمر وهو على المنبر 1 - الإحتجاج: روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر في خطبته أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فقال له الحسين عليه السلام من ناحية المسجد: انزل أيها الكذاب عن منبر أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، لا منبر أبيك. فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين!

لا منبر أبي، من علمك هذا (3)؟ أبوك علي بن أبي طالب؟.

فقال له الحسين: إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنه لهاد وأنا مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عقد رسول الله (ص) نزل بها جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى لا ينكرها أحد إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم وأنكروها بألسنتهم، وويل للمنكرين حقنا أهل البيت (ع)، ماذا يلقاهم به محمد رسول الله صلى الله عليه وآله من إدامة الغضب وشدة العذاب؟!.

فقال عمر: يا حسين! من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله! أمرنا الناس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لأطعنا، فقال له الحسين (ع): يا بن الخطاب! فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمروا أبا بكر على نفسك ليؤمرك على الناس بلا حجة من نبي ولا رضى من آل محمد؟! فرضاكم كان لمحمد عليه وآله السلام رضى، أو رضى أهله كان له سخطا؟! أما والله لو أن للسان مقالا يطول تصديقه، وفعلا يعينه المؤمنون لما تخطيت رقاب آل محمد (ص)، ترقى منبرهم وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله إلا سماع الآذان، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عما أحدثت سؤالا حفيا.

قال: فنزل عمر مغضبا، ومشى معه أناس من أصحابه حتى أتى باب أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال:: يا أبا الحسن!

ما لقيت من ابنك الحسين؟! يجهرنا بصوت في مسجد رسول الله (ص) ويحرض علي الطغام وأهل المدينة؟!.

فقال له الحسن عليه السلام: مثل الحسين بن النبي صلى الله عليه وآله يستحث بمن لا حكم له، أو يقول بالطغام على أهل دينه، أما والله ما نلت ما نلت إلا بالطغام، فلعن الله من حرض الطغام!.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مهلا يا أبا محمد! فإنك لن تكون قريب الغضب، ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي، ولا

تعجل بالكلام. فقال له عمر: يا أبا الحسن! إنهما ليهمان في أنفسما بما لا يرى بغير الخلافة. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هما أقرب نسبا برسول الله صلى الله على وآله من أبيهما أما فأرضهما - يا بن الخطاب - بحقهما يرض عنك من بعدهما. قال: وما رضاهما يا أبا الحسن؟ قال: رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقية عن المعصية بالتوبة. فقال له عمر: أدب - يا أبا الحسن - ابنك أن لا يتعاطى السلاطين الذين هم الحكماء في الأرض. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أودب أهل المعاصي على معاصيهم، ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من ولده رسول الله (ص) لا يحل أدبه، فإنه ينتقل إلى أدب خير له منه، أما فارضهما يا بن الخطاب!.

قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن: يا أبا حفص! ما صنعت وقد طالت بكما الحجة؟. فقال له عمر:

وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه؟!. فقال له عثمان: يا بن الخطاب! هم بنو عبد مناف الأسمنون والناس عجاف. فقال له عمر: ما أعد ما صرت إليه فخرا فخرت به، أبحمقك (9)؟. فقبض عثمان على مجامع ثيابه ثم جذبه ورده، ثم قال: يا بن الخطاب! كأنك تنكر ما أقول. فدخل بينهما عبد الرحمن بن عوف

وفرق بينهما، وافترق القوم.

بيان:

قوله عليه السلام: إلا سماع الآذان.. أي لا تعرف معنى الكتاب إلا بما تسمعه الآذان من الناس، وفي بعض النسخ: الفعلان - بصيغة الغيبة - أي لا يمكن معرفة الكتاب وتأويله إلا بالسماع ممن ينتهي عمله إلى الوحي الإلهي.

والحفاوة والحفاية والاحفاء: الاستقصاء في السؤال.

والتحريض على القتال: الحث والترغيب والتحريض عليه.

والطغام: الأراذل.

قوله: ليهمان.. أي يقصدان أمرا لا يحصل إلا بالخلافة، فأجاب عليه السلام بأن الخلافة غير بعيد منهما، فإن أباهما خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وهما أقرب نسبا به صلى الله عليه وآله منه.

قوله عليه السلام: فإنه ينتقل.. أي يترقى بنفسه في الآداب الحسنة من غير تأديب، ويحتمل الاستفهام الانكاري، ويؤيده أن في بعض النسخ: ويحك!

أأؤدبه؟! فإنه ينتقل..

والسمن.. كناية عن وفور المال والشرف، كما أن العجف.. كناية عن

عدمهما وقلتهما.

2 - كشف الغمة: عن زيد بن علي، عن أبيه، أن الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر بن الخطاب - وهو على المنبر يوم الجمعة - فقال له: انزل عن منبر أبي. فبكى عمر، ثم قال: صدقت يا بني، منبر أبيك لا منبر أبي! فقال علي عليه السلام: ما هو والله عن رأيي. فقال: صدقت! والله ما اتهمتك يا أبا الحسن، ثم نزل عن المنبر فأخذه فأجلسه إلى جانبه على المنبر فخطب الناس - وهو جالس على المنبر معه -، ثم قال: أيها الناس! سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله يقول:

احفظوني في عترتي وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله، ألا لعنة الله على من آذاني فيهم.. ثلاثا.

3 - أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد.. مثله.

* * *

NoteV30P053N18 باب في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وغصب الخلافة، وظهور جهل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد أوردنا كثيرا من ذلك في أبواب الاحتجاج، ونورد هاهنا أمثالها بأسانيد أخرى لمناسبتها لهذا الكتاب أيضا، ولكونها مشتملة على تغييرات وزيادات.

1 - إرشاد القلوب: بحذف الاسناد مرفوعا إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عز وجل به قريشا بعد نبيها صلى الله عليه وآله ليعرفها أنفسها ويجرح شهادتها على ما ادعته على رسول الله

صلى الله عليه وآله بعد وفاته، ودحض حجتها، وكشف غطاء ما أسرت في قلوبها، وأخرجت ضغاينها لآل رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعين وأزالتهم عن إمامتهم، وميراث كتاب الله فيهم، ما عظمت خطيئته، وشملت فضيحته، ووضحت هداية الله فيه لأهل دعوته وورثة نبيه صلى الله عليه وآله، وأنارت به قلوب أوليائهم، وغمرهم نفعه وأصابهم بركاته: أن ملك الروم لما بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وخبر أمته واختلافهم في الاختيار عليهم، وتركهم سبيل هدايتهم، وادعائهم على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يوص إلى أحد بعد وفاته صلى الله عليه وآله، وإهماله إياهم يختاروا لأنفسهم، وتوليتهم الامر بعده الأباعد من قومه، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابته، دعا علماء بلده واستفاهم فناظرهم في الامر الذي ادعته قريش بعد نبيها صلى الله عليه وآله وفيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأجابوه بجوابات من حججهم على أنه محمد صلى الله عليه وآله، فسأل أهل مدينة أن يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم والاحتجاج عليهم، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته، فاختار منهم مائة رجل، فخرجوا يقدمه جاثليق لهم قد أقرت العلماء له جميعا بالفضل والعلم، متبحرا في علمه يخرج الكلام من تأويله، ويرد كل فرع

إلى أصله، ليس بالخرق ولا بالنزق ولا بالبليد والرعديد، ولا النكل ولا الفشل، ينصت لمن يتكلم، ويجيب إذا سئل، ويصبر إذا منع، فقدم المدينة بمن معه من خيار أصحابه حتى نزل القوم عن رواحلهم، فسأل أهل المدينة عمن أوصى إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن قام مقامه فدلوه على أبي بكر، فأتوا مسجد رسول الله، فدخلوا، على أبي بكر وهو في حشدة من قريش فيهم عمر بن الخظاب وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وأنا في القوم، فوقفوا عليه فقال زعيم القوم: السلام عليكم.. فردوا عليه السلام، فقال:

أرشدونا إلى القائم مقام نبيكم فإنا قوم من الروم، وإنا على دين المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، فقدمنا لما بلغنا وفاة نبيكم واختلافكم نسأل عن صحة نبوته ونسترشد لديننا، ونتعرف دينكم، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلمنا وقبلنا الرشد منكم طوعا وأجبناكم إلي دعوة نبيكم (ص)، وإن يكن على

خلاف ما جاءت به الرسل وجاء به عيسى عليه السلام رجعنا إلى دين المسيح فإن عنده من عهد رأينا فيه أنبياءه ورسله دلالة ونورا واضحا، فأيكم صاحب الامر بعد نبيكم صلى الله وعليه وآله؟.

فقال عمر بن الخطاب: هذا صاحبنا وولي الامر بعد نبينا.

قال الجاثليق: هو هذا الشيخ؟!.

فقال: نعم.

فقال: يا شيخ (4)! أنت القائم الوصي لمحمد صلى الله عليه في أمته؟.

وأنت العالم المستغنى بعلمك مما علمك نبيك من أمر الأمة وما تحتاج إليه ؟.

قال أبو بكر: لا، ما أنا بوصي.

قال له: فما أنت؟!.

قال عمر: هذا خليفة رسول الله.

قال النصراني: أنت خليفة رسول الله استخلفك في أمته؟.

قال أبو بكر لا.

قال: فما هذا الاسم الذي ابتدعتموه وادعيتموه بعد نبيكم؟!. فإنا قد قرأنا كتب الأنبياء صلوات الله عليهم فوجدنا الخلافة لا تصلح إلا لنبي من أنبياء الله، لان الله تعالى جعل آدم خليفة في الأرض فرض طاعته على أهل السماء والأرض، ونوه باسم داود عليه السلام فقال: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) *

كيف تسميتم بهذا الاسم؟ ومن سماك به؟ أنبيك سماك به؟.

قال: لا، ولكن تراضوا الناس فولوني واستخلفوني.

فقال: أنت خليفة قومك لا نبيك، وقد قلت إن النبي لم يوص إليك، وقد وجدنا في كتب من سنن الأنبياء، إن الله لم يبعث نبيا إلا وصي يوصي إليه، ويحتاج الناس كلهم إلى علمه وهو مستغن عنهم، وقد زعمت أنه لم يوص كما أوصت الأنبياء، وادعيت أشياء لست بأهلها، وما أراكم إلا وقد دفعتم نبوة محمد وقد أبطلتم سنن الأنبياء في قومهم.

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: إن هؤلاء يقولون إن محمدا لم يأتهم بالنبوة وإنما كان أمره بالغلبة، ولو كان نبيا لاوصى كما أوصت الأنبياء، وخلف فيهم كما خلفت الأنبياء من الميراث والعلم، ولسنا نجد عند القوم أثر ذلك، ثم التفت كالأسد، فقال: يا شيخ! أما أنت فقد أقررت أن محمدا لم يوص إليك ولا استخلفك وإنما تراضوا الناس بك، ولو رضي الله عز وجل برضى الخلق واتباعهم لهواهم واختيارهم لأنفسهم ما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وآتاهم الكتاب والحكمة ليبينوا للناس ما يأتون ويذرون وما فيه يختلفون: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) *، فقد دفعتم النبيين عن رسالاتهم، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله عز وجل الرسل للعباد، واختيار الرسل لامتهم، ونراكم تعظمون بذلك الفرية على الله عز .

وجل وعلى نبيكم، ولا ترضون إلا أن تتسموا بعد ذلك بالخلافة، وهذا لا يحل إلا لنبي أو وصي نبي، وإنما تصح الحجة لكم بتأكيدكم النبوة لنبيكم وأخذكم بسنن الأنبياء في هداهم، وقد تغلبتم فلا بد لنا أن نحتج عليكم فيما ادعيتم حتى نعرف سبيل ما تدعون إليه، ونعرف الحق فيكم بعد نبيكم، أصواب ما فعلتم بإيمان أم كفرتم بجهل (1)؟.

ثم قال: يا شيخ! أجب.

قال: فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه، فلم يحر جوابا، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: بناء القوم على غير أساس ولا أرى لهم حجة، أفهمتم؟.

قالوا: بلى.

ثم قال لأبي بكر: يا شيخ! أسألك؟.

قال: سل.

قال: أخبرني عني وعنك ما أنت عند الله، وما أنا عند الله (3)؟.

قال: أما أنا فعند نفسي مؤمن، وما أدري ما أنا عند الله فيما بعد، وأما أنت فعندي كافر، وما أدري ما أنت عند الله؟.

قال الجاثليق: أما أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الايمان، وجهلت مقامك في إيمانك، أمحق أنت فيه أم مبطل، وأما أنا فقد منيتني الايمان بعد الكفر، فما أحسن حالي وأسوأ حالك عند نفسك، إذ كنت لا توقن بما لك عند الله، فقد شهدت لي بالفوز والنجاة، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر.

ثم التفت إلى أصحابه فقال: طيبوا نفسا فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: يا شيخ! أين مكانك الساعة من الجنة إذا ادعيت الايمان، وأين مكاني من النار؟!.

قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر وأبو عبيدة مرة أخرى ليجيبا عنه، فلم ينطق أحدهما .

قال: ثم قال: ما أدري أين مكاني وما حالي عند الله؟.

قال الجاثليق: يا هذا! أخبرني كيف استجزت لنفسك أن تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك؟ فهل في أمة محمد من هو أعلم منك؟.

قال: نعم.

قال: ما أعلمك وإياهم إلا وقد حملوك أمرا عظيما، وسفهوا بتقديمهم إياك على من هو أعلم منك، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عما سألتك كعجزك فأنت وهو واحد في دعواكم، فأرى نبيكم إن كان نبيا فقد ضيع علم الله عز وجل وعهده وميثاقه الذي أخذه على النبيين من قبله في إقامة الأوصياء لامتهم حيث لم يقم وصيا ليتفرغوا إليه فيما تتنازعون في أمر دينكم، فدلوني على هذا الذي هو أعلم منكم، فعساه في العلم أكثر منك في محاورة وجواب وبيان وما يحتاج إليه من أثر النبوة وسنن الأنبياء، ولقد ظلمك القوم وظلموا أنفسهم فيك.

قال سلمان رضي الله عنه: فلما رأيت ما نزل بالقوم من البهت والحيرة والذل

والصغار، وما حل بدين محمد (ص)، وما نزل بالقوم من الحزن، نهضت - لا أعقل أين أضع قدمي - إلى باب أمير المؤمنين عليه السلام، فدققت عليه الباب، فخرج وهو يقول: ما دهاك يا سلمان؟! قال: قلت: هلك دين محمد صلى الله عليه وآله، وهلك الاسلام بعد محمد صلى الله عليه وآله، وظهر أهل الكفر على دينه وأصحابه بالحجة، فأدرك - يا أمير المؤمنين! - دين محمد صلى الله عليه وآله والقوم قد ورد عليهم مالا طاقة لهم به ولا بد ولا حيلة، وأنت اليوم مفرج كربها، وكاشف بلواها، وصاحب ميسمها وتاجها، ومصباح ظلمها، ومفتاح مبهمها.

قال: فقال علي عليه السلام و ما ذاك؟.

قال: قلت: قد قدم قوم من ملك الروم في مائة رجل من أشراف الناس من قومهم يقدمهم جاثليق لهم لم أر مثله، يورد الكلام على معانيه، ويصرفه على تأويله، ويؤكد حجته ويحكم ابتداءه، لم أسمع مثل حجته ولا سرعة جوابه من كنوز علمه، فأتى أبا بكر - وهو في جماعة - فسأله عن مقامه ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبطل دعواه بالخلافة، وغلبهم بادعائهم تخليفهم مقامه، فأورد على أبي بكر مسألة أخرجه بها عن إيمانه، وألزمه الكفر والشك في دينه، فعلتهم لذلك ذلة وخضوع وحيرة، فأدرك - يا أمير المؤمنين - دين محمد،

فقد ورد عليهم مالا طاقة لهم به.

فنهض أمير المؤمنين عليه السلام معي حتى أتينا القوم وقد ألبسوا الذلة والمهانة والصغار والحيرة، فسلم علي عليه السلام ثم جلس، فقال: يا نصراني!

أقبل علي بوجهك واقصدني بمسائلك فعندي جواب ما يحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون، وبالله التوفيق.

قال: فتحول النصراني إليه، وقال: يا شاب! إنا وجدنا في كتب الأنبياء أن الله لم يبعث نبيا قط إلا وكان له وصيا [كذا] يقوم مقامه، وقد بلغنا اختلاف عن أمة محمد في مقام نبوته، وادعاء قريش على الأنصار وادعاء الأنصار على قريش، واختيارهم لأنفسهم، فأقدمنا ملكنا وفدا، وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد صلى الله عليه وآله ونعرف سنن الأنبياء فيه والاستماع من قومه الذين ادعوا مقامه، أحق ذلك أم باطل؟ قد كذبوا عليه كما كذبت الأمم بعد أنبيائها على نبيها، ودفعت الأوصياء عن حقها، فإنا وجدنا قوم موسى عليه السلام بعده عكفوا على العجل ودفعوا هارون عن وصيته، واختاروا ما أنتم عليه، وكذلك: * (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) *، فقدمنا فأرشدنا القوم إلى هذا الشيخ، فادعى مقامه والامر له من بعده، فسألنا عن الوصية إليه عن نبيه (ص) (6)؟ فلم يعرفها، وسألناه عن قرابته منه إذ كانت الدعوة في إبراهيم عليه السلام فيما سبقت في الذرية في إمامته أنه لا ينالها إلا ذرية بعضها من بعض،

ولا ينالها إلا مصطفى مطهر، فأردنا أن نتبين السنة من محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به النبيون عليهم السلام، واختلاف الأمة على الوصي كما اختلفت على من مضى من الأوصياء، ومعرفة العترة فيهم؟، فإن وجدنا لهذا الرسول وصيا وقائما بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس، ويجيب بجوابات بينة، ويخبر عن أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والأنساب، وما يهبط من العلم في ليلة القدر في كل سنة، وما ينزل به الملائكة والروح إلى الأوصياء صدقنا بنبوته، وأجبنا دعوته، واقتدينا بوصيته، وآمنا به وبكتابه، وبما جاءت به الرسل من قبله، وإن يكن غير ذلك رجعنا إلى ديننا وعلمنا أن محمدا لم يبعث، وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح نبوة محمد صلى الله عليه وآله، وإنما ادعوا له وكان جبارا غلب على قومه بالقهر، وملكهم ولم يكن عنده أثر النبوة، ولا ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام قبله، وأنه مضى وتركهم بهما يغلب بعضهم بعضا، وردهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم لأنفسهم.. أي دين أحبوا، وأي ملك أرادوا، وأخرجوا محمدا صلى الله عليه وآله من سبيل الأنبياء، وجهلوه في رسالته، ودفعوا وصيته، وزعموا أن الجاهل يقوم مقام العالم، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وظهور الفساد في الأرض في البر والبحر، وحاشا الله عز وجل أن يبعث نبيا إلا مطهرا مسددا مصطفى على العالمين، وإن العالم أمير على الجاهل أبدا إلى يوم القيامة، فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه: هذا خليفة رسول

الله. فقلت: إن هذا الاسم لا نعرفه لاحد بعد النبي إلا أن يكون لغة من اللغات، فأما الخلافة فلا تصلح إلا لآدم وداود عليهما السلام، والسنة فيها للأنبياء والأوصياء، وإنكم لتعظمون الفرية على الله وعلى رسوله، فانتفى من العلم، واعتذر من الاسم، وقال: إنما تراضوا الناس بي فسموني خليفة، وفي الأمة من هو أعلم مني، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى من اختاره، فقدمت مسترشدا وباحثا عن الحق، فإن وضح لي ابتعته ولم تأخذني في الله لومة لائم، فهل عندك أيها الشاب شفاء لما في صدورنا (5)؟.

قال علي عليه السلام: بلى! عندي شفاء لصدوركم، وضياء لقلوبكم، وشرح لما أنتم عليه، وبيان لا يختلجكم الشك معه، وإخبار عن أموركم، وبرهان لدلالتكم، فأقبل علي بوجهك، وفرغ لي مسامع قلبك، وأحضرني ذهنك، وع ما أقول لك: إن الله بمنه وطوله وفضله - له الحمد كثيرا دائما - قد صدق وعده، وأعز دينه، ونصر محمدا عبده ورسوله، وهزم الأحزاب وحده، فله الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، إنه تبارك وتعالى اختص محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه وهداه، وانتجبه لرسالته إلى الناس كافة برحمته، وإلى الثقلين برأفته، وفرض طاعته على أهل السماء والأرض، وجعله إماما لمن قبله من الرسل، وخاتما لمن بعده من الخلق، وورثه مواريث الأنبياء، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة،

واتخذه نبيا ورسولا وحبيبا وإماما، ودفعه إليه، وقربه يمين عرشه بحيث لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فأوحى الله إليه في وحيه ما أوحى * (ما كذب الفؤاد ما رأى) *، وأنزل علاماته على الأنبياء، وأخذ ميثاقهم: * (لتؤمنن به ولتنصرنه) *.

قال: ثم * (قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) * وقال: * (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) * فما مضى صلى الله عليه وآله حتى أتم الله مقامه، وأعطاه وسيلته، ورفع له درجته، فلن يذكر الله تعالى إلا كان معه مقرونا، وفرض دينه، ووصل طاعته بطاعته، فقال:

و * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * وقال: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * فأبلغ عن الله عز وجل رسالته، وأوضح برهان ولايته، وأحكم آياته، وشرع شرائعه وأحكامه، ودلهم على سبيل نجاتهم، وباب هدايته

وحكمته، وكذلك بشر به النبيون صلى الله عليهم قبله، وبشر به عيسى روح الله وكلمته إذ يقول في الإنجيل: أحمد العربي النبي الأمي صاحب الجمل الأحمر والقضيب، وأقام لامته وصيه فيهم، وعيبة علمه، وموضع سره، ومحكم آيات كتابه، وتاليه حق تلاوته، وباب حطته، ووارث كتابه، وخلفه مع كتاب الله فيهم، وأخذ فيهم الحجة، فقال صلى الله عليه وآله: قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان: كتاب الله الثقل الأكبر حبل ممدود من السماء إلى الأرض سبب بأيديكم وسبب بيد الله عز وجل، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وأنا وصيه والقائم بتأويل كتابه، والعارف بحلاله وحرامه، وبمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وأمثاله وعبره وتصاريفه، وعندي علم ما يحتاج إليه أمته من بعده، وكل قائم وملتو، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والأنساب وفصل الخطاب، ومولد الاسلام، ومولد الكفر، وصاحب الكرات، ودولة الدول، فاسألني عما يكون إلى يوم القيامة وعما كان على عهد عيسى عليه السلام منذ بعثه الله تبارك وتعالى، وعن كل وصي، وكل فئة تضل مائة وتهدي مائة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم القيامة، وكل آية نزلت في كتاب الله في ليل نزلت أم نهار، وعن التوراة والإنجيل والقرآن العظيم، فإنه صلى الله عليه وآله لم يكتمني من علمه شيئا ولا ما تحتاج إليه الأمم من أهل التوراة والإنجيل، وأصناف الملحدين وأحوال

المخالفين، وأديان المختلفين، وكان صلى الله عليه وآله خاتم النبيين بعدهم، وعليهم فرضت طاعته والايمان به والنصرة له، تجدون ذلك مكتوبا في التوراة والإنجيل والزبور، و * (في الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) *، ولم يكن ليضيع عهد الله في خلقه ويترك الأمة قائمين بعده، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة القسطاس المستقيم؟!.

وإن الله عز وجل أوحى إليه كما أوحى إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحى إلى موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام فصدق الله وبلغ رسالته وأنا على ذلك من الشاهدين، وقد قال الله تبارك وتعالى: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * وقال: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * وقد صدقه الله وأعطاه الوسيلة إليه والى الله عز وجل، فقال: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) *، فنحن الصادقون، وأنا أخوه في الدنيا والآخرة، والشاهد منه عليهم بعده، وأنا وسيلته بينه وبين أمته، وأنا وولدي ورثته، وأنا وهم كسفينة

نوح في قومه من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق، وأنا وهم كباب حطة في بني إسرائيل، وأنا بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة، ورسول الله على بينة من ربه ويعرض طاعتي ومحبتي بين أهل الايمان وأهل الكفر وأهل النفاق، فمن أحبني كان مؤمنا، ومن أبغضني كان كافرا، والله ما كذبت ولا كذبت ولا كذب بي، ولا ضللت ولا ضل بي، وإني لعلى بينة بينها ربي عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله فبينها لي، فاسألوني عما كان وعما يكون وعما هو كائن إلى يوم القيامة.

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: هذا هو والله الناطق بالعلم والقدرة الفاق الراتق، ونرجو من الله تعالى أن نكون صادفنا حظنا، ونور هدايتنا، وهذه والله حجج الأوصياء من الأنبياء على قومهم.

قال: فالتفت إلى علي عليه السلام: فقال: كيف عدل بك القوم عن قصدهم إياك، وادعوا ما أنت أولى به منهم؟! ألا وقد وقع القول عليهم، قصروا في أنفسهم وما ضر ذلك الأوصياء مع ما أغناهم الله عز وجل به من العلم واستحقاق مقامات رسله، فأخبرني - أيها العالم الحكيم - عني وعنك ما

أنت عند الله؟ وما أنا عند الله؟.

قال علي عليه السلام: أما أنا فعند الله عز وجل مؤمن وعند نفسي مؤمن متيقن بفضله ورحمته وهدايته ونعمه علي، وكذلك أخذ الله جل جلاله ميثاقي على الايمان وهداني لمعرفته لا أشك في ذلك ولا أرتاب، ولم أزل على ما أخذ الله تعالى علي من الميثاق، لم أبدل ولم أغير وذلك بمن الله ورحمة وصنعه، أنا في الجنة لا أشك في ذلك ولا أرتاب، لم أزل على ما أخذ الله تعالى علي من الميثاق، فإن الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبينة، وأما أنت فعند الله كافرا بجحودك الميثاق والاقرار الذي أخذه الله عليك بعد خروجك من بطن أمك وبلوغك العقل ومعرفة التمييز للجيد والردئ والخير والشر، وإقرارك بالرسل، وجحودك لما أنزل الله في الإنجيل من أخبار النبيين عليهم السلام ما دمت على هذه الحالة، كنت في النار لا محالة.

قال: فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنة؟.

فقال علي عليه السلام: لم أدخلها فأعرف مكاني من الجنة ومكانك من النار، ولكن أعرفك ذلك من كتاب الله عز وجل: إن الله جل جلاله بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق، وأنزل عليه كتابا: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه

ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * أحكم فيه جميع علمه، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنة بدرجاتها ومنازلها، وقسم الله جل جلاله الجنان بين خلقه لكل عامل منهم ثوابا منها، وأحلهم على قدر فضائلهم في الأعمال والايمان، فصدقنا الله وعرفنا منازل الأبرار، وكذلك منازل الفجار، وما أعد لهم من العذاب في النار، وقال: * (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) * فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه ف‍ * (لكل باب منهم جزء مقسوم) *، وقد قال جل جلاله: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * وكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المتوسم، وأنا والأئمة من ذريتي المتوسمون إلى يوم القيامة.

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: قد أصبتم إرادتكم وأرجوا أن تظفروا بالحق الذي طلبنا، ألا إنه قد نصبت له مسائل فإن أجابني عنها نظرنا في أمرنا وقبلت منه.

قال علي عليه السلام: فإن أجبتك عما تسألني عنه - وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له مدفعا ولا من قبوله بدا أن - تدخل في ديننا؟

قال نعم.

فقال علي عليه السلام: الله عليك راع و كفيل، إذا وضح لك الحق وعرفت الهدى أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك؟.

قال الجاثليق: نعم، لك الله علي راع و كفيل أني أفعل ذلك.

فقال علي عليه السلام: فخذ على أصحابك الوفاء. قال: فأخذ عليهم العهد.

ثم قال علي عليه السلام: سل عما أحببت.

قال: خبرني عن الله عز وجل أحمل العرش أم العرش يحمله؟.

قال علي عليه السلام: الله حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول الله تعالى: * (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا) *.

قال: أخبرني عن قول الله: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * فكيف ذلك؟ وقلت إنه يحمل العرش والسماوات والأرض؟.

قال علي عليه السلام: إن العرش خلقة الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة:

نور أحمر - احمرت منه الحمرة -، ونور أخضر - اخضرت منه الخضرة -، ونور أصفر - اصفرت منه الصفرة -، ونور أبيض - ابيض منه البياض - وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره ابيضت قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض - من جميع خلائقه - إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والأديان المتشتتة وكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وكل شئ محمول والله عز وجل الممسك لهما أن تزولا، والمحيط بهما

وبما فيهما من شئ، وهو حياة كل شئ ونور كل شئ * (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) *.

قال: فأخبرني عن الله عز وجل أين هو؟.

قال عليه السلام: هو ها هنا.. وها هنا.. وها هنا.. وها هنا..، وهو فوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معه أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) *، والكرسي محيط بالسماوات والأرض:

* (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * فالذين يحملون العرش هم العلماء، وهم الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج عن هذه الأربعة شئ خلقه الله تعالى في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه الله عز وجل خليله عليه السلام، فقال: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) * فكيف يحمله حملة العرش وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته وانقادوا (11)؟!.

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه، فقال: هذا هو - والله - الحق من عند

الله عز وجل على لسان المسيح والنبيين والأوصياء عليهم السلام.

قال: أخبرني عن الجنة في الدنيا هي أم في الآخرة؟ وأين الآخرة والدنيا؟.

قال عليه السلام: الدنيا في الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا، إذا كانت النقلة من الحياة إلى الموت ظاهرة، كانت الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، وذلك أن الدنيا نقلة والآخرة حياط ومقام مثل ذلك النائم، وذلك أن الجسم ينام والروح لا تنام ، والبدن يموت والروح لا تموت، قال الله عز وجل:

* (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * والدنيا رسم الآخرة، والآخرة رسم الدنيا، وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروح الجسم يرجع كل واحد منهما إلي ما منه بدأ، وما منه خلق، وكذلك الجنة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة، لان العبد إذا مات صار في دار من الأرض، إما روضة من رياض الجنة، وإما بقعة من بقاع النار، وروحه إلى إحدى دارين: إما في دار نعيم مقيم لا موت فيها، وإما في دار العذاب أليم لا يموت فيها، والرسم لمن عقل موجود واضح، وقد قال الله تعالى: * (كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) *، وعن الكفار فقال إنهم: * (كانت أعينهم في غطاء عن ذكري

وكانوا لا يستطيعون سمعا) *، ولو علم الانسان علم ما هو فيه مات حبا من الموت، ومن نجا فبفضل اليقين.

قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: * (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشكرون) *، فإذا طويت السماوات وقبضت الأرض، فأين تكون الجنة والنار وهما فيهما؟. قال: فدعا بدواة وقرطاس ثم كتب فيه: الجنة والنار، ثم درج القرطاس ودفعه إلى النصراني، وقال له: أليس قد طويت هذا القرطاس؟ قال:

نعم. قال: فافتحه.. ففتحته قال: هل ترى آية النار وآية الجنة أمحاهما القرطاس (9)؟. قال: لا. قال فهكذا في قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الأرض لم تبطل الجنة والنار كما لم تبطل طي هذا الكتاب آية الجنة وآية النار.

قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: * (كل شئ هالك إلا وجهه) * ما هذا الوجه؟، وكيف هو؟، وأين يؤتى؟، وما دليلنا عليه؟.

قال علي عليه السلام: يا غلام! علي بحطب ونار، فأتى بحطب ونار وأمر

أن تضرم، فلما استوقدت واشتعلت، قال له: يا نصراني هل تجد لهذه النار وجها دون وجه؟. قال: لا، حيثما أتيتها فهو وجه .

قال عليه السلام: فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في ضعفها وسرعة زوالها لا تجد لها وجها فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شئ أجابه؟ كيف يوصف بوجه أو يحد بحد، أو يدرك ببصر، أو يحيط به عقل، أو يضبطه وهم، وقال الله تعالى: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) *.

قال الجاثليق: صدقت أيها الوصي العليم الحكيم الرفيق الهادي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وأنك وصيه وصديقه ودليله وموضع سره وأمينه على أهل بيته وولي المؤمنين من بعده، من أحبك وتولاك هديته ونورت قلبه وأغنيته وكفيته وشفيته، ومن تولى عنك وعدل عن سبيلك ضل وغبن عن حظه واتبع هواه بغير هدى من الله ورسوله، وكفى هداك ونورك هاديا وكافيا وشافيا.

قال: ثم التفت الجاثليق إلى القوم فقال: يا هؤلاء! قد أصبتم أمنيتكم وأخطأتم سنة نبيكم، فاتبعوه تهتدوا وترشدوا، فما دعاكم إلى ما فعلتم؟! ما أعرف لكم عذرا بعد آيات الله والحجة عليكم، أشهد أنها سنة الله في الذين خلوا

من قبلكم ولا تبديل لكلمات الله، وقد قضى عز وجل الاختلاف على الأمم، الاستبدال بأوصيائهم بعد أنبيائهم، وما العجب إلا منكم بعد ما شاهدتم؟!

فما هذه القلوب القاسية، والحسد الظاهر، والضغن والإفك المبين؟!.

قال: وأسلم النصراني ومن معه وشهدوا لعلي عليه السلام بالوصية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالحق والنبوة، وأنه الموصوف المنعوت في التوراة والإنجيل، ثم خرجوا منصرفين إلى ملكهم ليردوا عليه ما عاينوا وما سمعوا.

فقال علي عليه السلام: الحمد لله الذي أوضح برهان محمد صلى الله عليه وآله وأعز دينه ونصره، وصدق رسوله وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله.

قال: فتباشر القوم بحجج علي عليه السلام وبيان ما أخرجه إليهم، فانكشفت عنهم الذلة، وقالوا: جزاك الله يا أبا الحسن في مقامك بحق نبيك، ثم تفرقوا وكأن الحاضرين لم يسمعوا شيئا مما فهمه القوم و الذين هم عندهم أبدا، وقد نسوا ما ذكروا به، والحمد لله رب العالمين.

قال سلمان الخير: فلما خرجوا من المسجد وتفرق الناس وأرادوا الرحيل أتوا عليا عليه السلام مسلمين عليه ويدعون الله تعالى له واستأذنوا، فخرج إليهم علي عليه السلام فجلسوا، فقال الجاثليق: يا وصي محمد وأبا ذريته! ما نرى الأمة

إلا هالكة كهلاك من من مضى من بني إسرائيل من قوم موسى وتركهم موسى وعكوفهم على أمر السامري، وإنا وجدنا لكل نبي بعثه الله عدوا شياطين الإنس والجن يفسدان على النبي دينه، ويهلكان أمته، ويدفعان وصيه، ويدعيان الامر بعده، وقد أرانا الله عز وجل ما وعد الصادقين ومن المعرفة بهلاك هؤلاء القوم، وبين لنا سبيلك وسبيلهم، وبصرنا ما أعماهم عنه، ونحن أولياؤك وعلى دينك وعلى طاعتك، فمرنا بأمرك، إن أحببت أقمنا معك ونصرناك على عدوك، وإن أمرتنا بالمسير وسرنا وإلى ما صرفتنا إليه صرنا، وقد نوى صبرك على ما ارتكب منك، وكذلك شيم الأوصياء وسنتهم بعد نبيهم، فهل عندك من نبيك عهد فيما أنت فيه وهم؟.

قال علي عليه السلام: نعم، والله إن عندي لعهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله مما هم صائرون إليه، وما هم عاملون، وكيف يخفى علي أمر أمته وأنا منه بمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من عيسى؟! أو ما تعلمون أن وصى عيسى شمعون بن حمون الصفا - ابن خاله - اختلفت عليه أمة عيسى (ع) وافترقوا أربع فرق، وافترقت الأربع فرق على اثنين وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة واحدة (7)؟ وكذلك أمة موسى (ع) افترقت على اثنين وسبعين فرقة،

كلها هالكة إلا فرقة واحدة، وقد عهد إلي محمدا صلى الله عليه وآله أن أمته يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، ثلاث عشرة فرقة تدعي محبتنا ومودتنا كلهم هالكة إلا فرقة واحدة، وإني لعلى بينة من ربي، وإني عالم بما يصير القوم إليه، ولهم مدة وأجل معدود، لان الله عز وجل يقول: * (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) * وقد صبر عليهم القليل لما هو بالغ أمره وقدره المحتوم فيهم، وذكر نفاقهم وحسدهم و أنه سيخرج أضغانهم ويبين مرض قلوبهم بعد فراق نبيهم قال الله عز وجل: * (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون) * أي تعلمون * (ولئن سئلتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) * فقد عفا الله عن القليل من هؤلاء ووعدني أن يظهرني على أهل الفتنة ويردوا الامر إلي ولو كره المبطلون، وعندكم كتاب من رسول الله صلى الله عليه وآله في المصالحة والمهادنة على أن لا تحدثوا ولا تؤوا محدثا، فلكم الوفاء على

ما وفيتم، ولكم العهد والذمة على ما أقمتم على الوفاء بعهدكم علينا مثل ذلك لكم، وليس هذا أوان نصرنا ولا يسل سيف ولا يقام عليهم بحق ما لم يقبلوا ويعطوا طاعتهم، إذ كنت فريضة من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله مثل الحج والزكاة والصوم والصلاة، فهل يقام بهذه الحدود إلا بعالم قائم يهدي إلى الحق وهو أحق أن يتبع؟! ولقد أنزل الله سبحانه: * (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * فأنا - رحمك الله - فريضة من الله ورسوله صلى الله عليه وآله عليكم، بل أفضل الفرائض وأعلاها، وأجمعها للحق، وأحكمها لدعائم الايمان، وشرائع الاسلام، وما يحتاج إليه الخلق لصلاحهم ولفسادهم ولامر دنياهم وآخرتهم، فقد تولوا عني، ودفعوا فضلي، وفرض رسول الله صلى الله عليه وآله إمامتي وسلوك سبيلي، فقد رأيتم ما شملهم من الذل والصغار من بعد الحجة.

وكيف أثبت الله عليهم الحجة وقد نسوا ما ذكروا به من عهد نبيهم، وما أكد عليهم من طاعتي وأخبرهم من مقامي، وبلغهم من رسالة الله عز وجل في فقرهم إلى علمي وغناي عنهم وعن جميع الأمة مما أعطاني الله عز وجل، فكيف آسى على من ضل عن الحق من بعد ما تبين له و * (اتخذ إلهه هواه وأضله الله

على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) * أن هده للهدى، وهما السبيلان: سبيل الجنة وسبيل النار والدنيا والآخرة، فقد ترى ما نزل بالقوم من استحقاق العذاب الذي عذب به من كان قبلهم من الأمم، وكيف بدلوا كلام الله، وكيف جرت السنة فيهم من الذين خلوا من قبلهم، فعليكم بالتمسك بحبل الله وعروته، وكونوا من حزب الله ورسوله، والزموا عهد رسول الله وميثاقه عليكم، فإن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وكونوا في أهل ملتكم كأصحاب الكهف، وإياكم أن تغشوا أمركم إلى أهل أو ولد أو حميم أو قريب، فإنه دين الله الذي أوجب له التقية لأوليائه فيقتلكم قومكم وإن أصبتم من الملك فرصة ألقيتم على قدر ما ترون من قبوله، وإنه باب الله وحصن الايمان لا يدخله إلا من أخذ الله ميثاقه، ونور له في قلبه وأعانه على نفسه، انصرفوا إلى بلادكم على عهدكم الذي عاهدتموني عليه، فإنه سيأتي على الناس بعد برهة من دهرهم ملوك بعدي وبعد هؤلاء يغيرون دين الله عز وجل، ويحرفون كلامه، ويقتلون أولياء الله، ويعزون أعداء الله، وبهم تكثر البدع، وتدرس السنن، حتى تملأ الأرض جورا وعدوانا وبدعا، ثم يكشف الله بنا أهل البيت جميع البلايا عن أهل دعوة الله بعد شدة

من البلاء العظيم حتى تملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، ألا وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أن الامر صائر إلي بعد الثلاثين من وفاته وظهور الفتن، واختلاف الأمة علي، ومروقهم من دين الله، وأمرني بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين، فمن أدرك منكم ذلك الزمان وتلك الأمور وأراد أن يأخذ بحظه من الجهاد معي فليفعل، فإنه والله الجهاد الصافي، صفاه لنا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فكونوا - رحمكم الله - من أحلاس بيوتكم إلى أوان ظهور أمرنا، فمن مات منكم كان من المظلومين، ومن عاش منكم أدرك ما تقر به عينه إن شاء الله تعالى.

ألا وإني أخبركم أنه سيحملون علي خطة جهلهم، وينقضون علينا عهد نبينا صلى الله عليه وآله لقلة علمهم بما يأتون ويذرون، وسيكون منكم ملوك يدرس عندهم العهد، وينسون ما ذكروا به، ويحل بهم ما يحل بالأمم حتى يصيروا إلى الهرج والاعتداء وفساد العهد، وذلك لطول المدة وشدة المحنة التي أمرت بالصبر عليها، وسلمت لأمر الله في محنة عظيمة يكدح فيها المؤمن حتى يلقى الله ربه، وواها للمتمسكين بالثقلين وما يعمل بهم! وواها لفرج آل محمد صلى الله عليه وآله من خليفة متخلف عتريف مترف، يقتل خلفي وخلف

الخلف، بلى اللهم لا تخلو الأرض من قائم بحجة إما ظاهرا مشهورا أو باطنا مستورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته، ويكون محنة لمن اتبعه واقتدى به، وأين أولئك؟ وكم أولئك؟ أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله خطرا، بهم يحفظ الله دينه وعلمه حتى يزرعها في صدور أشباههم، ويودعها أمثالهم، هجم بهم العلم على حقيقة الايمان، واستروحوا روح اليقين، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون، واستلانوا ما استوعر منه المترفون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملا الاعلى، أولئك حجج الله في أرضه، وأمناؤه على خلقه، آه.. آه شوقا إليهم وإلى رؤيتهم، وواها لهم على صبرهم على عدوهم، وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.

قال:.. ثم بكى.. وبكى القوم معه ودعوه وقالوا: نشهد لك بالوصية والإمامة والاخوة، وإن عندنا لصفتك وصورتك، وسيقدم وفد بعد هذا الرجل من قريش على الملك، ولنخرجن إليهم صورة الأنبياء وصورة نبيك وصورتك وصورة ابنيك الحسن والحسين عليهما السلام وصورة فاطمة عليها السلام زوجتك سيدة نساء العالمين بعد مريم الكبرى البتول، وإن ذلك لمأثور عندنا ومحفوظ، ونحن راجعون إلى الملك ومخبروه بما أودعتنا من نور هدايتك وبرهانك وكرامتك وصبرك على ما أنت فيه، ونحن المرابطون لدولتك، الداعون

لك ولأمرك، فما أعظم هذا البلاء، وما أطول هذه المدة، ونسأل الله التوفيق بالثبات، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

بيان: قوله: ما عظمت.. اسم كان، أو خبره، أو عطف بيان للبلاء العظيم، وعلى الأخير إن ملك الروم أحد معمولي كان، وعلى الأولين استئناف لبيان ما تقدم، أو بيان لما، أو خبر بعد خبر لكان.

قال الجوهري: الخرق - بالتحريك -: الدهش من الخوف أو الحياء، وقد خرق - بالكسر - فهو خرق.. وبالتحريك أيضا مصدر الاخرق، وهو ضد الرفيق.

والنزق: الخفة والطيش.

والرعديد - بالكسر -: الجبان.

والناكل: الجبان.

قوله: وتركهم بهما.. البهم - بالضم - جمع: البهيم، وهو المجهول الذي لا يعرف، وبالفتح ويحرك، جمع: البهيمة، والبهيم الأسود: الخالص الذي لم يشبه غيره، وفي الحديث: يحشر الناس بهما - بالضم - قيل: أي ليس بهم شئ مما كان في الدنيا نحو البرص والعرج، أو عراة.

والحاصل أنه تركهم كالبهائم لا راعي لهم أو أشباها لا تميز بينهم بالإمامة والرعية.

ومرق السهم من الرمية - كنصر -: خرج من الجانب الآخر.

وعطب كفرح - هلك.

قوله عليه السلام: فكيف آسى.. أي أحزن، من الأسى - بالفتح والقصر - وهو الحزن.

قوله عليه السلام: وهما السبيلان.. الضمير راجع إلى ما ظهر سابقا من اتباع الوصي وعدمه.

قوله عليه السلام: بعد الثلاثين.. هذا تاريخ آخر زمان خلافته عليه السلام، ولما اجتمعت أسباب استيلائه عليه السلام على المنافقين في قرب وفاته ولم يتيسر له ذلك بعروض شهادته علق رجوع الامر بهذا الزمان، أو هذا مما وقع فيه بداء، والمراد بالامر الشهادة والاستراحة عن تلك الدار الفانية وآلامها وفتنها.

وقال الجوهري: أحلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب، وفي الحديث: كن حلس بيتك.. أي لا تبرح.

والحظة - بالضم -: الامر والقصة.

قوله: لفرج آل محمد (ص).. في أكثر النسخ بالجيم فهو تحسر على عدم حصول الفرج بسبب المتخلف العتريف، والأصوب - بالخاء المعجمة - أي نسلهم وذريتهم، وقد مر وسيأتي أنه عبر عن الحسنين عليهما السلام في كتب الأنبياء عليهم السلام ب‍: الفرخين المستشهدين. ويقال: رجل عتريف.. أي خبيث فاجر جرئ ماض، ولعل المراد به يزيد لعنه الله، فإنه قتل الحسين وأولاده عليهم السلام.

قوله: وسيقدم وفد بعد هذا الرجل.. أي سيقدم ويأتي إلى ملكنا بعد ذهاب أبي بكر وخلافة عمر رسل ونخرج إلى رسله تلك الصور، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما سيأتي أنه وقع في زمن معاوية، حيث أخرج ملك الروم صور الأنبياء عليهم السلام إلى يزيد فلم يعرفها وعرفها الحسن عليه السلام، وأجاب عن مسائله بعد ما عجز يزيد - لعنه الله - عنها.

وقد مر شرح بعض أجزاء الخبر في كتاب التوحيد وكتاب المعاد وسيأتي شرح بعضها في كتاب الغيبة وغيره، فإن المحدثين فرقوا أجزاءه على الأبواب،

وهي مروية في الأصول المعتبرة، وهذا مما يدل على صحتها، ويؤيده أيضا أنه قال الشيخ قدس الله روحه في فهرسته: سلمان الفارسي رحمة الله عليه.. روى خبر الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبي صلى الله عليه وآله، أخبرنا به ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار والحمير عمن حدثه، عن إبراهيم بن حكم الأسدي، عن أبيه، عن شريك بن عبد الله، عن عبد الاعلى الثعلبي، عن أبي وقاص، عن سلمان الفارسي، انتهى.

2 - إرشاد القلوب: بحذف الأسانيد، قيل: لما كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله دخل يهودي المسجد فقال: أين وصي رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فأشاروا إلى أبي بكر، فوقف عليه وقال: إني أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال أبو بكر: سل عما بدا لك؟ فقال اليهودي:

أخبرني عما ليس لله؟ وعما ليس عند الله؟ وعما لا يعلمه الله؟.

فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة، يا يهودي! أو في السماء شئ لا يعلمه الله (6)؟ وهم به المسلمون - وكان في القوم ابن عباس - فقال: ما أنصفتم الرجل؟!. قال أبو بكر: أو ما سمعت ما تكلم به؟. فقال ابن عباس: إن كان عندكم جواب وإلا فاذهبوا به إلى من يجيبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه.

قال: فقام أبو بكر ومن حضر من المهاجرين والأنصار فأتوا عليا عليه السلام، فاستأذنوا عليه، فدخلوا، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! إن هذا اليهودي سألني عن مسائل الزنادقة.

قال: فقال علي عليه السلام لليهودي: ما تقول يا يهودي؟ قال: إني أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي.

فقال عليه السلام: سل، يا يهودي! فأنبئك به. قال: أخبرني عما ليس لله؟ وعما ليس عند الله؟ وعما لا يعلمه الله؟.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.