پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۵۹۳–۶۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۸ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

الطعن الرابع:

أنه حرم المتعتين، متعة الحج ومتعة النساء.

ولم يكن له أن يشرع في الاحكام وينسخ ما أمر به سيد الأنام صلى الله عليه وآله، ويجعل اتباع نفسه أولى من اتباع من لا ينطق عن الهوى، وتفصيل القول

في ذلك: أن متعة النساء لا خلاف بين الأمة قاطبة في أصل شرعيتها وإن اختلفوا في نسخها ودوام حكمها، وفيها نزلت قوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن فريضة) * على أكثر التفاسير وأصحها.

وقد أجمع أهل البيت عليهم السلام على دوام شرعيتها، كما ورد في الأخبار المتواترة.

وقال الفخر الرازي في التفسير: اتفقت الأمة على أنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام، قال: و روي عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله طول العزبة، فقال: استمتعوا من هذه النساء.

وقد صرح بهذا الاتفاق كثير من فقهاء الاسلام.

وروى مسلم في صحيحه، وابن الأثير في جامع الأصول، عن قيس، قال: سمعت عبد الله يقول: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه [وآله]

ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي (2)؟! فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا ان نستمتع، فكان أحدنا ينكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: * (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) *.

وقد روى هذا الخبر في المشكاة وعده من المتفق عليه.

وروى البخاري ومسلم في صحيحهما، وابن الأثير في جامع الأصول، عن سلمة بن الأكوع وعن جابر، قال: خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه [وآله] فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا.. يعني متعة النساء. وعنهما: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] أتانا فأذن لنا في المتعة.

وروى مسلم في صحيحه عن عطاء، قال: قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر.

وروى مسلم - أيضا - وذكره في جامع الأصول، عن أبي الزبير، قال:

سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وعمر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.

وعن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى

الله عليه [وآله]، ثم نهانا عمر عنهما فلم نعد لهما.

وروى مسلم، عن قتادة، عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال:

على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله عز وجل واثبوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة.

وروى الترمذي في صحيحه - على ما حكاه الشهيد الثاني، والعلامة رحمهما الله - أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء؟. فقال:

هي حلال. فقال: إن أباك قد نهى عنها. فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وضعها رسول الله صلى الله عليه [وآله]، أنترك السنة ونتبع قول أبي؟!.

وروى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: سألته عن هذه الآية: * (فما استمتعتم به منهن..) * أمنسوخة هي؟. فقال: لا، ثم قال الحكم: قال علي

ابن أبي طالب عليه السلام: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شفا.

وقال ابن الأثير في النهاية: في حديث ابن عباس: (ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا الا شفا).. أي الا قليل من الناس، من قولهم: غابت الشمس الا شفا.. أي الا قليلا من ضوئها عند غروبها. قال وقال الأزهري: قوله: الا شفا.. أي الا ان يشفي، يعني يشرف على الزنا ولا يواقعه، فأقام الاسم مقام المصدر الحقيقي، وهو الاشفاء على الشئ، وحرف كل شئ شفاه.

وحكى الفخر الرازي في تفسير آية المتعة، عن محمد بن جرير الطبري، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زني إلا شقي.

وعن عمران بن الحصين، أنه قال: نزلت هذه المتعة في كتاب الله لم تنزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وتمتعنا بها ومات ولم ينهنا عنه ثم قال رجل برأيه ما شاء.

وسيأتي في خبر طويل رواه المفضل، عن الصادق (عليه السلام) أوردناه في المجلد الثالث عشر وهو مشتمل على سبب تحريمه المتعة، وأنه كان لمكان أخته عفراء.

وأما متعة الحج: فلا خلاف بين المسلمين في شرعيتها وبقاء حكمها.

واختلف فقهاء العامة في أنه هل هي أفضل أنواع الحج أم لا؟ فقال الشافعي - في أحد قوليه - ومالك: إن التمتع أفضل، وقال الشافعي في قوله الآخر: إن أفضلها الافراد ثم التمتع ثم القران.

ويدل على شرعيتها قوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) *.

ومن الأخبار الواردة فيها ما رواه مسلم في صحيحه بأربعة أسانيد،

وأورده في جامع الأصول أيضا، قال: وأخرجه أبو داود بطوله، وأخرج النسائي أطرافا متفرقة منه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، قال: دخلت على جابر بن عبد الله الأنصاري فسأل عن القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الاعلى، ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي - وأنا يومئذ غلام شاب - فقال:

مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت؟. فسألته - وهو أعمى وقد حضر وقت الصلاة، فقام في نساجه ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا - فقلت: أخبرني عن حجة

رسول الله صلى الله عليه [وآله].

فقال بيده فعقد تسعا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه [وآله] ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] كيف أصنع؟. قال:

اغتسلي واستشفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله (ص) في المسجد فركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته إلى البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه [وآله] بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شئ عملنا به، فأهل بالتوحيد: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، وأهل الناس بهذا الذي يهل به، فلم يزد رسول الله صلى الله عليه [وآله] شيئا

منهم ولزم رسول الله صلى الله عليه [وآله] تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم (ع)، فقرأ: * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) *، فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان أبي يقول - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه [وآله] - كان يقرأ في الركعتين: * (قل هو الله أحد) * و * (قل يا أيها الكافرون) *، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * إبدؤا بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، رمل حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة.. ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على

المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟. فشبك رسول الله صلى الله عليه [وآله] أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا..

مرتين، لا، بل لابد أبد. وقدم علي عليه السلام من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه [وآله] فوجد فاطمة عليها السلام ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكأن علي عليه السلام يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله - محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه [وآله] فيما ذكرت عنه - فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقت.. صدقت، ماذا قلت حين إذا فرضت الحج؟. قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه [وآله].

فقال: فإن معي الهدى فلا تحل. قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي عليه السلام من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه [وآله] مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا رسول الله صلى الله عليه [وآله] ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج.. وساق الحديث بطوله إلى قوله: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما بغي وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه [وآله]

فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه.

قال في النهاية في حديث جابر: فقام في نساجة ملتحفا بها: هي ضرب من الملاحف منسوجة كأنها سميت بالمصدر، يقال: نسجت انسج نسجا ونساجة.

وقال: في حديث جابر: فقام وثوبه على المشجب: هو - بكسر الميم -:

عيدان تضم رؤسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب، وقد يعلق عليها الأسقية لتبريد الماء، وهو من تشاجب الامر: إذا اختلط.

وروى البخاري في صحيحه، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه [وآله] أهل وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه [وآله] وطلحة، وكان علي عليه السلام قدم من اليمن ومعه الهدي، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه [وآله]، وأن النبي صلى الله عليه وآله أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من معه الهدي، فقالوا: أننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي صلى الله عليه [وآله]، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما هديت ، ولولا أن معي الهدي

لأحللت.. وساق الحديث إلى قوله: وإن سراقة بن مالك بن جعثم لقى النبي صلى الله عليه [وآله] وهو بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟. فقال: للأبد.

وقد روى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود قريبا من هذه الرواية بأسانيد متكثرة وألفاظ متقاربة عن جابر، وهي مذكورة في جامع الأصول.

وروى البخاري، عن أبي موسى الأشعري، قال: قدمت على النبي صلى الله عليه [وآله] بالبطحاء - وهو منيح - فقال: أحججت؟. قلت: نعم.

قال: بما أهللت؟. قلت: لبيك بإهلال النبي صلى الله عليه [وآله]. قال:

أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحل، فطفت البيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قيس، فقلت: رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به حتى كان في خلافة عمر، فقال: إن أخذنا بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، وإن أخذنا بقول النبي صلى الله عليه [وآله] فإنه لم يحل حتى يبلغ الهدي محله.

ومثله روى في موضع آخر بأدنى تغيير.

وروى في جامع الأصول، عن النسائي مثله.

وروى البخاري أيضا، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قال: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟.

فقيل: ذبح رسول الله عن أزواجه.

وقد حكى في جامع الأصول، عن البخاري ومسلم وأبي داود والموطأ روايات كثيرة عن عائشة تؤدي مؤدى هذه الرواية.

وروى البخاري أيضا، عن ابن عباس، أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه [وآله] في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) * إلى أمصاركم الشاة تجزي، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الهل أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه [وآله] وأباحه ناس غير أهل مكة، قال الله: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * وأشهر الحج الذي ذكر الله عز وجل: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم، والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال:

المراء.

وعن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته

عن الهدي، فقال: جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم، قال: وكان ناس كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن انسانا ينادي: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه [وآله]. وروى مسلم قريبا منها.

وروى في جامع الأصول، عن مسلم والنسائي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج يوم القيامة.

وروى البخاري - أيضا -، عن سعيد بن المسيب، قال: اختلف علي وعثمان - وهم بعسفان - في المتعة، فقال علي عليه السلام: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلى الله عليه [وآله]؟ فلما رأي علي عليه السلام ذلك أهل بهما جميعا.

وروى البخاري ومسلم، عن مروان بن الحكم، أنه شهد عليا وعثمان بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأي ذلك علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله؟!. فقال:

ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه [وآله] لقول أحد.

وروى النسائي روايتين في هذا المعنى .

وروى مسلم روايات في هذا المعنى.

وروى البخاري، عن عمران، قال: تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه [وآله] ونزل القرآن، وقال رجل برأيه ما شاء.

وروى مسلم، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن الحصين: إني لاحدثك بالحديث اليوم، اعلم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي.

قال مسلم: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم كلاهما، عن وكيع، عن سفيان، عن الجريري بهذا الاسناد.

وقال ابن حاتم في روايته: ارتأى رجل برأيه ما شاء - يعني عمر -، وروى بستة أسانيد عن عمران ما يؤدي هذا المعني.

وحكى في جامع الأصول ثلاث روايات في هذا المعنى عن عمران.

منها: أنه قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. ثم قال: قال البخاري: يقال إنه عمر.

وحكى عن النسائي أيضا روايتين في هذا المعنى.

وعن مسلم بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحلل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة.

وعن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر،

قدم النبي صلى الله عليه [وآله] وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عند هم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟. قال: الحل كله. وقد روى هذه الرواية البخاري، عن ابن عباس، ورواها أبو داود والنسائي وأوردها في جامع الأصول، قال: وأخرج أبو داود في رواية أخرى، أنه قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان بدينهم كانوا يقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدبر، ودخل صفر فقد حلت العمرة

لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم.

وروى مسلم، عن إبراهيم، عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه [وآله] قد فعله هو وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك يروحون في الحج يقطر رؤوسهم.

وروى مسلم، عن إبراهيم، عن أبي موسى هذا الخبر أبسط من ذلك وساقه.. إلى أن قال: فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، وإني لقائم بالموسم إذ جاء رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك؟. فقلت: أيها الناس! من كنا أفتيناه بشئ فليتئد، فهذا أمير

المؤمنين قادم عليكم فيه فائتموا، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟. قال: إن نأخذ بكتاب الله، فإن الله يقول: * (وأتموا الحج والعمرة لله) *، وإن تأخذ بسنة نبينا فإن النبي صلى الله عليه [وآله] لم يحل حتى نحر الهدي.

وعن عائشة، قالت: قدم النبي صلى الله عليه [وآله] لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل علي - وهو غضبان -، فقلت ما أغضبك يا رسول الله؟! أدخله الله النار. قال: أو ما شعرت إني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما أحلوا.

وروى ابن الحديد، عن محمد بن جرير الطبري، قال: روى عبد الرحمن بن أبي زيد، عن عمر بن زيد، عن عمران بن سوادة الليثي، قال:

صليت الصبح مع عمر فقرأ (سبحان) وسورة معها، ثم انصرف فقمت معه، فقال: أحاجة؟. قلت: حاجة. قال: فأحلق. فلحقت، فلما دخل أذن، فإذا هو على ومال سرير ليس فوقه شئ، فقلت: نصيحة!. قال: مرحبا بالناصح غدوا وعشيا. قلت: عابت أمتك - أو قال: رعيتك - عليك أربعا، فوضع عود الدرة ثم ذقن عليها - هكذا روى ابن قتيبة - وقال أبو جعفر: فوضع رأس درته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، وقال: هات. قال: ذكروا أنك حرمت المتعة في أشهر الحج - وزاد أبو جعفر: وهي حلال - ولم يحرمها رسول الله صلى الله عليه [وآله] ولا أبو بكر، فقال: أجل! إنكم إذا اعتمرتم في أشهر حجكم رأيتموها مجزئة من حجكم، فقرع حجكم، وكان قائبة قوب عامها، والحج بهاء من بهاء الله

وقد أصبت.

قال: وذكروا أنك حرمت متعة النساء، وقد كانت رخصة من الله يستمتع بقبضة ويفارق من ثلاث. قال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] أحلها في زمان ضرورة، ورجع الناس إلى السعة، ثم لم أجد أحدا من المسلمين عاد إليها ولا عمل بها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارقه عن طلاق بثلاث، وقد أصبت.

قال: و ذكروا أنك أعتقت الأمة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها. قال: ألحقت حرمته بحرمة، وما أدرت إلا الخير، وأستغفر الله.

قال: وشكوا منك عنف السياق ونهر الرعية. قال: فنزع الدرة ثم مسحها حتى أتى على سيورها، وقال و أنا زميل رسول الله صلى الله عليه [وآله] في غزاة قرقرة الكدر، ثم فوالله إني لأرتع فأشبع، وأسقى فأروي، وأضرب العروض، وأزجر العجول، وأؤدب قدري، وأسوق خطوتي، وأرد

اللفوت، وأضم العنود، وأكثر الزجر، وأقل الضرب، وأشهر بالعصا، وأدفع باليد، ولو ذلك لأعذرت. قال أبو جعفر: وكان معاوية إذا حدث بهذا الحديث يقول: كان والله عالما برعيته.

قال ابن قتيبة: رملت السرير وأرملته: إذا نسجته بشريط من خوص أو ليف.

وذقن عليها.. أي وضع عليها ذقنه يستمع الحديث.

وقوله: فقرع حجكم.. أي خلت أيام الحج من الناس، وكانوا يتعوذون من قرع الفناء و ذلك ألا يكون فيه أهل. والقائبة: قشر البيضة إذا خرج منها الفرخ.

والقلوب: الفرخ.. قوله: إني لأرتع وأشبع وأسقي فأروي.. مثل مستعار من رعية الإبل.. أي إذا ارتعت الإبل.. أي أرسلتها ترعى، تركتها حتى تشبع، وإذا سقيتها تركتها حتى تروى.

وقوله: أضرب العروض.. فالعروض: الناقة تأخذ يمينا وشمالا ولا

تلزم الحجة يقول: أضربها حتى يعود إلى الطريق، ومثله قوله: وأضم العنود.

والعجول: البعير يند عن الإبل و يركب رأسه عجلا ويستقبلها.

وقوله: وأؤدب قدري.. أي قدر طاقتي.

وقوله: وأسوق خطوتي.. أي قدر خطوتي.

واللفوت: البعير يلتفت يمنيا وشمالا ويروغ.

وقوله: وأكثر الزجر وأقل الضرب.. أي أنه يقتصر من التأديب في السياسة على ما يكتفى به حتى يضطر إلى ما هو أشد منه وأغلظ.

وقوله: وأشهر بالعصا وأدفع باليد.. يريد أنه يرفع العصاء يرعب بها ولا يستعملها ولكنه يدفع بيده.

و قوله: ولولا ذلك لأعذرت.. أي لولا هذا التدبير والسياسة لخلفت بعض ما أسوق، تقول: أعذر الراعي الشاة أو الناقة.. إذا تركها، والشاة العذيرة، وعذرت هي.. إذا تخلفت عن الغنم، انتهى.

وقد ذكر ابن الأثير في النهاية كثيرا من ألفاظ هذه الرواية وفسرها.

قال: في حديث عمران بن سوادة قال له: أربع خصال

عاتبتك عليها رعيتك، فوضع عود الدرة ثم ذقن عليها وقال: هات. يقال: ذقن على يده وعلى عصاه - بالتشديد والتخفيف -: إذا وضعه تحت ذقنه واتكأ عليها.

وقال في قوب: منه.. حديث عمر إن اعتمرتم في أشهر الحج رأيتموها مجزية من حجتكم فكانت قائبة قوب عامها. ضرب هذا مثلا لخلو مكة من المعتمرين في باقي السنة، يقال: قيبت البيضة إذا انفلقت عن فرخها وإنما قيل لها: قائبة، وهي مقوبة على تقدير: ذات قوب.. أي ذات فرخ، والمعنى أن الفرخ إذا فارق بيضته لم يعد إليها وكذا إذا اعتمروا في أشهر الحج لم يعودوا إلى مكة.

وقال في العنود: وفي حديث عمر ويذكر سيرته: (واضم العنود) وهو من الإبل: الذي لا يخالطها ولا يزال منفردا عنها. وأراد: من خرج عن الجماعة أعدته إليها وعطفته عليها.

وقال ابن أبي الحديد: وفي حديث عمر، أنه قال - في متعة الحج -: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] فعلها وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا بهن معرسين تحت الأراك، ثم يلبون بالحج يقطر رؤوسهم، قال: المعرس: الذي

يغشى امرأته. قال: كره أن يحل الرجل من عمرته ثم يأتي النساء، ثم يهل بالحج.

وقال في النهاية في الاعراس: ومنه حديث عمر نهى عن متعة الحج، وقال: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فعله ولكن كرهت أن يظلوا بها معرسين - أي ملمين بنسائهم -.

وروى في جامع الأصول، عن الترمذي، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي ينهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله]، أمر أبي يتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله]؟!. فقال الرجل: بل أمر رسول الله (ص)، فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله].

وروى مسلم، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله]، وهذا - يعني معاوية - كافر بالعرش - يعني بالعرش.. بيوت مكة في الجاهلية -.

قال في جامع الأصول - بعد حكايتها عن مسلم -:

وفي رواية الموطأ والترمذي والنسائي، عن محمد بن عبد الله بن الحارث، أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال له سعد: بئسما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك: إن عمر قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعناها مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] بأمره، وصنعها هو صلى الله عليه [وآله] وسلم.

قال: ليس عند الترمذي: عام حج معاوية.

وروى في صحيح مسلم وفي جامع الأصول وفي المشكاة عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه [وآله] بالحج خالصا وحده، فقدم النبي صلى الله عليه [وآله] صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل، قال عطا: قال: أحلوا وأصيبوا النساء، ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم. فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة يقطر مذاكيرنا المني!. قال جابر بيده - كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها -.

قال: فقام النبي صلى الله عليه [وآله] فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله عز وجل وأصدقكم وأبركم، ولولا هدي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا.. إلى هنا

رواية البخاري. وفي رواية مسلم، قال جابر: فقدم علي عليه السلام من سعايته، فقال: بما أهللت؟. قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه [وآله]. فقال له رسول الله صلى الله عليه [وآله]: فاهد وامكث حراما، واهدى له علي (عليه السلام) هديا، فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! لعامنا هذا أم لابد؟.

قال: بل لابد.

فهذه جملة من الاخبار العامية.

وأخبار الخاصة في ذلك أكثر من أن يمكن إيرادها هنا، وسيأتي بعضها في كتاب الحج، وكتب أخبارنا مشحونة بها.

وأجاب المخالفون: أما عن متعة النساء، فبأنها كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وآله ثم نسخت، وعولوا في ذلك على روايات متناقضة أوردوها في كتبهم تركناها مخافة الاطناب، وأجيب عنها بوجوه:

الأول: إن تناقض تلك الروايات تدل على كونها موضوعة، إذ بعضها يدل على أنها نسخت يوم خيبر، وبعضها يدل على أن الإباحة والتحريم كانا في مكة قبل الخروج منها بعد الفتح، وبعضها يدل على أنهم شكوا العزوبة في حجة الوداع فأذن لهم في المتعة، وبعضها يدل أنها ما حلت إلا في عمرة القضاء، وكانت بعد فتح خيبر، وقد دل بعض رواياتهم على أنها نسخت يوم خيبر كما عرفت، وبعضها على أنها نسخت في غزوة تبوك، وبعضها على أنها كانت مباحة في أول الاسلام حتى نسخت بقوله تعالى: * (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) *.

ولا ريب في أنه لا يعبر عن عام حجة الوداع والفتح وخيبر وتبوك بأول الاسلام، على أن هذه الآية - التي تدل روايتهم عن ابن عباس على نسخ المتعة

بها - تكررت في سورتين: سورة المعارج، وسورة المؤمنون، وهما مكيتان كما ذكره المفسرون، فكيف كان الاذن بها والنهي عنها في حجة الوداع، وعام الفتح، وغيرهما؟! ولهذا الاختلاف الفاحش التجأوا إلى التشبث بوجوه فاسدة سخيفة في الجمع بينها، كالقول بتكرر الإباحة والتحريم، وحمل التحريم في بعضها على التأبيد، وفي بعضها على التأكيد، وذكروا وجوها سخيفة أخرى لا نسود الكتاب بذكرها، وما رووه عن الحسن أنه: ما حلت إلا في عمرة القضاء ظاهر المناقضة لتلك الوجوه.

وبالجملة، هذا النوع من الاختلاف في الرواية دليل واضح على كذب الراوي.

الثاني: إن ما سبق من روايات جابر وغيرها صريح في أن العمل بإباحة المتعة كان مستمرا إلى منع عمر بن الخطاب عنها. والقول بأن جابر أو غيره من الصحابة لم يبلغهم النسخ إلى زمان عمر ظاهر الفساد، وهل يجوز عاقل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه ينادي بإباحة المتعة بين الناس - كما مر - ويبوح بإباحتها ويتلو الآية الدالة على حلها، ثم لما نسخ الحكم يخفيه عن طائفة من أصحابه ولا يعلن به بحيث لم يبلغ نسخ الحكم مثل جابر - مع شدة ملازمته

للرسول صلى الله عليه وآله في السفر والحضر - حتى كانوا يداومون على منكر شنيع يرى عمر رجم من ارتكبه، كما رواه مالك في الموطأ.

وبالجملة، دعوى كون الحكم في نسخ مثل هذا الحكم بحيث يخفى على مثل جابر وابن مسعود وابن عباس وأضرابهم، بل على أكثر الصحابة - على ما هو الظاهر من قول جابر: كنا نستمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر - دعوى واضح الفساد.

الثالث: إن الرواية المشهورة بين الفريقين من أنه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] و أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما.. صريحة في دوام الحكم بحلها إلى ذلك الزمان، وكذلك يشهد بعدم

نسخها عدم اعتذار عمر بالنسخ في الرواية السابقة، واعتذاره بأن حلها كان في زمان ضرورة، وهل يجوز عاقل أنه كان عالما بنسخها ونهى النبي صلى الله عليه وآله عنها ومع ذلك يعتذر بمثل هذا العذر الظاهر الفساد؟! فإن إباحة حكم في زمان لا يقتضي تقييد الإباحة بها، وترك عمل الصحابة بأمر مباح - على تقدير تسليمه - لا يدل على عدم إباحته، على أن ذلك شهادة نفي في أمر محصور، ويكذبه قول جابر وغيره: كنا نستمتع.. إلى زمن نهيه، ولو كان مستنده عدم اطلاعه على عمل الصحابة بها بعد زمان الضرورة فبطلانه أوضح.

الرابع: إن المتعة لو كانت منسوخة لما خفي ذلك على أهل بيته صلى الله عليه وآله - وهم أعلم بما في البيت - وقد أجمعوا على حلها، وإجماعهم حجة، وإنكار قولهم بذلك مكابرة واضحة.

وأما متعة الحج، فقد عولوا في دفع الطعن فيها على أنه نهى عنه عمر وكذلك عثمان - كما سبق - على وجه التنزيه، لكون الافراد أفضل لا على وجه الترحيم، وفيه نظر من وجوه:

الأول: إن قول عمر: أنا أحرمهما.. ظاهر في التحريم، ولو سلمنا كون بعض الروايات: أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما.. فمع أن الظاهر من لفظ

النهي أيضا الترحيم، قد قرن بالتحريم والنهي قوله: أعقاب عليهما، ولا ريب في أن المعاقبة تنافي التنزيه.

الثاني: إنه لو كان نهيه عن متعة الحج للتنزيه لكان نهيه عن متعة النساء أيضا كذلك، للتعبير عنهما بلفظ واحد، ولم يقل أحد بأنه نهى عن متعة النساء تنزيها، مع أنه قد مر أنه أوعد عليها بالرجم، وقد سبق في رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله دخل عليها غضبان لذلك، وكيف يغضب صلى الله عليه وآله لعدول الناس في عبادة ربهم إلى الأفضل أو لترددهم فيه، بل لا يشك منصف في أن ما تضافرت به الروايات من قوله صلى الله عليه وآله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولولا أن معي الهدي لأحللت.. دليل قاطع على بطلان أفضلية الافراد كما زعموه.

وبالجملة، القول بأن أمره صلى الله عليه وآله بالاحلال والعدول إلى التمتع كان أمرا بالمرجوع لبيان الجواز، ظاهر الفساد.

الثالث: إن رواية عمران بن سوادة الليثي واضحة الدلالة على أن نهيه عنها كان على وجه التحريم، كما لا يخفى على من تأمل فيها، ولو كان نهيه على وجه التنزيه لقال: أني ما حرمتها عليهم ولكني أمرتهم بأفضل الافراد، وقد تقدم في رواية ابن حصين قوله: لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء.

وقال البخاري: يقال إنه عمر، ومن تأمل في الاخبار لا يشك في أنه لم يكن الكلام في أفضلية التمتع أو الافراد، بل في جواز التمتع أو حرمته.

الرابع: إنه لو كان نهي عمر وعثمان عن المتعة أمرا بالأفضل فلماذا كان أمير

المؤمنين عليه السلام ينازع عثمان، وعثمان ينازعه، كما مر.

وروى في جامع الأصول، عن الموطأ بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه [عليهما السلام] أنه قال: إن المقداد بن الأسود دخل على علي بن أبي طالب [عليه السلام] بالسقيا، وهو ينجع بكرات له دقيقا وخبطا. فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى أن يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي [عليه السلام] وعلى يديه أثر الدقيق والخبط، - فما أنسى الخبط والدقيق على ذراعيه - حتى دخل على عثمان بن عفان، فقال: أنت تنهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة؟. فقال عثمان:

ذلك رأي. فخرج علي [عليه السلام] مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم بحجة وعمرة معا.

ومعلوم من سيرته عليه السلام أنه كان لا يجاهر الخلفاء بالخلاف ولا يعارضهم إلا في عظائم الأمور، بل كان يداريهم ويتقي شرهم ما استطاع، ولا يظهر الخلاف إلا في البدع الشنيعة، وهل يجوز عاقل أن يأمر عثمان بطاعة الله تعالى بما هو أرضى عنده ثم يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله النبي صلى الله عليه وآله؟. ويرفع صوته بين الناس بما نهى عنه مع علمه بأن ذلك يثمر العداوة ويثير الفتنة.

والبكرة: الفتية من الإبل.

والخبط - بالتحريك -: الورق الساقط من الشجر، وهو من علف الإبل.

وينجع.. أي يعلفها النجوع، والنجيع: وهو ان يخلط العلف من الخبط والدقيق بالماء ثم تسقى الإبل.

والسقيا - بالضم -: منزل بين مكة والمدينة.

تذييل:

اعلم، انه لا يشك عاقل - بعد التأمل فيما روت الخاصة والعامة في تلك القصة - أن هذا الشقي جبه النبي صلى الله عليه وآله بالرد حين أدى عن الله تعالى حكم التمتع بالعمرة إلى الحج، وواجهه صلى الله عليه وآله بألفاظ ركيكة، بعد قوله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل..

ولج في ذلك حتى أغضبه وأحزنه - كما مر في خبر عائشة - وقال: إنك لم تؤمن بهذا أبدا، كما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام.

ثم لما لم يمكنه رفع هذا لاخبر أضمر في نفسه الخبيثة ذلك إلى أن استولى على الامر وتمكن، فقام خطيبا وصرح بأنه يحرم ما أحله النبي صلى الله عليه وآله وحث عليه، وأحيا سنة أهل الشرك والجاهلية، وشنع عليه صلى الله عليه وآله بالوجوه الركيكة التي ذكرها اعتذارا من ذلك، فكيف يكون مثل هذا مؤمنا؟! وقد قال عز وجل: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا

في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *.

تتميم:

أجاب الفخر الرازي في تفسيره عن الطعن بنهيه عن متعة الحج بوجه آخر، حيث قال: التمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالا بمكة حتى ينشئ منها الحج فيحج في عامه ذلك..، وهذا صحيح و لا كراهة فيه، وها هنا نوع آخر مكروه، وهو الذي خطب به عمر، وهو أن يجمع بين الاحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة فيتمتع بها إلى الحج.

وروي أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أذن لأصحابه في ذلك، ثم نسخ.

وهو باطل بوجوه:

الأول: إن هذا المعنى لا يفهم من التمتع عند الاطلاق، وإنما يفهم منه المعنى المعروف عند فقهاء الفريقين، ولا ريب في أن الناس قديما وحديثا لم يفهموا

من المتعة ومنعها غير المعنى المعروف، وإنما ذلك معنى تكلفه المتعصبون لضيق الخناق.

الثاني: إن روايات عمران بن حصين في أن: ما نهى عنه الرجل وقال فيه برأيه ما شاء، هو المعنى المعروف، وإيقاع العمرة في أشهر الحج، وظاهر أن النهي عن المتعة والقول بالرأي فيها لم يكن من غير عمر، ولذا لم يصرح عمران به تقية.

الثالث: إنه قد مر في رواية أبي موسى، أنه علل عمر ما أحدثه في شأن النسك بقوله، كرهت أن يظلوا معرسين.. وظاهر أن هذا التعليل يقتضي المنع عن المتعة بالمعنى المعروف، والرواية صريحة في أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة فحذره الرجل عن مخالفة عمر.

الرابع: إن رواية عمران بن سوادة صريحة في اعتراف عمر بأنه حرم المتعة في أشهر الحج معللا بما ذكر فيها، وكذا رواية الترمذي عن ابن عمر صريحة في أنه نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، وكذا غيرهما مما سبق من الروايات.

الخامس: إنه لو كان ما نهى عنه وحرمه عمر أمرا منسوخا في زمن الرسول (ص) لأنكر على عمران بن سوادة قوله: لم يحرمهما رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أبو بكر، وقد صدقه وعلل التحريم بما سبق.

وبالجملة، لا مجال للشك في أن ما حرمه عمر هو التمتع بالعمرة إلى الحج الذي صرحت روايات الفريقين بأنه حكمه باق إلى يوم القيامة، وإنه للأبد،

وأبد الأبد، بل إنه نهى عن أعم منه وهو الاعتمار في أشهر الحج.

ولنعم ما حكى الشهيد الثاني، قال: وجدت في بعض كتب الجمهور أن رجلا كا يتمتع بالنساء، فقيل له: عمن أخذت حلها؟. قال: عن عمر. قيل له: كيف ذلك وعمر هو الذي نهى عنها وعاقب عليها؟. فقال: لقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما، متعة

الحج ومتعة النساء، فأنا أقبل روايته في شرعيتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أقبل نهيه من قبل نفسه.

الطعن الخامس:

إنه عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهدوا عليه بالزنا، ولقن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة اتباعا لهواه، فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود وفضحهم وحدهم، فتجنب أن يفضح المغيرة - وهو واحد وكان آثما - وفضح الثلاثة، وعطل حد الله ووضعه في غير موضعه.

قال ابن أبي الحديد: روى الطبري في تاريخه، عن محمد بن يعقوب ابن عتبة، عن أبيه، قال: كان المغيرة يختلف إلى أم جميل - امرأة من بني هلال بن عامر - وكان لها زوج من ثقيف هلك قبل ذلك يقال له: الحجاج بن عبيد، وكان المغيرة - وهو أمير البصرة - يختلف إليها سرا، فبلغ ذلك أهل البصرة فأعظموا، فخرج المغيرة يوما من الأيام فدخل عليها - وقد وضعوا عليهما الرصد - فانطلق القوم الذين شهدوا عند عمر فكشفوا الستر فرأوه قد واقعها، فكتبوا بذلك إلى عمر، وأوفدوا إليه بالكتاب أبا بكرة، فانتهى أبو بكرة إلى المدينة، وجاء إلى باب عمر فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة؟. فقال: نعم. قال: لقد جئت لشر!. قال: إنما جاء به المغيرة.. ثم قص عليه القصة وعرض عليه الكتاب، فبعث أبا موسى عاملا وأمره أن يبعث إليه المغيرة، فلما دخل أبو موسى البصرة وقعد في الامارة أهدى إليه المغيرة عقيلة، وقال: وإنني قد رضيتها

لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر.

قال الطبري: وروى الواقدي، عن مالك بن أوس، قال: قدم المغيرة على عمر فتزوج في طريقه امرأة من بني مرة، فقال له عمر: إنك لفارغ القلب شديد الشبق، طويل العزمول. ثم سأل عن المرأة فقيل له: يقال لها:

الرقطاء، كان زوجها من ثقيف، وهي من بني هلال.

قال الطبري: وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف: أن المغيرة كان يبغض أبا بكرة، وكان أبو بكرة يبغضه، ويناغي كل واحد منهما صاحبه وينافره عند كل ما يكون منه، وكانا متجاورين بالبصرة بينهما طريق، وهما في مشربتين متقابلتين، فهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكر نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة وقد فتح الريح بالكوة التي في مشربته، وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: ومن هذه؟. قال: أم جميل بنت الأفقم، وكانت أم جميل إحدى بني عامر

ابن صعصعة، فقالوا: إنما رأينا أعجازا ولا ندري ما الوجوه (2)؟. فلما قامت صمموا، وخرج المغيرة إلى الصلاة، فحال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، وقال: لا تصل بنا، وكتبوا إلى عمر بذلك، وكتب المغيرة إليه أيضا، فأرسل عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى! إني مستعملك، وإني باعثك إلى أرض قد باض فيها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل الله بك. فقال: يا أمير المؤمنين! أعني بعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به. قال: فاستعن بمن أحببت، فاستعان بتسعة وعشرين رجلا منهم: أنس بن مالك وعمار بن حصين وهشام بن عامر.. وخرج أبو موسى بهم حتى أناخ بالبصرة في المربد، وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد، فقال: والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا ولكنه جاء أميرا، وإنهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إلى المغيرة كتابا من عمر - إنه لأزجر كتاب كتب به أحد من الناس - أربع كلم عزل فيها وعاتب واستحث وأمر: أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى فسلم ما في يديك إليه والعجل. وكتب إلى

أهل البصرة: أما بعد، فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم وعدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليجبي لكم فيئكم، وليقسم فيكم، وليحمي لكم طرقكم.

فأهدى إليه المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى: عقيلة ، فقال: إني قد رضيتها لك - وكانت فارهة -، وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين! سل هؤلاء الاعبد كيف رأوني مستقبلهم أم مستدبرهم؟

فكيف رأوا المرأة وعرفوها؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر! وإن كانوا مستدبري فبأي شئ استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلا امرأتي، فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل، وهو يدخله ويخرجه، قال عمر:

كيف رأيتهما؟. قال: مستدبرهما. قال: كيف استبنت رأسها؟. قال:

تخافيت. فدعا بشبل بن معبد فشهد مثل ذلك، وقال: استقبلتهما واستدبرتهما، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة، ورأيت قدمين مرفوعين يخفقان، وأستين

مكشوفين، وسمعت حفزا شديدا، قال عمر: فهل رأيته فيها كالميل في المكحلة؟.

قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟. قال: لا، ولكن أشبهها.. فأمر عمر بالثلاثة الحد: * (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) *، فقال المغيرة: الحمد لله الذي أخزاكم، فصاح به عمر: أسكت.. أسكت الله نأمتك، أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك، فهذا ما ذكره الطبري.

أقول: ثم روى من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني روايات مختلفة تؤدي مؤدى تلك الرواية.. إلى أن قال: قال أبو الفرج: قال أبو زيد عمر بن شيبة: فجلس له عمر ودعا به وبالشهود، فتقدم أبو بكرة، فقال:

أرأيته بين فخذيها؟. قال: نعم، والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها.

فقال المغيرة: لقد ألطفت النظر. قال: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به. فقال عمر: لا والله حتى تشهد، لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة. قال:

نعم، أشهد على ذلك. فقال عمر: أذهب عنك، مغيرة ذهب ربعك.

قال أبو الفرج: ويقال: إن عليا عليه السلام هو قائل هذا القول، ثم دعا نافعا، فقال: على ما تشهد؟. قال: على مثل شهادة أبي بكرة. فقال عمر: لا، حتى تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة. قال: نعم، حتى بلغ قذذه. فقال: أذهب عنك، مغيرة ذهب نصفك، ثم دعا الثالث - وهو شبل ابن معبد - فقال: على ماذا تشهد؟. قال: على مثل شهادة صاحبي؟. فقال:

أذهب عنك، مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك. قال: فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه، وبكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه، قال: ولم يكن زياد حضر ذلك المجلس، فأمر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة وأن لا يجالسهم أحد من أهل المدينة، وانتظر قدوم زياد، فلما قدم جلس له في المسجد واجتمع رؤوس المهاجرين والأنصار، قال المغيرة - وكنت قد أعددت كلمة أقولها - فلما رأى عمر زيادا مقبلا قال: إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين.

قال أبو الفرج: وفي حديث أبي زيد عن السري، عن عبد الكريم بن رشيد، عن أبي عثمان النهدي أنه لما شهد الشاهد الأول عند عمد تغير لون عمر، ثم جاء الثاني فشهد فانكسر لذلك انكسار شديدا، ثم جاء الثالث فشهد فكأن الرماد نثر على وجه عمر، فلما جاء زياد جاء شاب يخطر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما عندك أنت يا سلح العقاب؟ وصاح أبو عثمان النهدي صيحة يحكي صيحة عمر، قال عبد الكريم: لقد كدت أن يغشى علي لصيحته.

قال أبو الفرج: فكان المغيرة يحدث، قال: فقمت إلى زياد، فقلت: لا مخبأ لعطر بعد عروس، يا زياد! أذكرك الله وأذكرك موقف القيامة وكتابه ورسوله أن

تتجاوز إلى ما لم تر، ثم صحت يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء قد احتقنوا دمي، فالله الله في دمي، قال: فرتقت عينا زياد واحمر وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين! أما إن أحق ما حق القوم فليس عندي، ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا حثيثا وانتهارا، ورأيته متبطنها. فقال عمر: رأيته يدخل في فرجها كالميل في المكحلة (3)؟. قال: لا.

قال أبو فرج: وروى كثير من الرواة أنه قال: رأيته رافعا رجليها، ورأيت خصييه مترددين بين فخذيها ، ورأيت حفزا شديدا، وسمعت نفسا عاليا، فقال عمر: رأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟. قال: لا. قال عمر: الله أكبر، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فقام المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب

الباقين. وروى قوم أن الضارب لهم الحد لم يكن المغيرة.

قال: وأعجب عمر قول زياد: ودرأ الحد عن المغيرة، فقال أبو بكرة - بعد أن ضرب -: أشهد أن المغيرة فعل كذا.. وكذا، فهم عمر بضربه، فقال له علي عليه السلام: إن ضربته رجمت صاحبك، ونهاه عن ذلك.

قال أبو الفرج: يعني إن ضربه يصير شهادته شهادتين فيوجب بذلك الرجم على المغيرة. قال: واستتاب عمر أبا بكرة، قال: إن ما تستتيبني لتقبل شهادتي؟. قال: أجل. قال: فإني لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا.

قال: فلما ضربوا الحد، قال المغيرة: الله أكبر! الحمد لله الذي أخزاكم.

فقال عمر: أسكت أخزى الله مكانا رأوك فيه. قال: وقام أبو بكرة على قوله، وكان يقول: والله ما أنسى قط فخذيها، وتاب الاثنان فقبل شهادتهما، وكان أبو بكرة بعد ذلك إذا طلب إلى شهادة يقول: اطلبوا غيري، فإن زيادا أفسد علي شهادتي.. قال أبو الفرج: وحج عمر بعد ذلك مرة فوافق الرقطاء بالموسم، فرآها - وكانت المغيرة يومئذ هناك - فقال عمر للمغيرة: ويحك! أتتجاهل علي، والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء.

قال: وكان علي عليه السلام - بعد ذلك - يقول: إن ظفرت بالمغيرة لاتبعته أحجاره قال ابن أبي الحديد - بعد ايراد تلك الأخبار وغيرها -: فهذه الأخبار، كما تراها تدل متأملها على أن الرجل زنى بالمرأة لا محالة، وكل كتب التواريخ والسير يشهد بذلك، وإنما اقتصرنا نحن منها على ما في هذين الكتابين.

وقد روى المدائني أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية، فلما دخل في الاسلام قيده الاسلام، وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته بالبصرة، ثم أورد في ذلك روايات أخر تركناها اختصارا.

وقال الشيخ قدس الله روحه في تلخيص الشافي: فإن قالوا: لم يعطل الحد وإنما لم يتكامل الشهادة، وإرادة الرابع لان يشهد لا تكمل بها البينة وإنما تكمل بإقامتها..

وقوله: أرى وجه رجل لا يفضح الله على يده رجلا.. سائغ صحيح، فجرى مجرى ما روي عنه (ص) من أنه أتي بسارق فقال له: لا تقر. وقال لصفوان بن أمية - لما أتاه بالسارق وأمر بقطعه - فقال: هي له - يعني ما سرق - هلا قبل أن تأتيني به، فلا يمتنع أن يجب أن لا تكمل الشهادة، وينبه الشاهد على

أن لا يشهد، وجلد الثلاثة من حيث صاروا قذفة، قالوا: ليس حالهم وقد شهدوا كحال من لم تتكامل الشهادة عليه، لان الحيلة في إزالة الحد عنه - ولما تكاملت الشهادة - ممكنة بتلقين وتنبيه وغيره، ولا حيلة فيما قد وقع من الشهادة، فلذلك حدهم، وليس في إقامة الحد عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشهادة على المغيرة، لأنه يتصور بأنه زان ويحكم بذلك فيه، وليس كذلك حال الشهود، لأنهم لا يتصورون بذلك وإن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة، على أنه قيل إن القذف منهم كان تقدم بالبصرة، لأنهم صاحوا به في نواحي المسجد بأنا نشهد بأنك زان، فلو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدهم لا محالة، فلم يمكن في إزالة الحد عنهم ما أمكن في المغيرة، وما روي من أن عمر إذا رآه كان يقول: لقد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء..، غير صحيح، ولو صح لكان تأويله التخويف وإظهار قوة الظن بصدق القوم لما شهدوا عليه ردعا له، وغير ممتنع أن يحب أن لا يفتضح لما كان متوليا للبصرة من قبله، وسكوت زياد عن إقامة الشهادة لا يوجب تفسيقه، لأنا علمنا بالشرع أن له السكوت، ولو كان فسقا لما ولاه أمير المؤمنين عليه السلام فارس، ولما إئتمنه على أموال المسلمين ودمائهم.

قيل لهم: إنما نسب عمر إلى تعطيل الحد من حيث كان في حكم

الثابت، وإنما بتلقينه، لم تكمل الشهادة، لان زيادا ما حضر إلا ليشهد بما شهد به أصحابه، وقد صرح بذلك كما صرحوا قبل حضورهم، ولو لم يكن هذا هكذا لما شهد القوم قبله وهم لا يعلمون هل حال زياد في ذلك كحالهم، لكنه أحجم في الشهادة لما رأى كراهية متولي الامر لكمالها، وتصريحه بأنه لا يريد أن يعمل بموجبها.

ومن العجائب أن يطلب الحيلة في دفع الحد عن واحد وهو لا يندفع إلا بانصرافه إلى ثلاثة، فإن كان درأ الحد والاحتيال في دفعه من السنن المتبعة، فدرؤه عن ثلاثة أولى من درئه عن واحد.

وقولهم: إن درء الحد عن المغيرة ممكن، ودرؤه عن الثلاثة - وقد شهدوا - غير ممكن طريف، لأنه لو لم يلقن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة لا ندفع عن الثلاثة الحد، فكيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكروه، بل لو أمسك عن الاحتيال جملة لما لحق الثلاثة حد.

وقولهم: إن المغيرة يتصور بصورة زان لو تكاملت الشهادة، وفي هذا من الفضيحة ما ليس في حد الثلاثة.. غير صحيح؟ لان الحكم في الامرين واحد، لان الثلاثة إذا حدوا يظن بهم الكذب وإن جوز أن يكونوا صادقين، والمغيرة لو كملت الشهادة عليه بالزنا ظن ذلك به مع التجويز لان يكون الشهود كذبة، فليس في أحد الامرين إلا ما في الآخر.

وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أتي بسارق فقال له: لا تقر - إن كان صحيحا - لا يشبه ما نحن فيه، لأنه ليس في دفع الحد عن السارق، إيقاع غيره في المكروه، وقصة المغيرة تخالف ذلك، لما ذكرناه.

وأما قوله صلى الله عليه وآله لصفوان: هلا قبل أن تأتيني به.. فلا يشبه ما نحن فيه، لأنه بين أن ذلك القول كان يسقط الحد لو تقدم، وليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحدود.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.