پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۲۷۱–۳۰۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۰ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

النبي صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام، مما صنعوا، يعني لو جاؤوك بها يا علي * (فاستغفروا الله) * مما صنعوا * (واستغفروا لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) *، * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) * فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو - والله - علي بعينه * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * على لسانك يا رسول الله، يعني به من ولاية علي عليه السلام، * (ويسلموا تسليما) * لعلي عليه السلام.

تبيان:

قوله تعالى: * (فأعرض عنهم) *.. أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، أو عن قبول معذرتهم، وفي بعض النسخ: وما أرسلناك رسولا إلا لتطاع.. فتكون قراءتهم عليهم السلام هكذا.

قوله عليه السلام: يعني والله النبي (ص).. أي المراد بالرسول في قوله تعالى: * (واستغفر لهم الرسول) * النبي صلى الله عليه وآله، والمخاطب في قوله جاؤوك، علي عليه السلام، ولو كان المخاطب الرسول صلى الله عليه وآله لكان الأظهر أن يقول: واستغفرت لهم، وفي بعض نسخ تفسير العياشي: يعني والله عليا عليه السلام، وهو أظهر.

قوله عليه السلام: هو والله على.. أي المخاطب، أو المعنى أن المراد بما شجر بينهم ما شجر بينهم في أمر علي عليه السلام وخلافة، والأول أظهر.

قوله عليه السلام: مما قضيت على لسانك.. ظاهره أن قراءتهم عليهم السلام به على صيغة التكلم، ويحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى، أي المراد بقضاء الرسول صلى الله عليه وآله ما يقضي الله على لسانه.

143 - الاختصاص: محمد بن عيسى، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مروان، عن يونس بن صهيب، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر - وقد ذهب به إلى الغار - فقال: ما لك؟ أليس الله معنا؟! تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون، وأريك جعفر بن أبي طالب وأصحابه في سفينة يغوصون؟. فقال: نعم، أرنيهم. فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه وعينيه، فنظر إليهم، فأضمر في نفسه أنه ساحر.

144 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: الشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله في مصباح الأنوار بإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله في حفر الخندق - وقد حفر الناس وحفر علي عليه السلام - فقال له النبي صلى الله عليه وآله: بأبي من يحفر وجبرئيل يكنس التراب بين يديه، ويعينه ميكائيل، ولم يكن يعين أحدا قبله من الخلق، ثم قال النبي صلى الله وعليه وآله لعثمان بن

عفان: احفر:! فغضب عثمان وقال: لا يرضى محمد أن أسلمنا على يده حتى أمرنا بالكد، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله: * (يمنون عليك إن أسلموا...) * الآية.

145 - الاختصاص: القاسم بن محمد الهمداني، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الكوفي، عن أبي الحسين يحيى بن محمد الفارسي، عن أبيه، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قال:

خرجت ذات يوم إلى ظهر الكوفة وبين يدي قنبر، فقلت: يا قنبر! ترى ما أرى؟. فقال: قد ضوء الله لك - يا أمير المؤمنين! - عما عمي عنه بصري.

فقلت: يا أصحابنا! ترون ما أرى؟. فقالوا: لا، قد ضوء الله لك يا أمير المؤمنين (ع) عما عمي عنه أبصارنا.

فقلت: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لترونه كما أراه، ولتسمعن كلامه كما أسمع، فما لبثنا أن طلع شيخ عظيم الهامة له عينان بالطول، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقلت: من أين أقبلت يا لعين؟. قال:

من الآثام. فقلت: وأين تريد؟. قال: الآثام. فقلت: بئس الشيخ أنت.

فقال: لم تقول هذا يا أمير المؤمنين (ع)، فوالله لأحدثنك بحديث عني عن الله عز وجل ما بيننا ثالث. فقلت: يا لعين (9)! عنك عن الله عز وجل ما بينكما ثالث؟!.

قال: نعم، إنه لما هبطت بخطيئتي إلى السماء الرابعة ناديت: إلهي وسيدي ما أحسبك خلقت من هو أشقى مني، فأوحى الله تبارك وتعالى إلي: بلى، قد خلقت من هو أشقى منك، فانطلق إلى مالك يريكه، فانطلقت إلى مالك، فقلت: السلام يقرأ عليك السلام ويقول: أرني من هو أشقى مني، فانطلق بي مالك إلى النار فرفع الطبق الاعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكا ، فقال لها: إهدائي فهدأت، ثم انطلق بي إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشد من تلك سوادا وأشد حمى، فقال لها: اخمدي! فخمدت إلى أن انطلق بي إلى السابع، وكل نار تخرج من طبق هي أشد من الأولى، فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكا وجميع ما خلقه الله عز وجل، فوضعت يدي على عيني وقلت: مرها يا مالك تخمد وإلا خمدت، فقال أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم، فأمرها فخمدت، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النيران معلقين بها إلى فوق، وعلى رؤوسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت: يا مالك! من هذان؟. فقال: أو ما قرأت في ساق العرش، وكنت قبل قرأته قبل أن يخلق الله الدنيا بألفي عام: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه آله أيدته ونصرته بعلي، فقال: هذان عدوا أولئك وظالماهم.

146 - الاختصاص: روي عن حكم بن جبير، قال: قلت لأبي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام: إن الشعبي يروي عندنا بالكوفة أن عليا (ع) قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فقال إن الرجل يفضل على نفسه من ليس هو مثله حبا وكرامة، ثم أتيت علي بن الحسين عليهما السلام فأخبرته ذلك، فضرب على فخذي وقال: هو أفضل منهما كما بين السماء والأرض.

147 - الاختصاص: روي عن ابن كدينة الأرض.

147 - الاختصاص: روي عن ابن كدينة الأودي، قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * فيمن نزلت؟. قال: في رجلين من قريش.

148 - البرسي، في مشارق الأنوار عن محمد بن سنان، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر: يا مغرور! إني أراك في الدنيا قتيلا بجراحة من عبد أم معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توفيقا، يدخل بذلك الجنة على رغم منك، وإن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه صلبا وهتكا، تخرجان عن جوار رسول الله صلى الله عليه وآله فتصلبان على أغصان جذعة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من والاك. فقال عمر: ومن يفعل ذلك يا أبا الحسن (ع)؟. فقال: قوم

قد فرقوا بين السيوف وأغمادها، فيؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم عليه السلام ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبي وصديق، ثم يأتي ريح فينسفكما في اليم نسفا.

وقال عليه السلام يوما للحسن: يا أبا محمد! أما ترى عندي تابوت من نار يقول: يا علي! استغفر لي، لا غفر الله له.

وروي في تفسير قوله تعالى: * (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) * قال: سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى هذه الحمير؟. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله أكرم من أن يخلق شيئا ثم ينكره، إنما هو زريق وصاحبه في تابوت من نار في صورة حمارين، إذا شهقا في النار انزعج أهل النار من شدة صراخهما.

149 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمد بن العباس، عن محمد بن القاسم، بإسناده عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: إذا كان يوم القيامة أخرجت أريكتان من الجنة فبسطتا على شفير جهنم، ثم يجئ علي عليه السلام حتى يقعد عليهما، فإذا قعد ضحك، وإذا ضحك انقلبت جنهم فصار عاليها سافلها، ثم يخرجان فيوقفان بين يديه فيقولان: يا أمير المؤمنين! يا وصي رسول الله (9)! ألا ترحمنا؟! ألا تشفع لنا عند ربك؟!. قال: فيضحك منهما، ثم يقوم فيدخل

الأريكتان ويعادان إلى موضعهما، وذلك قوله عز وجل: * (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) *.

أقول:

روى البخاري في صحيحه في كتاب المغازي بعد باب وفد بني تميم، وفي تفسير سورة الحجرات، والترمذي والنسائي في صحيحهما، وأورده في كتاب جامع الأصول في كتاب تفسير القرآن من حرف الطاء، عن عبد الله ابن الزبير، قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه [وآله]، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك. قال:

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: * (يا أيها الذين آمنوا لا

تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * حتى انقضت.

قال في جامع الأصول: وفي رواية قال ابن أبي مليكة: كاد الخيران يهلكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي صلى الله عليه [وآله] وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي وأشار الآخر بغيره.. ثم ذكر نحوه ونزول الآية، ثم قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث بحديث كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه.

قال: أخرجه البخاري، وأخرج النسائي الرواية الأولى، وأخرج الترمذي قال: إن الأقرع بن حابس قدم على رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فقال أبو بكر: يا رسول الله! استعمله على قومه.. فقال عمر: لا

تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النبي صلى الله عليه [وآله] حتى علت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. فقال: ما أردت خلافك.

قال: فنزلت هذه الآية: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي..) * قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وآله لم يسمع كلامه حتى يستفهمه، وما ذكر ابن الزبير جده - يعني أبا بكر -.

وقال الترمذي: وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلا، ولم يذكر ابن الزبير، وقال: حديث غريب حسن، انتهى حكاية رواياتهم.

ومن تأمل فيها وفي الآيات النازلة في تلك الحال بعين الاعتبار علم أنهما بلغا في سوء الأدب وكشف جلباب الحياء الغاية القصوى، حتى لم يقنعا في الجفاء وترك الاحتشام بأن يروا آرائهما الفاسدة متقدمة على ما يراه الرسول صلى الله عليه وآله، بل زعماها متقدمة على حكم الله سبحانه، كما نطق به نهية تعالى إياهما بقوله: * (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله..) * ثم أمرهما بالتقوى والخشية من الله معللا نهيه وأمره بأن الله سميع عليم، تعريضا بأنهما لسوء الأدب والاقدام على التقدم بين يدي الله ورسوله في كلامهما كأنهما لم يذعنا بأن الله سميع عليم، ثم حذرهما في رفع أصواتهما فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله والجهر له بالقول

كما كان دأب أجلاف العرب وطغامهم في مخاطبة بعضهم بعضا عن حبط الأعمال من حيث لا يشعران، وفيه دلالة على أنهما لم يقتصرا على رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وآله في مخاطبة أحدهما للآخر بل خاطباه بصوت رفيع من دون احترام وتوقير، ثم حصر الممتحنين قلوبهم للتقوى في الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: * (لهم مغفرة وأجر عظيم) * تنبيها على خروجهما عن زمرة هؤلاء.

وقد ظهر لذي فطرة سليمة أن ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر - عند حكايته عن عمر بن الخطاب انتهاؤه عن هذه الوقاحة الشنيعة، مع أن أبا بكر كان جدا له، واهتمامه بتزكيته كان أشد من اعتنائه بشأن عمر بن الخطاب -، دليل على عدم ظهور آثار المتابعة والانقياد عنه كما ظهر عن عمر، فكان أغلظ منه وأخبث باطنا وأقبح سريرة، وليس في الذم والتقبيح أفحش من هذا. ولنعم ما قاله ابن أبي مليكة: من أنه كاد الخيران أن يهلكا، فوالله لقد هلكا وكان الرجل غريقا في نومة الجهل خائضا في غمرات البهت والغفلة، وليت شعري ما حملها على شدة الاهتمام وبذل الجهد في تأمير الأقرع أو القعقاع بحضرة الرسول صلى الله عليه وآله أكان ذلك تشييدا لأركان الدين ومراعاة لمصالح المسلمين؟!، فتقدما بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وآله لظنهما أنهما أعلم من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله بما يصلح شأن الأمة، فخافا من أن يلحقهم ضرر بتأمير من يؤمره الرسول أو لزعمهما أنهما أبر وأرأف بهم من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله،

فلم يرضيا بالسكوت شفقة عليهم ورأفة بهم، أم كان ذلك لأمر دنيوي، يعود نفعه إليهما، فمن رأى نفسه أعلم وأرأف من رب العالمين ومن رسوله الأمين صلى الله عليه وآله الطاهرين، أو رد على الله وعلى رسوله، ولم يرض بقضائهما لغرض فاسد دنيوي، كيف يصلح أن يكون قائدا للأمة طرا وهاديا لهم إلى الرشاد؟! وقد قال سبحانه: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * ولعل الناصرين لأبي بكر وعمر يرون رسول الله صلى الله عليه وآله مجتهدا في كثير من الاحكام كما يرونهما مجتهدين، ويجوزون مخالفته سيما فيما يتعلق بأمر الجيش وترتيب العسكر ولا يلتفتون إلى خلاف الله تعالى في ذلك، حيث جعل التقدم بين يدي رسوله صلى الله عليه وآله تقدما عليه. فقال: * (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله..) *.

فانظر بعين الانصاف في تعصب طائفة من علماء الجمهور وأئمتهم كالرازي والبيضاوي وغيرهما وبذل جهدهم في إخفاء الحق وستر عورات مشايخهم، فقد ذكر الرازي في تفسيره في شأن نزول الآيات عدة وجوه لم يسندها إلى رواية صحيحة أو كتاب معروف، ولم يذكر نزولها في أبي بكر وعمر مع وجوده في صحيح البخاري - الذي يجعلونه تاليا لكتاب الله سبحان، ويرون مؤلفة أوثق الناس وأعد لهم -، وكذا في غيره من صحاحهم كما سبق، فذلك إما لعدم الاطلاع على ما في هذه الكتب، وكفى به شاهدا على جهلهم وقلة إحاطتهم بأخبارهم وأمور دينهم، أو لان سنتهم إخفاء الحق واطفاء نور الله بأفواههم فتعمدوا في ستر ما لا يوافق آراءهم ويستلزم القدح في مشايخهم وأسلافهم، وقد

اعترف في تفسيره بأن رفع الصوت عند أحد والتقدم بين يديه يدل على أنه لا يرى المتكلم للمخاطب وزنا ولا مقدارا، بل جعل لنفسه اعتبارا زائدا وعظمة.

وقال: إن الآية تدل على أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي صلى الله عليه وآله كما يتكلم العبد عند سيده، لان العبد داخل في قوله تعالى:

* (كجهر بعضكم لبعض..) *، واستدل عليه أيضا بقوله تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * قال: والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، فلو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وآله، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقي نفسه في المهلكة لانجاء سيده، ويجب لانجاء النبي صلى الله عليه وآله، وذلك كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لان عند خلل القلب لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الانسان نفسه وترك النبي لهلك هو أيضا بخلاف العبد والسيد. انتهى.

فأين هذا من سيرة الشيخين وترك احترامهما للنبي صلى الله عليه وآله

وتخطئتهما إياه، وتسفيههما رأيه، وتنازعهما بحضرته فيما حسباه أصلح من اختياره؟!.

وأما البيضاوي فقد دلس في هذا المقام تدليسا غريبا، فسكت في تفسير قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا..) * إلى قوله سبحانه * (وأنتم لا تشعرون) * عن ذكر أبي بكر وعمر، ونزول الآيات فيهما، ثم ذكر في تفسير قوله سبحانه: * (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) * أنه قيل: كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما) *.

فانظر كيف صور المنقصة بصورة المنقبة؟! ولبس الحال على الجهال، حتى يتوهموا أنهما مما وصفهم الله في كتابه بامتحان قلوبهم للتقوى، ونزلت الآية فيهم، فقد عرفت - لو أنصفت - من ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر - مع القرابة الخصيصة - عند حكاية الاسرار في الحديث عن عمر أن ما رواه البيضاوي عن قائل مجهول افتراء على أبي بكر، وأما عمر، فهو وإن روى فيه ابن الزبير ذلك إلا أن في حكاية التنازع عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه، ورفع الأصوات عنده، والرد عليه بقوله: حسبنا كتاب الله، ما يفهم منه عدم انتهائه عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والجهر بالقول، ولا يشتبه على ذي فطرة سليمة أن المراد حين نزول الآية ب‍ * (الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) * من كان دأبهم ذلك قبل نزولها، كما أن المراد ب‍ (الذين ينادونه من وراء الحجرات) من ناداه قبل نزول الآية، ولا يخفى أن في قول البيضاوي: كانا بعد ذلك يسرانه.. اعترافا لطيفا بأنه كان

داؤهما قبل ذلك سوء الأدب، وسيرتهما الوقاحة، وقد كان وفود بني تميم والأقرع والقعقاع في أواخر سنة تسع من الهجرة، وكان وفاته صلى الله عليه وآله في صفر سنة إحدى عشرة - على ما ذكره أرباب السير -، فكانا - على تقدير صحة ما ذكره - مصرين على الجفاء وقلة الحياء في مدة مقامه صلى الله عليه وآله بمكة، وقريبا من تسع سنين بعد الهجرة، ولم ينتهيا عنه إلا في سنة وبضع شهور بعد أن وبخهما الله تعالى ورغم أنفهما، مع أن رعاية الأدب في خدمة السيد المطاع القادر على القتل فما دونه، المرجو منه الشفاعة والنجاة في الآخرة - لو كان الايمان به صادقا - أمر لا يخرج عن ربقته إلا رقبة من جبل على طينة السباع من البهائم، فمن كان هذا شأنه كيف يصلح لان يكون مطاعا للأمة كافة؟! وكيف تكون سيرته مع رعيته ومن لا يقدر على الخروج عن طاعته؟! وهل يزجر نفسه ويملكه عند الغضب، وتنقلات الأحوال بحيث يرتكب لا أقل ما ينافي العدالة؟!

ولعمري لا يقول به إلا مباهت مبهوت، ولم ينشأ تعبير عمر لأمير المؤمنين عليه السلام بالدعابة إلا لما يرى من نفسه ومن شيخه من سوء الخلق والزعارة، فظن حسن خلقه عليه السلام، وبشره عند لقاء الناس، ورفقه بهم من قبيل اللهو والدعابة، ثم نسج على منواله عمرو بن العاص كما صرح به عليه السلام في قوله:

عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة...

150 - كتاب نفحات اللاهوت: نقلا من كتاب المثالب لابن شهرآشوب، أن الصادق عليه السلام سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: كانا إمامين قاسطين عادلين، كانا على الحق وماتا عليه، فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فلما خلا المجلس، قال له بعض أصحابه: كيف قلت يا بن رسول الله؟!.

فقال: نعم، أما قولي: كانا إمامين، فهو مأخوذ من قوله تعالى: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) *، وأما قولي قاسطين، فهو من قوله تعالى: * (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) *، وأما قولي عادلين، فهو مأخوذ من قوله تعالى: * (الذين كفروا بربهم يعدلون) *، وأما قولي كانا على الحق، فالحق علي عليه السلام، وقولي : ماتا عليه، المراد أنه لم يتوبا عن تظاهرهما عليه، بل ماتا على ظلمهما إياه، وأما قولي: فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فالمراد به أن رسول الله صلى الله عليه وآله ينتصف له منهما، آخذا من قوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) *.

أقول:

أجاز لي بعض الأفاضل في مكة - زاد الله شرفها - رواية هذا الخبر، وأخبرني أنه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة، وهذه صورته:

151 - حدثنا أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال:

حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام، قال: حدثنا جعفر ابن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، قال: حدثني عبد الرحمن بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن علي الحوار، عن الحسن بن مسكان، عن المفضل بن عمر الجعفي.

عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيب، قال:

لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما ورد نعيه إلى المدينة، وورد الاخبار بجز رأسه وحمله إلى يزيد بن معاوية، وقتل ثمانية عشر من أهل بيته، وثلاث وخمسين رجلا من شيعته، وقتل علي ابنه بين يديه وهو طفل بنشابة، وسبي ذراريه أقيمت المآتم عند أزواج النبي صلى الله عليه وآله في منزل أم سلمة رضي الله عنها، وفي دور المهاجرين والأنصار، قال: فخرج عبد الله بن عمر بن الخطاب صارخا من داره لاطما وجهه شاقا جيبه يقول: يا معشر بني هاشم وقريش والمهاجرين والأنصار! يستحل هذا من رسول الله (ص) في أهله وذريته وأنتم أحياء ترزقون؟! لا قرار دون يزيد، وخرج من المدينة تحت ليله، لا يرد مدينة إلا صرخ فيها واستنفر أهلها على يزيد، وأخباره يكتب بها إلى يزيد، فلم يمر بملا من الناس إلا لعنه وسمع كلامه، وقالوا هذا عبد الله بن عمر ابن خليفة رسول الله (ص) وهو ينكر فعل يزيد بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ويستنفر الناس على يزيد، وإن من لم يجبه لا دين له ولا إسلام، واضطرب الشام بمن فيه، وورد دمشق وأتى باب اللعين يزيد في خلق من الناس يتلونه، فدخل إذن

يزيد إليه فأخبره بوروده ويده على أم رأسه والناس يهرعون إليه قدامه ووراءه، فقال يزيد: فورة من فورات أبي محمد، وعن قليل يفيق منها، فأذن له وحده فدخل صارخا يقول: لا أدخل يا أمير المؤمنين! وقد فعلت بأهل بيت محمد صلى الله عليه وآله ما لو تمكنت الترك والروم ما استحلوا ما استحللت، ولا فعلوا ما فعلت: قم عن هذا البساط حتى يختار المسلمون من هو أحق به منك، فرحب به يزيد وتطاول له وضمه إليه وقال له: يا أبا محمد! أسكن من فورتك، واعقل، وانظر بعينك واسمع بأذنك، ما تقول في أبيك عمر بن الخطاب أكان هاديا مهديا خليفة رسول الله (ص) وناصره ومصاهره بأختك حفصة، والذي قال: لا يعبد الله سرا؟!.

فقال عبد الله: هو كما وصفت، فأي شئ تقول فيه؟.

قال: أبوك قلد أبي أمر الشام أم أبي قلد أباك خلافة رسول الله (ص)؟.

فقال: أبي قلد أباك الشام.

قال: يا أبا محمد! أفترضى به وبعهده إلى أبي أو ما ترضاه؟.

قال: بل أرضى.

قال: أفترضى بأبيك؟.

قال: نعم، فضرب يزيد بيده على يد عبد الله بن عمر وقال له: قم - يا أبا محمد - حتى تقرأ، فقام معه حتى ورد خزانة من خزائنه، فدخلها ودعا بصندوق ففتح واستخرج منه تابوتا مقفلا مختوما فاستخرج منه طومارا لطيفا في خرقة حرير سوداء، فأخذ الطومار بيده ونشره، ثم قال: يا أبا محمد! هذا خط أبيك؟. قال:

اي والله.. فأخذه من يده فقبله، فقال له: اقرأ، فقرأه ابن عمر، فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم إن الذي أكرهنا بالسيف على الاقرار به فأقررنا، والصدور وغرة، والأنفس واجفة، والنيات والبصائر شائكة مما كانت عليه من

جحدنا ما دعانا إليه وأطعناه فيه رفعا لسيوفه عنا، وتكاثره بالحي علينا من اليمن، وتعاضد من سمع به ممن ترك دينه وما كان عليه آباؤه في قريش، فبهبل أقسم والأصنام والأوثان واللات والعزى ما جحدها عمر مذ عبدها! ولا عبد للكعبة ربا! ولا صدق لمحمد صلى الله عليه وآله قولا، ولا ألقى السلام إلا للحيلة عليه وإيقاع البطش به، فإنه قد أتانا بسحر عظيم، وزاد في سحره على سحر بني إسرائيل مع موسى وهارون وداود وسليمان وابن أمه عيسى، ولقد أتانا بكل ما أتوا به من السحر وزاد عليهم ما لو أنهم شهدوه لأقروا له بأنه سيد السحرة، فخذ - يا بن أبي سفيان - سنة قومك واتباع ملتك والفاء بما كان عليه سلفك من جحد هذه البنية التي يقولون إن لها ربا أمرهم بإتيانها والسعي حولها وجعلها لهم قبلة فأقروا بالصلاة والحج الذي جعلوه ركنا، وزعموا أنه لله اختلقوا، فكان ممن أعان محمدا منهم هذا الفارسي الطمطاني: روزبه، وقالوا إنه أوحي إليه: * (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) *، وقولهم: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) *، وجعلوا صلاتهم للحجارة، فما الذي أنكره علينا لولا سحره من عبادتنا للأصنام والأوثان واللات والعزى وهي من الحجارة والخشب والنحاس والفضة والذهب، لا - واللات والعزى - ما وجدنا سببا للخروج عما عندنا وإن سحروا وموهوا، فانظر بعين مبصرة، واسمع بأذن واعية، وتأمل بقلبك وعقلك ما هم فيه، واشكر اللات والعزى واستخلاف السيد الرشيد عتيق بن عبد العزى على أمة محمد وتحكمه في أمواله ودمائهم وشريعتهم وأنفسهم وحلالهم وحرامهم، وجبايات الحقوق التي زعموا أنهم

يجبونها لربهم ليقيموا بها أنصارهم وأعوانهم، فعاش شديدا رشيدا يخضع جهرا ويشتد سرا، ولا يجد حيلة غير معاشرة القوم، ولقد وثبت وثبة على شهاب بني هاشم الثاقب، وقرنها الزاهر، وعلمها الناصر، وعدتها وعددها مسمى بحيدرة المصاهر لمحمد على المرأة التي جعلوها سيدة نساء العالمين يسمونها: فاطمة، حتى أتيت دار علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين وابنتيهما زينب وأم كلثوم، والأمة المدعوة بفضة، ومعي خالد بن وليد وقنفذ مولى أبي بكر ومن صحب من خواصنا، فقرعت الباب عليهم قرعا شديدا، فأجابتني الأمة، فقلت لها: قولي لعلي: دع الأباطيل ولا تلج نفسك إلى طمع الخلافة، فليس الامر لك، الامر لمن اختاره المسلمون واجتمعوا عليه، ورب اللات والعزى لو كان الامر والرأي لأبي بكر لفشل عن الوصول إلى ما وصل إليه من خلافة ابن أبي كبشة، لكني أبديت لها صفحتي، وأظهرت لها بصري، وقلت للحيين - نزار وقحطان - بعد أن قلت لهم ليس الخلافة إلا في قريش، فأطيعوهم ما أطاعوا الله، وإنما قلت ذلك لما سبق من ابن أبي طالب من وثوبه واستيثاره بالدماء التي سفكها في غزوات محمد وقضاء ديونه، وهي - ثمانون ألف درهم - وإنجاز عداته، وجمع القرآن، فقضاها على تليده وطارفه، وقول المهاجرين والأنصار - لما قلت إن الإمامة في قريش - قالوا: هو الأصلع البطين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أخذ رسول الله (ص) البيعة له على أهل ملته، وسلمنا له بإمرة المؤمنين في أربعة مواطن، فإن كنتم نسيتموها - معشر قريش - فما نسيناها وليست البيعة ولا الإمامة والخلافة والوصية ألا حقا مفروضا، وأمرا صحيحا، لا تبرعا ولا ادعاء فكذبناهم، وأقمت أربعين رجلا شهدوا على محمد أن الإمامة بالاختيار.

فعند ذلك قال الأنصار: نحن أحق من قريش، لأنا آوينا ونصرنا وهاجر

الناس إلينا، فإذا كان دفع من كان الامر له فليس هذا الامر لكم دوننا، وقال قوم: منا أمير ومنكم أمير. قلنا لهم: قد شهدوا أربعون رجلا أن الأئمة من قريش، فقبل قوم وأنكر آخرون وتنازعوا، فقلت - والجمع يسمعون -: ألا أكبرنا سنا وأكثرنا لينا. قالوا: فمن تقول؟. قلت: أبو بكر الذي قدمه رسول الله (ص) في الصلاة، وجلس معه في العريش يوم بدر يشاوره ويأخذ برأيه، وكان صاحبه في الغار، وزوج ابنته عائشة التي سماها: أم المؤمنين، فأقبل بنو هاشم يتميزون غيظا، وعاضدهم الزبير وسيفه مشهور وقال: لا يبايع إلا علي أو لا أملك رقبة قائمة سيفي هذا، فقلت: يا زبير! صرختك سكن من بني هاشم، أمك صفية بنت عبد المطلب، فقال: ذلك - والله - الشرف الباذخ والفخر الفاخر، يا بن خنتمة و يا بن صهاك! أسكت لا أم لك، فقال قولا فوثب أربعون رجلا ممن حضر سقيفة بني ساعدة على الزبير، فوالله ما قدرنا على أخذ سيفه من يده حتى وسدناه الأرض، ولم نر له علينا ناصرا، فوثبت إلى أبي بكر فصافحته وعاقدته البيعة وتلاني عثمان بن عفان وسائر من حضر غير الزبير، وقلنا له: بايع أو نقتلك، ثم كففت عنه الناس، فقلت له: أمهلوه، فما غضب إلا نخوة لبني هاشم، وأخذت أبا بكر بيده فأقمته - وهو يرتعد - قد اختلط عقله، فأزعجته إلى منبر محمد إزعاجا، فقال لي: يا أبا حفص! أخاف وثبة علي، فقلت له: إن علينا عنك مشغول، وأعانني على ذلك أبو عبيدة بن الجراح كان يمده بيده إلى المنبر وأنا أزعجه من ورائه كالتيس إلى شفار الجاذر، متهونا، فقام عليه

مدهوشا، فقلت له: اخطب! فأغلق عليه وتثبت فدهش، وتلجلج وغمض، فعضضت على كفي غيظا، وقلت له: قل ما سنح لك، فلم يأت خيرا ولا معروفا، فأردت أن أحطه عن المنبر وأقوم مقامه، فكرهت تكذيب الناس لي بما قلت فيه، وقد سألني الجمهور منهم: كيف قلت من فضله ما قلت؟ ما الذي سمعته من رسول الله (ص) في أبي بكر؟ فقلت: لهم: قد قلت:

سمعت من فضله على لسان رسول الله ما لو وددت أني شعرة في صدره ولي حكاية، فقلت: قل وإلا فأنزل، فتبينها والله في وجهي وعلم أنه لو نزل لرقيت، وقلت ما لا يهتدي إلى قوله، فقال بصوت ضعيف عليل: وليتكم ولست بخيركم وعلي فيكم، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني - وما أراد به سواي - فإذا زللت فقوموني لا أقع في شعوركم وأبشاركم، وأستغفر الله لي ولكم، ونزل فأخذت بيده - وأعين الناس ترمقه - وغمزت يده غمزا، ثم أجلسته وقدمت الناس إلى بيعته وصحبته لأرهبه، وكل من ينكر بيعته ويقول: ما فعل علي بن أبي طالب؟ فأقول: خلعها من عنقه وجعلها طاعة المسلمين قلة خلاف عليهم في اختيارهم، فصار جليس بيته، فبايعوا وهم كارهون، فلما فشت بيعته علمنا أن عليا يحمل فاطمة والحسن والحسين إلى دور المهاجرين والأنصار يذكرهم بيعته علينا في أربعة مواطن،

ويستنفرهم فيعدونه النصرة ليلا ويقعدون عنه نهارا، فأتيت داره مستيشرا لاخراجه منها، فقالت الأمة فضة - وقد قلت لها قولي لعلي: يخرج إلى بيعة أبي بكر فقد اجتمع عليه المسلمون فقالت - إن أمير المؤمنين (ع) مشغول، فقلت: خلي عنك هذا وقولي له يخرج وإلا دخلنا عليه وأخرجناه كرها، فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب، فقالت: أيها الضالون المكذبون! ماذا تقولون؟ وأي شئ تريدون؟. فقلت: يا فاطمة!. فقالت فاطمة: ما تشاء يا عمر؟!. فقلت: ما بال ابن عمك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب؟. فقالت لي:

طغيانك - يا شقي - أخرجني وألزمك الحجة، وكل ضال غوي. فقلت: دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء وقولي لعلي يخرج. فقالت: لا حب ولا كرامة أبحزب الشيطان تخوفني يا عمر؟! وكان حزب الشيطان ضعيفا. فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها نارا على أهل هذا البيت وأحرق من فيه، أو يقاد علي إلى البيعة، وأخذت سوط قنفذ فضربت وقلت لخالد بن الوليد:

أنت ورجالنا هلموا في جمع الحطب، فقلت: إني مضرمها.

فقالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين، فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه فرمته فتصعب علي فضربت كفيها بالسوط فألمها، فسمعت لها زفيرا وبكاء، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب فذكرت أحقاد

علي وولوعه في دماء صناديد العرب، وكيد محمد وسحره، فركلت الباب وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه! يا رسول الله! هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضة! إليك فخذيني فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب ودخلت فأقبلت إلي بوجه أغشى بصري، فصفقت صفقة على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض، وخرج علي، فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار وقلت لخالد وقنفذ ومن معهما: نجوت من أمر عظيم.

وفي رواية أخرى: قد جنيت جناية عظيمة لا آمن على نفسي. وهذا علي قد برز من البيت وما لي ولكم جميعا به طاقة. فخرج علي وقد ضربت يديها إلى ناصيتها لتكشف عنها وتستغيث بالله العظيم ما نزل بها، فأسبل علي عليها ملأتها وقال لها: يا بنت رسول الله! إن الله بعث أباك رحمة للعالمين، وأيم الله لئن كشفت عن ناصيتك سائلة إلى ربك ليهلك هذا الخلق لأجابك حتى لا يبقى على الأرض منهم بشرا، لأنك وأباك أعظم عند الله من نوح (ع) الذي غرق من أجله بالطوفان جميع من على وجه الأرض وتحت السماء إلا من كان في السفينة، وأهلك قوم هود بتكذيبهم له، وأهلك عادا بريح صر صر، وأنت وأبوك أعظم قدرا من هود، وعذب ثمود - وهي اثنا عشر ألفا - بعقر الناقة والفصيل، فكوني - يا سيدة النساء - رحمة على هذا الخلق المنكوس ولا تكوني عذابا، واشتد بها المخاض ودخلت البيت فأسقطت سقطا سماه علي: محسنا، وجمعت جمعا كثيرا، لا مكاثرة لعلي ولكن ليشد بهم قلبي وجئت - وهو محاصر - فاستخرجته من داره

مكرها مغصوبا وسقته إلى البيعة سوقا، وإني لاعلم علما يقينا لا شك فيه لو اجتهدت أنا وجميع من على الأرض جميعا على قهره ما قهرناه، ولكن لهنات كانت في نفسه أعلمها ولا أقولها، فلما انتهيت إلى سقيفة بني ساعة قام أبو بكر ومن بحضرته يستهزؤن بعلي، فقال علي: يا عمر! أتحب أن أعجل لك ما أخرته سواء عنك (3)؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين! فسمعني والله خالد بن الوليد، فأسرع إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: ما لي ولعمر.. ثلاثا، والناس يسمعون، ولما دخل السقيفة صبا أبو بكر إليه، فقلت له: قد بايعت يا أبا الحسن! فانصرف، فأشهد ما بايعه ولا مد يده إليه، وكرهت أن أطالبه بالبيعة فيعجل لي ما أخره عني، وود أبو بكر أنه لم ير عليا في ذلك المكان جزعا وخوفا منه، ورجع علي من السقيفة وسألنا عنه، فقالوا: مضى إلى قبر محمد فجلس إليه، فقمت أنا وأبو بكر إليه، وجئنا نسعى وأبو بكر يقول: ويلك يا عمر! ما الذي صنعت بفاطمة، هذا والله الخسران المبين، فقلت: إن أعظم ما عليك أنه ما بايعنا ولا أثق أن تتثاقل المسلمون عنه. فقال: فما تصنع؟. فقلت: تظهر أنه قد بايعك عند قبر محمد، فأتيناه وقد جعل القبر قبلة، مسندا كفه على تربته وحوله سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان، فجلسنا بإزائه وأوعزت إلى أبي بكر أن يضع يده على مثل ما وضع علي يده ويقربها من يده، ففعل ذلك وأخذت بيده أبي بكر لأمسحها على يده، وأقول قد بايع، فقبض علي يده فقمت أنا وأبو بكر موليا، وأنا أقول: جزا الله عليا خيرا فإنه لم يمنعك البيعة لما حضرت قبر رسول الله

(ص)، فوثب من دون الجماعة أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري وهو يصيح ويقول: والله - يا عدو الله - ما بايع علي عتيقا، ولم يزل كلما لقينا قوما وأقبلنا على قوم نخبرهم ببيعته وأبو ذر يكذبنا، والله ما بايعنا في خلافة أبي بكر ولا في خلافتي ولا يبايع لمن بعدي ولا بايع من أصحابه اثنا عشر رجلا لا لأبي بكر ولا لي، فمن فعل - يا معاوية - فعلي واستشار أحقاده السالفة غيري؟!.

وأما أنت وأبوك أبو سفيان وأخوك عتبة فأعرف ما كان منكم في تكذيب محمد (ص) وكيده، وإدارة الدوائر بمكة وطلبته في جبل حرى لقتله، وتألف الأحزاب وجمعهم عليه، وركوب أبيك الجمل وقد قاد الأحزاب، وقول محمد:

لعن الله الراكب والقائد والسائق، وكان أبوك الراكب وأخوك عتبة القائد وأنت السائق، ولم أنس أمك هندا وقد بذلت لوحشي ما بذلت حتى تكمن لحمزة - الذي دعوه أسد الرحمن في أرضه - وطعنه بالحربة، ففلق فؤاده وشق عنه وأخذ كبده فحمله إلى أمك، فزعم محمد بسحره أنه لما أدخلته فاها لتأكله صار جلمودا فلفظته من فيها، فسماها محمد وأصحابه: آكلة الأكباد، وقولها في شعرها لاعتداء محمد ومقاتليه:

نحن بنات طارق * نمشي على النمارق كالدر في المخانق * والمسك في المافرق

إن يقبلوا نعانق * أو يدبروا نفارق فراق غير وامق ونسوتها في الثياب الصفر المرئية مبديات وجوههن ومعاصمهن ورؤوسهن يحرصن على قتال محمد، انكم لم تسلموا طوعا وإنما أسلمتم كرها يوم فتح مكة فجعلكم طلقاء، وجعل أخي زيدا وعقيلا أخا علي بن أبي طالب والعباس عمهم مثلهم، وكان من أبيك في نفسه، فقال: والله يا بن أبي كبشة! لأملأنها عليك خيلا ورجلا وأحول بينك وبين هذه الأعداء. فقال محمد: ويؤذن للناس أنه علم ما في نفسه أو يكفي الله شرك يا أبا سفيان! وهو يرى الناس أن لا يعلوها أحد غيري، وعلي ومن يليه من أهل بيته فبطل سحره وخاب سعيه، وعلاها أبو بكر وعلوتها بعده وأرجوا أن تكونوا معاشر بني أمية عيدان أطنابها، فمن ذلك قد وليتك وقلدتك إباحة ملكها وعرفتك فيها وخالفت قوله فيكم، وما أبالي من تأليف شعره ونثره، أنه قال: يوحى إلي منزل من ربي في قوله: * (والشجرة الملعونة في القرآن) * فزعم أنها أنتم يا بني أمية، فبين عداوته حيث ملك كما لم يزل هاشم وبنوه أعداء بني عبد شمس، وأنا - مع تذكيري إياك يا معاوية! وشرحي لك ما قد شرحته - ناصح لك ومشفق عليك من ضيق عطنك وحرج صدرك، وقلة حلمك، أن تعجل فيما وصيتك به ومكنتك منه من شريعة محمد (ص) وأمته أن تبدي لهم مطالبته بطعن أو شماتة بموت أو ردا عليه فيما أتى به، أو استصغارا لما أتى به فتكون من الهالكين، فتخفض ما رفعت وتهدم ما بنيت، واحذر كل

الحذر حيث دخلت على محمد مسجده ومنبره وصدق محمدا في كل ما أتى به وأورده ظاهرا، وأظهر التحرز والواقعة في رعيتك، وأوسعهم حلما، وأعمهم بروايح العطايا، وعليك بإقامة الحدود فيهم وتضعيف الجناية منهم لسببا محمد من مالك ورزقك ولا ترهم أنك تدع لله حقا ولا تنقض فرضا ولا تغير لمحمد سنة فتفصد علينا الأمة، بدل خذهم من مأمنهم، واقتلهم بأيديهم، وأبدهم بسيوفهم وتطاولهم ولا تناجزهم، ولن لهم ولا تبخس عليهم، وافسح لهم في مجلسك، وشرقهم في مقعدك، وتوصل إلى قتلهم برئيسهم، وأظهر البشر والبشاشة بل أكظم غيظك واعف عنهم يحبوك ويطيعوك، فما آمن علينا وعليك ثورة علي وشبليه الحسن والحسين، فإن أمكنك في عدة من الأمة فبادر ولا تقنع بصغار الأمور، واقصد بعظيمها واحفظ وصيتي إليك وعهدي واخفه ولا تبده، وامتثل أمري ونهيي وانهض بطاعتي، وإياك والخلاف علي، واسلك طريق أسلافك، واطلب بثارك، واقتص آثارهم، فقد أخرجت إليك بسري وجهري، وشفعت هذا بقولي:

معاوي إن القوم جلت أمورهم * بدعوة من عم البرية بالوتري صبوت إلى دين لهم فأرابني * فابعد بدين قد قصمت به ظهري وأن أنس لا أنس الوليد وشيبة وعتبة والعاص السريع لدى بدر وتحت شغاف القلب لدغ لفقدهم * أبو حكم أعني الضيئل من الفقري

أولئك فاطلب - يا معاوي - ثارهم * بنصل سيوف الهند والأسل السمري وصل برجال الشام في معشرهم * هم الأسد والباقون في أكم الوعري توسل إلى التخليط في الملة التي * أتانا به الماضي المسموه بالسحري وطالب بأحقاد مضت لك مظهرا * لعلة دين عم كل بني النضر فلست تنال الثار إلا بدينهم * فتقتل بسيف القوم جيد بني عمري لهذا لقد وليتك الشام راجيا * وأنت جدير أن تؤول إلى صخري قال: فلما قرأ عبد الله بن عمر هذا العهد، قام إلى يزيد فقبل رأسه، وقال:

الحمد لله - يا أمير المؤمنين! - على قتلك الشاري ابن الشاري، والله ما أخرج أبي إلي بما أخرج إلى أبيك، والله لا رآني أحد من رهط محمد بحيث يحب ويرضى، فأحسن جائزته وبره، ورده مكرما.

فخرج عبد الله بن عمر من عنده ضاحكا، فقال له الناس: ما قال لك؟.

قال: قولا صادقا لوددت أني كنت مشاركه فيه، وسار راجعا إلى المدينة، وكان جوابه لمن يلقاه هذا الجواب.

ويروى أنه أخرج يزيد لعنه الله إلى عبد الله بن عمر كتابا فيه عهد عثمان بن عفان فيه أغلظ من هذا وأدهى وأعظم من العهد الذي كتبه عمر لمعاوية، فلما

قرأ عبد الله العهد الآخر قام فقبل رأست يزيد لعنهما الله، وقال: الحمد لله على قتلك الشاري ابن الشاري، واعلم أن والدي عمر أخرج إلي من سره بمثل هذا الذي أخرج إلى أبيك معاوية، ولا أرى أحدا من رهط محمد وأهله وشيعته بعد يومي هذا إلا غير منطو لهم على خير أبدا. فقال يزيد: أفيه شرح الخفا يا بن عمر؟. والحمد لله وحده وصلى الله على وآله، قال ابن عباس: أظهروا الايمان وأسروا الكفر، فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه.

بيان:

لم أجد الرواية بغير هذا السند، وفيها غرائب.

والشائكة من الشوك.. يقال: شجرة شائكة.. أي ذات شوك، أي كانت البصائر والنيات غير خالصة مما يختلج بالبال من الشكوك والشبهات.

ورجل طمطماني - بالضم - في لسانه عجمة.

وقال الجوهري: فلان واسع العطن والبلد: إذا كان رحب الذراع.

152 - كتاب سليم بن قيس: عن أبان، قال: قال سليم: كتب أبو المختار بن أبي الصعق إلى عمر هذه الأبيات:

أبلغ أمير المؤمنين رسالة * فأنت أمير الله في المال والامر وأنت أمين الله فينا ومن يكن * أمينا لرب الناس يسلم له صدري فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى * يخونون مال الله في الادم والخمر وأرسل إلى النعمان وابن معقل * وأرسل إلى حزم وأرسل إلى بشر وأرسل إلى الحجاج واعلم حسابه * و ذاك الذي في السوق مولى بني بدر ولا تنسين التابعين كليهما * وصهر بني غذوان في القوم ذا وفر وما عاصم فيها بصفر عيابة * ولا ابن غلاب من رماة بني نصر واستل ذاك المال دون ابن محرز * وقد كان منه في الرساتيق ذا وفر فأرسل إليهم يخبروك ويصدقوا * أحاديث هذا المال من كان ذا فكر وقاسمهم - أهلي فداؤك - أنهم * سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر ولا تدعوني للشهادة إنني * أغيب ولكني أرى عجب الدهر إراء الخيل كالجدران والبيض كالدمى * وخطية في عدة النمل والقطر ومن ريطة مطوية في قرابها * ومن طي أبراد مضاعفة صفر

إذا التاجر الداري جاء بفأرة * من المسك راحت في مفارقهم تجري فقال ابن غلاب المصري:

ألا أبلغ أبا المختار أني اتيته * ولم أك ذا قربى لديه ولا صهر وما كان عندي من تراث ورثته * ولا صدقات من سبا ولا غدر ولكن دراك الركض في كل غارة * وصبري إذا ما لموت كان ورى السمري بسابغة يغشى اللبان فضولها أكفكفها عني بأبيض ذي وقر قال سليم: فأغرم عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عماله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار، ولم يغرم قنفذ العدوي شيئا - وقد كان من عماله - ورد عليه ما أخذ منه - وهو عشرون ألف درهم - ولم يأخذ منه عشره ولا نصف عشره، وكان من عماله الذين أغرموا أبو هريرة على البحرين فأحصي ماله فبلغ أربعة وعشرين ألفا، فأغرمه اثني عشر ألفا.

فقال أبان: قال سليم: فلقيت عليا صلوات الله عليه وآله فسألته عما صنع عمر؟ فقال: هل تدري لم كف عن قنفذ ولم يغرمه شيئا؟!. قلت: لا.

قال: لأنه هو الذي ضرب فاطمة صلوات الله عليها بالسوط حين جاءت لتحول

بيني وبينهم فماتت صلوات الله عليهما، وإن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج.

قال أبان: قال سليم: انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ليس فيها إلا هاشمي غير سلمان وأبي ذر والمقداد ومحمد بن أبي بكر وعمر ابن أبي سلمة وقيس بن سعد بن عبادة، فقال العباس لعلي عليه السلام: ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذا كما غرم جميع عماله؟. فنظر علي عليه السلام إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة عليهما السلام بالسوط فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج.

ثم قال (ع): العجب مما أشربت قلوب هذه الأمة من حب هذا الرجل وصاحبة من قبله، والتسليم له في كل شئ أحدثه.

لئن كان عماله خونة وكان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حل له تركه؟!، وكان له أن يأخذه كله، فإنه فئ للمسلمين، فما باله يأخذ نصفه ويترك نصفه.

ولئن كانوا غير خونة فما حل له أن يأخذ أموالهم ولا شيئا منها قليلا ولا كثيرا وإنما أخذ أنصافها.

ولو كانت في أيديهم خيانة، ثم لم يقروا بها ولم تقم عليهم البينة ما حل له أن يأخذ منهم قليلا ولا كثير.

وأعجب من ذلك أعادته إياهم إلى أعمالهم، لئن كانوا خونة ما حل له أن يستعملهم، ولئن كانوا غير خونة ما حلت له أموالهم، ثم أقبل علي (ع) على القوم فقال: العجب لقوم يرون سنة نبيهم تتبدل وتتغير شيئا شيئا وبابا بابا ثم يرضون ولا ينكرون، بل يغضبون له ويعتبون على من عاب عليه وأنكره، ثم يجئ قوم

بعدنا فيتبعون بدعته وجوره وأحداثه ويتخذون احداثه سنة ودينا يتقربون بهما إلى الله في مثل تحويله مقام إبراهيم من الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الموضع الذي كان فيه في الجاهلية الذي حوله منه رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي تغييره صاع رسول الله صلى الله عليه وآله ومده، وفيهما فريضة وسنة، فما كان زيادته إلا سوء، لان المساكين في كفارة اليمين والظهار بهما يعطون وما يجب في الزرع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا، لا يحولون بينه وبين ذلك، لكنهم رضوا وقبلوا ما صنع، وقبضه وصاحبه فدك - وهي في يدي فاطمة عليها السلام مقبوضة، قد أكلت غلتها على عهد النبي صلى الله عليه وآله - فسألها البينة على ما في يدها، ولم يصدقها ولا صدق أم أيمن، وهو يعلم يقينا - كما نعلم - أنها في يدها، ولم يحل له أن يسألها البينة على ما في يدها، ولا أن يتهمها، ثم استحسن الناس ذلك وحمدوه وقالوا:

إنما حمله على ذلك الورع والفضل، ثم حسن قبح فعلهما أن عدلا عنها فقالا - بالظن -: إن فاطمة لن تقول إلا حقا، وإن عليا لم يشهد إلا بحق، ولو كانت مع أم أيمن امرأة أخرى أمضينا لها، فخطبا بذلك عند الجهال، و ما لهما ومن أمرهما أن يكونا حاكمين فيعطيان أو يمنعان، ولكن الأمة ابتلوا بهما فأدخلا

نفسهما فيما لا حق لهما فيه ولا علم لهما فيه، وقد قالت فاطمة عليها السلام - حين أراد انتزاعها منها، وهي في يدها -: أليست في يدي وفيها وكيلي، وقد أكلت غلتها ورسول الله صلى الله عليه وآله حي؟!. قالا: بلى. قالت: فلم تسألاني البينة على ما في يدي؟. قالا: لأنها فئ للمسلمين، فإن قامت بينة وإلا لم نمضها. فقالت لهما - والناس حولهما يسمعون -: أفتريدان أن تردا ما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحكما فينا خاصة بما لم تحكما في سائر المسلمين؟! أيها الناس! اسمعوا ما ركباها. قلت: أرأيتما إن ادعيت ما في أيدي المسلمين من أموالهم تسألوني البينة أم تسألونهم؟. قالا: لا، بل نسألك. قلت: فإن ادعى جميع المسلمين ما في يدي تسألونهم البينة أم تسألوني (11)؟. فغضب عمر، وقال: إن هذا فئ المسلمين وأرضهم وهي في يدي فاطمة (ع) تأكل غلتها، فإن أقامت بينة على ما ادعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وهبها لها من بين المسلمين وهي فيئهم وحقهم نظرنا في ذلك.

فقال: أنشدكم بالله أما سمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

إن ابنتي سيدة نساء أهل الجنة؟. قالوا: اللهم نعم، قد سمعناها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قالت: أفسيدة نساء أهل الجنة تدعي الباطل وتأخذ ما ليس لها؟! أرأيتم لو أن أربعة شهدوا علي بفاحشة أو رجلان بسرقة أكنتم مصدقين على؟!. فأما أبو بكر فسكت، وأما عمر فقال: ونوقع عليك الحد. فقالت: كذبت ولؤمت، إلا أن تقر أنك لست على دين محمد صلى الله عليه وآله، إن الذي يجيز على سيدة نساء أهل الجنة شهادة أو يقيم عليها حدا لملعون كافر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله، إن من أذهب الله عنهم الرجس أهل البيت وطهرهم تطهيرا، لا يجوز عليهم شهادة، لأنهم معصومون من كل سوء، مطهرون من كل فاحشة، حدثني عن أهل هذه الآية، لو أن قوما شهدوا عليهم أو على أحد منه بشرك أو كفر أو فاحشة كان المسلمون يتبرؤن منهم ويحدونهم؟. قال: نعم، وما هم وسائر الناس في ذلك إلا سواء. قالت: كذبت وكفرت، لان الله عصمهم وأنزل عصمتهم وتطهيرهم وأذهب عنهم الرجس، فمن صدق عليهم يكذب الله ورسوله.

فقال أبو بكر: أقسمت عليك - يا عمر - لما سكت، فلما أن كان الليل أرسل إلى خالد بن الوليد، فقال إنا نريد أن نسر إليك أمرا ونحملك

عليه. فقال: إحملاني على ما شئتما فإني طوع أيديكما. فقالا له: إنه لا ينفعنا ما نحن فيه من الملك والسلطان ما دام علي حيا، أما سمعت ما قال لنا وما استقبلنا به، ونحن لا نأمنه أن يدعوا في السر فيستجيب له قوم فيناهضنا فإنه أشجع العرب، وقد ارتكبنا منهم ما رأيت وغلبناه على ملك ابن عمه ولا حق لنا فيه، وانتزعنا فدك من امرأته، فإذا صليت بالناس الغداة، فقم إلى جانبه وليكن سيفك معك، فإذا صليت وسلمت فاضرب عنقه.

فقال: صلى خالد بن الوليد بجنبي متقلد السيف، فقام أبو بكر في الصلاة فجعل يوامر نفسه وندم وأسقط في يده حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: - قبل أن يسلم - لا تفعل يا خالد ما أمرتك، ثم سلم، فقلت لخالد:

ما ذاك؟. قال: قد كان أمرني إذا سلم أضرب عنقك. قلت: أو كنت فاعلا؟!. قال: اي وربي إذا لفعلت.

قال سليم: ثم أقبل (ع) على العباس ومن حوله ثم قال: ألا تعجبون من حبسه وحبس صاحبه عنا سهم ذي القربى الذي فرضه الله لنا في القرآن، وقد علم الله أنهم سيظلمونا وينتزعونه منا، فقال: * (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا

على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) * (1)؟!.

والعجب لهدمه منزل أخي جعفر وإلحاقه في المسجد، ولم يعط بنيه من ثمنه قليلا ولا كثيرا، ثم لم يعب ذلك عليه الناس ولم يغيروه، فكأنما أخذ منزل رجل من الديلم - وفي رواية أخرى: دار رجل من ترك كابل -.

والعجب لجهله وجهل الأمة أنه كتب إلى جميع عماله: إن الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصلي وليس له أن يتيمم بالصعيد حتى يجد الماء، وإن لم يجده حتى يلقى الله - وفي رواية أخرى: وإن لم يجده سنة - ثم قبل الناس منه ورضوا به، وقد علم وعلم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر عمارا وأمر أبا ذر أن يتيمما من الجنابة ويصليا وشهدا به عنده وغيرهما فلم يقبل ذلك ولم يرفع به رأسا.

والجعب لما قد خلط قضايا مختلفة في الجد بغير علم تعسفا وجهلا، وادعائهما ما لم يعلما جرأة على الله وقلة ورع، ادعيا أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات ولم يقض في الجد شيئا منه، ولم يدع أحدا يعلم ما للجد من الميراث، ثم تابعوهما على ذلك وصدقوهما.

وعتقه أمهات الأولاد، فأخذ الناس بقوله وتركوا أمر الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله.

وما صنع بنصر بن حجاج وبجعد بن سليم وبابن وتره.

وأعجب من ذلك أن أبا كيف العبدي أتاه، فقال: إني طلقت امرأتي - وأنا غائب - فوصل إليها الطلاق ثم راجعتها وهي في عدتها، وكتبت إليها فلم يصل الكتاب إليها حتى تزوجت، فكتب له: إن كان هذا الذي تزوجها دخل بها فهي امرأته وإن كان لم يدخل بها فهي امرأتك، وكتب له ذلك وأنا شاهد، ولم يشاورني ولم يسألني، يرى استغناءه بعلمه عني، فأردت أن أنهاه ثم قلت: ما أبالي أن يفضحه الله ثم لم تعبه الناس بل استحسنوه واتخذوه سنة وقبلوه عنه، ورأوه صوابا، وذلك قضاء ولا يقضي به مجنون.

ثم تركه من الاذان (حي على خير العمل) فاتخذوه سنة وتابعوه على ذلك.

وقضيته في المفقود أن أجل امرأته أربع سنين ثم تتزوج فإن جاء زوجها خير بين امرأته وبين الصداق، فاستحسنه الناس واتخذوه سنة وقبلوه عنه جهلا وقلة علم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

وإخراجه من المدينة كل أعمى، وإرساله إلى عماله بالبصرة خمسة

أشبار، وقوله من أخذتموه من الأعاجم فبلغ طول هذا الحبل فاضربوا عنقه!.

ورده سبايا تستر، وهن حبالى.

وإرساله بحبل من صبيان سرقوا بالبصرة، وقوله من بلغ طول هذا الحبل فاقطعوه.

وأعجب من ذلك أن كذابا رجم بكذابة فقبلها وقبلها الجهال، فزعموا أن الملك ينطق على لسانه ويلقنه.

وإعتاقه سبايا أهل اليمن.

وتخلفه وصاحبه عن جيش أسامة بن زيد مع تسليمهما عليه بالامرة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.