بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۳۱، ص ۱۶–۷۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲۰ از ۲۲
اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف جريب، ثم ضرب على كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى الكرم ثمانية دراهم، وعلى جريب الشجر والرطبة ستة دراهم، وعلى الحنطة أربعة دراهم، وعلى الشعير درهمين، ثم كتب بذلك الا عمر فأمضاه.
وروي أن ارتفاعهما كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان زمن الحجاج إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنة، وفي الثانية بلغ ستين ألف ألف درهم، فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر، فمات في تلك السنة، فلما أفضي الامر إلى أمير المؤمنين (ع) أمضى ذلك، لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما يجب عنده فيه.
قال الشيخ - رحمة الله -: والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يخرج خمسها لأرباب الخمس وأربعة الأخماس الباقية تكون للمسلمين قاطبة، الغانمون وغيرهم سواء في ذلك، ويكون للامام النظر فيها ويقبلها ويضمنها بما شاء ويأخذ ارتفاعهما ويصرفه في مصالح المسلمين وما
ينوبهم من سد الثغور وتقوية المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من المصالح، وليس للغانمين في هذه الأرضين على وجه التخصيص شئ، بل هم والمسلمون فيه سواء، ولا يصح بيع شئ من هذه الأرضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تملكه ولا وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه، ولا يصح أن يبنى دورا ومنازل ومساجد وسقايات ولاغير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك، ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الأصل.
ثم قال رحمه الله: وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقه عزت بغير أمر الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصة، تكون هذه الأرضون وغيرها مما فتحت بعد الرسول صلى الله عليه وآله إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين عليه السلام إن صح شئ من ذلك للامام خاصة، وتكون من جمله الأنفال التي له خاصة لا يشركه فيها غيره. انتهى كلامه رفع الله مقامه.
أقول: فالبدعة فيه من وجوه:
أحدها: منع أرباب الخمس حقهم، وهو مخالف لصريح آية الخمس وللسنة أيضا، حيث ذكر ابن أبي الحديد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم خيبر وصيرها غنيمة وأخرج خمسها لأهل الخمس.
وكان الباعث على ذلك إضعاف جانب بني هاشم، والحذر من أن يميل الناس إليهم لنيل الحطام فينتقل إليهم الخلافة فينهدم ما أسسوه يوم السقيفة وشيدوه بكتابة الصحيفة.
وثانيها: منع الغانمين حقوهم من أرض الخراج وجعلها موقوفة على مصالح المسلمين، وهذا إلزامي عليهم لما اعترفوا به من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم الأرض المفتوحة عنوة بين الغانمين، وبه أفتى الشافعي وأنس بن مالك والزبير وبلال كما ذكره المخالفون.
وما ذكروه من أنه عوض الغانمين ووقفها فهو دعوى بلا ثبت، بل يظهر من كلام الأكثر خلافه، كما يستفاد من كلام ابن أبي الحديد وغيره.
وثالثها: أن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وفي الأراضي المفتوحة عنوة كانت أخذ حصته عليه السلام من غلتها دون الدراهم المعينة، وسيأتي بعض القول في ذلك في باب العلة التي لم يغير عليه السلام بعض البدع في زمانه.
ومنها: أنه زاد الجزية عما قررها رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو حرام على مذهب فقهائهم الأربعة إلا احمد في رواية.
ومنها تغريب نصر بن الحجاج وأبي ذويب من غير ذنب من المدينة، فقد روى أن أبي الحديد في شرح النهج، عن محمد بن سعيد، قال: بينا عمر يطوف في بعض سكك المدينة إذا سمع امرأة تهتف من خدرها:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم له سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل * سهل المحيا كريم غير ملجاج تمنيه أعراق صدق حين تنسبه * أخي قداح عن المكروب فياج سامي النواظر من بهر له قدم * يضئ صورته في الحالك الداجي فقال: ألا لا أرى معي رجلا تهتف به العواتق في خدورهن! علي بنصر بن حجاج، فأتي به، وإذا هو أحسن الناس وجها وعينا وشعرا، فأمر بشعره فجز، فخرجت له وجنتان كأنهما قمر، فأمره أن يعتم فاعتم، ففتن النساء بعينيه، فقال عمر: لا والله لا تساكنني بأرض أنا بها. فقال: ولم يا أمير المؤمنين؟!. قال: هو ما أقول لك، فسيره إلى البصرة.
وخافت المرأة التي تسمع عمر منها ما سمع أن يبدر إليها منه شئ،
فدست إليه أبياتا:
قل للأمير الذي يخشى بوادره * مالي وللخمر أو نصر بن حجاج إني بليت أبا حفص بغيرهما * شرب الحليب وطرف فاتر ساجي لا تجعل الظن حقا أو تبينه * إن السبيل سبيل الخائف الراجي ما منية قلتها عرضا بضائرة * والناس من هالك قدما ومن ناجي إن الهوى رمية التقوى فقيده * حفظي أقر بألجام وأسراجي فبكى عمر، وقال: الحمد لله الذي قيد الهوى بالتقوى.
وكان لنصر أم فأتى عليه حين واشتد عليها غيبة ابنها، فتعرضت لعمر بين الأذان والإقامة، فقعدت له على الطريق، فلما خرج يريد الصلاة هتفت به وقالت: يا أمير المؤمنين! لأجاثينك غدا بين يدي الله عز وجل ، ولأخاصمنك إليه، أجلست عاصما وعبد الله إلى جانبيك وبيني وبين ابني الفيافي والقفار المفاوز والأميال (5)؟!. قال: من هذه؟. قيل: أم نصر بن الحجاج. فقال لها:
يا أم نصر! إن عاصما وعبد الله لم يهتف بهما العواتق من وراء الخدور.
قال: وروى عبد الله بن يزيد، قال: بينا عمر يعس ذات ليلة إذ انتهى إلى باب مجاف وامرأة تغني بشعر:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها * أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج .. وذكر نحو ما مر.
ثم روى عن الأصمعي.. أن نصر بن الحجاج كتب إلى عمر كتابا هذه صورته: لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصر بن حجاج: سلام عليك، أما بعد، يا أمير المؤمنين!
لعمري لئن سيرتني أو حرمتني * لما نلت من عرضي عليك حرام أئن غنت الذلفاء يوما بمنية * وبعض أماني النساء غرام ظننت بي الظن الذي ليس بعده * بقاء فما لي في الندي كلام وأصبحت منفيا على غير ريبة * وقد كان لي بالمكتين مقام سيمنعني عما تظن تكرمي * وآباء صدق صالحون كرام
ويمنعها مما تمنت صلاتها * وحال لها في دينها وصيام فهاتان حالانا فهل أنت راجع * فقد جب مني كاهل وسنام فقال عمر: أما ولي إمارة فلا، واقطعه أرضا بالبصرة ودارا، فلما قتل عمر ركب راحلته ولحق بالمدينة.
قال: وروى عبد الله بن يزيد: أن عمر خرج ليلة يعس فإذا نسوة يتحدثن، وإذا هن يقلن: أي فتيان المدينة أصبح؟. فقالت امرأة منهن: أبو ذؤيب والله، فلما أصبح عمر سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، وإذا هو ابن عم نصر بن حجاج، فأتي إليه، فحضر، فإذا هو أجمل الناس وأملحهم، فلما نظر إليه قال: أنت والله ذئبهن! - ويكررها ويرددها - لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا. فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت لابد مسيري فسيرني حيث سيرت ابن عمي نصر بن الحجاج، فأمر بتسييره إلى بصرة، فأشخص إليها.
انتهى ما حكاه ابن أبي الحديد.
وقد روى قصة نصر بن حجاج جل أرباب السير، وربما عد أحباء عمر
ذلك من حسن سياسته.
ووجه البدعة فيه ظاهر، فإن إخراج نصر من المدينة وتغريبه ونفيه عن وطنه بمجرد أن امرأة غنت بما يدل على هواها فيه ورغبتها إليه مخالف لضرورة الدين، لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ولا ريب في أن التغريب تعذيب عنيف وعقوبة عظيمة، ولم يجعل الله تعالى في دين من الأديان حسن الوجه ولا قبحه منشأ لاستحقاق العذاب لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد كان يمكنه دفع ما زعمه مفسدة من افتتان النساء به بأمر أخف من التغريب وإن كان بدعة أيضا، وهو أن يأمره بالحجاب وستر وجهه عن النساء أو مطلقا حتى لا يفتنن به أحد.
ثم ليت شعري ما الفائدة في تسيير نصر إلى البصرة، فهل كانت نساء البصرة أعف وأتقى من نساء المدينة، مع أنها (مهبط إبليس ومغرس الفتنة) (4)؟!.
اللهم إلا أن يقال: لما كانت المدينة يومئذ مستقر سلطنة عمر كان القاطنون بها أقرب إلى الضلال ممن نشأ في مغرس الفتنة، وقد حمل أصحابنا على ما يناسب هذا المقام ما روي في فضائل عمر: ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك، وكأنه المصداق لما قيل:
وكنت امرء من جند إبليس فارتقت * بي الحال حتى صار إبليس من جندي وهذه البدعة من فروع بدعة أخرى له عدوها من فضائله، قالوا: هو أول من عس في عمله بنفسه، وهي مخالفة للنهي الصريح في قوله تعالى: (ولا
تجسسوا...).
ومنها: بدعة الطلاق، روى في جامع الأصول، عن طاووس، قال: إن أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟. قال ابن عباس: بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما أن رأى الناس قد تتابعوا عليها قال:
أجيزوهن عليهم.
وفي رواية مسلم: إن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر واحدة؟. فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق
فأجازه عليهم.
وفي رواية عنه: أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم.. فأمضاه عليهم.
وفي أخري: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كان الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟. فقال ابن عباس: نعم.
وأخرج أبو داود أيضا، والنسائي هذه الرواية الأخيرة. انتهى كلام جامع الأصول.
ووجه البدعة في جعل الواحدة ثلاثا واضح، وسيأتي تفصيل أحكام تلك
المسألة في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى.
ومنها تحويل المقام عن موضعه، كما ورد في كثير من أخبارنا، وقال ابن أبي الحديد: قال المؤرخون: إن عمر أول من سن قيام شهر رمضان في جماعة وكتب به إلى البلدان، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأحرق بيت رويشد الثقفي - وكان نباذا - وأول من عس في عمله بنفسه، وأول من حمل الدرة وأدب بها -، وقيل بعده: كان درة عمر أهيب من سيف الحجاج -.
وأول من قاسم العمال وشاطرهم أموالهم، وهو الذي هدم مسجد رسول الله
صلى الله عليه وآله وزاد فيه، وأدخل دار العباس فيما زاد، وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت.. إلى آخر ما ذكره.
وقد أشار إلى تحويل المقام صاحب الكشاف، قال: إن عمر سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأول؟. نعم، فأراه موضعه اليوم.
وروى ثقة الاسلام في الكافي، بإسناده عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أدركت الحسين صلوات الله عليه؟. قال: نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج يقول: قد ذهب به، ويخرج منه الخارج فيقول: هو مكانه، قال فقال لي: يا فلان! ما صنع هؤلاء؟. فقلت له: أصلحك الله! يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام. فقال: ناد: إن الله قد جعله علما لم يكن ليذهب به فاستقروا، وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام عند جدار البيت، فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة رده إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم عليه السلام، فلم يزل
هناك إلى أن ولي عمر بن الخطاب، فسأل الناس: من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟. فقال رجل: أنا، قد كنت أخذت مقداره بنسع فهو عندي، فقال: تأتيني به، فأتاه به فقاسه ثم رده إلى ذلك المكان.
ومنها: تغيير الجزية عن النصارى، فقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن بني تغلب من نصارى العرب أنفوا واستنكفوا من قبول الجزية وسألوا عمر أن يعفيهم عن الجزية ويؤدوا الزكاة مضاعفا، فخشي أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن صرف ذلك عن رؤوسهم وضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك.
وقال البغوي في شرح السنة: روي أن عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، ولكن خذ مناكما يأخذ بعضكم من بعض - يعنون الصدقة -. فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين.
قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على أن ضعف عليهم الصدقة. انتهى.
فهؤلاء ليسوا بأهل ذمة لمنع الجزية، وقد جعل الله الجزية على أهل الذمة
ليكونوا أذلاء صاغرين، وليس في أحد من الزكاة صغار وذل، فكان عليه أن يقاتلهم ويسبي ذراريهم لو أصروا على الاستنكاف والاستكبار.
ومنها: ما روي أن عمر أطلق تزويج قريش في سائر العجم، ومنع العرب من التزويج في قريش، ومنع العجم من التزويج في العرب 1.
فأنزل العرب مع قريش ، والعجم مع العرب مع العرب منزلة اليهود والنصارى، إذ أطلق تعالى للمسلمين التزويج في أهل الكتاب، ولم يطلق تزويج أهل الكتاب في المسلمين 2.
وقد زوج 3 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب من المقداد بن الأسود الكندي - وكان مولى لبني كندة - ثم قال: أتعلمون لم زوجت ضباعة بنت عمي من المقداد؟. قالوا: لا. قال: ليتضع النكاح فيناله كل مسلم، ولتعلموا ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، فهذه سنة، وقد قال رسول
الله صلى الله عليه وآله: من رغب عن سنتي فليس مني 1.
وقيل 2 لأمير المؤمنين عليه السلام: أتزوج 3 الموالي بالعربيات؟!. فقال:
تتكافأ دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم؟!.
وقال سبحانه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ 4، وقال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقيكم﴾.
ومنها: المسح على الخفين، كما رواه الشيخ في التهذيب، بإسناده عن رقبة بن مصقلة، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فسألته عن أشياء، فقال: إني أراك ممن يفتي في مسجد العراق؟. فقلت: نعم. قال: فقال لي: من أنت؟. فقلت: ابن عم لصعصعة. فقال: مرحبا بك يا ابن عم صعصعة. فقلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟. فقال: كان عمر يراه ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولا حضر، فلما خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب، فقال لي: أقبل يا ابن عم صعصعة، فأقبلت عليه، فقال: إن
القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطؤون ويصيبون، وكان أبي لا يقول برأيه.
وبإسناده، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول:
جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وفيهم علي عليه السلام، وقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟. فقام المغيرة بن شعبة، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح على الخفين. فقال علي عليه السلام: قبل (المائدة) أو بعدها؟. فقال: لا أدري. فقال علي عليه السلام: سبق الكتاب الخفين ، إنما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة.
أقول: لعل الترديد من الراوي، أو لكون ذلك مما اختلفوا فيه، فتردد عليه السلام إلزاما على الفريقين.
ومخالفة هذه الرأي للقرآن واضح، فإن الخف ليس بالرجل الذي أمر الله بمسحه، كم أن (الكم) ليس باليد، والنقاب ليس بالوجه، ولو غسلهما أحد لم يكن آتيا بالمأمور به، كما أشار عليه السلام إليه بقوله: سبق الكتاب الخفين.
وقد ورد المنع من المسح على الخفين في كثير من أخبارهم، فعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره.
وروي عنها، أنها قالت: لان أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على خفي.
وعنها، قالت: لان يقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين.
ورووا المنع منه، عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وغيرهما، وسيأتي بعض القول فيه في محله.
ومنها: نقص تكبير من الصلاة على الجنائز وجعلها أربعا، قال: ابن حزم في كتاب المحلى: واحتج من منع أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال: جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقالوا: كبر النبي صلى الله عليه وآله سبعا وخمسا وأربعا، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات.
وهو خلاف ما فعله رسول الله (ص)، كما رواه مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، فسألته، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يكبرها.
ورواه في جامع الأصول، عن مسلم والنسائي وأبي داود والترمذي، وقال: وفي رواية النسائي: أن زيد بن أرقم صلى على جنازة فكبر عليها خمسا وقال: كبرها رسول الله صلى الله عليه [وآله].
وروى ابن شيرويه في الفردوس أن النبي صلى الله عليه [وآله] كان يصلي على الميت خمس تكبيرات.
فالروايات - كما ترى - صريحة في أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكبر خمس تكبيرات، وظاهر (كان) الدوام، ولو سلم أنه قد كان يكبر أربعا فلا ريب
في جواز الخمس، فالمنع من الزيادة على الأربع من أسوء البدع.
ومنها: ما رواه مالك في الموطأ وحكاه في جامع الأصول، عن ابن المسيب، قال: أبى عمر أن يورث أحدا من الأعاجم إلا أحدا ولد في العرب.
قال: وزاد رزين و امرأة جاءت حاملا فولدت في العرب فهو يرثها إن ماتت وترثه إن مات ميراثه من كتاب الله. انتهى.
ومضادة هذا المنع للآيات والاخبار، بل مخالفته لما علم ضرورة من دين الاسلام من ثبوت التوارث بين المسلمين مما لا يريب فيه أحد.
ومنها: القول بالعول والتعصب في الميراث كما سيأتي، وروت الخاصة والعامة ذلك بأسانيد جمة يأتي بعضه، ولنورد هنا خبرا واحدا رواه الشهيد الثاني رحمه الله وغيره: عن أبي طالب الأنباري، عن أبي بكر الحافظ، عن علي بن محمد بن الحصين، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن
أبي إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: دخلت على ابن عباس، فجرى ذكر الفرائض والمواريث، فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم! أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في ما نصفين وثلثا وربعا - أو قال: نصفا ونصفا وثلثا - وهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟!. فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العباس! فمن أول من أعال الفرائض؟. فقال: عمر بن الخطاب، لما التفت عنده الفرائض ودفع بعضها بعضا، فقال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، وما أجد شيئا هو أوسع إلا أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، وأدخل على كل ذي حق ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة. فقال له زفر بن أوس: فأيها قدم وأيها أخر؟. فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عز وجل عن فريضة إلا إلى فريضة ، فهذا ما قدم الله. وأما ما أخر
فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر، وأما الذي قدم، فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شئ، والزوجة لها الربع فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شئ، والام لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شئ، فهذه الفرائض التي قدم الله عز وجل، وأما التي أخر، ففريضة البنات والأخوات لهن النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فإذا اجتمع ما قدم الله تعالى وما أخر، بدئ بما قدم الله فأعطي حقه كاملا، فإن بقي شئ كان لمن أخر، وإن لم يبق شئ فلا شئ له، فقال له زفر ابن أوس: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟. فقال: هبته، والله وكان امرءا مهيبا، قال الزهري: والله لولا أن تقدم ابن عباس امام عدل كان أمره على الورع أمضى أمرا وحكم به وأمضاه لما اختلف لما اختلف على ابن عباس اثنان.
ومنها: التثويب، وهو قول: الصلاة خير من النوم، في الاذان.
فقد روى في جامع الأصول مما رواه عن الموطأ، قال عن مالك أنه بلغه المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلهما في الصبح.
ويظهر منها أن ما رووه أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالتثويب من مفترياتهم، ويؤيده أن رواياتهم في الاذان خالية عن التثويب.
الطعن الخامس عشر:
أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز، فأعطى عايشة وحفصة عشرة آلاف درهم في كل سنة، وحرم أهل البيت عليهم السلام خمسهم الذي جعله الله لهم، وكان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال يوم مات على سبيل القرض، ولم يجز شئ من ذلك، أما الأول فلان الفئ والغنائم ونحو ذلك
ليست من الأموال المباحة التي يجوز لكل أحد التصرف فيها كيف شاء، بل هي من حقوق المسلمين يجب صرفه إليهم على الوجه الذي دلت عليه الشريعة المقدسة، فالتصرف فيها محظور إلا على الوجه الذي قام عليه دليل شرعي، وتفضيل طائفة في القسمة وإعطاؤها أكثر مما جرت السنة عليه لا يمكن إلا بمنع من استحق بالشرع حقه، وهو غصب لمال الغير وصرف له في غير أهله، وقد جرت السنة النبوية بالاتفاق على القسم بالتسوية.
وأول من فضل قوما في العطاء هو عمر بن الخطاب كما اعترف به ابن أبي الحديد وغيره من علمائهم.
قال ابن أبي الحديد: روى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: استشار عمر أصحابه بمن يبدأ في القسم والفريضة؟، فقالوا: ابدأ بنفسك. فقال: بل أبدأ بآل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وذوي قرابته، فبدأ بالعباس، قال ابن الجوزي: وقد وقع الاتفاق على أنه
لم يفرض لاحد أكثر مما فرض له، روي أنه فرض له خمسة عشر ألفا، وروي أنه فرض له اثني عشر ألفا، وهو الأصلح، ثم فرض لزوجات رسول الله صلى الله عليه [وآله] لكل واحدة عشرة آلاف، وفضل عائشة عليهن بألفين فأبت، فقال: ذلك لفضل منزلتك عند رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فإذا أخذت فشأنك، واستثنى عن الزوجات جويرية وصفية وميمونة ففرض لكل واحدة منهن ستة آلاف، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] يعدل بيننا، فعدل عمر بينهن وألحق هؤلاء الثلاث بسائرهن، ثم فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا لكل واحد خمسة آلاف، ولمن شهدها من الأنصار لكل واحد أربعة آلاف.
وقد روي أنه فرض لكل واحد ممن شهد بدرا من المهاجرين أو من الأنصار أو غيرهم من القبائل خمسة آلاف، ثم فرض لمن شهد أحدا وما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف، ثم فرض لكل من شهد المشاهد بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] ألفين وخمسمائة، وألفين، وألفا وخمسمائة، وألفا واحدا.. إلى مائتين.. وهم أهل هجر، ومات عمر على ذلك.
قال ابن الجوزي: وأدخل عمر في أهل بدر ممن لم يحضر بدرا أربعة، وهم الحسن والحسين عليهما السلام وأبو ذر وسلمان، ففرض لكل واحد منهم خمسة
آلاف.
قال ابن الجوزي: فأما ما اعتمده في النساء فإنه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة.. خمسمائة، ونساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة..
أربعمائة، ونساء من بعد ذلك على ثلاثمائة.. ثلاثمائة، وجعل نساء أهل القادسية على مائتين، ثم سواي بين النساء بعد ذلك. انتهى.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيد عديدة أن النبي صلى الله عليه وآله قال للأنصار في مقام التسلية قريبا من وفاته: ستلقون بعدي إثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض.
وهل يريب عاقل في أن هذا القول - بعد أن كان يسوي بين المهاجرين والأنصار مدة حياته - إخبار بما يكون بعده من التفضيل، ويتضمن عدم إباحته وعدم رضاه صلى الله عليه وآله به.
ويؤيد حظر التفضيل ومخالفة السنة في القسمة أن أمير المؤمنين عليه السلام أبطل سيرة عمر في ذلك، ورد الناس إلى السنة والقسم بالسوية، وهو عليه
السلام يدور مع الحق ويدور الحق معه حيثما دار بنص الرسول صلى الله عليه وآله، كما تضافرت به الروايات من طرف المخالف والمؤالف، ومع ذلك احتج عليه السلام على المهاجرين والأنصار لما كرهوا عدله في القسمة وأنكروه عليه، بمخالفة التفضيل للشريعة، وألزمهم العدل في القسمة، فلم يرده عليه أحد منهم، بل أذعنوا له وصدقوا قوله، ثم فارقه طلحة والزبير ومن يقفوا أثرهما رغبة في الدنيا وكراهة للحق، كما سيأتي في باب بيعته عليه السلام وغيره.
وقد قال ابن أبي الحديد - في بعض كلامه -:
فإن قلت: إن أبا بكر قد قسم بالسوية، كما قسمه أمير المؤمنين عليه السلام، ولم ينكروا عليه كما أنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام؟.
قلت: إن أبا بكر قسم محتذيا بقسم رسول الله صلى الله عليه [وآله]، فلما ولي عمر الخلافة وفضل قوما على قوم ألفوا ذلك ونسوا تلك القسمة الأولى، وطالت أيام عمر، وأشربت قلوبهم حب المال وكثرة العطاء، وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرنوا على القناعة، ولم يخطر لاحد من الفريقين أن هذه الحال تنتقض أو تتغير بوجه ما، فلما ولي عثمان أجرى الامر على ما كان عمر يجريه، فازداد وثوق العوام بذلك، ومن ألف أمرا أشق عليه فراقه وتغيير العادة فيه، فلما ولي مرت مصادر الحديث في أول تحقيقاتنا.
توجد حاشية في (ك) وهي: المضافرة - بالضاد والفاء -: التألب، وقد تضافر القوم، وتضافروا: إذا تألبوا. وقد تألبوا:.. أي اجتمعوا. النهاية.
انظر: النهاية لابن الأثير 3 / 93 وفيه: وتظافروا - بالظاء أخت الطاء -، و 1 / 59.
بحار الأنوار 32 / 145 - 148.
شرح النهج لابن أبي الحديد 7 / 42 - 43، بتفاوت كثير أشرنا إلى بعضه.
في المصدر: بالسواء.
في (س): تنقض.
في (ك): أجر.
جاءت في (ك): شق. (*)
أمير المؤمنين عليه السلام أراد أن يرد الامر إلى ما كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر، وقد نسي ذلك ورفض، وتخلل بين الزمانين اثنتان وعشرون سنة، فشق ذلك عليهم وأكبروه حتى حدث ما حدث من نقض البيعة ومفارقة الطاعة، ولله أمر هو بالغه!.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض احتجاجه على طلحة والزبير:
وأما ما ذكرتما من أمر الأسؤة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فرغ منه فلم أحتج إليكما فيما فرغ الله من قسمه، والله أمضى فيه حكمه فليس لكما - والله - عندي ولا لغير كما في هذا عتبى، أخذ الله بقلوبكم وقلوبنا إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر.
وقال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام: قد تكلم عليه السلام في معنى النفل و العطاء: فقال: أني علمت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك، وصدق عليه السلام، فإن رسول الله صلى الله عليه [وآله] سوى بين الناس في العطاء وهو مذهب أبي بكر.
ثم قال: إن طلحة والزبير قد نقما عليه الاستبداد وترك المشاورة ، وانتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال، وأثنيا على عمر وحمدا سيرته وصوبا رأيه، وقالا: إنه كان يفضل أهل السوابق.. وضللا عليا فيما رأى، وقالا: إنه أخطأ.. وإنه خالف سيرة عمر وهي السيرة المحمودة...
واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين الذين كان عمر يفضلهم وينفلهم في القسم على غيرهم، والناس أبناء الدنيا، ويحبون المال حبا جما، فتنكرت على أمير المؤمنين عليه السلام بتنكرهما قلوب كثيرة، ونغلت عليه نيات كانت من قلب سليمة. انتهى.
وبالجملة، من راجع السير والاخبار لم يبق له ريب في أن سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في القسمة هو العدل تأسيا برسول الله صلى عليه [وآله] واتباعا لكتابه، وقد احتج عليه السلام على المصوبين لسيرة عمر في تركه العدل بأن التفضيل مخالف للسنة، فلم يقدر أحد على رده، وصرح عليه السلام أن التفضيل جور وبذل المال في غير حقه تبذير وإسراف كما سيأتي.
وروى ابن أبي الحديد، عن هارون بن سعد، قال: قال عبد الله بن جعفر لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين! لو أمرت لي بمعونة أو نفقة!، فوالله ما لي نفقة إلا أن أبيع دابتي. فقال: لا والله، ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك
أن 1 يسرق فيعطيك.
وذكر ابن أبي الحديد 2 - أيضا - أن عمر أشار 3 على أبي بكر في أيام خلافته بترك التسوية فلم يقبل، وقال: إن الله لم يفضل أحدا على أحد، وقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولم يخص قوما دون قوم.
ثم لم يستند عمر فيما زعمه صوابا إلى شبهة فضلا عن حجة، ولو أقام حجة على ما زعمه لحكاه الناصرون له.
وقد روى ابن الأثير في الكامل ذلك، إلا أنه لم يصرح بالمشير سترا عليه.
وهل يرتاب عاقل في أنه لو كان إلى جواز التفضيل ومصانعة الرؤساء
والاشراف للمصالح سبيل لما عدل أمير المؤمنين عليه السلام إلى العدل والتسوية، مع ما رآه عيانا من تفرق أصحابه عنه لذلك وميلهم إلى معاوية بقبضه عنهم ما عودهم به عمر بن الخطاب كما سيأتي، ولم يكن يختار أمرا يوجب حدوث الفتن وإراقة الدماء، ولما كان يمنع عقيلا صاعا من بر فيذهب إلى معاوية.
فإن قيل: فلم كان الحسنان عليهما السلام يقبلان التفضيل، وأبوهما عليه السلام لم رضي بذلك؟.
قلنا: أما للتقية كما مر مرارا، أو لان عمر لما حرمهم حقهم من الخمس والفئ والأنفال فلعلهما أخذا ما أخذا عوضا من حقوقهم.
ويمكن أن يقال: لما كان أمير المؤمنين عليه السلام ولي الأمر فلعل ما أخذاه صرفه عليه السلام في مصارفه، وكان الاخذ من قبيل الاستنقاذ من الغاصب والاستخلاص من السارق.
ثم من غريب ما ارتكبه عمر من المناقضة في هذه القصة أنه نبذ سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وراء ظهره وأعرض عنه رأسا، وفضل من شاء على غيره، ثم لما قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعدل بيننا، عدل بين الثلاث وبين غيرهن سوى عائشة، وقد كان فضل عائشة بألفين، فكيف كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وآله في التسوية بين ثمان من الزوجات حجة، ولم تكن حجة في العدل بين التسع، ولا بين المهاجرين والأنصار وغيرهم؟.
واعلم أن أكثر الفتن الحادثة في الاسلام من فروع هذه البدعة، فإنه لو استمر الناس على ما عودهم الرسول من العدل وجرى عليه الامر في أيام أبي بكر
لما نكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولم تقم فتنة الجمل، ولم يستقر الامر لمعاوية، ولا تطرق الفتور إلى اتباع أمير المؤمنين عليه السلام وأنصاره، ولو كان المنازع له في أول خلافته معاوية لدفعه بسهولة ولم ينتقل الامر إلى بني أمية، ولم يحدث ما أثمرته تلك الشجرة الملعونة من إراقة الدماء المعصومة، وقتل الحسين عليه السلام، وشيوع سب أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر، ثم انتقال الخلافة إلى بني العباس وما جرى من الظلم والجور على أهل البيت عليهم السلام وعلى سائر أهل الاسلام.
وقد كان من الدواعي على الفتن والشرور بدعته الأخرى وهي الشورى، إذ جعل طلحة والزبير مرشحين للخلافة نظيرين لأمير المؤمنين عليه السلام، قشق عليهما طاعته والصبر على الأسوة والعدل، وهذا في غاية الوضوح.
وقد روى ابن عبد ربه في كتاب العقد - على ما حكاه العلامة رحمه الله عنه في كشف الحق -، قال: إن معاوية قال لابن الحصين: أخبرني: ما الري شتت أمر المسلمين وجماعتهم ومزق ملاهم، وخالف بينهم؟!. فقال:
قتل عثمان. قا: ما صنعت شيئا؟. قال: فسير علي إليك. قال: ما صنعت شيئا (10)؟. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك،
إنه لم يشتت بين المسلمين ولافرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر في ستة.. ثم فسر معاوية ذلك، فقال: لم يكن من الستة رجل إلا رجاها لنفسه، ورجاها لقومه، وتطلعت إلى ذلك نفوسهم، ولو أن عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف.
وقد حكى ابن أبي الحديد - أيضا - ذلك عن معاوية وقد تمم إثارة الفتنة بإغواء معاوية وعمر وبن العاص وأطماعهما في الخلافة، وكان معاوية عامله على الشام وعمرو بن العاص أميره وعامله على مصر، فخاف أن يصير الامر إلى علي عليه السلام. فقال - لما طعن وعلم بأنه سيموت -: يا أصحاب محمد!
تناصحوا فإن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، روى ذلك ابن أبي الحديد.
ثم حكى عن شيخنا المفيد رحمه الله، أنه قال: كان غرض عمر بإلقاء هذه الكلمة إلى الناس أن تصل إلى عمرو بن العاص ومعاوية فيتغلبا على مصر والشام لو أفضي الامر إلى علي عليه السلام.
وبالجملة، جميع ما كان وما يكون في الاسلام من الشرور إلى يوم النشور
إنما أثمرته شجر فتنته، فغرس أصل الفتن يوم السقيفة، ورباها ببدعه من التفضيل في العطاء ووضع الشورى و.. غير ذلك، فهو السهيم في جميع المعاصي والاجرام، والحامل لجملة الأوزار والآثام، كما مر في الأخبار الكثيرة.
وأما الخمس، فالآية صريحة في أن لذي القربى فيه حقا، وإن اختلفوا في قدره ولم ينكر أحد أن عمر بن الخطاب لم يعطهم شيئا من أرض السواد ولا من خراجها، وكذلك منع سهمهم من أرض خيبر ومن سائر الغنائم وجعل الغنائم من بيت المال ووقف خراجها على مصالح، كما مر.
وروى في جامع الأصول من صحيحي أبو داود والنسائي، عن يزيد بن هرمز، قال: إن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن يراه؟. فقال له: لقربي رسول الله صلى الله عليه [وآله] قسمه رسول الله صلى الله عليه [وآله] لهم، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا، ورددناه عليه، وأبينا أن نقبله.
هذه رواية أبي داود.
وفي رواية النسائي، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لم هو؟. قال يزيد بن هرمز: فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة، كتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى لمن هو؟ وهو هنا أهل البيت، وقد كان
عمر دعانا إلى أن ينكح ايمنا ويجدي منه عائلنا، ويقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، وأبى ذلك فتركنا عليه.
وفي رواية أخرى له مثل أبي داود، وفيه: وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم، ويقضي عن غارمهم، ويعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك.
انتهى.
وهي - مع صحتها عندهم - تدل على أن عمر منع ذوي القربى بعض حقهم الذي أعطاهم رسول الله عليه وآله، ويفهم منها أن هذا المنع إنما كان خوفا من قوة بني هاشم لو وصل إليهم ما فرض الله لهم من الخمس فيميل الناس إليهم رغبة في الدنيا فيمكنهم طلب الخلافة، وقد كان خمس الخراج من سواد العراق وحده اثنين وثلاثين ألف ألف درهم في كل سنة على بعض الروايات سوى خمس خيبر وغيرها، ولا ريب أن قيمة خمس تلك الأراضي أضعاف أضعاف هذا المبلغ، وكذا خمس الغنائم المنقولة المأخوذة من الفرس وغيرهم مال خطير، فلو أنهم لم يغصبوا هذا الحق بل أدوا إلى بني هاشم وسائر ذوي القربى حقهم لم يفتقر أحد منهم أبدا، فوزر ما أصابهم من الفقر والمسكنة في أعناق أبي بكر وعمر وأتباعهما إلى يوم القيامة.
وأما الفرض، فقد قال ابن أبي الحديد: روى ابن سعد في كتاب الطبقات: أن عمر خطب فقال: إن قوما يقولون: إن هذا المال حلال لعمر،
وليس كما قالوا، لاها الله إذن! أنا أخبركم بما استحل منه، يحل لي منه حلتان، حلة في الشتاء وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم.
وروى ابن سعد - أيضا -، أن عمر كان إذا احتاج أتى إلى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما عسر عليه القضاء فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه، فيحتال له، وربما خرج عطاؤه فقضاه.
ولقد اشتكى مرة فوصف له الطبيب العسل، فخرج حتى صعد المنبر - وفي بيت المال عكة -، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي علي حرام، فأذنوا له فيها.
منهم لينفق عليهم، فهل يحل له أن يستأثر منها بشئ؟.
وروى أخبارا أخر أيضا من هذا الباب ظنا منه أنها تعينه على دفع الطعن، مع أنها مما يؤيده، إذ بعضها يدل على أنه كان يرى الاخذ من بيت المال مجانا حراما ولو كان للضرورة، إلا أن يأذن ذوو الحقوق في ذلك، فيرد حينئذ أن الاستئذان ممن حضره حين صعد المنبر في الاكل من العسل لا يغني من جوع، فإن الحق لم يكن منحصرا في هؤلاء، ولم يكونوا وكلاء لمن غاب عنه حتى يكفيه إذنهم في التناول منه، مع أن بيت المال مصرفه مصالح المسلمين وليس مشتركا بينهم كالميراث ونحوه، فإذا لم يكن للحاضرين حاجة مصححة للاخذ منه لم يكن لهم فيه حق حتى ينفع إذنهم في الاخذ، وكون أخذ الامام من المصالح - لا سيما للدواء - لا ينفع، فإنه لو تم لدل على عدم الحاجة إلى الاستئذان مطلقا، فهذه [كذا] الاستئذان دائر بين أن يكون ناقصا غير مفيد وبين أن يكون لغوا لا حاجة إليه، فيدل إما على الجهل وقلة المعرفة أو على الشيد والمكر لاخذ قلوب العوام، كما يقال: يتورع من سواقط الأوبار ويجر الأحمال مع القطار.
الطعن السادس عشر: إنه كان يتلون في الاحكام، حتى روي أنه قضى في الجد بسبعين قضية،
هذا يدل على قلة علمه، وأنه كان يحكم بمجرد الظن والتخمين والحدس من غير ثبت ودليل، ومثل هذا لا يليق بإمامة المسلمين ورئاسة الدنيا والدين.
الطعن السابع عشر:
إنه هم بإحراق بيت فاطمة عليها السلام، وقد كان فيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسنان عليهم السلام، وهددهم وآذاهم مع أن رفعة شأنهم عند الله تعالى وعند رسوله (ص) مما لا ينكره أحد من البشر إلا من أنكر ضوء الشمس
ونور القمر، وقد تقدم القول فيه مستوفى فيما غبر.
الطعن الثامن عشر:
ما وقع منه في قصة الشورى، فقد أبدع فيها أمورا كثيرة:
منها: إنه خرج عن النص والاختيار جميعا، فإنه قال قاضي القضاة في
المغني: قد ثبت عند كل من يقول بالاختيار أنه إذا حصل العقد من واحد برضا أربعة صار إماما، واختلفوا فيما عدا ذلك، فلابد فيما يصير به إماما من دليل، فما قارنه الاجماع يجب أن يحكم به.
وحكى عن شيخه أبي علي، أنه قال: إن ما روي عن عمر أنه قال: إن بايع ثلاثة وخالف اثنان فاقتلوا الاثنين.. من أخبار الآحاد، ولا شئ يقتضي صحته، فلا يجوز أن يطعن به في الاجماع. فكلامهم صريح في أن الإمامة بالاختيار [انه] لا يكون بأقل من خمسة، وقد ثبت عن عمر خلافه.
ومنها: إنه وصف كل واحد منهم بوصف زعم أنه يمنع من الإمامة، ثم جعل الامر فيمن له هذه الأوصاف.
وقد روى السيد في الشافي، عن الواقدي بإسناده عن ابن عباس، قال:
قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟. - وذلك قبل أن يطعن -، فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟. قال: أصاحبكم - يعني عليا؟! -. قلت: نعم والله، هو لها أهل في قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره وسابقته وبلائه؟. قال: إن فيه بطالة وفكاهة (6)!. قلت:
فأين عن طلحة؟. قال: فابن الزهو والنخوة. قلت: عبد الرحمن؟. قال: هو رجل صالح على ضعف فيه. قلت: فسعد؟. قال: صاحب مقنب وقتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير؟. قال: وعقة لقس، مؤمن الرضا كافر الغضب، شحيح، وإن هذا الامر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت عن عثمان (8)؟.
قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه.
قال السيد رحمه الله: وقد روي من غير هذا الطريق أن عمر قال لأصحاب الشورى: روحوا إلي، فلما نظر إليهم قال: قد جاءني كل واحد منهم
يهز عقيرته 1 يرجو أن يكون خليفة، أما أنت يا طلحة أفلست القائل: إن قبض النبي (ص) أنكح 2 أزواجه من بعده؟ فما جعل الله محمدا بأحق ببنات أعمامنا 3، فأنزل الله تعالى 4 فيك: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾، وأما أنت يا زبير! فوالله ما لان قلبك يوما ولا ليلة، وما زلت جلفا جافيا، وأما أنت يا عثمان فوالله لروثة خير منك، وأما أنت يا عبد الرحمن فإنك رجل عاجز تحب قومك جميعا، وأما أنت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة، وأما أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم، فقام علي عليه السلام موليا يخرج، فقال عمر: والله إني لاعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء، قالوا: من هو. قال: هذا المولي من بينكم. قالوا: فما يمنعك من ذلك؟. قال: ليس إلى
ذلك سبيل.
وفي خبر آخر - رواه البلاذري في تاريخه -: أن عمر لما خرج أهل الشورى - من عنده، قال: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق. فقال عبد الله بن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟. قال: أكره أن أتحملها حيا وميتا.
فوصف - كما ترى - كل واحد من القوم بوصف قبيح يمنع من الإمامة، ثم جعلها في جملتهم حتى كأن تلك الأوصاف تزول في حال الاجتماع، ونحن نعلم أن الذي ذكره إن كان مانعا من الإمامة في كل واحد على الانفراد فهو مانع مع الاجتماع، مع أنه وصف عليا عليه السلام بوصف لا يليق به ولا ادعاه عدو قط عليه، بل هو معروف بضده من الركانة والبعد عن المزاح والدعابة، وهذا معلوم ضرورة لمن سمع أخباره عليه السلام، وكيف يظن به ذلك، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أطرق هبنا أن نبتدئه بالكلام، وهذا لا يكون إلا من شدة التزمت والتوقر وما يخالف الدعابة والفكاهة.
ومنها: أنه قال: لا أتحملها حيا وميتا.. وهذا إن كان على عدوله عن
النص على واحد بعينه فهو قول متملس متخلص لا يفتات على الناس في آرائهم، ثم نقض هذا بأن نص على ستة من بين العالم كله، ثم رتب العدد ترتيبا مخصوصا يؤول إلى أن اختيار عبد الرحمن هو المقدم، وأي شئ يكون من التحمل أكبر من هذا؟ وأي فرق بين أن يتحملها بأن ينص على واحد بعينه وبين أن يفعل ما فعله من الحصر والترتيب؟!.
ومنها: أنه أمر بضرب أعناق قوم - أقر بأنهم أفضل الأمة - إن تأخروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيام، ومعلوم أن بذلك لا يستحقون القتل، لأنهم إذا كانوا إنما كلفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الإمام فربما طال زمان الاجتهاد وربما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض، فأي معنى للامر بالقتل إذا تجاوز الأيام الثلاثة؟.
ثم أنه أمر بقتل من يخالف الأربعة، ومن يخالف العدد الذي فيه عبد
الرحمن، وكل ذلك مما لا يستحق به القتل 1.
وما تمسكوا به من أن أمير المؤمنين عليه السلام دخل في الشورى طائعا وبايع غير مكره، فتدل رواياتهم على خلاف ذلك، فقد روى الطبري 2 في تلك القصة: إن عبد الرحمن قال: يا علي! لا تجعلن على نفسك سبيلا، فإني نظرت فشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان، فخرج علي عليه السلام وهو يقول:
سيبلغ الكتاب أجله.
وفي رواية الطبري 3: إن الناس لما بايعوا عثمان تلكأ 4 علي عليه السلام، فقال عثمان 5: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾، فرجع علي عليه السلام حتى بايعه وهو يقول: خدعة وأي خدعة.
وروى السيد رحمه الله، عن البلاذري، عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف في إسناد له: إن عليا عليه السلام لما بايع عبد الرحمن عثمان كان
قائما فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلا ضربت عنقك، ولم يكن يومئذ مع أحد سيف غيره، فخرج علي عليه السلام مغضبا، فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلا جاهدنا، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان.
فأي رضا هاهنا؟! وأي إجماع؟! وكيف يكون مختارا من يهدد بالقتل والجهاد؟!.
وقد تكلم في هذا اليوم المقداد وعمار رضي الله عنهما وجماعة في ذلك عرضوا نصرتهم على أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: والله ما أجد أعوانا عليهم ولا أحب أن أعرضكم لما لا تطيقون.
وأما دخوله عليه السلام في الشورى فسيأتي ما روي من العلل في ذلك، وأي علة أظهر من أنهم رووا أن عمر أوصى أبا طلحة في خمسين رجلا حاملي سيوفهم على عواتقهم في إحضار القوم وقتلهم لو لم يعينوا خليفة في الأيام المعينة.
وقال السيد رضي الله عنه - بعد إيراد بعض الروايات من طرقهم مما يدل على عدم رضاه عليه السلام بالشورى وبما ترتب عليه -: وهذه الجملة التي أوردناها قليل من كثير في أن الخلاف كان واقعا، والرضا كان مرتفعا، والامر إنما تم بالحيلة والمكر والخداع، وأول شئ مكر به عبد الرحمن أنه ابتدأ فأخرج نفسه
عن الامر ليتمكن من صرفه إلى من يريد، وليقال إنه لولا إيثاره الحق وزهده في الولاية لما أخرج نفسه منها، ثم عرض على أمير المؤمنين عليه السلام ما يعلم أنه لا يجيب إليه ولا يلزمه الإجابة إليه من السيرة فيهم بسيرة الرجلين، وعلم أنه عليه السلام لا يتمكن من أن يقول إن سيرتهما لا يلزمني، لئلا ينسب إلى الطعن عليهما، وكيف يلتزم بسيرتهما وكل واحد منهما لم يسير بسيرة الاخر، بل اختلفا وتباينا في كثير من الاحكام، هذا بعد أن قال لأهل الشورى: وثقوا لي من أنفسكم بأنكم ترضون باختياري إذا أخرجت نفسي، فأجابوه - على ما رواه أبو مخنف بإسناده - إلى ما عرض عليهم، إلا أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه قال:
انظر.. لعلمه بما يجر هذا المكر، حتى أتاهم أبو طلحة فأخبره عبد الرحمن بما عرض وبإجابة القوم إياه إلا عليا عليه السلام، فأقبل أبو طلحة على علي عليه السلام، فقال: يا أبا الحسن! إن أبا محمد ثقة لك وللمسلمين، فما بالك تخالفه وقد عدل بالامر عن نفسه، فلن يتحمل المأثم لغيره؟! فأحلف علي عليه السلام عبد الرحمن أن لا يميل إلى هوى، وأن يؤثر الحق ويجتهد للأمة ولا يحابي ذا
قرابة، فحلف له. وهذا غاية ما يتمكن منه أمير المؤمنين عليه السلام في الحال، لان عبد الرحمن لما أخرج نفسه من الامر فظنت به الجماعة الخير، وفوضت إليه الاختيار، لم يقدر أمير المؤمنين عليه السلام على أن يخالفهم وينقض ما اجتمعوا عليه، فكان أكثر ما تمكن منه أن أحلفه وصرح بما يخاف من جهته من الميل إلى الهوى وإيثار القرابة غير أن ذلك كله لم يغن شيئا.
ومنها: إنه نسب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الفكاهة والبطالة، وذمه عموما في ضمن ذم جميع الستة، وكان يهتم ويبذل جهده في منع أمير المؤمنين عليه السلام عن الخلافة حسدا وبغيا، ويكفي هذا في القدح، واستبعاد ابن أبي الحديد هذا وادعاؤه الظن بأنها زيدت في كلامه غريب لاشتمال جل رواياتهم عليه، وليس هذا ببدع منه.
فقد روى ابن أبي الحديد عنه، أنه قال: يا ابن عباس! لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء!. قال ابن عباس: قلت: من هو؟.
قال: الأجلح - يعني عليا عليه السلام -. قلت: وما يقصد بالرياء؟. قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة.
وروى عن الشعبي في كتاب الشورى، وعن الجوهري في كتاب السقيفة، عن سهل بن سعد الأنصاري، قال: مشيت وراء علي بن أبي طالب
(ع) حين انصرف من عند عمر، والعباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه، فسمعته يقول للعباس: ذهبت منا والله!. فقال: كيف علمت؟. قال: ألا تسمعه يقول: كونوا في الجانب الذي فيه عبد الرحمن، وسعد لا يخالف عبد الرحمن لأنه ابن عمه، وعبد الرحمن نظير عثمان وهو صهره، فإذا اجتمع هؤلاء!
فلو أن الرجلين الباقيين كانا معي لم يغنيا عني شيئا، دع أني لست أرجوهما ولا أحدهما، ومع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلا علينا لا، لعمر الله ما جعل الله ذلك لهم علينا كما لم يجعل لأولاهم على أولانا، أما والله لئن لم يمت عمر لأذكرنه ما أتى إلينا قديما، ولأعلمنه سوء رأيه فينا وما أتى إلينا حديثا، ولئن مات - وليموتن - ليجمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الامر عنا، ولئن فعلوها ليروني حيث يكرهون، والله ما بي رغبة في السلطان ولا أحب الدنيا، ولكن الاظهار العدل، والقيام بالكتاب والسنة.
وقد ورد في الروايات التصريح بأنه أراد بهذا التدبير قتل أمير المؤمنين عليه السلام كما سيأتي في أخبار الشورى.
وروى أبو الصلاح رحمه الله في كتاب تقريب المعارف، عن أمير المؤمنين
عليه السلام أنه قال: ثم إن عمر هلك وجعلها شورى وجعلني سادس ستة كسهم الجدة، وقال: اقتلوا الأقل، وما أراد غيري، فكظمت غيظي، وانتظرت أمر ربي، وألزقت كلكي 1 بالأرض.. الخبر.
وروى ابن أبي الحديد في الشرح 2، وابن الأثير في الكامل 3، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه.. أنه قال يوما لابن عباس: أتدري ما منع الناس لكم 4؟. قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: و 5 لكني أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟. قال : كرهت قريش أن تجمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جحفا 6، فظنت قريش لانفسها فاختارت، ووفقت فأصابت. فقال ابن عباس: أيميط - أمير المؤمنين - عني غضبه فيسمع؟. قال: قل ما تشاء. قال:
أما قول أمير المؤمنين إن قريشا اختارت 7 لانفسها فأصابت ووفقت.. 8 فإن الله تعالى يقول: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾، وقد علمت -
يا أمير المؤمنين - أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو أن قريشا 1 اختارت لانفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محدود.
وأما قولك: إنهم أبو أن يكون لنا النبوة والخلافة.. فإن الله تعالى وصف قوما بالكراهة، فقال 2: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) 3، وأما قولك: إنا كنا نجحف.. فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة، ولكن أخلاقنا 4 مشتقة من خلق رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الذي قال الله في حقه 5:
﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ 6، وقال له: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ 7.
فقال عمر: على رسلك يا ابن عباس!، أبت قلوبكم - يا بني هاشم - إلا غشا في أمر قريش لا يزول، وحقدا عليها لا يحول. فقال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين!، لا تنسب قلوب بني 8 هاشم إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله صلى الله عليه [وآله] الذي طهره الله وزكاه، وهم أهل البيت الذي قال الله تعالى فيهم ﴿٩): إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾، وأما قولك: حقدا.. فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ويراه في يد
غيره؟!. فقال عمر: أما أنت - يا عبد الله - فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي. قال: وما هو أمير المؤمنين؟ أخبرني به، فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.