پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۲۹، ص ۵۹۵–۶۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

مكان وموطن من غير تقية ورعاية مصلحة فيكون مذموما، والهلاك بالمعنى الذي سبق، ويؤيد هذا قوله عليه السلام: استتروا في بيوتكم.. أو المراد معارضته أهل الباطل على الوجه المأمور به، والمراد بالهلاك مقاساة المشاق والمفاسد والمضار من جهال الناس، ويؤيده ما في نسخ نهج البلاغة: هلك عند جهلة الناس.

18 - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام: لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان، ولا يصفه لسان، و لا يعزب عنه عدد قطر الماء، ولا نجوم السماء، ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، وخفي طرف الأحداق، وأشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به ولا مشكوك فيه ولا مكفور دينه، ولا مجحود تكوينه، شهادة من صدقت نيته، وصفت دخلته، وخلص يقينه، وثقلت موازينه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المجتبى من خلائقه، والمعتام لشرح حقائقه، والمختص بعقائل كراماته، والمصطفى لكرائم

رسالاته، والموضحة به أشراط الهدى، والمجلو به غربيب العمى.

أيها الناس! إن الدنيا تغر المؤمل لها والمخلد إليها، ولا تنفس بمن نافس فيها، وتغلب من غلب عليها، وأيم الله ما ان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها، لان الله تعالى [ليس بظلام للعبيد]، ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم، ووله من قلوبهم، لرد عليهم كل شارد، وأصلح لهم كل فاسد، وإني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة وقد كانت أمور عندي مضت، ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء، وما علي إلا الجهد، ولو أشاء أن أقول لقلت: [عفا الله عما سلف].

بيان: قد مر شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد.

قوله عليه السلام: غير معدول به.. أي لا يعادل ويساوي به أحد، كما قال تعالى: [بربهم يعدلون].

والدخلة - بالكسر والضم -: باطن الامر.

والمعتام: أي المختار، والتاء تاء الافتعال، ذكره في النهاية، والعقائل - جمع عقيلة - وهي كريمة كل شئ.

والأشراط: العلامات جمع شرط - بالتحريك -.

والغربيب - بالكسر -: الأسود الشديد السواد.. أي المكشوف به ظلم الظلام.

واخلد إليه: مال.

قوله عليه السلام: ولا تنفس.. أي لا ترغب إلى من يرغب إليها بل ترميه بالنوائب.

قوله عليه السلام: من غلب عليها.. أي من غلب إليها وأخذها قهرا فسوف تغلب الدنيا عليه، أو المراد بمن غلب عليها من أراد الغلبة عليها.

قوله عليه السلام: في غض نعمة.. أي في نعمة غضة: طرية.

قوله عليه السلام: ليس بظلام.. أي لو فعله الله بقوم لفعله بالجميع، لان حكمه في الجميع واحد، فيكون ظلاما، أو المعنى إن ذلك ظلم شديد، ويقال: فزعت إليه فأفزعني.. أي استغثت إليه فأغاثني.

والوله: الحزن والحيرة والخوف وذهاب العقل حزنا.

والشارد: النافر.

قوله عليه السلام: في فترة.. الفترة: الانكسار والضعف وما بين الرسولين، وكنى عليه السلام بها هنا عن أمر الجاهلية.. أي إني لأخشى أن يكون أحوالكم في التعصبات الباطلة والأهواء المختلفة كأحوال أهل الجاهلية.

قوله عليه السلام: ملتم فيها ميلة.. إشارة إلى ميلهم عنه عليه السلام إلى الخلفاء الثلاثة.

وقول ابن أبي الحديد - إشارة إلى اختيارهم عثمان يوم الشورى - يبطله قوله عليه السلام: أمور وغير ذلك.

قوله عليه السلام: ولئن رد عليكم.. أي أحوالكم التي كانت أيام رسول الله صلى الله عليه وآله.

قوله عليه السلام: ولو أشاء.. أي لو أشاء أن أقول فيما ملتم عن الحق ونبذتم الآخرة وراء ظهوركم بلفظ صريح لقلت، لكني طويت عن ذكره وأعرضت عنه لعدم المصلحة فيه، ولم أصرح بكفركم وما يكون إليه مصير أمركم وما أكننتم وأخفيتم في ضمائركم لذلك.

وقوله عليه السلام: عفا الله عما سلف... أي عفا عمن تاب وأناب ورجع، ويحتمل أن يكون من الدعاء الشائع في أواخر الخطب، كقوله عليه السلام: غفر الله لنا ولكم.. وأمثاله، وهذه الأدعية مشروطة، وقيل:

يحتمل أن يكون المعنى لو أشاء أن أقول قولا يتضمن العفو عنكم لقلت، لكني لا أقول ذلك، إذ لا مجال للعفو هنا، ولا يخفى بعده.

19 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: لنا حق فإن أعطيناه وإلا ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السرى.

وهذا القول من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه إنا ان لم نعط حقنا كنا أذلاء، وذلك إن الرديف يركب عجز البعير، كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما.

20 - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام: وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده، ويعرف غوره ونجده. داع دعا، وراع رعى، فاستجيبوا للداعي، واتبعوا الراعي، قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن، وأرز المؤمنون، ونطق الضالون المكذبون، نحن الشعار والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا.

منها: فيهم كرائم القرآن وهم كنز الرحمن، إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا، فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة، فإنه منها قد وإليها ينقلب، فالناظر بالقلب العامل بالبصر يكون مبتدأ عمله أن يعلم أعمله عليه أم له؟ فإن كان له مضى فيه، وإن كان عليه وقف عنه، فإن العامل بغير علم كسائر على غير طريق فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعدا من حاجته، والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع؟ واعلم أن لكل ظاهر باطنا على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه، وقد قال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله: إن الله يحب العبد ويبغض عمله، ويحب العمل ويبغض بدنه.

واعلم أن كل عمل نبات، وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة، فما طاب سقيه طاب غرسه، وحلت ثمرته، وما خبث سقيه خبث غرسه، وأمرت ثمرته.

توضيح: قال الجوهري: الناظر من المقلة: السواد الأصغر الذي فيه إنسان العين.. أي أن قلب اللبيب له عين يبصر بها غايته التي تجري إليها ويعرف من أحواله المستقبلة ما كان مرتفعا شريفا أو منخفضا ساقطا.

والنجد: المرتفع من الأرض، ولعل المراد بالداعي الرسول صلى الله عليه وآله، وبالراعي نفسه عليه السلام.

وقوله عليه السلام: قد خاضوا.. كلام منقطع عما قبله ومتصل بكلام أسقطه السيد رضي الله عنه تقية للتصريح بذم الخلفاء الثلاثة فيه.

وأرز - بالفتح والكسر -: انقبض.

والمؤمنون: هو عليه السلام وشيعته، والضالون خلفاء الجور وأتباعهم.

وقال ابن أبي الحديد في قوله عليه السلام: والخزنة والأبواب.. أي خزنة العلم وأبوابه، أو خزنة الجنة وأبوابها. قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

أنا مدينة العلم وعلي بابها، ومن أراد الحكمة فليأت الباب.

وقال فيه: خازن علمي.

وتارة أخرى: عيبة علمي.

وقال صلى الله عليه وآله في الخبر المستفيض إنه: قسيم الجنة والنار، يقول للنار هذا لي فدعيه، وهذا لك فخذيه.

ثم ذكر أربعة وعشرين حديثا من فضائله صلوات الله عليه من طرق

المخالفين.

قوله عليه السلام: فيهم كرائم القرآن.. ضمير الجمع راجع إلى آل محمد عليهم السلام الذين عناهم عليه السلام بقوله: نحن الشعار، والمراد بكرائم القرآن: مدائحهم التي ذكرها الله فيه، أو علومه المخزونة عندهم، وهم كنوز الرحمن.. أي خزائن علومه وحكمه وقربه.

قوله عليه السلام: لم يسبقوا.. أي ليس صمتهم عن عي وعجز حتى يسبقهم أحد، بل لمحض الحكمة.

قوله عليه السلام: فليصدق رائد أهله.. يحتمل أن يكون المراد بالرائد الانسان نفسه، فإنه كالرائد لنفسه في الدنيا يطلب فيه لآخرته ماء ومرعى.. أي لينصح نفسه ولا يغشها بالتسويف والتعليل، أو المعنى ليصدق كل منكم أهله وعشيرته ومن يعنيه أمره، وليبلغهم ما عرف من فضلنا وعلو درجتنا.

قوله: فإنه منها قدم.. لخلق روحه قبل بدنه من عالم الملكوت، أو لخروج أبيهم من الجنة.

وقيل: الآخرة: الحضرة الإلهية التي منها مبدأ الخلق واليها معادهم.

فالناظر بالقلب.. أي من لا يقتصر في نظره على ظواهر الأمور.

العامل بالبصر.. أي من يعمل بما يبصر بعين بصيرة.. أي إذا علم الحق لا يتعداه.

ويروى: العالم بالبصر.. أي من كان إبصاره سببا لعلمه.

قوله عليه السلام: واعلم أن لكل ظاهر باطنا.

أقول: قد يتوهم التنافي بين هاتين الكلمتين وبين الخبر المروي ظاهرا، ويخطر بالبال دفعه بوجوه:

الأول: أن يكون الخبر في قوة الاستثناء لبيان أن المقدمتين ليستا كليتين، بل هما لبيان الغالب، وقد يتخلف كما ورد في الخبر.

الثاني: أن يكون الخبر استشهادا للمقدمتين، وبيانه إن العمل ظاهرا وباطنا، وللشخص ظاهرا وباطنا، وظاهر الشخص مطابق لباطنه، ولذا يحب الله ظاهر الشخص لما يعلم من حسن باطنه وعاقبته، ويبغض ظاهر الشخص إذا علم سوء باطنه ورداءة عاقبته.

الثالث: أن يكون المراد أنه لا يمكن أن لا يظهر سوء الباطن من الأخلاق الردية والاعتقادات الباطلة والطينات الفاسدة وإن كان في آخر العمر، ولا حسن الباطن من الأخلاق الحسنة والاعتقادات الحقة والطينات الطيبة، فالذي يحبه الله ويبغض عمله ينقلب حاله في آخر العمر ويظهر منه حسن العقائد والأعمال، وكذا العكس، فظهر أن حسن الباطن والظاهر متطابقان، وكذا سوؤهما، ولعل ما يذكر بعده يؤيد هذا الوجه في الجملة.

الرابع: ما ذكره ابن أبي الحديد، حيث قال: هو مشتق من قوله تعالى:

[والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه]، والمعنى إن لكلتا حالتي الانسان الظاهرة أمرا باطنا يناسبها من أحواله، والحالتان الظاهرتان: ميله إلى العقل وميله إلى الهوى، فالمتبع لعقله يرزق السعادة والفوز، فهذا هو الذي طاب ظاهره وطاب باطنه، والمتبع لمقتضى هواه.. يرزق الشقاوة والعطب، وهذا هو الذي خبث ظاهره وخبث باطنه.

الخامس: ما قيل: إن المراد بطيب الظاهر حسن الصورة والهيئة وبخبثه قبحهما، وقال: هما يدلان على حسن الباطن وقبحه، وحمل خبث العبد مع قبح الفعل على ما إذا كان مع حسن الصورة والآخر على ما إذا كان مع قبح الصورة.

ولا يخفى بعد ولعل الأول أظهر الوجوه.

وأمرت.. أي صارت مرا.

21 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام وقد قال لي قائل: إنك على هذا الامر يا بن أبي طالب لحريص!! فقلت: بل أنتم والله احرص وابعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلما قرعته بالحجة في الملا الحاضرين بهت لا يدري ما يجيبني به. اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم! فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن نأخذه وفي الحق أن تتركه.

بيان:

قال ابن أبي الحديد: هذا الفصل من خطبة يذكر فيها أمر الشورى، والذي قال له: إنك على هذا الامر لحريص! هو سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، وهذا عجيب، وقد رواه الناس كافة.

وقالت الامامية: هذا الكلام كان يوم السقيفة، والقائل أبو عبيدة بن الجراح.

وقرعته بالحجة: صدمته بها.

قوله عليه السلام: بهت.. في بعض النسخ: هب.. أي استيقظ.

وقال الجوهري: العدوي: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك.. أي ينتقم منه، يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني: استعنت به فأعانني عليه.

فإنهم قطعوا رحمي.. لأنهم لم يراعوا قربه عليه السلام من رسول الله صلى

الله عليه وآله أو منهم، أو الأعم.

الا ان في الحق أن نأخذه - بالنون - وفي الحق ان تتركه - بالتاء -.. أي إنهم لم يقصروا على أخذ حقي ساكتين عن دعوى كونه حقا لهم، ولكنهم أخذوه مع دعواهم أن الحق لهم، وأنه يجب علي أن أترك المنازعة فيه، فليتهم أخذوا معترفين بأنه حق لي، فكانت المصيبة أهون.

وروي بالنون فيهما، فالمعنى إنا نتصرف فيه كما نشاء بالأخذ والترك دونك.

وفي بعض النسخ فيهما بالتاء.. أي يعترفون أن الحق لي ثم يدعون أن الغاصب أيضا على الحق، أو يقولون لك الاختيار في الاخذ والترك، وكذا في الرواية الأخرى قرئ بالنون وبالتاء.

وقال القطب الراوندي: إنها في خط الرضي رضي الله عنه بالتاء.. أي إن وليت كانت ولايتك حقا، وإن ولي غيرك كانت حقا على مذهب أهل الاجتهاد.

22 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام: اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت

أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن نأخذه وفي الحق أن نمنعه، فاصبر مغموما أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، والم للقلب من حز الشفار.

بيان:

قال الجوهري: كفأت الاناء: كببته وقلبته، فهو مكفوء. وزعم ابن الاعرابي ان أكفأته لغة، ويروى: كفوا - بدون الهمزة - وهو أفصح.

وقال الجوهري: رفدته أرفده رفدا:.. إذا أعنته..، والارفاد...

الإعانة.

وقال: الذب: الدفع والمنع.

وقال: ضننت بالشئ..: بخلت به... وقال الفراء: ضننت - بالفتح -..

لغة فيه.

والاغضاء: ادناء الجفون، والقذى في العين: ما يسقط فيها فيؤذيها.

والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم وغيره.

والعلقم: شجر مر، ويقال للحنظل، وكل شئ مر: علقم.

والحز : القطع، حزه واحتزه: قطعه.

والشفرة - بالفتح - السكين العظيم، والجمع شفار.

23 - نهج البلاغة: من كلامه عليه السلام: وا عجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة؟!.

قال السيد رضي الله عنه: وروي له عليه السلام شعر في هذا المعنى، وهو قوله:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب بيان:

قوله عليه السلام: فكيف بهذا.. أي كيف تملكها بهذا.

قوله عليه السلام: خصيمهم.. أي من كان خصما لك منهم في دعوى الخلافة.

وقال ابن أبي الحديد: حديثه عليه السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر، أما النثر فموجه إلى عمر لان أبا بكر لما قال لعمر: امدد يدك.

قال له عمر: أنت صاحب رسول الله (ص) في المواطن كلها شدتها ورخائها فامدد أنت يدك. فقال علي عليه السلام: إذا احتججت لاستحقاقه الام بصحبته إياه في المواطن.. فهلا سلمت الامر إلى من قد شركه في ذلك، وقد زاد عليه بالقرابة؟!.

وأما النظم: فموجه إلى أبي بكر، لأنه حاج الأنصار في السقيفة فقال:

نحن عترة رسول الله (ص) وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد، فقال علي عليه السلام: أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن قومه فغيرك أقرب نسبا منك إليه، وأما احتجاجك بالاختيار ورضى الجماعة، فقد كان قوم من أجلة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد، فكيف ثبت (5)؟!.

24 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي: مستأثرا علي، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله إلى يوم الناس هذا.

25 - نهج البلاغة: من كلامه عليه السلام: فنظرت فإذا ليس معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم.

26 - وقال رضي الله عنه في موضع آخر: قالوا: لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال عليه السلام: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير.

قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟.

قال عليه السلام: لو كانت الامارة فيهم لم تكن الوصية بهم.

ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش؟!: احتجت بأنها شجرة الرسول (ص).

فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة!.

بيان:

- الكظم - بفتح الظاء - مخرج النفس.

قوله عليه السلام: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.. المراد بالثمرة إما الرسول صلى الله عليه وآله والإضاعة عدم اتباع نصبه، أو أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام تشبيها له صلى الله عليه وآله بالأغصان، أو اتباع الحق الموجب للتمسك به دون غيره كما قيل، والغرض إلزام قريش بما تمسكوا به من قرابته صلى الله عليه وآله، فإن تم فالحق لمن هو أقرب وأخص، وإلا فالأنصار

على دعواهم.

27 - نهج البلاغة: من كلامه عليه السلام - لما عزموا على بيعة عثمان -: لقد علمتم أني أحق بها من غيري، ووالله لاسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه.

بيان:

قوله عليه السلام: أني أحق بها.. أي بالخلافة والتفضيل، كما في قوله تعالى: [قل أذلك خير أم جنة الخلد]، والجور عليه عليه السلام خاصة غصب حقه، وفيه دلالة على أن خلافة غيره جور مطلقا، والتسليم على التقدير المفروض - وهو سلامة أمور المسلمين - وإن لم يتحقق الفرض - لرعاية مصالح الاسلام والتقية. والتماسا مفعولا له للتسليم.

والتنافس: الرغبة في النفيس المرغوب للانفراد به.

والزخرف - بالضم -: الذهب وكمال حسن الشئ.

والزبرج - بالكسر - الزينة.

28 - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام:.. بعث رسله بما خصهم به

من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار إليهم، فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق، ألا إن الله قد كشف الحق كشفة، لا أنه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فيكون الثواب جزاء، والعقاب بواء.

أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا؟! أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى: إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم.

منها: آثروا عاجلا، وأخروا آجلا، وتركوا صافيا، وشربوا آجنا، كأني أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه، وبسى به ووافقه حتى شابت عليه مفارقه، وصبغت به خلائقه، ثم أقبل مزبدا كالتيار لا يبالي ما غرق، أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق، أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى، والابصار اللامحة إلى منار التقوى؟ أين القلوب التي وهبت لله! وعوقدت على طاعة الله؟

ازدحموا على الحطام، وتشاحوا على الحرام، ورفع لهم علم الجنة والنار فصرفوا على الجنة وجوههم، وأقبلوا إلى النار بأعمالهم، دعاهم ربهم فنفروا وولوا، ودعاهم الشيطان فاستجابوا وأقبلوا!.

ايضاح: الكشف.. أريد به هنا الابتلاء الذي هو سببه. وقال في النهاية:

الجراحات بواء.. أي سواء في القصاص.. ومنه حديث علي عليه السلام،

والعقاب بواء، واصل البواء: اللزوم.

أين الذين زعموا..؟ أي الخلفاء الجائرون المتقدمون.

قوله عليه السلام: إن رفعنا الله.. تعليل لدعوتهم الكاذبة.. أي كانت العلة الحاملة لهم على هذا الكذب أن الله رفع قدرنا في الدنيا والآخرة وأعطانا..

أي الملك والنبوة، وأدخلنا.. أي في دار قربه وعناياته الخاصة. وإن هاهنا للتعليل.. أي لان، فحذف اللام، ويحتمل أن يكون المعنى أين الذين زعموا عن أن يروا أن رفعنا الله وأورثنا الخلافة ووضعهم بأخذهم بأعمالهم السيئة.

والبطن: ما دون القبيلة وفوق الفخذ.

قوله عليه السلام: لا تصلح على سواهم.. أي لا يكون لها صلاح على يد غيرهم، ولا يكون الولاة من غير صالحين.

والآجن: الماء المتغير.

قوله عليه السلام: كأني أنظر.. قال ابن أبي الحديد: هو إشارة إلى قوم يأتي من الخلف بعد السلف.

قيل: والأظهر أن المراد بهم من تقدم ذكر هم من الخلفاء وغيرهم من ملاعين الصحابة، كما قال عليه السلام - في الفصل السابق -: أين الذين زعموا؟

فيكون قوله عليه السلام: كأني أنظر.. إشارة إلى ظهور اتصافهم بالصفات حتى كأنه يراه عيانا.

وقال في النهاية: بسأت - بفتح السين وكسرها -: أي اعتادت واستأنست.

شابت عليه مفارقه.. أي ابيض شعره وفنى عمره في صحبة المنكر.

وصبغت به خلائقه.. أي صار المنكر عادته حتى تلونت خلائقه به.

والتيار: موج البحر ولجته.

وكلمة ثم للترتيب الحقيقي أو الذكري، ولعل المراد بالفاسق: عمر.

وقوله عليه السلام: لا يحفل.. أي لا يبالي، واللامحة: الناظرة.

29 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام في الملاحم: وأخذوا يمينا وشمالا ظعنا في مسالك الغي، وتركا لمذاهب الرشد، فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد، ولا تستبطئوا ما يجئ به الغد، فكم من مستعجل بما إن أدركه ود أنه لم يدركه، وما أقرب اليوم من تباشير غد. يا قوم! هذا إبان ورود كل موعود،

ودنو من طلعة مالا تعرفون، ألا وإن من أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين، ليحل فيها ربقا، ويعتق رقا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا، في سترة عن الناس، لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره، ثم ليشحذن فيها قوم شحد القين النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح.

منها: وطال الأمد بهم ليستكملوا الخزي ويستوجب الغير، حتى إذا اخلولق الاجل، واستراح قوم إلى الفتن، واشتالوا عن لقاح حربهم، لم يمنوا على الله بالصبر، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق، حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء، حملوا بصائرهم على أسيافهم، ودانوا لربهم يأمر وأعظهم، حتى إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه في غير

موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة. قد ماروا في الحيرة، وذهلوا عن السكرة على سنة من آل فرعون من منقطع إلى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين.

بيان:

نصب (ظعنا) و (تركا) على المصدر والعامل فيها من غير لفظهما، أو مصدران قاما مقام الفاعل.

قوله عليه السلام: مرصد.. على المفعول.. أي مترقب معد لابد من كونه.

وتباشير كل شئ: أوائله.

وابان الشئ - بالكسر والتشديد -: وقته وزمانه، ولعله إشارة إلى ظهور القائم عليه السلام.

قوله عليه السلام: إن من أدركها منا.. أي قائم آل محمد صلى الله عليه وآله.

وسرى - كضرب - وأسري.. أي سار بالليل.

والربق - بالفتح: شد الشاة بالربق وهو الخيط.

والصدع: التفريق والشق.

والشعب: الجمع.

قوله عليه السلام: في سترة.. أشار عليه السلام به إلى غيبة القائم عليه السلام.

والقائف: الذي يتبع الآثار ويعرفها.

وشحذت السكين: حدتته.. أي ليحرصن في تلك الملاحم قوم على الحرب، ويشحذ عزائمهم في قتل أهل الضلال كما يشحذ القين - وهو الحداد - النصل: كالسيف وغيره.

ويجلى بالتنزيل:.. أي يكشف الرين والغطاء عن قلوبهم بتلاوة القرآن والهامهم تفسيره ومعرفة أسراره، وكشف الغطاء عن مسامع قلوبهم.

والغبوق: الشرب بالعشي، تقول منه غبقت الرجل أغبقه - بالضم - فاغتبق هو.. أي تفاض عليهم المعارف صباحا ومساء، والقوم: أصحاب القائم عليه السلام.

قوله عليه السلام: وطال الأمد بهم.. هذا متصل بكلام قبله لم يذكره

السيد رضي الله عنه، والأمد: الغاية.

والغير: اسم من قولك غيرت الشئ فتغير.. أي تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد.

واخلولق الاجل.. أي قرب انقضاء أمرهم، من اخلولق السحاب..

أي استوى وصار خليقا بان يمطر، واخلولق الرسم: استوى بالأرض.

واستراح قوم.. أي مال قوم من شيعتنا إلى هذه الفئة الضالة واتبعوها تقية أو لشبهة دخلت عليهم.

واشتالوا.. أي رفعوا أيديهم وسيوفهم، واستعار اللقاح - بفتح اللام - لإثارة الحرب لشبهها بالناقة.

وقوله عليه السلام: حتى إذا قبض الله.. لعله منقطع عما قبله إلا أن يحمل (من طال الأمد بهم) في الكلام المتقدم على من كان من أهل الضلال قبل الاسلام، ولا يخفى بعده.

وبالجملة، الكلام صريح في شكايته عليه السلام عن [كذا] الذين غصبوا الخلافة منه.

وغالتهم السبل.. أي أهلكتهم.

ووصلوا غير الرحم.. أي غير رحم رسول الله صلى الله عليه وآله.

والسبب الذي أمروا بمودته أهل البيت عليهم السلام كما قال النبي صلى الله عليه وآله: خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لمن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

كل ضارب في غمرة.. أي سائر في غمرة الضلالة والجهالة.

قد ماروا في الحيرة.. أي ترددوا واضطربوا فيها.

والمنقطع إلى الدنيا: هو المنهمك في لذاتها والمفارق للدين هو الزاهد الذي يترك الدنيا للدنيا، أو يعمل على الضلالة والردى، وسيأتي فيما سنورده من كتبه عليه السلام وغيرها ما صريح في الشكاية.

30 - المنهاج: ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى معاوية: وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله سبحانه: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله]، وقوله تعالى: [إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه

وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين] فنحن مرة أولى بالقرابة وتارة بالطاعة، ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.

وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه..

31 - ومنها: ما كتب عليه السلام في جواب عقيل:.. فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنهم قد اجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي فجزت قريشا عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي.

وفي كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة: فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه [وآله] قبل اليوم.

32 - ومنها: ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى أهل مصر - وهم العمدة في قتل عثمان -: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه وضرب الجور سرادقه على البر والفاجر والمقيم والظاعن، فلا معروف يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه.

33 - ومنها: ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري:.. بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله..

34 - ومنها: ما كتب عليه السلام في كتاب له إلى أهل مصر:.. فلما مضى تنازع المسلمون الامر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تعرج هذا الامر من بعده (ص) عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده..

35 - ثم كتب عليه السلام بعد ما ذكر بيعة الناس له:.. فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه..

36 - ومنها: قوله عليه السلام: قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لائح، واعتدل مائل، واستبدل الله بقوم قوما وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر، وإنما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه..

37 - ومنها: قوله عليه السلام في البيعة:.. فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري.

وقد مر في هذا الكتاب وسيأتي من تظلمه عليه السلام منهم وشكايته عليه السلام عنهم، وقدحه فيهم، لا سيما ما أوردناه في باب غصب الخلافة، وباب مثالب الثلاثة، وباب ما جرى بينه وبين عثمان، وما ذكره في الاحتجاج على من يطلب ثاره، وما ذكره لأبي ذر عند إخراجه.. ما لو أعداناه لكان أكثر مما أوردنا بكثير، لكن الامر على الطالب يسير، والجرعة تدل على الغدير، والحبة على البيدر الكبير.

وقد قال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السلام: اللهم إني أستعديك

على قريش. قد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم واستنجد واستصرخ حتى سأموه الحضور والبيعة، وأنه قال - وهو يشير إلى القبر -:

ي‍: [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] وأنه قال: وا جعفراه! ولا جعفر لي اليوم، وا حمزتاه! ولا حمزة لي اليوم.

وقال في شرح قوله عليه السلام: وقد قال لي قائل: إنك على هذا الامر يا بن أبي طالب لحريص، وهو قوله عليه السلام: إن لنا حقا، إن نعطه نأخذه وإلا نركب له أعجاز الإبل وإن طال السرى.

وقد ذكره الهروي في الغريبين، وفسره بوجهين.

وقال الجزري في النهاية: منه حديث علي عليه السلام: لنا حق... وذكر الخبر ثم قال: الركوب على اعجاز الإبل شاق.. أي منعنا حقنا ركبنا مركب المشقة صابرين عليها وإن طال الأمد.

وقال: ضرب أعجاز الإبل مثلا لتأخره عن حقه الذي كان يراه له، وتقدم غيره عليه، وأنه يصبر على ذلك وان طال أمده.. أي ان قدمنا للإمامة تقدمنا وان اخرنا صبرنا على الأثرة وان طالت الأيام.

وقيل: يجوز أن يريدوا ان تمنعه ببذل الجهد في طلبه فعل من يضرب في طلبته أكباد الإبل ولا يبالي باحتمال طول السرى، والأولان أوجه، لأنه سلم وصبر على التأخر ولم يقاتل، وإنما قاتل بعد انعقاد الإمامة له. انتهى.

ورواه ابن قتيبة، وقال: معناه ركبنا مركب الضيم والذل، لان راكب عجز البعير يجد مشقة، لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال، ويجوز أن يكون أراد نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا، لان راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره.

وروى ابن أبي الحديد أيضا أن فاطمة صلوات الله عليها حرضته يوما على النهوض والوثوب، فسمع صوت المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لها: أيسرك زوال هذا النداء من الأرض؟! قالت: لا. قال:

فإنه ما أقول لك.

وروى - أيضا -، عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام: ما رأيت منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله

رخاء، لقد أخافتني قريش صغيرا وأنصبتني كبيرا حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت الطامة الكبرى، [والله المستعان على ما تصفون].

وروى ابن قتيبة - وهو من أعاظم رواة المخالفين - في كتاب الإمامة والسياسة أن عليا عليه السلام أتي به أبو بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله! فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم، و لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله تأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لمكان محمد (ص) منكم؟! فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة، فأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله (ص) حيا وميتا فانصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع!. فقال له علي (ع): احلب حلبا لك شطره اشدده له اليوم

يردده عليك غدا، ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك، ولا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني فلا أكرهك. فقال علي عليه السلام: يا معشر المهاجرين!

الله.. الله لا تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه وآله في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعوا أهله عن مقامه من الناس وحقه، فوالله - يا معشر المهاجرين - لنحن أهل البيت أحق بهذا الامر منكم، ما كان فيها القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم قال ابن قتيبة : وفي رواية أخرى: أخرجوا عليا عليه السلام فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع. فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟!. فقالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله.

فقال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسول الله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟. فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي عليه السلام بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله يصيح ويبكي وينادي ي‍: [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني]..

ثم ذكر ابن قتيبة انهما جاءا إلى فاطمة عليها السلام معتذرين، فقالت:

نشدتكما بالله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رضا فاطمة من

رضاي وسخط فاطمة ابنتي من سخطي؟. ومن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟. قالا: نعم، سمعناه. قالت:

فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله لأشكونكما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة.

ثم انتحب أبو بكر باكيا تكاد نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة، وأبو بكر يبكي ويقول: والله لأدعون الله لك في كل صلاة اصليها.. ثم خرج باكيا.

38 - وروى أيضا ابن قتيبة أن عليا عليه السلام قال: فاجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي، وسلمت ذلك منها لمن ليس في قرابتي وحقي في الاسلام، وسابقتني التي لا يدعي مثلها مدع إلا أن يدعي ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه.

39 - وروى أيضا أنه قال للحسن عليهما السلام: وأيم الله - يا بني - ما زلت مظلوما مبغيا علي منذ هلك جدك صلى الله عليه وآله.

40 - وروى ابن أبي الحديد أن عليا عليه السلام قال: - وقد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم -، فقال: هلم فلنصرخ معا، فإني ما زلت مظلوما.

41 - وقال : قال علي عليه السلام: ما زلت مستأثرا علي مدفوعا عما أستحقه وأستوجبه.

42 - وقال عليه السلام: اللهم أجز قريشا فإنها منعتني حقي وغصبتني أمري.

43 - وروى أيضا، عن جابر، عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقي، وأجمعوا على منازعتي أمرا كنت أولى به.

44 - و عن الشعبي، عن شريح بن هاني، قال: قال علي عليه السلام:

اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي ووضعوا إنائي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي.

45 - وروى السيد ابن طاوس في كتاب الطرائف من الصحيحين

والجمع بينهما للحميدي بإسنادهم عن مالك بن أوس قال: قال عمر للعباس وعلي عليه السلام ما هذا لفظه: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله.. فجئتما، أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها..

فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق؟! ثم توفي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله ولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا؟! والله يعلم أني لصادق بار تابع للحق! فوليتها، ثم جئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما: ادفعها إلينا.

أقول: قد رأيت هذا الخبر في الصحيحين وحكاه في جامع الأصول عنهما وعن الترمذي والنسائي وأبي داود، عن الحميدي بألفاظ مختلفة..

من أراد الاطلاع عليه فليراجعه.

46 - وقال السيد المرتضى علم الهدى رضي الله عنه في الشافي: قد روى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين عليه السلام والعباس لما تنازعا في الميراث وتخاصما إلى عمر، قال عمر: من يعذرني من هذين، ولي أبو بكر. فقالا: عق وظلم، والله يعلم أنه كان برا تقيا، ثم وليت فقالا: عق وظلم. وغير خاف عليهم وإنما كانوا يجاملونه ويجاملهم.

47 - وروى أحمد بن أعثم الكوفي في تاريخه، قال: كتب معاوية إلى علي عليه السلام: أما بعد، فإن الحسد عشرة أجزاء تسعة منها فيك وواحد منها في سائر الناس، وذلك إنه لم يل أمور هذه الأمة أحد بعد النبي صلى الله عليه [وآله] إلا وله قد حسدت، وعليه تعديت، وعرفنا ذلك منك في النظر الشزر، وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره، ثم إني لا أنسى فعلك بعثمان بن عفان على قلة الشرح والبيان، ووالله الذي لا إله هو لنطلبن قتلة

عثمان في البر والبحر والجبال والرمال حتى نقتلهم أو لنلحقن أرواحنا بالله، والسلام.

فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد، فإنه أتاني كتابك تذكر فيه حسدي للخلفاء، وإبطائي عليهم، والنكير لأمرهم فلست أعتذر من ذلك إليك ولا إلى غيرك، وذلك أنه لما قبض النبي صلى الله عليه [وآله] واختلف الأمة، قالت قريش: منا الأمير، وقالت الأنصار: بل منا الأمير، فقالت قريش: محمد صلى الله عليه [وآله] منا، ونحن أحق بالامر منكم، فسلمت الأنصار لقريش الولاية والسلطان، فإنما تستحقها قريش بمحمد صلى الله عليه [وآله] دون الأنصار، فنحن أهل البيت أحق بهذا من غيرنا.. إلى قوله عليه السلام:

وقد كان أبوك أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايع الناس فيه أبا بكر، فقال لي: أنت أحق بهذا الامر من غيرك، وأنا يدك على من خالفك، وإن شئت لأملأن المدينة خيلا ورجلا على ابن أبي قحافة، فلم أقبل ذلك، والله يعلم أن أباك قد فعل ذلك فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الاسلام، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه لي فقد أصبت رشدك، وإن أبيت فها أنا قاصد إليك، والسلام.

48 - وروى ابن أبي الحديد، عن الكلبي قال: لما أراد علي عليه السلام

المسير إلى البصرة، قام فخطب الناس، فقال - بعد أن حمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله -:.. إن الله لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله استأثرت علينا قريش بالامر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالاسلام، والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن، ويعتكه أقل خلف، فولي الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، والله ولي تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم.

49 - وروى - أيضا -، عن علي بن محمد المدائني، عن عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أول إمارة علي عليه السلام، فمررت بمكة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه، فشخصت الابصار نحوه، فحمد الله وصلى على رسوله صلى الله

عليه وآله، ثم قال:

أما بعد، فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انتزى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الامرة لغيرنا، وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ويتغزر علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، وخشنت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الناس ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني - أيها الناس - من بيتي فبايعتموني..

50 - وقال السيد الجليل ابن طاوس في كتاب الطرائف: روى أبو بكر أحمد بن مردويه في كتابه - وهو من أعيان أئمتهم - ورواه أيضا المسمى عندهم صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي في كتاب الأربعين، قال: عن الامام الطبراني، عن سعيد الرازي، عن محمد بن حميد، عن زافر بن سليمان، عن الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل، قال:

كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليا عليه

السلام يقول: بايع الناس أبا بكر وأنا - والله - أولى بالامر منه وأحق به منه ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع أبا بكر لعمر وأنا أولى بالامر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع.

51 - وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه أيضا.. وساق قول علي بن أبي طالب عليه السلام عن مبايعتهم لأبي بكر وعمر كما ذكره في الرواية المتقدمة سواء، إلا أنه قال في عثمان: ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع، إن عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لي فضلا في الصلاح ولا يعرفونه لي، كأنما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم لتكلمت ثم لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم ولا المعاهد منكم ولا المشرك رد خصلة منها، ثم قال:

أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري؟! قالوا: لا..، ثم ساق الحديث في ذكر مناقبه عليه السلام إلى آخر ما سيأتي في باب الشورى بأسانيد جمة وطرق مختلفة.

ثم قال السيد رضي الله عنه: ومن طرائف ما نقلوه في كتبهم المعتبرة برواية رؤسائهم من إظهار علي بن أبي طالب عليه السلام الكراهية من تقدم أبي بكر وعمر وعثمان في الخلافة، وأنه كان أحق بها منهم بمحضر الخلق الكثير على المنابر وعلى رؤس الاشهاد ما ذكره جماعة من أهل التواريخ والعلماء.

52 - وذكر ابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل في الخطبة التي خطب بها علي بن أبي طالب عليه السلام عقيب مبايعة الناس له - وهي أول خطبة خطبها - فقال، بعد إشارات ظاهرة وباطنة إلى التألم ممن تقدمه وممن وافقهم - ما هذا لفظه -: وقد كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كثيرا كنتم فيها غير محمودين.

وقال ابن عبد ربه: لم تكونوا فيها محمودين، أما إني لو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف، سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه، ويله! لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له، انظروا فإن أنكرتم فأنكروا وإن عرفتم فاعرفوا..

ثم يقول في آخرها ما هذا لفظه - على ما حكاه صاحب كتاب العقد -: ألا ان الأبرار من عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلمهم كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يرد تره كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقهم، وبنا فتح الأبواب، وبنا يختم.

أقول: ومما يؤيد شكايته عليه السلام عنهم ما سيأتي من سوء معاشرتهم له عليه السلام وسعيهم في إطفاء نوره وإضمار ذكره.

53 - وروى ابن أبي الحديد، عن ابن عباس أنه قال: دخلت يوما على عمر، فقال لي: يا بن عباس! لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلت رياء.

قلت: من هو؟.

قال عمر: الأجلح - يعني عليا عليه السلام -.

قلت: وما يقصد بالرياء يا أمير المؤمنين؟.

قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة.

قلت: وما يصنع بالترشيح؟! قد رشحه لها رسول الله صلى الله عليه وآله فصرفت عنه.

قال: إنه كان شابا حدثا فاستصغرت العرب سنه، وقد كمل الآن، ألم تعلم أن الله لم يبعث نبيا إلا بعد الأربعين؟!.

قلت: يا أمير المؤمنين! أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع الله منار الاسلام، ولكنهم يعدونه محروما محدودا.

فقال: أما إنه سيليها بعد هياط ومياط، ثم تزل فيها قدمه، ولا يقضي

فيها إربه، ولتكونن شاهدا ذلك يا عبد الله، ثم يتبين الصبح لذي عينين، ويعلم العرب صحة رأي المهاجرين الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء، فليتني أراكم بعدي - يا عبد الله - إن الحرص محرمة، وإن الدنيا كظلك كما هممت به ازداد عنك بعدا.

قال: ونقلت هذا الخبر من أمالي محمد بن حبيب.

وروى - أيضا - عن ابن عباس أنه قال: خرجت مع عمر إلى الشام فانفرد يوما يسير على بعيره فاتبعته، فقال لي: يا بن عباس! أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولا أزال أراه واجدا، فبما تظن موجدته (9)؟.

قلت: يا أمير المؤمنين! إنك لتعلم.

قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة.

قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد الامر له.

فقال: يا بن عباس! وأراد رسول الله صلى الله عليه وآله فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك! إن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أمر وأراد الله غيره، نفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسول الله، أو كلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله

كان؟! إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله فلم يسلم!.

54 - قال: وقد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أن يذكره للامر في مرضه فصددته عنه خوفا من الفتنة وانتشار أمر الاسلام، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم.

أقول: قد سبق وسيأتي في أخبار فدك وغيرها ما يؤيد ذلك.

توضيح:

قوله عليه السلام: وضعوا انائي.. الظاهر: أكفؤوا كما مر، وعلى تقديره لعل المعنى وضعوا عندهم للاكل أو ضيعوه وحقروه، والأصوب: أصغوا - كما في بعض النسخ -.. أي أمالوه لينصب ما فيه، وهذا مثل شايع.

قال الجوهري: أصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه، وأصغيت الاناء: أملته، يقال: فلان مصغى اناؤه: إذا نقص حقه.

وقال في النهاية: الوطب: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن.. ومنه الحديث والأوطاب تمخض ليخرج زبدها.

وعتك: اللبن - كضرب -: اشتدت حموضته.

والانتزاء: تسرع الانسان إلى الشر، افتعال من النزو، وهو الوثوب.

والسوقة - بالضم -: الرعية، ومن دون الملك من الناس، وما يظن أنهم أهل الأسواق فهو وهم.

وقال الفيروزآبادي: ما زال في هياط ومياط - بكسر هما -: دنو وتباعد.

وقال: تهايطوا: اجتمعوا واصلحوا أمرهم. وقال: المياط - ككتاب -: الدفع والزجر والميل والادبار، وأشد الشوق في المصدر.

تذييل:

أقول: لا يخفى على المنصف - بعد ما أوردناه من الاخبار - بطلان خلافة الغاصبين زائدا على ما قدمناه، ولنوضح ذلك بوجوه:

الأول: إن الجمهور تمسكوا في ذلك بما ادعوه من الاجماع واعترفوا بعدم النص، فإذا ثبت تألمه وتظلمه عليه السلام قبل البيعة وبعدها ثبت عدم انعقاد الاجماع على خلافة أبي بكر، وكيف يدعي عاقل - بعد الاطلاع على تظلماته عليه السلام وإنكاره لخلافتهم قبل البيعة وبعدها - كونها على وجه الرضا دون الاجبار والاكراه؟!.

الثاني: إن إجباره صلوات الله عليه وآله على البيعة على الوجه الشنيع الذي رويناه من طريق المؤالف والمخالف وتهديده بالقتل، وتشبيهه عليه السلام بثعلب يشهد له ذنبه، وبأم طحال، وإسناد ملازمة كل فتنة إليه على رؤس الاشهاد و..

غير ذلك من غصب حق فاطمة عليها السلام وما جرى من المشاجرات بينه عليه السلام وبينهم كما مر وسيأتي، وأشباه ذلك إيذاء له عليه السلام وإعلان لبغضه وعداوته وشتم له.

وسيأتي أخبار متواترة من طرق الخاص والعام تدل على كفر من سبه ونفاق من أبغضه وعاداه، وأنه عدو الله وعدو رسوله صلى الله عليه وآله، ولا ريب أن لهم بدفع أحد عن مقامه اللائق به وحطه عن درجته وإتيان ما ينافي احترامه من أشنع المعاداة، مع أنه قال عمر: إذن نضرب عنقك، وكذبه عليه السلام في دعوى المؤاخاة..

ولا يريب ذو مسكة من العقل في أن الكافر والمنافق ومن يحذو حذوهما لا يصلحان لخلافة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله.

55 - وقد روى في المشكاة - الذي هو من أصولهم المتداولة اليوم - عن زر بن حبيش قال: قال لي علي رضي الله عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد إلي النبي الأمي صلى الله عليه وآله أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.

56 - وروى - أيضا - بأسانيد، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يجب عليا عليه السلام منافق ولا يبغضه مؤمن.

قال: رواه أحمد والترمذي عنها رضي الله عنها أيضا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سب عليا عليه السلام فقد سبني، قال:

رواه أحمد.

57 - وروى ابن شيرويه الديلمي - وهو من مشاهير محدثيهم - في كتاب الفردوس في باب الميم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سب عليا عليه السلام فقد سبني ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله نار جهنم، وله عذاب عظيم.

58 - وعن سلمان، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي! محبك محبي ومبغضك مبغضي.

59 - وعن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

يا علي! ما يبغضك من الرجال إلا منافق ومن حملته أمه وهي حائض.

60 - وروى أيضا في باب الثاء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث من كن فيه فليس مني ولا أنا منه: من أبغض عليا

ونصب لأهل بيتي، ومن قال: الايمان كلام.

61 - وروى في جامع الأصول، عن أبي سلمة، قال: إنا كنا لنعرف المنافقين - نحن معاشر الأنصار - ببغضهم علي بن أبي طالب [عليه السلام]، قال: أخرجه الترمذي.

62 - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يحب عليا [عليه السلام] منافق ولا يبغضه مؤمن، قال: أخرجه الترمذي.

وعن زر بن حبيش، قال: سمعت عليا [عليه السلام] يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.

قال: أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

63 - وقال ابن عبد البر في الاستيعاب - وهو من كتبهم المعتبرة المتداولة التي عليها اعتمادهم - روت طائفة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي عليه السلام: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.

64 - قال: وكان علي عليه السلام يقول: والله إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.

65 - وقال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.

66 - وقال: روى عمار الدهني، عن الزبير، عن جابر، قال: ما كنا نعرف المنافين إلا ببغض علي بن أبي طالب، ثم قال - بعد ذكر أخبار كثيرة

أخرى في فضائله عليه السلام -: ولهذه الاخبار طرق صحاح قد ذكرناها في موضعها.

67 - وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج، عن شيخه أبي القاسم البلخي، أنه قال: قد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب عند المحدثين فيها أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: لا يبغضك إلا منافق ولا يحبك إلا مؤمن.

أقول : سنورد في المجلد التاسع في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه تلك الأخبار وغيرها مما يدل على ما نحن بصدده من طريق الخاصة والعامة، وإنما أوردت هاهنا قليلا منها من كتبهم المعتبرة المتداولة لئلا يحتاج الناظر في هذا المجلد إلى الرجوع إلى غيره، وكفى في ذلك مما ذكروه متواترا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوم غدير خم: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.