بحارالانوار · المجلد الثامن
15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين
ج ۳۰، ص ۵۱۰–۵۵۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۶ از ۲۲
الأب والام، وهم الاخوة من الطرفين أو من أحدهما، وقد دلت آية الميراث في أول سورة النساء على حكم من كان من قبل الام منهم، وفي آخر السورة على حكم من كان من قبل الأب والام أو من قبل الأب، سميت كلالة لإحاطتها بالرجل كالإكليل بالرأس - وهو ما يزين بالجوهر - شبه العصابة، أو لأنها مأخوذة من الكل لكونها ثقلا على الرجل، والذي رواه قوم من المفسرين عن أبي بكر و عمر وابن عباس - في أحد الروايتين - عنه أنها من عدا الوالد والولد. وفي الرواية الأخرى عن ابن عباس أنها من عدا الولد.
أقول: يرد هنا طعن آخر على أبي بكر، بل على صاحبه، وهو أنهما فسرا القرآن برأيهم -، كما صرح به أبو بكر - ورووا في صحاحهم المنع من ذلك،
ومن فسر القرآن برأيه فقد كفر، وروى في المشكاة والمصابيح، عن الترمذي، عن ابن عباس، قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
وفي رواية: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
وعن الترمذي وأبي داود، عن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.
وعن أحمد وابن ماجة بإسنادهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي صلى الله عليه [وآله] قوما يتدارؤن في القرآن، فقال:
إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه. والاخبار في ذلك كثيرة.
وقال الفخر الرازي: اختار أبو بكر أن الكلالة عبارة عن سوى الوالدين والولد، وهذا هو المختار، وأما عمر فإنه كان يقول: الكلالة ما سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال: كنت أرى الكلالة من لا ولد له وأنا أستحيي أن أخالف أبا بكر.
وعن عمر فيه رواية أخرى وهو التوقف، وكان يقول: ثلاثة لان يكون بينها الرسول (ص) لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها، الكلالة، والخلافة، والربا.
انتهى.
ولا يشتبه على الفطن الناظر في مثل هذه الروايات أن آراءهم لم يتفرع عن أصل وليست إلا اتباعا للأهواء وقولا في أحكام الله بغير علم ولا هدى من الله، ولو كان ما رآه عمر في الكلالة اجتهادا منه - كما زعموا - لما جاز له الحكم بخلافه استحياء من خلاف أبي بكر، والله ورسوله أحق بأن يستحي منهما، ومن لا يستحي من أن يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليهجر، فاللائق
بحاله أن لا يستحي من أحد، وتمنيه أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله بين لهم الخلافة دليل واضح على شكه في خلافة أبي بكر وفي خلافته، كما سبق ما يدل على الشك عن أبي بكر، وما جعله دليلا على اجتهادا أبي بكر - من أن له في المسائل أقوالا مشهورة عند أهل العلم - فأول ما فيه أنه افتراء على أبي بكر، وأين هذه الأقوال المشهورة التي لم يسمعها أحد؟! ومن لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله في مدة البعثة، وقد كان - بزعمهم الفاسد - أول الناس إسلاما، وكان من بطانته وصاحبا له في الغار غير مفارق عنه في الاسفار - إلا مائة واثنين وأربعين حديثا، مع ما وضعه في ميراث الأنبياء لحرمان أهل البيت عليهم السلام ودفنهم حيث يموتون لان يدفن النبي صلى الله عليه وآله في بيت عائشة ويسهل ما أوصى به من دفنه مع الرسول صلى الله عليه وآله وغير ذلك لأغراض أخر، فمبلغ علمه وكثرة أقواله ظاهر لأولي الألباب.
ثم لو سلمت كثرة أقواله فليس مجرد القول دليلا على الاجتهاد والقوة في العلم، ومن تتبع آثارهم وأخبارهم علم أنه ليس فيها ما يدل على دقة النظر وجودة الاستنباط، بل فيها ما يستدل به على دناءة الفطرة وركاكة الفهم، كما لا يخفى على المتتبع.
وأما قطع يسار السارق في المرة الأولى فهو خلاف الاجماع، وقد اعترف به الفخر الرازي في تفسير آية السرقة، ولو كان من غلط الجلاد لا نكره عليه أبو بكر وبحث عن الحال، هل كان عن تعمد من الجلاد فيقاصه بفعله أو على السهو والخطأ فيعمل بمقتضاه؟ وكون القطع في المرة الثالثة خلاف المنقول، ولم يبد هذا الاحتمال أحد غير الفخر الرازي وتبعه المتأخرون عنه.
وأما الاجتهاد في إحراق فجاءة السلمي فهو من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص، وقد قامت الأدلة على بطلانه، وما ذكره من عدم قبول توبته لأنه زنديق فاسد، إذ لم ينقل أحد عن فجاءة إلا الإغارة على قوم من المسلمين، ومجرد ذلك ليس زندقة حتى لا تقبل توبته، وقد ذكر في المواقف في الطعن أنه كان يقول:
أنا مسلم.. ولم يمنعه في مقام الجواب.
واعلم أن الرواية الدالة على عدم التعذيب بالنار من الروايات الصحيحة عند العامة، ورواه البخاري في باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد عن أبي هريرة وعن ابن عباس.
ورواه ابن أبي الحديد أيضا.
والذي رواه أصحابنا ما روي في الفقيه وغيره، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى أن يحرق شئ من الحيوان بالنار، لكن في بعض أخبارنا ما ينافي هذا العموم، وسيأتي الكلام فيه في كتاب المناهي إن شاء الله تعالى، ولا يضر ذلك في الطعن، لان بناءه على الالزام لاعتراف العامة بصحتها.
وما روي من فعل أمير المؤمنين عليه السلام فهو عندنا استناد إلى نص خاص ورثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعند العامة استناد إلى الاجتهاد،
فلا مطعن فيه بالاتفاق.
* * * * *
خاتمة في ذكر ولادة أبي بكر ووفاته وبعض أحواله قال المخالفون: كان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، واسمه: عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وقيل اسمه: عتيق، وقيل: كان اسمه: عبد رب الكعبة، فسماه النبي صلى الله عليه وآله: عبد الله، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب.
غصب الخلافة ثاني يوم مات فيه النبي صلى الله عليه وآله، ومات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بين المغرب والعشاء وله ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وستون، والأول أشهر. وكانت مدة خلافته المغصوبة سنتين وأربعة أشهر.
وقال في الاختصاص: مات وهو ابن ثلاث وستين سنة، وولي الامر سنتين وستة أشهر.
ثم اعلم أنه لم يكن له نسب شريف ولا حسب منيف، وكان في الاسلام خياطا، وفي الجاهلية معلم الصبيان، ونعم ما قيل:
كفى للمرء نقصا أن يقال بأنه * معلم أطفال وإن كان فاضلا وكان أبوه سيئ الحال ضعيفا، وكان كسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي لا يقدر على غيره، فلما عمي وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد الله ابن جدعان - من رؤساء مكة - فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لاحضار الأضياف، وجعل له على ذلك ما يعونه من الطعام، ذكر ذلك جماعة منهم الكلبي في كتاب المثالب - على ما أورده في الصراط المستقيم - ولذا قال أبو سفيان لعلي عليه لاسلام - بعد ما غصب الخلافة -: - أرضيتم يا بني عبد مناف! - أن يلي عليكم تيمي رذل؟!، وقال أبو قحافة: ما رواه ابن حجر في صواعقه حيث قال: وأخرج الحاكم أن أبا قحافة لما سمع بولاية ابنه قال: هل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟. قالوا: نعم. قال: اللهم لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت.
وقالت فاطمة عليها السلام - في بعض كلماتها -: إنه من أعجاز قريش وأذنابها. وقال بعض الظرفاء: بل من ذوي أذنابها.
وقال صاحب إلزام النواصب: أجمع النسابون أن أبا قحافة كان حبرا لليهود يعلم أولادهم.
والعجب أنهم مع ذلك يدعون أن الله تعالى أغنى النبي صلى الله عليه وآله بمال أبي بكر.
وعقد الخلافة عند موته لعمر، فحمل أثقاله مع أثقاله، وأضاف وباله إلى وباله.
وقال ابن أبي الحديد - في كيفية ذلك - أنه أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه - فأمر أن يكتب عهدا، وقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به عبد الله بن عثمان إلى المسلمين أما بعد،.. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم ابن الخطاب، وأفاق أبو بكر، فقال: إقرأ فقرأه، فكبر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي!
قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله، ثم أتم العهد وأمره أن يقرأ على الناس فقرأ، ثم أوصى إلى عمر بوصايا.
قال: وروى كثير من الناس أن أبا بكر لما نزل به الموت دعا عبد الرحمن ابن عوف، فقال: أخبرني عن عمر، فقال: إنه أفضل من رأيته إلا أن فيه غلظة. فقال: ذاك لأنه يراني رفيقا ولو قد أفضي الامر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت أراني الشدة عليه، ثم دعا عثمان، فقال: أخبرني عن عمر. فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله. فقال لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركت عمر ما عدوتك يا عثمان، والخيرة لك أن لا تلي من أمورهم شيئا، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا، وكنت فيمن مضى من سلفكم.
ودخل طلحة على أبي بكر، فقال: إنه بلغني أنك - يا خليفة رسول الله (ص)! - استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف إذا خلا بهم؟! وأنت غدا لاق ربك فسائلك عن رعيتك!. فقال أبو بكر: أجلسوني.. أجلسوني، ثم قال: أبا لله تخوفني؟!، إذا لقيت ربي فساءلني، قلت: استخلفت عليهم خير أهلك. فقال طلحة: أعمر خير الناس
يا خليفة رسول الله؟!. فاشتد غضبه وقال: إي والله، هو خيرهم وأنت شرهم، أما والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذي يضعها، أتيتني وقد دلكت عينيك تريد أن تفتنني عن ديني، وتزيلني عن رأيي، قم لا أقام الله رجليك، أما والله لئن عشت فواق ناقة وبلغني أنك غمضته فيها أو ذكرته بسوء لألحقنك بخمصات قنة حيث كنتم تسقون ولا تروون، وترعون ولا تشبعون، وأنتم بذلك مبتهجون راضون!. فقام طلحة فخرج.
قال: وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة. انتهى.
وقال في الاستيعاب: قول الأكثر أنه توفي عشية يوم الثلاثاء المذكور.
وقيل: ليلته. وقيل: عشية يوم الاثنين.
قال: ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: سنتين
وثلاثة أشهر وسبع ليال.
وقال ابن إسحاق: توفي على رأس اثنتين وثلاثة أشهر واثني عشر يوما من متوفى رسول الله صلى الله عليه وآله. وقيل: وعشرة أيام. وقيل: وعشرين يوما.
قال: واختلف في السبب الذي مات منه، فذكر الواقدي أنه اغتسل في يوم بارد فحم ومرض خمسة عشر يوما، وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل، وروي عن سلام بن أبي مطيع: إنه سم.
قال: وأوصى بغسله أسماء بنت أبي عميس زوجته فغسلته، وصلى عليه عمر بن الخطاب ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الله بن أبي بكر، ودفن ليلا في بيت عائشة.
أقول: انظروا بعين الانصاف إلى الخلافة الكبرى ورئاسة الدين والدنيا كيف صارت لعبة للجهال وخلسة لأهل الغي والضلال، بحيث يلهم بها الفاسق الفاجر اللئيم عثمان ويكتبها برأيه بدون مصلحة الخليفة الخوان، ثم يمدحه هذا الشقي ويشكره ويجزيه خيرا عن الاسلام وأهله، ولا يقول له: لم اجترأت على هذا الامر الكبير والخطب الخطير الذي يترتب عليه عظائم الأمور بمحض رأيك وهواك، مع أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يجترئ أن يخبر بأدنى حكم بدون
الوحي الإلهي.
ويلزم - على زعمهم - أن يكون أبو بكر وعثمان أشفق على أهل الاسلام والايمان من الرسول الذي أرسله الرحمن لهداية الإنس والجان، لأنه صلى الله عليه وآله - بزعمهم - أهمل أمر الأمة ولم يوص لهم بشئ، وهما أشفقا على الأمة حذرا من ضلالتهم فعينا لهم جاهلا شقيا فظا غليظا ليدعو الناس إلى نصبهم وغباوتهم، ويصرفهم عن أهل بيت نبيهم صلوات الله عليه [كذا].
والعجب من عمر كيف لم يقل لأبي بكر - في تلك الحالة التي يغمى عليه فيها ساعة ويفيق أخرى - إنه ليهجر، ويمنعه من الوصية كما منع نبيه صلى الله عليه وآله ونسبه إلى الهجر؟!.
وكيف اجترأ أبو بكر على ربه في تلك الحالة التي كان يفارق الدنيا ويرد على ربه تعالى فحكم بكون عمر أفضل الصحابة مع كون أمير المؤمنين عليه السلام بينهم، وقال فيه نبيهم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك.. وسائر ما رووه في صحاحهم فيه عليه السلام، وأنزله الله فيه صلوات الله عليه؟!.
وهل يريب لبيب في أن تلك الأمور المتناقضة، والحيل الفاضحة الواضحة لم تكن إلا لتتميم ما أسسوه في الصحيفة الملعونة من منع أهل البيت عليهم السلام عن الخلافة والإمامة، وحطهم عن رتبة الرئاسة والزعامة، جزاهم الله عن الاسلام وأهله شر الجزاء، وتواتر عليهم لعن ملائكة الأرض والسماء.
أقول: وقد مر في باب ما أظهرا من الندامة عند الوفاة ما يناسب هذه خاتمة.
وأما افتخارهم بدفنه في جوار النبي صلى الله عليه وآله فسيأتي فيه.
وروى في الصراط المستقيم بإسناده عن عاصم بن حميد، عن صفوان عن الصادق عليه السلام: أنهما لم يبيتا معه إلا ليلة ثم نقلا إلى واد في جهنم يقال لها: واد الدود.
NoteV30P529N23 باب تفصيل مثالب عمر والاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الاخبار من صحاحهم، وذكر بعض أحواله وبعض ما حدث في زمانه الطعن الأول:
ما روته العامة والخاصة أنه أراد النبي صلى الله عليه وآله في مرضه أن يكتب لامته كتابا لئلا يضلوا بعده ولا يختلفوا، فطلب دواة وكتفا أو نحو ذلك، فمنع عمر من إحضار ذلك وقال: إنه ليهجر، أو ما يؤدي هذا المعنى، وقد وصفه الله سبحانه بأنه: لا ينطق عن الهوى، وان كلامه ليس إلا وحيا يوحى، وكثر اختلافهم وارتفعت أصواتهم حتى تسأم وتزجر. فقال بعضهم: أحضروا ما طلب. وقال بعضهم: القول ما قال عمر، وقد قال الله سبحانه: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص
الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) *، وقال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *، وقد قدمنا في باب وصية النبي صلى الله عليه وآله في ذلك أخبارا كثيرة من طرق الخاص والعام ولنذكر هنا زائدا على ما تقدم ما يؤيد تلك الأخبار من الجانبين.
فأما الروايات العامية : فروى البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجهاد والسير، ومسلم في كتاب الوصايا، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، أنه سمع ابن عباس يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، قلت يا ابن عباس! ما يوم الخميس؟. قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له أهجر؟! استفهموه؟. فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه.
فأمرهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة: إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها،
قال: قال سفيان: هذا من قول سليمان.
وفي باب جوائز الوفد من الكتاب المذكور، عن سليمان الأحول، عن ابن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فقال:
دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة.
وروى البخاري في باب كتابة العلم من كتاب العلم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه [وآله] وجعه، قال:
إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر: إني النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله.. حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، فقال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبين كتابه.
وفي باب مرض النبي صلى الله عليه وآله مثل الرواية الأولى.
وفي هذا الباب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: لما خضر رسول الله صلى الله عليه [وآله] - وفي البيت رجال - فقال النبي صلى الله عليه [وآله]: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول:
قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: قوموا.
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، لاختلافهم ولغطهم.
وروى البخاري أيضا في باب قول المريض: قوموا عني، من كتاب المرضى.
ومسلم في كتاب الوصايا، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه [وآله] - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب -، قال النبي صلى الله عليه [وآله]: هلم أكتب لكم كتابا.. وساق الحديث مثل ما مر آنفا.
وروى مسلم في الكتاب المذكور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]:
إئتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب كتابا لن تضلوا بعده أبدا.
فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] يهجر.
وقد حكى في جامع الأصول الاخبار في هذا المعنى، عن البخاري ومسلم.
وروى السيد ابن طاوس قدس الله روحه في كتاب كشف اليقين من كتاب الجمع بين الصحيحين: جمع الحافظ محمد بن أبي نصر بن عبد الله
الحميدي من نسخة - عليها عدة سماعات وإجازات تاريخ بعضها سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ما هذا لفظه -: قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس - في رواية: ثم بكى حتى بل دمعه الحصى -، فقلت : يا بن عباس!
وما يوم الخميس؟. قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه [وآله] وجعه، فقال:
ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع -. فقالوا: ما شأنه، هجر؟ استفهموه؟. فذهبوا يرددون عليه، فقال:
ذروني.. دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه.
وفي رواية من الحديث الرابع من الصحيحين: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه [وآله] وبين كتابه.
وروى حديث الكتاب - الذي أراد أن يكتبه رسول الله صلى الله عليه وآله لامته لأمانهم من الضلالة عن رسالته - جابر بن عبد الله الأنصاري - في المتفق عليه من صحيح مسلم - فقال في الحديث السادس والتسعين من أفراد مسلم من مسند جابر بن عبد الله ما هذا لفظه: قال: ودعى رسول الله صلى الله عليه [وآله] بصحيفة عند موته فأراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده، وكثر اللغط وتكلم عمر، فرفضها صلى الله عليه [وآله].
وقال رضي الله عنه في كتاب الطرائف: من أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعا أن نبيهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده أبدا وأن
عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب وسبب ضلال من ضل من أمته، وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم، وتلف الأموال، واختلاف الشريعة، وهلاك اثنين وسبعين فرقة من أصل فرق الاسلام، وسبب خلود من يخلد في النار منهم، ومع هذا كله فإن أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب، الذي قد شهدوا عليه بهذه الأحوال في الخلافة وعظموه وكفروا بعد ذلك من يطعن فيه - وهم من جملة الطاعنين - وضللوا من يذمه - وهم من جملة الذامين - وتبرؤا ممن يقبح ذكره وهم من جملة المقبحين..
فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه في صحته من مسند عبد الله بن عباس قال: لما احتضر النبي صلى الله عليه وآله - وفي بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب -، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقال عمر بن الخطاب: إن النبي صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبكم كتاب ربكم.
وفي رواية ابن عمر - من غير كتاب الحميدي -، قال عمر: إن الرجل ليهجر.
وفي كتاب الحميدي: قالوا: ما شأنه، هجر؟.
وفي المجلد الثاني من صحيح مسلم: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] يحجر....
قال الحميدي: فاختلف الحاضرون عند النبي صلى الله عليه وآله، فبعضهم يقول القول ما قاله النبي صلى الله عليه وآله، فقربوا إليه كتابا يكتب لكم، ومنهم من يقول القول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاط، قال النبي صلى الله عليه وآله: قوموا عني فلا ينبغي عندي التنازع، فكان ابن عباس يبكي حتى تبل دموعه الحصى، ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس. قال راوي الحديث: فقلت: يا بن عباس! وما يوم الخميس؟. فذكره عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك الكتاب، وكان يقول:
الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه.
أقول: الهجر: الهذيان. قال في جامع الأصول في شرح غريب الميم:
الهجر - بالفتح -: الهذيان، وهو النطق بما لا يفهم، يقال: هجر فلان إذا هذى، وأهجر: نطق بالفحش، والهجر - بالضم -: النطق بالفحش.
وفي القاموس: هجر في نومه ومرضه هجرا - بالضم -..: هذى، وفي الصحاح: الهجر..: الهذيان، وقد هجر المريض يهجر هجرا فهو هاجر
والكلام مهجور. قال أبو عبيد: يروى عن إبراهيم ما يثبت هذا القول في قوله تعالى: * (إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) * قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق. وعن مجاهد نحوه.
فظهر أن إنكار بعضهم كون الهجر بمعنى الهذيان من أفحش الهذيان.
وقد اعترف ابن حجر - مع شدة تعصبه - بأنه بمعنى الهذيان، في مقدمة شرحه لصحيح البخاري.
واللغط - بالتسكين والتحريك -: الصوت والجلبة أو أصوات مبهمة لا تفهم.
والرزية: المصيبة.
ثم اعلم أن قاضي القضاة في المغني لم يتعرض لدفع هذا الطعن عن عمر ابن الخطاب، وكذلك كثير من العامة كشارح المقاصد وغيره، ولم يذكره السيد
الاجل رضي الله عنه في الشافي لكون نظره فيه مقصورا على دفع كلام صاحب المغني، وقد تصدى القاضي عياض المالكي في كتابه الموسوم ب: الشفاء لدفعه وتوجيه الاختلاف الصادر عن الأصحاب بوجوه نذكرها مع ما يرد على كلامه، قال:
أولا: فإن قلت: قد تقررت عصمة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في أقواله في جميع أحواله، وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ولا سهو، ولا صحة ولا مرض، ولا جد ولا مزاح، ولا رضى ولا غضب، فما معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه [وآله] وسلم الذي حدثنا به القاضي أبو علي، عن أبي الوليد، عن أبي ذر، عن أبي محمد وأبي الهيثم وأبي إسحاق جميعا، عن محمد بن يوسف، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم - وفي البيت رجال - قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده. فقال بعضهم:
إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم غلبه الوجع.. الحديث. وفي رواية:
أئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فتنازعوا، فقالوا: ما له؟ أهجر؟
استفهموه. فقال: دعوني فإن الذي أنا فيه خير. وفي بعض طرقه أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم هجر، وفي رواية: هجر، ويروى: أهجر، ويروى:
أهجرا، وفيه: فقال عمر: إن النبي (ص) قد اشتد به الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، وكثرت اللغط. فقال: قوموا عني. وفي رواية: واختلف أهل البيت
واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كتابا، ومنهم من يقول القول ما قال عمر: قال أئمتنا في هذا الحديث:
النبي صلى الله عليه [وآله ] وسلم غير معصوم من الأمراض، ما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشي.. ونحوه مما يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته، ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان واختلال في كلام، وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث: هجرا إذ معناه هذي، يقال: هجر هجرا إذا هذى، وأهجر هجرا إذا أفحش، وأهجر تعدية هجر، وإنما الأصح والأولى: أهجر! على طريق الانكار، على من قال: لا يكتب، وهكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة، و في حديث الزهري المتقدم وفي حديث محمد بن سلام، عن ابن عيينة وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر - على حذف ألف الاستفهام - والتقدير: أهجرا، وان يحمل قول القائل هجرا واهجر على دهشة من قائل ذلك وحيرة لعظم ما شاهد من حال الرسول صلى الله عليه [وآله] وشدة وجعه، وهول المقام الذي اختلف فيه عليه، والامر الذي هم بالكتاب فيه حق لم يضبط هذا القائل لفظه، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع، لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر كما حملهم
الاشفاق على حراسته، والله تعالى يقول: * (والله يعصمك من الناس) * ونحو هذا، وأما على رواية: أهجرا فقد يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وآله ومخاطبة لهم من بعضهم، أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه هجرا ومنكرا من القول، والهجر - بضم الهاء -: الفحش في المنطق.
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، وكيف اختلفوا بعد أمره لهم أن يأتوه بالكتاب، فقال بعضهم: أوامر النبي صلى الله عليه [وآله] يفهم إيجابها من ندبها وندبها من إباحتها بقرائن، فلعله قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم يكن منه عزمة بل رده إلى اختيارهم، وبعضهم لم يفهم ذلك. فقال: استفهموه؟ فلما اختلفوا كف عنه إذ لم يكن عزمة، ولما رأوه من صواب رأي عمر، ثم هؤلاء قالوا: ويكون امتناع عمر إما إشفاقا على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم من تكلفه في تلك الحال إملاء الكتاب، وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: إن النبي صلى إليه عليه [وآله] وسلم: اشتد به الوجع.
وقيل: خشي عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج و العصيان بالمخالفة، ورأي أن الأوفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد وحكم النظر، وطلب الثواب، فيكون المخطئ والمصيب مأجورا. وقد علم عمر تقرر
الشرع وتأسس الملة، وأن الله تعالى قال: * (اليوم أكملت لكم دينكم) *، وقوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أوصيكم بكتاب الله وعترتي. وقول عمر:
حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وآله.
وقد قيل: إن عمر قد خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض و لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل، كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك.
وقيل: إنه كان من النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم على طريق المشورة والاختبار، هل يتفقون على ذلك أم يختلفون؟ فلما اختلفوا تركه.
وقالت طائفة أخرى: إن معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتداء بالامر به بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعلي (ع): انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فإن كان الامر فينا علمناه، وكراهة علي (ع) هذا، وقوله: والله لا أفعل واستدل بقوله (ص): دعوني فالذي أنا فيه خير.. أي الذي أنا فيه خير من إرسال الامر وترككم كتاب الله وإن تدعوني من الذي طلبتم، وذكر أن الذي طلب كتابة أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك. انتهى كلامه.
ويرد على ما ذكره أولا، وما نقله عن القوم ثانيا وجوه من الايراد:
فأما ما اختاره في تفسير الهجر وتوجيهه فهو هجر تبع فيه إمامه، فإن ما رواه
البخاري في باب العلم صريح في أن عمر نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قد غلبه الوجع، ولا يلزمنا إجابته في إحضار الكتاب، وظاهر أن قائل: ماله أهجر؟ استفهموه، هو قائل: قد قلبه الوجع، وإن مفاد العبارتين واحد، ومعلوم من سياق مجموع الاخبار أن اللغط والاختلاف لم يحصلا إلا من قول عمر، وأن ترك النبي صلى الله عليه وآله الكتابة لم يكن إلا من جهته، وأنه آذاه وأغاظه.
وأما الاعتذار بأنه صدر منه هذا الكلام من الدهشة فهو باطل، لأنه لو كان كذلك لكان يلزمه أن يتدارك ذلك بما يظهر للناس أنه لا يستخف بشأنه صلى الله عليه وآله.
وأيضا لو كان في هذه الدرجة من المحبة له صلى الله عليه وآله بحيث يضطرب بسماع ما هو مظنة وفاته صلى الله عليه وآله إلى حد يختل نظام كلامه لكان تلك الحالة أشد بعد تحقق الوفاة، ولو كان كذلك لم يبادر إلى السقيفة قبل تجهيزه صلى الله عليه وآله وغسله ودفنه، ولو سلم ذلك فهو لا ينفعه، لان مناط الطعن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وآله وممانعته فيما يوجب صلاح عامة المسلمين إلى يوم القيامة، والسهو في خصوص عبارة لا ينفع في ذلك.
وأما ما نقله عن القوم في ذلك فالاعتراض عليه من وجوه:
الأول: إن ما ذكره أولا - من أن فهم البعض أن أمره صلى الله عليه وآله باحضار ما طلب كان مردودا إلى اختيارهم - ظاهر الفساد، فإن الامر مع أنه ظاهر في الوجوب - كما حرر في محله - قد اقترن به في المقام ما يمنع من أن يراد به الندب أو الإباحة، فإن النبي صلى الله عليه وآله علل الكتاب بأن: لا يضلوا بعده، وظاهر أن الامر الذي يكون في تركه ضلال الأمة لا يكون مباحا ولا مندوبا، وليس مناط الوجوب إلا قوة المصلحة وشدة المفسدة، وقد علل من منع الاحضار بأنه صلى الله عليه وآله يهجر، كما صرحت به الرواية الثانية المتقدمة، أو أنه قد غلبه الوجع، وظاهر أن هذا الكلام لا ارتباط له بفهم الإباحة أو الندب.
ويؤيده قول ابن عباس - مع اعتراف الجمهور له بجودة الفهم وإصابة النظر -
أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الكتابة، وهل يسمى فوت أمر مباح أو مندوب رزية كل الرزية، ويبكي عليه حتى يبل الدمع الحصى، ولا ينكر من له أدنى ألفة بكلام العرب أنهم يكتفون في فهم المعاني المجازية ونفي الحقايق بقرائن أخفى من هذا، فكيف بالمعنى الحقيقي إذا اقترن بمثل تلك القرينة؟ على أن اشتغال الرسول صلى الله عليه وآله في حال المرض وشدة الوجع، ودنو الرحيل، وفراق الأمة التي بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا لهم بكتابة ما كان نسبة الخير والشر إليه على حد سواء، حتى يكون رده وقبوله مفوضا إليهم ومرجوعا إلى اختيارهم، مما لا يقول به إلا من بلغ الغاية في السفه والنوك، فبقي أن يكون من الأمور المستحسنة، وإن كان على وجه الندب فظاهر أن رد ما استحسنه له الرسول صلى الله عليه وآله وحكم به ولو على وجه الندب وظن أن الصواب في خلافه، وعده من الهذيان تقبيح قبيح لرأي من لا ينطق عن الهوى، وتجهيل وتضليل لمن لا يضل ولا يغوى، وليس كلامه إلا وحيا يوحى، وهو في معنى الرد على الله سبحانه، وعلى حد الشرك بالله.
ولعل المجوزين للاجتهاد في مقابلة النص - ولو على وجه الاستحباب - لا يقولون بجواز الرد عليه على هذا الوجه المشتمل على إساءة الأدب وتسفيه الرأي.
فإن قيل: إذا كان أمره صلى الله عليه وآله بإحضار ما طلب على وجه الايجاب والالزام للخوف في ترك الكتابة من ترتب مفسدة عظيمة - هي ضلال الأمة - فكيف تركها رسول الله صلى الله على وآله ولم يصر على المطلب؟ وهل هذا إلا تقصير في هداية الأمة واللطف بهم؟.
قلنا: لعله صلى الله عليه وآله لما رأي من حال الحاضرين إمارة العصيان، وشاهد منهم إثارة الفتنة وتهييج الشر خاف من أن يكون في الوصية وتأكيد
التنصيص على من عينه للإمامة وجعله أولى بالناس من أنفسهم تعجيل للفتنة بين المسلمين وتفريق كلمتهم، فيتسلط بذلك الكفار وأهل الردة عليهم، وينهدم أساس الاسلام، وينقلع دعائم الدين، وذلك لان الراغبين في الإمامة والطامعين في الملك والخلافة قد علموا من مرضه صلى الله عليه وآله وإخباره تصريحا وتلويحا في غير موقف بأنه قد دنى أجله ولا يبرأ من مرضه، فوطنوا أنفسهم لالقاء الشبهة بين المسلمين لو كتب الكتاب وأكد الوصية، بأنه كان على وجه الهجر والهذيان، فيصدقهم الذين في قلوبهم مرض، ويكذبهم المؤمنون بأن كلامه ليس إلا وحيا يوحى، فيقوم فيهم المحاربة والقتال وينتهي الحال إلى استيصال أهل الايمان وظهور أهل الشرك والطغيان، فاكتفى صلى الله عليه وآله بنصه يوم الغدير وغيره، وقد بلغ الحكم وأدى رسالة ربه كما أمره بقوله: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته) * فلم يكون في ترك الكتابة تقصير في التبليغ والرسالة، وإنما منعت الطائفة من الأمة لشقاوتهم ذلك الفعل، وسدوا باب الرحمة، فضلوا عن سواء الصراط وأضلوا كثيرا: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * الثاني: إن ما يظهر كلامه - من أن استفهامهم كان لاستعلام أن الامر على وجه العزم، أو رد الامر إلى اختيارهم - مردود، بأن قولهم ما شأنه: أهجر؟
استفهموه؟ لا يفهم منه من له أدنى فطانة، إلا أن هذا الاستفهام عبارة عن استعلام أن كلامه ذلك كان من الهجر وكلام المرضى والهذيان، أو هو كلام صحيح، لا أن أمره كان على وجه العزم أو الرد إلى الاختيار، وهو واضح.
وأما ما علل به الكف من صواب رأي عمر، ففيه أنه ليس في الكلام ما يدل على تصويب رأي عمر، فإن قوله صلى الله عليه وآله في الرواية الثالثة من
روايات البخاري: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع التنازع.. صريح في الغيظ والتأذي بتلك المخالفة، وهل يجوز عاقل أن ينطق بمثل هذا الكلام في مقام تصويب الرأي من وصفه الله سبحانه بالخلق العظيم، وبعثه رحمة للعالمين ؟!
وكيف لم يأمر صلى الله عليه وآله من كان يؤذيه بطول الجلوس في بيته بالقيام والخروج ويستحي من إظهار ذلك، حتى نزل قوله: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) *، فكيف أستحيي من الامر بقيام من كان يؤذيه وأمر به من اهتدى إلى الصواب في مثل ذلك الامر الذي يعم نفعه الأمة طرا ويعظم بلواه، ومع قطع النظر عن ذلك فسقم هذا الرأي مما لا ريب فيه، فإن قوله: حسبنا كتاب الله.. يدل على أنه لا خوف على الأمة من الضلال بعد كتاب الله في حكم من الاحكام، وإلا لم يصح الاستناد إليه في منع كتابة ما أراده النبي صلى الله عليه وآله ولم يصرح بتعيينه، والآيات التي يستنبط منها الاحكام - كما ذكروا - خمسمائة آية أو قريب منها، وظاهر أنها ليست في الظاهر مدركا لكثير من الاحكام، وليس دلالتها على وجه يقدر على استنباط الحكم منها كل أحد، ولا يقع في فهمه اختلاف بين الناس حتى ينسد باب الضلال، ومن راجع كلام المفسرين أدنى مراجعة علم أنه ليس آية إلا وقد اختلفوا في فهمها واستخراج الاحكام منها على أقوال متضادة ووجوه مختلفة، والكتاب الكريم مشتمل على ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظاهر ومؤول، وعام وخاص، ومطلق ومقيد.. وغير ذلك مما لا يصيب في فهمه إلا الراسخون في العلم المعصومون من الزيغ والضلال، ومن ذلك يعلم أنه لم يكن غرضه صلى الله عليه وآله إلا تعيين الأوصياء إلى يوم القيامة، لأنه إذا كان كتاب الله عز وجل بطوله
وتفصيله لم يرفع الاختلاف بين الأمة، فكيف يتصور في مثل هذا الوقت منه صلى الله عليه وآله إملاء كتاب يشتمل على أسطر قلائل يرفع الاختلاف في جميع الأمور عن الأمة، إلا بأن يعين في كل عصر من يرجعون إليه عند الاختلاف، ويرشدهم إلى جميع مصالح الدين والدنيا، ويفسر القرآن المجيد لهم بحيث لا يقع منهم اختلاف فيه؟!.
وينطق بما ذكرنا قول أمير المؤمنين عليه السلام: أنا كلام الله الناطق وهذا كلام الله الصامت.
وقد قيل: ان قوله هذا كقول المريض: لا حاجة لنا إلى الطبيب لوجود كتب الطب بين أظهرنا، وظاهر أنها أشمل للفروع الطبية من الكتاب الكريم لتفاصيل الأحكام الشرعية، فاتضح أن المنع عن كتابة ما يمنع عن الضلال عين الضلال والاضلال، وكثرة الخلاف بين الأمة وتشتت طرقه - مع وجود كتاب الله بينهم -، دليل قاطع على ما ذكرنا.
الثالث: إن ما ذكره - من أن عمر أشفق على الرسول صلى الله عليه وآله من تحمل مشقة الكتابة مع شدة الوجع - فاسد، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لم تجر عادته في أيام صحته بأن يكتب الكتاب بيده، وإنما كان يملي على الكاتب ما يريد، إما لكونه أميا لا يقرأ ولا يكتب، أو لغير ذلك، ولم يكن ذلك مستورا على عمر، فكيف أشفق عليه من الكتابة؟!.
وأما الاملاء، فمن أين علم أنه لا يمكن للرسول صلى الله عليه وآله التعبير عما يريد بلفظ مختصر وعبارة وجيزة لم يكن في إلقائها إلى الكاتب مشقة لا يقدر على تحملها، على أنه تحمله صلى الله عليه وآله للمشاق في هداية الأمة لم
تكن هذه الكتابة مبدأه، فكيف لم يشفق عمر في شئ من المواضع إلا فيما فهم فيه أن المراد تأكيد النص في أمير المؤمنين عليه السلام - كما سيجئ تصريحه بذلك إن شاء الله -؟!. ولا ريب في أنه صلى الله عليه وآله كان أشفق على نفسه وأعلم بحاله من عمر بن الخطاب.
وبالجملة، برودة مثل هذا الاعتذار مما لا يرتاب فيه ذو فطنة.
وأما اشتداد الوجع، فإنما استند إليه عمر لاثبات كلامه أن كلامه صلى الله عليه وآله ليس مما يجب الاصغاء إليه، لكونه ناشئا من اختلال العقل لغلبة الوجع وشدة المرض كما يظهر من قولهم في الروايات السابقة ما شأنه؟ هجر؟ أو انه ليهجر ! لا لما زعمه هذا القائل، وهو واضح.
الرابع: إن ما ذكره من الاعتلال - بأن عمر رأى أن الأوفق بالأمة ترك البيان ليكون المخطئ أيضا مأجورا، وأنه خاف من أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج والعصيان بالمخالفة - يرد عليه، أنه لو صح الأول لجاز للناس منع الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغ الأحكام، وكان الأخرى أن لا يبعث الله الرسل إلى الخلق ويكلفهم المشاق واحتمال الأذى في تبليغ الأحكام، ويترك الناس حتى يجتهدوا ويصيبوا الاجر، مصيبين أو مخطئين، ولا يرى المصلحة في خلاف ما حكم الرسول صلى الله عليه وآله بأن في تركه خوف الضلال على الأمة إلا من خرج عن ربقة الايمان، وقد قال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
تسليما) *، وقال سبحانه: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) *.
وأما الخوف من أن يكتب أمرا يعجز الناس عنه، فلو أريد به الخوف من أن يكلفهم فوق الطاقة فقد بان له ولغيره - بدلالة العقل، وقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وبغيره من الأدلة النقلية - أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكلف أمته إلا دون طاقتهم، ولو أريد الخوف من تكليفهم بما فيه مشقة فلم لم يمنع عمر وغيره رسول الله صلى الله عليه وآله عن فرض الحج والجهاد والنهي عن وطئ امرأة جميلة تأبى عن النكاح أو كان لها بعل مع شدة العزوبة وميل النفس، وظاهر أن كثيرا من الناس يعصون الله في الأوامر الشاقة ويخالفون الرسول صلى الله عليه وآله.
وأما المشقة البالغة التي تعد في العرف حرجا وضيقا - وإن كان دون الطاقة - فقد نفاه الله تعالى بقوله: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) *، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعثت إليكم بالحنفية السمحة السهلة البيضاء.
وكيف فهم من قوله: أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي... إنه أراد أن يكتب لهم ما يعجزون عن القيام به، وأي ارتباط لهذا الاعتذار بقوله: إنه قد غلبه الوجع، أو إنه ليهجر.
وبالجملة، لم يكن عمر بن الخطاب ولا غيره أعلم بشأن الأمة وما يصلحهم
ممن تواتر عليه الوحي الإلهي وأيده الله بروح القدس، ولا أشفق عليهم وأرأف بهم ممن أرسله رحمة للعالمين.
الخامس: إن ما ذكره - من أن عمر علم تقرر الشرع والملة بقوله تعالى:
* (اليوم أكملت لكم دينكم..) *، وقوله صلى الله عليه وآله: أوصيكم بكتاب الله وعترتي.. - يرد عليه: أنه لو كان المراد بكمال الدين ما فهمه لزم غناء الناس عن الرسول صلى الله عليه وآله وعدم احتياجهم إليه بعد نزول الآية في حكم من الاحكام، وأما قوله صلى الله عليه وآله: أوصيكم بكتاب الله وعترتي.. فليس فيه دلالة على أنه لم يبق أمر مهم للأمة أصلا حتى تكون الكتابة التي أراد النبي صلى الله عليه وآله لغوا عبثا، ويصح منعه عنها وقد كان المراد من الكتابة تأكيد الامر باتباع الكتاب والعترة الطاهرة الحافظة له والعالمة بما فيه على وجهه خوفا من ترك الأمة الاعتصام بهما فيتورطوا في أودية الهلاك، ويضلوا كما فعل كثير منهم وضلوا عن سواء السبيل، ولو فرضنا أن مراده صلى الله عليه وآله كان أمرا ووراء ذلك، فليس هذا الاعتذار إلا التزاما للمفسدة وقولا بأن النبي صلى الله عليه وآله حاول أن يكتب عبثا لا فايدة فيه أصلا، وكان قوله: لا تضلوا بعده.. هجرا من القول وهذيانا محضا، ولو كان الغناء بهذه الوصية فلم لم يتمسك عمر بعد النبي صلى الله عليه وآله بالعترة المطهرة ولا رآهم أهلا للخلافة ولا للمشورة فيها؟! فترك الرسول صلى الله عليه وآله والعترة صلوات الله عليهم وسارع إلى السقيفة لعقد الخلافة لحليفة وصديقه؟ ولم لم يرتدع ولم يرجع عما فعل بعد ما رأى من سيد العترة إنكاره لخلافة أبي بكر وعدم الانقياد له؟! وقد مضى من صحاح أخبارهم ما يدل على أنه عليه السلام وسائر بني هاشم لم يبايعوا ستة أشهر، ولم لم يقل في مقام المنع عن إحضار ما طلبه رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبنا كتاب الله وعترة الرسول صلى الله عليه وآله.
ولا يذهب على ذي البصيرة أن ذكر العترة في هذا المقام مما أجراه الله تعالى على لسان هذا المعتذر تفظيعا لشأنه وإظهارا لضلال أمامه.
السادس: إن قوله، وقول عمر حسبنا كتاب الله.. رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وآله.. كلام ظاهر الفساد، فإن الرواية التي رواها البخاري في باب كتابة العلم صريحة في أنه رد على قول النبي صلى الله عليه وآله، وأن الاختلاف من الحاضرين إنما وقع بعد قوله ذلك، وكذلك روايته في باب قول المريض: قوموا عني..
ولو سلمنا أنه لم يواجه بكلامه ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله بل أحد المنازعين فالرواية الأخيرة للبخاري تضمنت أن أحد الفرقتين المتخاصمتين كانوا يقولون: قربوا.. يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده.. والآخرون يقولون ما قال عمر، فلم يبق إلا أن يكون كلامه ردا عليه صلى الله عليه وآله وإن واجه به المنازعين، وهو مثل الأول في استلزام الانكار والكفر، وإن كانت المواجهة أبلغ في سوء الأدب وترك الحياء.
السابع: إن ما ذكره - من أن عمر قد خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الرفضة الوصية.. - يرد عليه:
أولا: إن كون الكتابة في الخلوة كذب مخالف للمشهور، فإن المشهور اجتماع بني هاشم ووجوه المهاجرين والأنصار عند النبي صلى الله عليه وآله يومئذ، ويؤيده قول ابن عباس في الروايات السابقة: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب.. وقوله: وكثر اللغط وأكثروا اللغو والاختلاف..
وثانيا: إنه لو كان عمر خائفا من ذلك لما قال: حسبنا كتاب الله.. وأن
النبي صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع.. و إنه ليهجر.. وكان المناسب أن يعرض على النبي صلى الله عليه وآله أنه ينبغي إحضار طائفة ممن يثق الناس بهم وتكون شهادتهم حجة عند العامة ليشهدوا الكتابة، ويقيموا الشهادة، دفعا لاختلاف الناس.
وثالثا: إن غاية ما يلزم من تطرق المنافقين أن يقع فيها الاختلاف فلا يعمل بعض الناس بها، وليس ذلك بأبلغ في الضرر من منع الكتابة حتى لا يعمل بها أحد، وأما الخوف من وقوع الفتنة بين المسلمين فهو موجود في صورة ترك الكتابة والوصية، بل هو أحرى وأقرب بوقوع الفتنة وثوران الشرور.
ورابعا: إنه لو أراد بتطرق المنافقين مجرد قدحهم في الوصية من دون أن يلحق الاسلام والمسلمين ضرر وتزلزل فليس به بأس، ولا ينقطع به طعنهم وقدحهم بها ولا بعدمها.
ولو أراد به لحوق الضرر.. ففساده ظاهر، كيف ولو كانت جهة الفساد فيها أغلب لما أرادها من هو أعلم بأمته وأرأف بهم من كل رؤوف عليم، ولما عللها بعدم ضلالهم.
وأما الاجتهاد بخلاف قوله.. فقد تبين بطلانه في محله وسيأتي، على أن دفع هذا الضرر الذي توهموه - بنسبة الهجر والهذيان إلى الرسول صلى الله عليه وآله وتقبيح رأيه، والرد عليه بأن كتاب الله حسبنا - دفع للفاسد بمثله.
وخامسا: إن تشبيهه ادعاء الرافضة بتطرق المنافقين في غاية الركاكة والبرودة، فإن الظاهر منهم أنه زعم أن ادعاء الرافضة أعظم من الفساد من تطرق المنافقين وتقولهم الأقاويل أو مثله، وظاهر أن هذا الادعاء إنما لزم من منع الكتابة لا من كتابة ما أراده النبي صلى الله عليه وآله بزعمهم، وقد رووا عن عائشة أنه
قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله - في مرضه - ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، وأني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل..
فلولا منع عمر بن الخطاب لا نسد باب ادعاء الرافضة.
وبالجملة، لا ريب في أن ترك الوصية والكتابة أولى بتقول الأقاويل وادعاء الأباطيل، ووالله لقد تطرق المنافقون ومن في قلبه مرض في أول الأمر، فقال أحدهم: إنه قد غلبه الوجع.. وحسبنا كتاب الله.. وصدقه الآخرون، وقالوا:
القول ما قال عمر، فثلموا في الاسلام وهدموا الايمان ، كما أفصح عن ذلك ابن عباس بقوله: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.
الثامن: إن ما حكاه - من قول طائفة أخرى أن النبي صلى الله عليه وآله في هذا الكتاب كان مجيبا لما طلب عنه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها - يرد عليه أنه لا فرق باتفاق المسلمين فيما حكم الله ورسوله به بين ما كان ابتداءا وبين ما طلبه أحد فنص عليه وجرى الحكم به، وكما أن إنكار الأول ورده رد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وفي حكم الشرك بالله كذلك الثاني، وقد سبقت الدلالة على أن الامر لم يكن مردودا إلى اختيار القوم، بل كان على وجه الحتم والايجاب، وأما كراهة من كره الكتابة للعلل المذكورة ففسادها يظهر لك مما عرفت من فساد العلل.
التاسع: إن ما استدل به من كراهة علي عليه السلام لسؤال الخلافة ورغبة العباس وطلبه.
يرد عليه: إنه لا نزاع في وقوع الخلاف في كثير من الأمور بين الصحابة وغيرهم، وذلك مما لا حاجة له إلى شاهد، بل لا نزاع في وقوع الخلاف فيما حكم
به الرسول صلى الله عليه وآله أيضا، ولكن الكلام في أن خلاف الرسول والرد عليه في معنى الكفر وهذا الدليل لا تعلق له بنفي ذلك، على أن الرواية في كلام علي عليه السلام والعباس في طلب الخلافة والسؤال عنها مما وضعوه وتمسكوا به في إبطال النص، كما عرفت.
العاشر: ان ما تمسك به في إثبات كون النبي صلى الله عليه وآله مجيبا إلى ما سألوه من كتابة الوصية من قوله: دعوني فالذي أنا فيه خير..
يرد عليه: أن المخاطب بقوله صلى الله عليه وآله: دعوني.. إما جميع الحاضرين من الطالبين للكتابة والمانعين عنها أو بعضهم.
فإن كان الأول، كان المراد بقوله صلى الله عليه وآله: ما تدعونني إليه استماعه لمشاجرتهم ومنازعتهم، ويؤيد ذلك أمره صلى الله عليه وآله إياهم بأجمعهم بالخروج بقوله : قوموا عني.. وزجرهم بقوله: لا ينبغي عندي التنازع.. على ما سبق في بعض الروايات السابقة، وحينئذ فسقوط الاحتجاج به واضح.
وإن كان الثاني، لم يجز أن يكون المخاطب من طلب الكتابة، بل من منع عنها، وإلا لناقض كلامه أخيرا أمره بالاحضار ليكتب لهم ما لا يضلوا بعده، وحيث تنقلب الحجة عليهم ويكون المراد بما كانوا يدعون إليه ترك الكتابة، ويكون الأفضلية المستفادة من قوله صلى الله عليه وآله: فالذي أنا فيه خير..
مثلها في قوله تعالى: * (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) *.
ولو سلمنا أن المراد بما تدعونني إليه طلب الكتاب، نقول: يجب أن يحمل الردع عن الكتابة على أنها صارت مكروهة له صلى الله عليه وآله لممانعة المانعين وظهور إثارة الفتنة من المعاندين وإلا لزم التناقض في كلامه (ص) كما عرفت،
فالتمسك بهذا الكلام على أي وجه كان لا يجديهم نفعا.
وأما ما ذكره - من أن المطلوب منه (ص) كان تعيين الخليفة وكتاب الوصية في ذلك - فهو وإن كان باطلا من حيث أن إرادة الرسول صلى الله عليه وآله للكتابة كان ابتداء منه، لا إجابة لرغبة أحد، كما هو الظاهر من خلو الروايات بأجمعها عن ذلك الطلب، إلا أنه لا شك في أن مراده صلى الله عليه وآله كان الوصية في أمر الخلافة وتأكيد النص في علي عليه السلام.
ومما يدل على ذلك ما رواه ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرحه على النهج في سلك الاخبار التي رواها عن عمر، قال:
روى ابن عباس، قال: خرجت مع عمر إلى الشام، فانفرد يوما يسير على بعير فاتبعته، فقال لي: يا بن عباس! أشكوا إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولا أزال أراه واجدا، فيما تظن موجدته؟ قلت: يا أمير المؤمنين! إنك لتعلم، قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة؟ قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله (ص) أراد الامر له. فقال: يا بن عباس! وأراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] الامر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك، إن رسول الله (ص) أراد أمرا وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسول الله، أو كلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله كان إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله تعالى فلم يسلم!.
قال: وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أن يذكره للامر في مرضه، فصددته عنه خوفا من الفتنة وانتشار أمر الاسلام، فعلم رسول الله (ص) ما في نفسي وأمسك، وأبي الله إلا إمضاء ما حتم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.