پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

15 - باب شكاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه عمن تقدمه من المتغلبين الغاصبين

ج ۳۰، ص ۳۰۹–۳۵۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۱ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

ثم أعجب من ذلك أنه قد علم وعلمه الناس أنه الذي صد رسول الله صلى الله عليه وآله عن الكتف الذي دعا به ثم لم يضره ذلك عندهم ولم ينقصه.

وانه صاحب صفية حين قال لها ما قال، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال ما قال.

وانه الذي مررت به يوما فقال: ما مثل محمد في أهل بيته إلا كنخلة نبتت في كناسة!، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب وخرج فأتى المنبر، وفزعت الأنصار فجاءت شائكة في السلاح لما رأت من غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عليه السلام: ما بال أقوام يعيروني بقرابتي، وقد سمعوا مني ما قلت في فضلهم وتفضيل الله إياهم، وما خصهم به من إذهاب

الرجس عنهم وتطهير الله إياهم، وقد سمعتم ما قلت في أفضل أهل بيتي وخيرهم مما خصه الله به وأكرمه وفضله على من سبقه إلى الاسلام وتدينه فيه وقرابته مني، وإنه مني بمنزلة هارون من موسى، ثم تزعمون أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة في كناسة!، ألا إن الله خلق خلقه ففرقه فرقتين فجعلني في خير الفرقتين، ثم فرق الفرقة ثلاث فرق، شعوبا، وقبائل، وبيوتا، فجعلني في خيرها شعبا وخيرها قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطيرا) *، فحصلت في أهل بيتي وعترتي، و أنا وأخي علي بن أبي طالب (ع)، ألا وإن الله نظر إلى أهل الأرض نظرة فاختارني منهم، ثم نظر نظرة فاختار عليا أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي، فبعثني رسولا ونبيا ودليلا، وأوحى إلي أن اتخذ عليا أخا ووليا ووصيا وخليفة في أمتي بعدي، ألا وإنه ولي كل مؤمن بعدي، من والاه والاه الله، ومن عاداه عاداه الله، ومن أحبه أحبه الله، ومن أبغضه أبغضه الله، لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا كافر، هو رب الأرض بعدي وسكنها - وفي نسخة: هو زر الأرض بعدي وسكنها - وهو كلمة التقوى، وعروة الوثقى أتريدون أن تطفؤوا نور الله بأفواهكم والله متم نوره ولو كره

المشركون؟! - وفي رواية أخرى: ولو كره الكافرون - ويريد أعداء الله أن يطفئوا نور أخي ويأبى الله ألا أن يتم نوره.

يا أيها الناس! ليبلغ مقالتي شاهدكم غائبكم، اللهم اشهد عليهم.

أيها الناس! إن الله نظر نظرة ثالثة فاختار منهم بعدي اثنا عشر وصيا من أهل بيتي، وهم خيار أمتي - وفي نسخة أخرى: فجعلهم خيار أمتي - منهم أحد عشر إماما بعد أخي، واحدا بعد واحد، كلما هلك واحد قام واحد به، مثلهم كمثل النجوم في السماء كلما غاب نجم طلع نجم، لأنهم أئمة هداة مهتدون، لا يضرهم كيد من كادهم ولا خذلان من خذلهم، بل يضر الله بذلك من كادهم وخذلهم، فهم حجة الله في أرضه وشهداؤه على خلقه، من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله، هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا علي حوضي، أول الأئمة علي خيرهم، ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين (ع) ثم تسعة من ولد الحسين، وأمهم ابنتي فاطمة صلوات الله عليهم. ثم من بعدهم جعفر بن أبي طالب ابن عمي وأخو أخي، وعمي حمزة بن عبد المطلب.

أنا خير المرسلين والنبيين، وفاطمة ابنتي سيدة نساء أهل الجنة، وعلي و بنوه الأوصياء خير الوصيين، وأهل بيتي خير أهل بيوتات النبيين، وابناي سيدي شباب أهل الجنة.

أيها الناس! إن شفاعتي تنال علوجكم، أفتعجز عنها أهل بيتي، ما

أحد ولده جدي عبد المطلب يلقى الله موحدا لا يشرك به شيئا إلا أدخله الجنة، ولو كان فيه من الذنوب عدد الحصى وزبد البحر.

أيها الناس! عظموا أهل بيتي في حياتي ومن بعدي وأكرموهم وفضلوهم، فإنه لا يحل لاحد أن يقوم من مجلسه لاحد إلا لأهل بيتي - وفي نسخة أخرى: أيها الناس! عظموا أهل بيتي في حياتي وبعد موتي -، إني لو قد أخذت بحلقة باب الجنة ثم تجلى لي ربي فسجدت وأذن لي بالشفاعة لم أؤثر على أهل بيتي أحدا.

أيها الناس! انسبوني من أنا؟. فقام رجل من الأنصار، فقال - وفي رواية أخرى: فقامت الأنصار، فقال -: نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، أخبرنا - يا رسول الله - من الذي آذاك في أهل بيتك حتى نضرب عنقه؟ - وفي رواية أخرى: حتى نقتله ونبير عترته -.

فقال: انسبوني! أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.. - حتى انتسب إلى نزار، ثم مضى في نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم خليل الله -.

ثم قال: إني وأهل بيتي لينة من تحت العرش إلى آدم، نكاح غير سفاح لم يخالطنا نكاح الجاهلية، فاسألوني، فوالله لا يسألني رجل عن أبيه وعن أمه وعن نسبه إلا أخبرته به.

فقام رجل، فقال: من أبي؟. فقال: أبوك فلان الذي تدعى إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: والله لو نسبتني إلى غيره لرضيت وسلمت. ثم قام رجل آخر، فقال: من أبي؟. فقال: أبوك فلان - لغير أبيه الذي يدعى إليه - فارتد عن الاسلام، ثم قام رجل آخر، فقال: أمن أهل الجنة أنا أم من هل النار؟.

فقال: من أهل الجنة، ثم قام رجل آخر، فقال: أمن أهل الجنة أنا من أهل النار؟. فقال: من أهل النار.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو مغضب -: ما يمنع الذي عير أهل بيتي وأخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي أن يقوم فيسألني من أبوه، وأين هو في الجنة أم في النار؟.

فقال عمر بن الخطاب، فقال: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، أعف عنا يا رسول الله عفا الله عنك، أقلنا أقالك الله، أسترنا سترك الله، إصفح عنا صلى الله عليك.. فاستحى رسول الله صلى الله عليه وآله وكف.

وهو صاحب العباس الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله ساعيا فرجع وقال: إن العباس قد منع صدقة ماله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: الحمد لله الذي عافانا أهل البيت من شر ما يلطخونا به، إن العباس لم يمنع صدقة ماله ولكنك عجلت عليه، وقد عجل زكاة سنين ثم أتاني بعد يطلب أن أمشي معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليرضى عنه، ففعلت.

وهو صاحب عبد الله بن أبي سلول حين تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله ليصلي عليه فأخذ بثوبه من وراءه، وقال: لقد نهاك الله أن تصلي عليه ولا يحل لك أن تصلي عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما صليت عليه كرامة لابنه، وإني لأرجو أن يسلم به سبعون رجلا من بني أبيه وأهل بيته، وما يدريك ما قلت: إنما دعوت عليه.

وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية حين كتب القضية إذ قال: أنعطي الدنية في ديننا.. ثم جعل يطوف في عسكر رسول الله صلى الله

عليه وآله يحرضهم ويقول: أنعطي الدنية في ديننا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفرجوا عني، أتريدون أن أغدر بذمتي؟! - وفي رواية أخرى: أخرجوه عني، أتريد أن أخفر ذمتي ولا أفي لهم بما كتبت لهم -، خذ - يا سهيل! - ابنك جندلا، فأخذه فشده وثاقا في الحديد، ثم جعل الله عاقبة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الخير والرشد والهدى والعزة والفضل.

وهو صاحب يوم غدير خم إذ قال هو وصاحبه حين نصبني رسول الله صلى الله عليه وآله لولايتي، فقال: ما يألو أن ترفع خسيسته، وقال الآخر: ما يألو رفعا بضبع ابن عمه، وقال لصاحبه - وأنا منصوب -: إن هذه لهي الكرامة، فقطب صاحبه في وجهه، وقال: لا والله، ما أسمع ولا أطيع أبدا، ثم اتكأ عليه ثم تمطى وانصرفا، فأنزل الله فيه: * (فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى) * وعيدا من الله له.

وهو الذي دخل علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله يعودني في رهط من أصحابه حين غمزه صاحبه، فقال: يا رسول الله (ص) إنك قد كنت عهدت إلينا في علي عهدا وإني لأراه لما به، فإن هلك فإلى من؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس... فأعادها ثلاث مرات، فأقبل عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنه لا يموت في مرضه هذا، ولا يموت حتى تملياه غيظا وتوسعاه غدرا وظلما، ثم تجداه صابرا قواما، ولا يموت حتى يلقى منكما هنات وهنات، ولا يموت إلا شهيدا مقتولا.

وأعظم من ذلك كله أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع ثمانين رجلا،

أربعين من العرب وأربعين من العجم - وهما فيهم - فسلموا علي بإمرة المؤمنين، ثم قال: أشهدكم أن عليا أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي ووصيي وولي كل مؤمن من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وسالم ومعاذ بن جبل ورهط من الأنصار، ثم قال: إني أشهد الله عليكم..

ثم أقبل على القوم، فقال: سبحان الله! ما أشربت قلوب هذه الأمة من بليتها وفتنتها من عجلها وسامريها، إنهم أقروا وادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يجمع الله لنا أهل البيت النبوة والخلافة، وقد قال لأولئك الثمانين رجلا: سلموا على علي بإمرة المؤمنين، وأشهدكم على ما أشهدهم عليه أنهم أقروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحدا، وأنهم أقروا بالشورى، ثم أقروا أنهم لم يشاوروا وأن بيعته كانت فلتة، وأي ذنب أعظم من الفلتة، ثم استخلف أبو بكر عمر ولم يقتد برسول الله صلى الله عليه وآله فيدعهم بغير استخلاف، طعنا منه على رسول الله صلى الله عليه وآله ورغبة عن رأيه، ثم صنع عمر شيئا ثالثا لم يدعهم على ما ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلف، ولم يستخلف كما استخلف أبو بكر، وجاء بشئ ثالث

جعلها شورى بين ستة نفر، وأخرج منها جميع العرب، ثم حطني بذلك عند العامة فجعلهم مع ما أشربت قلوبهم من الفتنة والضلالة أقراني، ثم بايع ابن عوف عثمان فبايعوه، وقد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عثمان ما سمعوا من لعنه إياه في غير موطن، فعثمان - على ما كان عليه - خير منهما، ولقد قال منذ أيام قولا رققت له وأعجبتني مقالته، بينما أنا قاعد عنده في بيته إذ أتته عائشة وحفصة تطلبان ميراثهما من ضياع أموال رسول الله صلى الله عليه وآله التي في يديه، فقال: ولا كرامة لكن أجيز شهادتكما على أنفسكما، فإنكما شهدتما عند أبويكما أنكما سمعتما من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن النبي (ص) لا يورث ما ترك فهو صدقة، ثم لقنتما أعرابيا جلفا يبول على عقبيه يتطهر ببوله - مالك بن الحرث بن الحدثان - فشهد معكما، لا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ولا من الأنصار أحد شهد بذلك غير أعرابي، أما والله ما أشك في أنه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وكذبتما عليه معه، فانصرفتا من عنده تبكيان وتشتمانه، فقال: ارجعا، ثم قال: أشهدتما بذلك عند أبي بكر؟!. قالتا: نعم. قال: فإن شهدتما بحق فلا حق لكما، وإن كنتما شهدتما بباطل فعليكما وعلى من أجاز شهادتكما على أهل هذا البيت لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قال: ثم نظر إلي فتبسم وقال: يا أبا الحسن! شفيتك منهما؟.

قلت: نعم والله وأبلغت، وقلت حقا، فلا يرغم الله إلا بأنفيهما، فرققت لعثمان

وعلمت أنه أراد بذلك رضاي، وأنه أقرب منهما رحما وإن كان لا عذر له ولا حجة بتأمره علينا وادعائه حقنا.

توضيح:

قال الجوهري: الأدمة في الإبل: البياض الشديد، يقال: بعير آدم وناقة أدماء، والجمع أدم.. ويقال: هو الأبيض الأسود المقلتين..، والادم: الألفة والاتفاق، وفي بعض النسخ: الادم الحمر - بالحاء المهملة بدون الواو -.

قوله: بصفر عيابه.. العياب: جمع العيبة.. أي ليست صناديقه خالية من تلك الأموال.

والبيض: جمع الأبيض، والبيضة من الحديد وغيره.

والدمى: جمع الدمية بضمها، وهو الصنم والصورة من العاج ونحوه.

والرماح الخطية: مشهورة.

والريطة: الثوب الناعم اللين.

وذكر القراب لأنها لجودتها يجعل في مثل القراب، وفي بعض النسخ:

جرابها.

والأبراد جمع البرد.. أي برود صفر طويلة.

والداري: العطار.

والدراك - بكسر الدال -: المداركة..

أي مداركة اسراع الخيل والإبل في الغارات.

والسمر: - جمع الأسمر -: وهو الرمح.

ودرع سابغة: تامة طويلة.

واللبان - بالفتح -: الصدر أو وسطه أو ما بين الثديين.. أي حال كوني لابسا درعا طويلة تستر صدر الفرس الذي أنا راكبه فضول تلك الدرع وزوائدها.

وفي بعض النسخ: اللباد: - جمع لبدة السرج -.

ويقال: كفكفه عنه.. أي صرفه ودفعه، والضمير راجع إلى السمر.

قوله صلى الله عليه وآله: علوجكم.. أي من أسلم من كفار العجم، وفيه نسخ أخرى مشتبهة، وقد مر أن في النهاية: حاوكم، وهو الصواب.

قوله صلى الله عليه وآله: ما يلطخونا به.. اللطخ: التسويد وإفساد الكتابة واللطخ بالعذرة.

قوله: ما يألوا.. أي ما يقصر، يقال: آلى الرجل وألى: إذا قصر وترك الجهد، قال تعالى: * (لا يألونكم خبالا) *.

والخسيسة والخساسة: الحالة التي يكون عليها الخسيس، يقال: رفعت خسيسته، ومن خسيسته: إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته، ذكره في النهاية.

وقال: الضبع - بسكون الباء -: وسط العضد، وقيل هو ما تحت الإبط.

وقال البيضاوي: يتمطى.. أي يتبختر افتخارا بذلك - من المط -، فإن المتبختر يمد خطاه فيكون أصله يتمطط، أو من المطا وهو الظهر، فإنه يلويه.

أولى لك فأولى.. ويل لك - من الولي - وأصله: أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة كما في ردف لكم، أو أولى لك الهلاك، وقيل: إفعل من الويل بعد القلب كأدنى - من دون -، أو فعل من آل يؤل بمعنى عقباك النار.

قوله عليه السلام: على ما أشهدهم.. أي على نحو ما أشهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي بعض النسخ: وأشهدهم على ما أشهدهم عليه..

أي كيف يدعون على الرسول أنه بعدما أمر ثمانين رجلا بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين قال: ما ادعوا أنه أشهدهم عليه وهما متناقضان؟!، فيكون قوله: إنهم أقروا.. استيناف كلام آخر لبيان التناقض في أقوالهم وأفعالهم.

أقول: سيأتي تفاصيل البدع المذكورة في الخبر.

ثم إن ظاهر صدر الخبر كون هذا الكلام في خلافة عمر، وقوله: ثم صنع عمر شيئا ثالثا.. إلى آخره يدل على أنه كان في خلافة عثمان أو بعده، ولعل سليما سمع هذا الكلام منه عليه السلام في مقام آخر فألحقه بهذا الكلام.

153 - كتاب سليم بن قيس: عن أبان، عن سليم، قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول - قبل وقعة صفين -: إن هؤلاء القوم لن ينيبوا إلى الحق ولا إلى كلمة سواء بيننا وبينهم حتى يرامونا بالعساكر تتبعها العساكر، وحتى يردفونا بالكتائب تتبعها الكتائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس تتبعها الخميس، وحتى ترعى الخيول بنواحي أرضهم وتنزل عن مسالحهم، وحتى يشن الغارات عليهم من كل فج، وحتى يلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وأخوالنا وأعمامنا وأهل بيوتنا ثم لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما وجدا في طاعة الله، واستقلالا بمبارزة الاقران، وإن كان الرجل منا والرجل من عدونا ليتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس الموت، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله منا صدقا وصبرا أنزل الكتاب بحسن الثناء علينا والرضا عنا، وأنزل علينا النصر، ولست أقول إن كل من كان مع رسول الله

صلى الله عليه وآله كذلك، ولقد كانت معنا بطانة لا يألونا خبالا، قال الله عز وجل: * (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) * ولقد كان منهم بعضا من تفضله أنت وأصحابك - يا ابن قيس -، فارين، فلا رمى بسهم، ولا ضرب بسيف، ولا طعن برمح، إذا كان الموت والنزال توارى واعتل ولاذ كما تلوذ النعجة العوراء لا يدفع يد لامس ، وإذا ألقى العدو فر ومنح العدو دبره جبنا ولؤما، وإذا كان عند الرخاء والغنيمة تكلم كما قال الله:

* (سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير) * فلا يزال قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ضرب عنق الرجل الذي ليس يريد رسول الله صلى الله عليه وآله قتله، فأبى عليه، ولقد نظر رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وعليه السلاح تام، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال يكنيه: أبا فلان اليوم يومك؟. فقال الأشعث: ما أعلمني من تعني! إن ذلك يفر منه الشيطان.

قال: يا ابن قيس! لا آمن الله روعة الشيطان إذا قال.

ثم قال: ولو كنا حين كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقضينا الشدائد والأذى والبأس فعلنا كما تفعلون اليوم لما قام لله دين، ولا أعز الله

الاسلام، وأيم الله لتحلبنها دما وندما وحيرة، فاحفظوا ما أقول لكم واذكروه، فليسلطن عليكم شراركم والأدعياء منكم والطلقاء والطرداء والمنافقون فليقتلنكم، ثم لتدعن الله فلا يستجيب لكم، ولا يدفع البلاء عنكم حتى تتوبوا وترجعوا، فإن تتوبوا وترجعوا فيستنقذكم الله من فتنتهم وضلالتهم كما استنفذكم من شرككم وجهالتكم، إن العجب كل العجب من جهال هذه الأمة وضلالها وقادتها وساقتها إلى النار، إنهم قد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول - عودا وبدءا -: ما ولت أمة رجلا قط أمرها وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فولوا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما منهم رجل جمع القرآن، ولا يدعي أن له علما بكتاب الله ولا سنة نبيه (ص)، وقد علموا أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وأفقههم وأقرأهم بكتاب الله وأقضاهم بحكم الله، وأنه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عناء معه في جميع مشاهده، فرمى بسهم، ولا طعن برمح، ولا ضرب بسيف جبنا ولؤما ورغبة في البقاء، وقد علموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قاتل بنفسه فقتل أبي بن خلف، وقتل مسجع بن عوف - وكان من أشجع الناس وأشدهم لقاء، وأحقهم بذلك - وقد علموا يقينا أنه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي ولا يبارز الابطال ويفتح الحصون غيري، ولا نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله شديدة قط ولا كربه ولا ضيق ولا مستضعف من الامر إلا قال: أين أخي علي؟ أين سيفي؟ أين رمحي؟ أين المفرج عني عن وجهي؟

فيقدمني فأتقدم فأقيه بنفسي ويكشف الله بيدي الكرب عن وجهه، ولله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله بذلك المن والطول حيث خصني بذلك ووفقني له، وإن بعض من قد سميت ما كان له بلاء ولا سابقة ولا مبارزة قرن، ولا فتح ولا نصر غير مرة واحدة ثم فر ومنح عدوه دبره ورجع يجبن أصحابه ويجبنونه، وقد فر مرارا، فإذا كان عند الرخاء والغنيمة تكلم وأمر ونهى، ولقد ناداه ابن عبد ود يوم الخندق باسمه فحاد عنه ولاذ بأصحابه حتى تبسم رسول الله صلى الله عليه وآله لما رأى به من الرعب، وقال: أين حبيبي علي؟ تقدم يا حبيبي يا علي، ولقد قال لأصحابه الأربعة - أصحاب الكتاب -: الرأي - والله - ان يدفع محمدا برمته ونسلم من ذلك حين جاء العدو من فوقنا ومن تحتنا كما قال الله تعالى:

* (وزلزلوا زلزالا شديدا) * * (وتظنون بالله الظنونا) * * (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) *، فقال صاحبه: لا،

ولكن نتخذ صنما عظيما نعبده، لأنا لا نأمن أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، ولكن يكون هذا الصنم لنا زخرا، فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا لن نفارق ديننا، وإن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرا، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، ثم خبرني به رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قتلي ابن عبد ود، فدعاهما، فقال: كم صنما عبدتما في الجاهلية؟.

فقالا: يا محمد ! لا تعيرنا بما مضى في الجاهلية.

فقال: فكم صنم تعبدان وقتكما هذا (4)؟.

فقالا: والذي بعثك بالحق نبيا ما نعبد إلا الله منذ أظهرنا لك من دينك ما أظهرنا.

فقال: يا علي! خذ هذا السيف، فانطلق إلى موضع كذا.. وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه ، فإن حال بينك وبينه أحد فاضرب عنقه، فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالا: استرنا سترك الله.

فقلت أنا لهما: اضمنا لله ولرسوله ألا تعبدا إلا الله ولا تشركا به شيئا.

فعاهدا رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، وانطلقت حتى استخرجت الصنم من موضعه وكسرت وجهه ويديه وجزمت رجليه، ثم انصرفت إلى رسول

الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوالله لقد عرفت ذلك في وجههما حتى ماتا، ثم انطلق هو وأصحابه حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فخاصموا الأنصار بحقي، فإن كانوا صدقوا واحتجوا بحق أنهم أولى من الأنصار لأنهم من قريش ورسول الله صلى الله عليه وآله من قريش، فمن كان أولى برسول الله (ص) كان أولى بالامر؟! وإنما ظلموني حقي.

وإن كانوا احتجوا بباطل فقد ظلموا الأنصار حقهم، والله يحكم بيننا وبين من ظلمنا وحمل الناس على رقابنا.

والعجب لما قد أشربت قلوب هذه الأمة من حبهم وحب من صدقهم وصدهم عن سبيل ربهم وردهم عن دينهم، والله لو أن هذه الأمة قامت على أرجلها على التراب، والرماد واضعة على رؤوسها، وتضرعت ودعت إلى يوم القيامة على من أضلهم، وصدهم عن سبيل الله، ودعاهم إلى النار، وعرضهم لسخط ربهم، وأوجب عليهم عذابه بما أجرموا إليهم لكانوا مقصرين في ذلك، وذلك أن المحق الصادق والعالم بالله ورسوله يتخوفان أن غيرا شيئا من بدعهم وسننهم وأحداثهم عادية العامة، ومتى فعل شاقوه وخالفوه وتبرؤا منه وخذلوه وتفرقوا عن حقه، وإن أخذ ببدعهم وأقر بها وزينها ودان بها أحبته وشرفته وفضلته، والله لو ناديت في عسكري هذا بالحق الذي أنزل الله على نبيه وأظهرته ودعوت إليه وشرحته وفسرته على ما سمعت من نبي الله عليه وآله السلام فيه ما

بقي فيه إلا أقله وأذله وأرذله، ولاستوحشوا منه، ولتفرقوا مني، ولولا ما عاهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلي وسمعته منه، وتقدم إلي فيه لفعلت، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال: كلما اضطر إليه العبد فقد أحله الله له وأباحه إياه، وسمعته يقول: إن التقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له، ثم أقبل علي، فقال: ادفعهم بالراح دفعا عني، ثلثان من حي وثلث مني، فإن عوضني ربي فاعذرني.

إيضاح:

أقول: روى ابن ميثم بعض الخطبة، وفيه: حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر، وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، وحتى تدعق الخيول في نواحي أرضهم وبأحناء مشاربهم ومسارحهم، وبعد قوله: في طاعة الله: وحرصا على لقاء الله.

وروى في النهج أيضا بأدنى اختلاف.

قوله عليه السلام: إلى كلمة سواء.. أي عادلة أو مشتركة بيننا وبينهم.

والمنسر: خيل من المائة إلى المائتين، ويقال: هو الجيش ما يمر بشئ إلا اقتلعه.

والجلائب: الإبل التي تجلب إلى الرجل النازل على الماء ليس له ما يحمل عليه فيحملونه عليها، ولا يبعد أن يكون بالنون.

والخميس: الجيش.

وقال الجوهري: دعق الطريق فهو مدعوق.. أي كثر عليه الوطئ، ودعقته الدواب: اثرت فيه.

والاحناء: الجوانب.

والمسارح: مواضع سرح الدواب، والمسالح: الثغور والمراقب.

قوله عليه السلام: لقد رأيتنا.. في النهج: ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما مضيا على اللقم، وصبرا على مضض الألم، وجدا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا

أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه، ومتبوئا أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضر للايمان عود، وأيم الله لتحتلبنها دما ولتتبعنها ندما.

والشن: الصب والتفريق، وشن الغارات: تفريقها عليهم من كل ناحية.

واللقم: منهج الطريق.

والمضض: حرقة الألم.

(والتصاول: ان يحمل كل من القرينين على صاحبه.

والتخالس: التسالب.. أي ينتهز كل منهما فرصة صاحبه.

والمنون: الموت والكبت: الاذلال والصرف.

والجران: مقدم عنق البعير من منخره إلى مذبحه، كناية عن استقراره في قلوب عباد الله كالبعير الذي أخذ مكانه واستقر فيه.

ويقال: تبوأ وطنه.. أي سكن فيه، شبه عليه السلام الاسلام بالرجل

الخائف المتزلزل الذي استقر في وطنه بعد خوفه.

قوله عليه السلام: لتحتلبنها.. الضمير مبهم يرجع إلى أفعالهم، شبهها بالناقة التي أصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها، ولعل المقصود عدم انتفاعهم بتلك الافعال عاجلا وآجلا.

والبطانة: الوليجة: وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به.

لا يألونا خبالا.. أي لا يقصرون لنا في الفساد، والألو: التقصير.

قد بدت البغضاء من أفواههم.. أي في كلامهم، لأنهم لا يملكون من أنفسهم لفرط بغضهم، وما تخفي صدورهم أكبر مما بدا، لان بدوه ليس عن روية واختيار.

قوله عليه السلام: سلقوكم.. أي ضربوكم وآذوكم (بألسنة حداد):

ذرية يطلبون الغنيمة.

والسلق: البسط بقهر باليد أو باللسان.

قوله عليه السلام: يكنيه: أي ناداه بالكنية، فقال: يا أبا حفص، فقال الأشعث: أنا أعرف أنك تعني عمر، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله:

إن الشيطان يفر منه، فقال عليه السلام استهزاء وتكذيبا للخبر الموضوع: ما آمن الله روعة الشيطان إذا كان يفر من مثل عمر.

ويقال: كربه الغم.. أي اشتد عليه.

والجذم: القطع.

قوله عليه السلام: لقد عرفت ذلك.. أي أثر البغض والعداوة لذلك الامر.

154 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: قوله تعالى: * (علمت نفس ما قدمت وأخرت) * قال علي ابن إبراهيم: نزلت في الثاني، يعني ما قدمت من ولاية أبي فلان ومن ولاية نفسه وما أخرت من ولاة الامر من بعده... إلى قوله: * (بل تكذبون بالدين) *، قال: الولاية.

155 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روي عن عمر بن أذينة، عن معروف بن خربوذ، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا بن خربوذ (12)! أتدري ما تأويل هذه الآية: * (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) * (13)؟!. قلت: لا. قال: ذلك الثاني،

لا يعذب الله يوم القيامة عذابه أحدا.

156 - كتاب المحتضر: عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين عليه السلام - في حديث طويل -: ولقد قال لأصحابه الأربعة - أصحاب الكتاب - الرأي - والله - أن ندفع محمدا برمته ونسلم، وذلك حين جاء العدو من فوقنا ومن تحتنا، كما قال الله تعالى:

* (وزلزلوا زلزالا شديدا * وتظنون بالله الظنونا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) *. فقال صاحبه: ولكن نتخذ صنما عظيما فنعبده لأنا لا نأمن من أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، ولكن يكون هذا الصنم لنا زخرا فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا كنا لم نفارق ديننا، وإن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرا، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وآله، ثم خبرني رسول الله صلى الله عليه وآله به بعد قتلي ابن عبد ود، فدعاهما، وقال: كم صنما عبدتما في الجاهلية؟!.

فقالا: يا محمد! لا تعيرنا بما مضى في الجاهلية.

فقال: كم صنما تعبدان يومكما هذا؟.

فقالا: والذي بعثك بالحق نبيا ما نعبد الله منذ أظهرنا لك من دينك ما أظهرنا.

فقال: يا علي! خذ هذا السيف فانطلق إلى موضع كذا.. وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه، فإن حال بينك وبينه أحد فاضرب عنقه، فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالا: استرنا سترك الله.

فقلت أنا لهما: اضمنا لله ولرسوله أن لا تعبدا إلا الله ولا تشركا به شيئا.

فعاهدا رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، وانطلقت حتى استخرجت الصنم فكسرت وجهه ويديه وجزمت رجليه، ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فوالله لقد عرف ذلك في وجوههما علي حتى ماتا..

وساق الحديث إلى آخره.

157 - قال: وذكر بعض العلماء في كتابه، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخرج في كل جمعة إلى ظاهر المدينة ولا يعلم أحدا أين يمضي، قال: فبقي على ذلك برهة من الزمان، فلما كان في بعض الليالي، قال عمر بن الخطاب: لا بد من أن أخرج وأبصر أين يمضي علي بن أبي طالب (ع)، قال: فقعد له عند باب المدينة حتى خرج ومضى على عادته، فتبعه عمر - وكان كلما وضع علي عليه السلام قدمه في موضع وضع عمر رجله مكانها - فما كان إلا قليلا حتى وصل إلى بلدة عظيمة ذات نخل وشجر ومياه غزيرة، ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام دخل إلى حديقة بها ماء جار فتوضأ ووقف بين النخل يصلي إلى أن مضى من الليل أكثره، وأما عمر فإنه نام فلما قضى

أمير المؤمنين عليه السلام وطره من الصلاة عاد ورجع إلى المدينة حتى وقف خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى معه الفجر، فانتبه عمر فلم يجد أمير المؤمنين عليه السلام في موضعه، فلما أصبح رأى موضعا لا يعرفه وقوما لا يعرفهم ولا يعرفونه، فوقف على رجل منهم، فقال له الرجل: من أين أنت (1)؟ ومن أين أتيت؟.

فقال عمر: ممن يثرب مدينة رسول الله (ص).

فقال الرجل: يا شيخ (3)! تأمل أمرك وأبصر ما تقول؟.

فقال: هذا الذي أقوله لك.

قال الرجل: متى خرجت من المدينة؟.

قال: البارحة.

قال له: اسكت، لا يسمع الناس منك هذا فتقتل أو يقولون هذا مجنون.

فقال: الذي أقول حق.

فقال له الرجل: حدثني كيف حالك ومجيؤك إلى ها هنا؟!.

فقال عمر: كان علي بن أبي طالب في كل ليلة جمعة يخرج من المدينة ولا نعلم أين يمضي، فلما كان في هذه الليلة تبعته وقلت أريد أن أبصر أين يمضي، فوصلنا إلى ها هنا، فوقف يصلي ونمت ولا أدري ما صنع؟.

فقال له الرجل: أدخل هذه المدينة وأبصر الناس واقطع أيامك إلى ليلة الجمعة فما لك من يحملك إلى موضع الذي جئت منه إلا الرجل الذي جاء

بك، فبيننا وبين المدينة أزيد من مسيرة سنتين، فإذا رأينا من يرى المدينة ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله نتبرك به ونزوره، وفي الأحيان نرى من أتى بك فنقول أنت قد جئت في بعض ليلة من المدينة، فدخل عمر إلى المدينة فرأى الناس كلهم يلعنون ظالمي أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله ويسموهم بأسمائهم واحدا واحدا، وكل صاحبه صناعة يقول كذلك وهو على صناعته، فلما سمع عمر ذلك ضاقت عليه الأرض بما رحبت وطالت عليه الأيام حتى جاء ليلة الجمعة، فمضى إلى ذلك المكان فوصل أمير المؤمنين عليه السلام إليه عادته، فكان عمر يترقبه حتى مضى معظم الليل وفرغ من صلاته وهم بالرجوع فتبعه عمر حتى وصلا الفجر المدينة، فدخل أمير المؤمنين عليه السلام المسجد وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى عمر أيضا، ثم التفت النبي صلى الله عليه وآله إلى عمر، فقال: يا عمر! أين كنت أسبوعا لا نراك عندنا؟! فقال عمر: يا رسول الله (ص)! كان من شأني.. كذا وكذا، وقص عليه ما جرى له، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا تنس ما شاهدت بنظرك فلما سأله من سأله عن ذلك، فقال: نفذ في سحر بني هاشم.

أقول: هذا حديث غريب لم أره إلا في الكتاب المذكور.

158 - كشف الحق للعلامة الحلي رحمه الله: روى الحافظ محمد بن

موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر: تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان، وتفسير ابن جريح، وتفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير وكيع بن جراح، وتفسير يوسف بن موسى القطان، وتفسير قتادة، وتفسير أبي عبيدة القاسم بن سلام، وتفسير علي بن حرب الطائي، وتفسير السدي، وتفسير مجاهد، وتفسير مقاتل بن حيان، وتفسير أبي صالح، وكلهم من الجماهرة، عن أنس بن مالك، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا رجلا يصلي ويصوم ويتصدق ويزكي، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: لا أعرفه.. فقلنا : يا رسول الله! إنه عبد الله ويسبحه ويقدسه ويوحده.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا أعرفه، فبينا نحن في ذكر الرجل إذ قد طلع علينا، فقلنا: هو ذا، فنظر إليه رسول الله صلى اله عليه وآله، فقال لأبي بكر: خذ سيفي هذا وامض إلى هذا الرجل فاضرب عنقه، فإنه أول من يأتيه من حزب الشيطان..

فدخل أبو بكر المسجد فرآه راكعا، فقال: والله لا أقتله، فإن رسول الله (ص) نهانا عن قتل المصلين، فرجع إلى رسول الله عليه وآله، فقال يا رسول الله! إني رأيته يصلي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس، فلست بصاحبه، قم يا عمر!

و خذ سيفي من يد أبي بكر وأدخل المسجد فاضرب عنقه، قال عمر:

فأخذت السيف من أبي بكر ودخلت المسجد فرأيت الرجل ساجدا، فقلت: والله لا أقتله فقد استأمنه من هو خير مني فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله إني رأيت الرجل ساجدا.

فقال: يا عمر! اجلس فلست بصاحبه، قم يا علي فإنك أنت قاتله، إن وجدته فاقتله، فإنك إن قتلته لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا.

قال علي عليه السلام: فأخذت السيف ودخلت المسجد فلم أره، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله (ص)! ما رأيته.

فقال: يا أبا الحسن! إن أمة موسى افترقت إحدى وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار، وإن أمة عيسى (ع) افترقت اثنتين وسبعين فرقة ناجية ناجية والباقون في النار، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار. فقلت: يا رسول الله (ص)! وما الناجية؟.

فقال: المتمسك بما أنت عليه وأصحابه، فأنزل الله تعالى في ذلك الرجل: * (ثاني عطفه) *. يقول: هذا أول من يظهر من أصحاب البدع والضلالات.

قال ابن عباس، والله ما قتل ذلك الرجل إلا أمير المؤمنين (ع) يوم صفين،

ثم قال: * (له في الدنيا خزي) * قال القتل: * (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) * بقتاله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين.

قال العلامة رحمه الله: تضمن الحديث أن أبا بكر وعمر لم يقبلا أمر النبي صلى الله عليه وآله ولم يقبلا قوله، واعتذرا بأنه يصلي ويسجد، ولم يعلما أن النبي صلى الله عليه وآله أعرف بما هو عليه منهما، ولو لم يكن مستحقا للقتل لم يأمر الله تعالى نبيه بذلك، وكيف ظهر إنكار النبي صلى الله عليه وآله على أبي بكر بقوله: لست بصاحبه، وامتنع عمر من فعله، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله حكم بأنه لو قتل لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا، وكرر الامر بقتله ثلاث مرات عقيب الانكار على الشيخين، وحكم صلى الله عليه وآله بأن أمته ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون منها في النار، وأصل هذا بقاء ذلك الرجل الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله الشيخين بقتله فلم يقتلاه، فكيف يجوز للعامي تقليد من يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وآله.

159 - وقال رحمه الله في كتاب المذكور: وقد روى عبد الله بن عباس، وجابر، وسهل بن حنيف، وأبو وايل، والقاضي عبد الجبار، وأبو علي الجبائي،

وأبو مسلم الأصفهاني، ويوسف الثعلبي، والطبري، والواقدي، والزهري، والبخاري، والحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند المسور بن مخرمة في حديث الصلح بين سهيل بن عمرو وبين النبي صلى الله عليه وآله بالحديبية، يقول فيه:

فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي صلى الله عليه [وآله]، فقلت له:

ألست نبي الله حقا؟!. قال: بلى.

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟. قال: بلى.

قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا.

قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به. قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقا؟. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟!. قال: بلى. قلت: فلم نعطي هذه الدنية في ديننا إذا.

قال: أيها الرجل! إنه رسول الله، ولا يعصي لربه وهو ناصره، فاستمسك بعذره، فوالله إنه على الحق.

قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به (1)؟!. قال: فأخبرك أنه يأتيه العام؟ قلت: لا.

قال: فإنك آتيه وتطوف به.

وزاد الثعلبي في تفسيره عند ذكر سورة الفتح وغيره من الرواة: أن عمر ابن الخطاب قال: ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ.

ثم قال رحمه الله: فهذا الحديث يدل على تشكيك عمر والانكار على رسول الله صلى الله عليه وآله فيما فعله بأمر الله، ثم رجوعه إلى أبي بكر حتى أجابه بالصحيح، وكيف استجاز عمر أن يوبخ النبي صلى الله عليه وآله ويقول له - عقيب قوله صلى الله عليه وآله: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري - أليس كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به؟!.

160 - ثم قال قدس سره: في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة

من المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعتم بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة (3)! نام النساء والصبيان، فخرج (4)! وقال: ما كان لكم أن تبرزوا رسول الله صلى الله عليه وآله على الصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب وقد قال الله تعالى: * (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) * فجعل ذلك محبطا للعمل، وقال: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم) *.

161 - وقال رحمه الله: وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: أنه لما توفى عبد الله بن أبي سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقام رسول الله صلى الله عليه وآله

ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله (ص)! أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟!. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما خيرني الله تعالى قال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة..) * وسأزيد على السبعين. قال: إنه منافق..

فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله. وهذا رد على النبي صلى الله عليه وآله.

163 - وقال رحمه الله: وفي الجمع في الصحيحين من مسند عائشة، قالت: كانت أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله تخرجن ليلا إلى ليل قبل المصانع، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر وهو في المجلس، فقال: عرفتك يا سودة! فنزل آية الحجاب عقيب ذلك.

وهو يدل على سوء أدب عمر حيث كشف ستر زوجة النبي صلى الله عليه وآله ودل عليها أعين الناس وأخجلها، وما قصدت بخروجها ليلا إلا الاستتار عن الناس وصيانة نفسها، وأي ضرورة له إلى تخجيلها حتى أوجب ذلك نزول

آية الحجاب.

أقول: أورد قدس الله روحه كثيرا من مطاعنهم تركناها اختصارا وسنعيد الكلام بذكر تفاصيل مثالبهم وإثباتها بما هو متداول بينهم اليوم من كتبهم التي لا يمكنهم القدح في رواياتها وبسط القول فيها اعتراضا وجوابا ليتم الحجة على المخالفين ولا يبقى لهم عذر في الدنيا ولا في يوم الدين. ونرجو من فضله تعالى أن لا يحرمني أجر ذلك، فإنه لا يضيع عنده أجر المحسنين.

163 - الفضائل: البراء بن عازب، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في أصحابه إذ أتاه وفد من بني تميم، منهم مالك بن نويرة، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله! علمني الايمان؟.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وتصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج البيت، وتوالي وصيي هذا من بعدي - وأشار إلى علي (ع) بيده - ولا تسفك دما، ولا تسرق، ولا تخون، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تشرب الخمر، وتوفي بشرائعي، وتحلل حلالي وتحرم حرامي، وتعطي الحق من نفسك للضعيف والقوي والكبير والصغير.. حتى عد عليه شرائع الاسلام.

فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله! أعد علي فإني رجل نساء، فأعادها عليه فعقدها بيده، وقام وهو يجر إزاره وهو يقول: تعلمت الايمان ورب الكعبة، فلما بعد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال صلى الله عليه وآله: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا الرجل.

فقال أبو بكر وعمر: إلى من تشير يا رسول الله (ص)؟!. فأطرق إلى الأرض

فاتخذا في السير فلحقاه، فقالا له: البشارة من الله ورسوله بالجنة، فقال:

أحسن الله تعالى بشارتكما إن كنتما ممن يشهد بما شهدت به، فقد علمتما ما علمني النبي صلى الله عليه وآله، وإن لم تكونا كذلك فلا أحسن الله بشارتكما.

فقال أبو بكر: لا تقل ذلك فأنا أبو عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله. قال: قلت: ذلك فما حاجتكما؟.

قالا: إنك من أصحاب الجنة فاستغفر لنا.

فقال: لا غفر الله لكما، أنتما نديمان لرسول الله صلى الله عليه وآله صاحب الشفاعة وتسألاني أستغفر لكما؟! فرجعا والكآبة لائحة في وجهيهما، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وآله تبسم، وقال: في الحق مغضبة؟!.

فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع بنو تميم إلى المدينة ومعهم مالك بن نويرة، فخرج لينظر من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل يوم الجمعة - وأبو بكر على المنبر يخطب الناس - فنظر إليه وقالوا: أخو تيم؟.

قالوا: نعم. قال: ما فعل وصي رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أمرني بموالاته؟. قالوا: يا أعرابي! الامر يحدث بعد الامر الآخر.

قال: تالله ما حديث شئ وإنكم لخنتم الله ورسوله، ثم تقدم إلى أبي بكر وقال له: من أرقاك هذا المنبر ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله جالس؟!. فقال أبو بكر: أخرجوا الاعرابي البوال على عقيبه من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله!.

فقام إليه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد فلم يزالا يكذان عنقه حتى أخرجاه، فركب راحلته وأنشأ يقول شعرا:

أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر إذا مات بكر قام عمرو أمامه * فتلك - وبيت الله - قاصمة الظهر يذب ويغشاه العشار كأنما * يجاهد جما أو يقوم على قبر فلو طاف فينا من قريش عصابة * أقمنا ولو كان القيام على جمر قال: فلما استتم الامر لأبي بكر وجه خالد بن الوليد وقال له: قد علمت

ما قال على رؤوس الاشهاد، لست آمن أن يفتق علينا فتقا لا يلتام، فاقتله، فحين أتاه خالد ركب جواده وكان فراسا يعد بألف فارس، فخاف خالد منه فآمنه وأعطاه المواثيق ثم غدر به بعد أن ألقى سلاحه فقتله، وعرس بامرأته في ليلته وجعل رأسه في قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه لامرأته ينزو عليها نزو الحمار.. والحديث طويل.

بيان:

العشار - بالكسر -: جمع العشراة، وهي الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر.

والجم - جمع الجماء -: وهي الشاة التي لا قرن لها.

والأجم: الرجل بلا رمح، ولعل تشبيه القوم بالعشار لما أكلوا من الأموال المحرمة وطمعوا من الولايات الباطلة، ونفي كونها جما تهديد بأنه وقومه كاملو الإرادة والسلاح.

164 - إرشاد القلوب: من مثالبهم - لما ما تضمنه خبر وفاة الزهراء عليها السلام قرة عين الرسول وأحب الناس إليه مريم الكبرى والحوراء التي أفرغت من ماء الجنة من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله، التي قال في حقها رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك. وقال عليه وآله السلام: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني.

وروي أنه لما حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس: إذا أنا مت فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفا من سندس من الجنة قد ضرب فسطاطا في جانب الدار فاحمليني وزينب وأم كلثوم فاجعلوني من وراء السجف وخلوا بيني وبين نفسي، فلما توفيت عليها السلام وظهر السجف حملناها وجعلناها وراءه، فغسلت

وكفنت وحنطت بالحنوط، وكان كافور أنزله جبرئيل عليه السلام من الجنة في ثلاث صرر، فقال: يا رسول الله! ربك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخي علي مقسوم أثلاثا، وإن أكفانها وماؤها وأوانيها من الجنة.

وروي أنها توفيت عليها السلام بعد غسلها وتكفينها وحنوطها، لأنها طاهرة لا دنس فيها، وأنها أكرم على الله تعالى أن يتولى ذلك منها غيرها، وإنه لم يحضرها إلا أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس، وأن أمير المؤمنين عليه السلام أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلوا عليها، ولم يعلم بها أحد، ولا حضروا وفاتها ولا صلى عليها أحد من ساير الناس غيرهم، لأنها عليها السلام أوصت بذلك، وقال: لا تصل علي أمة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى الله عليه وآله في أمير المؤمنين علي عليه السلام، وظلموني حقي، وأخذوا إرثي، وخرقوا صحيفتي التي كتبها لي أبي بملك فدك، وكذبوا شهودي وهم - والله - جبرئيل وميكائيل وأمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن، وطفت عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين عليه السلام يحملني ومعي الحسن والحسين ليلا ونهارا إلى منازلهم أذكرهم بالله وبرسوله ألا تظلمونا ولا تغصبونا حقنا الذي جعله الله لنا، فيجيبونا ليلا ويقعدون عن نصرتنا نهارا، ثم ينفذون إلى دارنا قنفذا ومعه عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمي عليا إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلا بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وبأزواجه وبتأليف القرآن وقضاء ثمانين ألف درهم وصاه بقضائها عنه عدات ودينا، فجمعوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفوا عنا وينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ - مولى أبي بكر - فضرب به عضدي

فالتوى السوط على عضدي حتى صار كالدملج، وركل الباب برجله فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي والنار تسعر وتسفع وجهي، فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم، فهذه أمة تصلي علي؟! وقد تبرأ الله ورسوله منهم، وتبرأت منهم. فعمل أمير المؤمنين (ع) بوصيتها ولم يعلم أحدا بها فأصنع في البقيع ليلة دفنت فاطمة عليها السلام أربعون قبرا جددا.

ثم إن المسلمين لما علموا بوفاة فاطمة ودفنها جاؤوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يعزونه بها ، فقالوا: يا أخا رسول الله (ص)! لو أمرت بتجهيزها وحفر تربتها.

فقال عليه السلام: قد وريت ولحقت بأبيها صلى الله عليه وآله وسلم.

فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، تموت ابنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ولم يخلف فينا ولدا غيرها، ولا نصلي عليها! إن هذا لشئ عظيم.

فقال عليه السلام: حسبكم ما جنيتم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته ولم أكن - والله - لأعصيها في وصيتها التي أوصت بها في أن لا يصلي عليها أحد منكم، ولا بعد العهد فأعذر، فنفض القوم أثوابهم، وقالوا لا بد لنا من الصلاة على ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبرا جددا، فاشتبه عليهم قبرها عليها السلام بين تلك القبور فصح الناس ولام بعضهم بعضا، وقالوا: لم تحضروا وفاة بنت نبيكم ولا

الصلاة عليها ولا تعرفون قبرها فتزورونه؟.

فقال أبو بكر: هاتوا من ثقات المسلمين من ينبش هذه القبور حتى تجدوا قبرها فنصلي عليها ونزورها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فخرج من داره مغضبا وقد احمر وجهه وقامت عيناه ودرت أوداجه، وعلى يده قباه الأصفر - الذي لم يكن يلبسه إلا في يوم كريهة - يتوكأ على سيفه ذي الفقار حتى ورد البقيع، فسبق الناس النذير، فقال لهم: هذا علي قد أقبل كما ترون يقسم بالله لان بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعن السيف على غائر هذه الأمة، فولى القوم هاربين قطعا قطعا.

ومنها: ما فعله الأول من التآمر على الأمة من غير أن أباح الله له ذلك ولا رسوله، ومطالبة جميعهم بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعا وكرها، وكان ذلك أول ظلم ظهر في الاسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان هو وأولياؤه جميعا مقربين بأن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله لم يولياه ذلك ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته.

وطالب الناس بالخروج إليه مما كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله من الأخماس والصدقات والحقوق الواجبات.

ثم تسمى بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد علم هو ومن معه من الخاص والعام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم والمعصية والكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، ولما امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأمرنا بدفع ذلك إليك، فسماهم: أهل الردة، وبعث إليهم خالد بن الوليد رئيس القوم في جيش،

فقتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم، واستباح أموالهم، وجعل ذلك فيئا للمسلمين، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم: مالك بن نويرة، وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك واستحل الباقون فروج نسائهم من غير استبراء.

وقد روى أهل الحديث جميعا بغير خلاف عن القوم الذين كانوا مع خالد أنهم قالوا: أذن مؤذننا وأذن مؤذنهم، وصلينا وصلوا، وتشهدنا وتشهدوا، فأي ردة ها هنا؟! مع ما رووه أن عمر قال لأبي بكر: كيف نقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله (ص): فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم؟!.

فقال: لو منعوني عقالا مما كانوا يدفعونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لقاتلتهم - أو قال: لجاهدتهم -، وكان هذا فعلا فظيعا في الاسلام وظلما عظيما، فكفى بذلك خزيا وكفرا وجهلا، وإنما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنه كان بين عمر وبين مالك خلة أوجبت المعصية له من عمر.

ثم رووا جميعا أن عمر لما ولي جمع من بقي من عشيرة مالك واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، ورد ذلك جميعا عليهم.

فإن كان فعل أبي بكر بهن خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم وملكهم العبيد الأحرار من أبنائهم، وأوطأهم فروجا حراما من نسائهم، وإن كان ما فعله حقا فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهن بحق فانتزعهن من أيديهم غصبا وظلما وردهن إلى قوم لا يستحقونهم بوطئهن حراما من غير مباينة وقعت ولا أثمان دفعت إلى من كن عنده في تملكه، فعلى كلا الحالين قد أخطئنا جميعا أو أحدهما،

لأنهما أباحا للمسلمين فروجا حراما، وأطعماهم طعاما حراما من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، وليس له ذلك على ما تقدم ذكره.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.