پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

93 باب 113

ج ۳۲، ص ۲۱۶–۲۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۹ از ۲۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

حلائلكما في الخيام والحجال ما أنصفتما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمر الله أن لا يكلمن إلا من وراء حجاب أخبرني من صلاة ابن الزبير بكما أما يرضى أحدكما بصاحبه؟ أخبرني عن دعائكما الاعراب إلى قتالي ما يحملكما على ذلك؟.

فقال طلحة يا هذا كنا في الشورى سنة مات منا واحد وقتل آخر فنحن اليوم أربعة كلنا لك كاره!! فقال له علي (عليه السلام) ليس ذاك علي قد كنا في الشورى والامر في يد غيرنا وهو اليوم في يدي أرأيت لو أردت بعدما بايعت عثمان أن أرد هذا الامر شورى أكان ذلك لي؟ قال: لا. [قال:] ولم؟ قال:

لأنك بايعت طائعا. فقال علي (عليه السلام) وكيف ذلك والأنصار معهم السيوف مخترطة يقولون: لا فرغتم وبايعتم واحدا منكم وإلا ضربنا أعناقكم أجمعين فهل قال لك ولأصحابك أحد شيئا من هذا وقت ما بايعتماني؟

وحجتي في الاستكراه في البيعة أوضح من حجتك وقد بايعتني وأصحابك طائعين غير مكرهين وكنتما أول من فعل ذلك ولم يقل أحد لتبايعان أو لنقتلكما.

فانصرف طلحة ونشب القتال فقتل طلحة وانهزم الزبير.

بيان: قوله " أكان ذلك بي " أي بحسب معتقدكم أو هل كانوا يسمعون مني ذلك.

واعلم أن الدلائل على بطلان ما ادعوا من ورود الحديث ببشارة العشرة انهم من أهل الجنة كثيرة قد مر بعضها وكفى بإنكاره (عليه السلام) ورده في بطلانه، ومقاتلة بعضهم معه (عليه السلام) أدل دليل على بطلانه للأخبار المتواترة بين الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) كقوله (عليه السلام):

" لا يبغضك إلا منافق " وقوله: " حربك حربي " وغير ذلك مما مر وسيأتي في المجلد التاسع، والعشرة بزعمهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي وعبد الرحمان بن عوف وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح على التسعة اللعنة.

تذنيب قال أبو الصلاح رحمه الله في تقريب المعارف تناصر الخبر من طريقي الشيعة وأصحاب الحديث بأن عثمان وطلحة والزبير وسعدا وعبد الرحمان من جملة أصحاب العقبة الدين نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن عثمان وطلحة القائلان: أينكح محمد نساءنا ولا تنكح نساءه؟! والله لو قد مات لأجلنا على نسائه بالسهام!!!.

وقول طلحة لاتزوجن أم سلمة (2)؟ فأنزل الله سبحانه * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) *.

وقول عثمان لطلحة وقد تنازعا: والله إنك أول أصحاب محمد تزوج بيهودية فقال طلحة: وأنت والله لقد قلت: ما يحبسنا ها هنا ألا نلحق بقومنا.

وقد روي من طريق موثوق به ما يصحح قول عثمان لطلحة فروي أن طلحة عشق يهودية فخطبها ليتزوجها فأبت إلا أن يتهود ففعل!!! وقدحوا في نسبه بأن أباه عبيد الله كان عبدا راعيا بالبلقاء فلحق بمكة فادعاه عثمان بن عمرو بن كعب التيمي فنكح الصعبة بنت دز مهر الفارسي وكان بعث به كسرى إلى اليمن فكان بحضرموت خرازا.

وأما الزبير فكان أبوه ملاحا بجدة وكان جميلا فادعاه خويلد وزوجه عبد المطلب صفية.

وقال العلامة قدس الله روحه في كشف الحق ومؤلف كتاب إلزام النواصب وصاحب كتاب تحفة الطالب: ذكر أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي

من علماء الجمهور أن من جملة البغايا وذوات الرايات صعبة بنت الحضرمي كانت لها راية بمكة واستبضعت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله فقيل لها كيف تركت أبا سفيان؟ فقالت يد عبيد الله طلقة ويد أبي سفيان نكرة.

وقال [العلامة] في كشف الحق أيضا. وممن كان يلعب به ويتخنث عبيد الله أبو طلحة فهل يحل لعاقل المخاصمة مع هؤلاء لعلي (عليه السلام) انتهى.

وقال مؤلف كتاب الزام النواصب وصاحب تحفة الطالب: قد ورد أن العوام كان عبدا لخويلد ثم أعتقه وتبناه ولم يكن من قريش وذلك إن العرب في الجاهلية كان إذا كان لأحدهم عبد وأراد أن ينسب إلى نفسه ويلحق به نسبه أعتقه وزوجه كريمة من العرب فيلحق بنسبه وكان هذا من سنن العرب.

ويصدق ذلك شعر عدي بن حاتم في عبد الله بن الزبير بحضرة معاوية وعنده جماعة قريش وفيهم عبد الله بن الزبير فقال عبد الله لمعاوية: يا أمير المؤمنين ذرنا نكلم عديا فقد زعم أن عنده جوابا فقال: إني أحذركموه فقال:

لا عليك دعنا وإياه. [فرضي معاوية] فقال: يا أبا طريف متى فقئت عينك؟

فقال: يوم فر أبوك وقتل شر قتلة وضربك الأشتر على أستك فوقعت هاربا من الزحف وأنشد يقول:

أما وأبي يا ابن الزبير لو أنني * لقيتك يوم الزحف رمت مدى شحطا وكان أبي في طئ وأبو أبي * صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا.

قال معاوية: قد حذرتكموه فأبيتم.

وقوله: " صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا " تعريض بان الزبير بأن أباه وأبا أبيه ليسا بصحيحي النسب وأنهما من القبط ولم يستطع ابن الزبير انكار ذلك في مجلس معاوية.

أقول: وروى صاحب كتاب تحفة الطالب الأبيات هكذا:

[أما وأبي يا ابن الزبير لو أنني ] * لقيتك يوم الزحف ما رمت لي سخطا ولو رمت شقى عند عدل قضاؤه * لرمت به يا بن الزبير مدى شحطا

[الباب الرابع] باب احتجاجه عليه السلام على أهل البصرة وغيرهم بعد انقضاء الحرب وخطبه (عليه السلام) عند ذلك 173 - الإحتجاج: روى يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عبد الله بن الحسن قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب بالبصرة بعد دخولها بأيام فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة؟

ومن أهل البدعة ومن أهل السنة؟ فقال [أمير المؤمنين عليه السلام]: ويحك أما إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل عنها أحدا بعدي أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا وذلك الحق عن أمر الله وعن أمر رسوله.

و [أما] أهل الفرقة [ف‍] المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا.

وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا.

وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله تعالى وكتابه ولرسوله والعاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج وعلى الله فضها واستيصالها عن جدد الأرض.

فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفئ ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وولده فئ لنا.

فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال: يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت بالرعية!!

فقال: ولم ويحك؟ قال: لأنك قسمت ما في العسكر وتركت النساء والأموال والذرية.

فقال [عليه السلام]: أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات!! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف. فقيل ومن غلام ثقيف؟ فقال: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها. فقيل: أفيموت أو يقتل؟ فقال: يقصمه قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه!!.

يا أخا بكر أنت امرء ضعيف الرأي أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشدة وولدوا على فطرة وإنما لكم ما حوى عسكرهم و [أما] ما كان في دورهم فهو ميراث [لذريتهم] فإن عدا [علينا] أحد منهم أخذناه بذنبه وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره.

يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة فقسم ما حوى العسكر ولم يتعرض لما سوى ذلك وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل.

يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق فمهلا مهلا رحمكم الله فإن لم تصدقوني وأكثرتم علي وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد فأيكم يأخذ عائشة بسهمه؟!

فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا فنحن نستغفر الله تعالى ونادى الناس من كل جانب أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك الرشاد والسداد.

فقام عمار فقال: أيها الناس والله إن اتبعتموه وأطعتموه لن يضل عن منهل نبيكم (عليه السلام) حتى قيس شعرة وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهج هارون (عليه السلام) وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " فضلا خصه الله به وإكراما منه لنبيه (صلى الله عليه وآله) حيث أعطاه ما لم يعطه أحدا من خلقه.

ثم قال أمير المؤمنين: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له فإن العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الاخس فإني حاملكم إنشاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة وإن كانت فيه مشقة شديدة ومرارة عتيدة، والدنيا حلوة الحلاوة لمن اغتر بها من الشقوة والندامة عما قليل.

ثم إني أخبركم أن جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر. فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلا منهم فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم.

وأما عائشة فأدركها رأي النساء ولها بعد ذلك حرمتها الأولى والحساب على الله يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء.

بيان فلان ذو عارضة أي ذو جلد وصرامة وقدرة على الكلام ذكره الجوهري وقال: قال الأصمعي: الترهات: الطرق الصغار غير الجادة تتشعب عنها. الواحدة: ترهة فارسي معرب ثم استعير في الباطل. وقال: يقال بينهما قيس رمح وقاس رمح أي قدر رمح. والعتيد: الحاضر المهيأ.

174 - الإحتجاج: عن المبارك بن فضالة عن رجل ذكره قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الجمل فقال له: يا أمير المؤمنين رأيت في هذه الواقعة أمرا هالني من روح قد بانت وجثة قد زالت ونفس قد فاتت لا أعرف فيهم مشركا بالله تعالى فالله الله فما يحللني من هذا فإن يك شرا فهذا يتلقى بالتوبة وإن يك خيرا ازددنا أخبرني عن أمرك هذا الذي أنت عليه أفتنة عرضت لك؟ فأنت تنفح الناس بسيفك أم شئ خصك به رسول الله صلى الله عليه وآله؟.

فقال له علي: إذا أخبرك إذا أنبئك إذا أحدثك إن ناسا من المشركين أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسلموا ثم قالوا لأبي بكر: استأذن لنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نأتي قومنا فنأخذ أموالنا ثم نرجع فدخل أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستأذن لهم فقال عمر: يا رسول الله أيرجع من الاسلام إلى الكفر؟ قال: وما علمك يا عمر ان ينطلقوا فيأتوا بمثلهم معهم من قومهم؟ ثم إنهم أتوا أبا بكر في العام المقبل فسألوه أن يستأذن لهم على النبي (صلى الله عليه وآله) فاستأذن لهم وعنده عمر فقال مثل قوله فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: والله ما أراكم تنتهون حتى يبعث الله عليكم رجلا من قريش يدعوكم إلى الله فتختلفون عنه اختلاف الغنم الشرد فقال له أبو بكر: فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا هو؟ فقال:

لا. فقال عمر: فأنا هو يا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: لا. قال عمر: فمن هو يا رسول الله فأومى إلي وأنا أخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هو خاصف النعل عندكما ابن عمي وأخي وصاحبي ومبرئ ذمتي والمؤدي عني ديني وعدتي والمبلغ عني رسالتي ومعلم الناس من بعدي ويبين لهم من تأويل القرآن مالا يعلمون فقال الرجل: اكتفي منك بهذا يا أمير المؤمنين ما بقيت.

فكان ذلك الرجل أشد أصحاب علي عليه السلام فيما بعد على من خالفه.

بيان قال الجوهري: نفحه بالسيف. تناوله من بعيد. وفي بعض النسخ " تنصح " بالصاد المهملة والأول أظهر. قوله (عليه السلام) " غنم الشرد " من

قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة. وفي بعض النسخ: " الغنم " بالتعريف وهو أظهر. " والشرد " إما بالتحريك جمع شارد كخدم وخادم أو بضمتين جمع شرود كزبور وزبر من شرد البعير إذا نفر.

175 - الإحتجاج: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من قتال أهل البصرة وضع قتبا على قتب ثم صعد عليه فخطب فحمد الله وأثنى عليه فقال:

يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة يا أهل الداء العضال يا أتباع البهيمة يا جند المرأة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق ودينكم نفاق وأحلامكم دقاق.

ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله يصلون الخمس ويسبغون الوضوء فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام):

قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا؟ فقال: والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي

وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هم الكفر فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد: يا حسن ارجع فإن القاتل والمقتول في النار فرجعت ذعرا وجلست في بيتي.

فلما كان اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر فتحنطت وصببت على سلاحي وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي يا حسن إلى أين مرة بعد أخرى فإن القاتل والمقتول في النار.

قال علي: صدقت أفتدري من ذاك المنادي؟ قال: لا. قال: ذلك أخوك إبليس وصدقك أن القاتل والمقتول منهم في النار.

فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى.

بيان قال الفيروزآبادي: الخريبة كجهينة موضع بالبصرة تسمى البصرة الصغرى.

176 - تفسير علي بن إبراهيم: " والمؤتفكة أهوى " قال: المؤتفكة البصرة والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

يا أهل البصرة ويا أهل المؤتفكة يا جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق وأحلامكم دقاق وفيكم خم النفاق ولعنتم على لسان سبعين نبيا إن رسول الله أخبرني أن جبرئيل أخبره أنه طوى له الأرض فرأى البصرة أقرب الأرضين من الماء وأبعدها من السماء وفيها تسعة أعشار الشر والداء العضال المقيم فيها مذنب والخارج منها برحمة وقد ايتفكت بأهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة وتمام الثالثة في الرجعة.

بيان قال البيضاوي: المؤتفكة: القرى التي ايتفكت بأهلها أي انقلبت.

وقال في النهاية: في حديث أنس " البصرة إحدى المؤتفكات " يعني إنها غرقت مرتين فشبه غرقها بانقلابها. وقال الجوهري: داء عضال أي شديد أعيى الأطباء.

177 - تفسير علي بن إبراهيم: " والمؤتفكات بالخاطئة " المؤتفكات: البصرة والخاطئة فلانة.

بيان قال البيضاوي: " بالخاطئة " أي بالخطأ أو بالفعلة أو بالافعال ذات الخطأ.

وأما التأويل الذي ذكره علي بن إبراهيم فقد رواه مؤلف تأويل الآيات الباهرة عن محمد البرقي عن سيف بن عميرة عن أخيه عن منصور بن حازم عن حمران قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقرأ " وجاء فرعون " يعني الثالث " ومن قبله " يعني الأولين " والمؤتفكات " أهل البصرة " بالخاطئة " الحميراء فالمراد بمجئ الأولين والثالث بعائشة أنهم أسسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البيت عليهم السلام أساسا به تيسر لها الخروج والاعتداء على أمير المؤمنين عليه السلام ولولا ما فعلوا لمن تكن تجترئ على ما فعلت، والمراد بالمؤتفكات أهل المؤتفكات والجمع باعتبار البقاع والقرى والمحلات.

178 - أمالي الطوسي: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن أبي الوليد

الضبي عن أبي بكر الهذلي قال: دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة أضحوا إلا على حق. فقال [له أمير المؤمنين عليه السلام]:

يا حار إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك جزت عن الحق إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه والباطل باجتناب من اجتنبه.

قال: فهلا أكون تبعا لعبد الله بن عمر، وسعد بن مالك؟ فقال أمير المؤمنين: إن عبد الله بن عمر وسعدا خذلا الحق ولم ينصرا الباطل متى كانا إمامين في الخير فيتبعان.

بيان إنك نظرت تحتك لعله كناية عن الغفلة عن معالي الأمور أو أنه اقتصر على النظر إلى أمثاله ومن هو أدون منه ولم يتبع من يجب اتباعه ممن هو فوقه.

179 - أمالي الطوسي: بالاسناد المتقدم عن الهذلي عن محمد بن سيرين قال: سمعت غير واحد من مشيخة أهل البصرة يقولون: لما فرغ علي بن أبي طالب (عليه السلام) من [حرب] الجمل عرض له مرض وحضرت الجمعة فتأخر عنها وقال لابنه الحسن: انطلق يا بني فاجمع بالناس فأقبل الحسن إلى المسجد فلما استقل على المنبر حمد الله وأثنى عليه وتشهد وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:

أيها الناس إن الله اختارنا لنبوته واصطفانا على خلقه وأنزل علينا كتابه ووحيه وأيم الله لا ينتقصنا أحد من حقنا شيئا إلا ينقصه الله في عاجل دنياه وآجل آخرته ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين.

ثم جمع بالناس وبلغ أباه كلامه فلما انصرف إلى أبيه (عليه السلام) نظر إليه فما ملك عبرته أن سالت على خديه ثم استدناه إليه فقبل بين عينيه وقال:

بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم .

180 - معاني الأخبار: ماجيلويه عن عمه عن الكوفي عن سفيان الحريري عن علي بن الحزور عن ابن نباته قال: لما أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) من البصرة تلقاه أشراف الناس فهنوه وقالوا: إنا نرجوا أن يكون هذا الامر فيكم ولا ينازعكم فيه أحد أبدا. فقال: هيهات - في كلام له - أنى ذلك ولما ترمون بالصلعاء. قالوا: يا أمير المؤمنين وما الصلعاء؟ قال: يؤخذ أموالكم قهرا فلا تمنعون [فلا تمتنعون " خ ل "].

بيان قال في النهاية: الصلعاء: الأرض التي لا تنبت. وفي حديث عائشة أنها قالت لمعاوية حين ادعى زيادا: ركبت الصليعاء أي الداهية والامر الشديد أو السوءة الشنيعة البارزة المكشوفة.

181 - الخرائج: روي عن أبي الصيرفي عن رجل من مراد: قال: كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال: إن لي [إليك] حاجة فقال (عليه السلام): ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها تطلب الأمان لابن الحكم؟ قال: نعم أريد أن تؤمنه قال: آمنته

ولكن اذهب إليه وجئني به ولا تجئني به إلا رديفا فإنه أذل له فجاء به ابن عباس ردفا خلفه فكأنه قرد [ف‍] قال [له] أمير المؤمنين: أتبايع؟ قال: نعم وفي النفس ما فيها. قال: الله أعلم بما في القلوب. فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كف مروان فترها فقال لا حاجة لي فيها إنها كف يهودية لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بإسته ثم قال: هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الأمة خسفا ويسقونه كأسا مصبرة.

بيان قوله: " فترها " كذا في أكثر النسخ بالتاء والراء المهملة [قال الفيروزآبادي] في القاموس: تر العظم يتر ويتر [على زنة يمد ويفر] ترا وترورا:

بان وانقطع وقطع كأتر. و [تر] عن بلده: تباعد. والتترتر. التزلزل والتقلقل.

وترتروا السكران: حركوه وزعزعوه واستنكهوه حتى يوجد منه الريح.

وفي بعض النسخ: " فنثرها " بالنون والثاء المثلثة أي نفضها. وفي بعضها بالنون والتاء المثناة من النتر وهو الجذب بقوة. وقال في القاموس: يقال لشئ يطرد: هيه هيه بالكسر وهي كلمة استزادة أيضا. وفي النهاية: المعامع: شدة الموت. والجد في القتال. والمعمعة في الأصل: صوت الحريق. والمعمعان. شدة الحر.

182 - الإرشاد [و] من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالبصرة حين ظهر على القوم بعد حمد الله تعالى والثناء عليه:

أما بعد فإن الله ذو رحمة واسعة ومغفرة دائمة، وعفو جم وعقاب أليم، قضى أن رحمته ومغفرته وعفوه لأهل طاعته من خلقه، وبرحمته اهتدى

المهتدون، وقضى أن نقمته وسطواته وعقابه على أهل معصيته من خلقه، وبعد الهدى والبينات ما ضل الضالون فما ظنكم يا أهل البصرة وقد نكثتم بيعتي وظاهرتم على عدوي؟!

فقام إليه رجل فقال: نظن خيرا ونراك قد ظهرت وقدرت فإن عاقبت فقد اجترمنا ذلك، وإن عفوت فالعفو أحب إلى الله تعالى.

فقال: قد عفوت عنكم فإياكم والفتنة فإنكم أول الرعية نكث البيعة وشق عصا هذه الأمة.

قال: ثم جلس للناس فبايعوه، ثم كتب (عليه السلام) بالفتح إلى أهل الكوفة:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال.

أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم من طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم فنهضت من المدينة حين انتهى إلي خبر من سار إليها وجماعتهم وما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذا قار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله وحقي فأقبل إلي إخوانكم سراعا حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فأعذرت بالدعاء قمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة من أهل الردة من قريش وغيرها؟ واستتبتهم؟ من نكثهم بيعتي وعهد الله عليهم، فأبوا إلى قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد فقتل الله من قتل منهم ناكثا وولى من ولى إلى مصرهم وقتل طلحة والزبير على نكثهما وشقاقهما.

وكانت المرأة عليهم أشأم من ناقة الحجر فخذلوا وأدبروا وتقطعت بهم

الأسباب فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم فقبلت منهم وغمدت السيف عنهم وأجريت الحق والسنة فيهم واستعملت عبد الله بن العباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إنشاء الله تعالى:

وقد بعثت إليكم زحر بن قيس الجعفي لتسائلوه فيخبركم عنا وعنهم وردهم الحق علينا ورد الله لهم وهم كارهون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

توضيح: كلمة ما في قوله (عليه السلام): " ما ضل " زائدة أو مصدرية والأول أظهر. " وشق العصا " مثل يضرب لتفريق الجماعة وأصله من أن الاعرابيين إذا [اجتمعا] كانت لهما عصا واحدة فإذا تفرقا شقا العصا وأخذ كل منهما شقا منها.

وقال الجوهري: تأشب القوم: اختلطوا. وائتشبوا أيضا يقال: جاء فلان فيمن تأشب إليه أي انضم إليه. وقال: ناهضته أي قاومته. وتناهض القوم في الحرب إذا نهض كل فريق إلى صاحبه. وقال: فولى عنه أي أعرض وولى هاربا أي أدبر. والحجر بالكسر: منازل ثمود. قال تعالى: * (كذب أصحاب الحجر المرسلين) *.

183 - تفسير العياشي: عن الحسن البصري قال: خطبنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) على هذا المنبر وذلك بعدما فرغ من أمر طلحة والزبير وعائشة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال:

أيها الناس والله ما قاتلت هؤلاء بالأمس إلا بآية تركتها في كتاب الله إن الله يقول: * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * أما والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لي: يا علي لتقاتلن الفئة الباغية والفئة الناكثة والفئة المارقة.

184 - تفسير العياشي: عن الشعبي قال: قرأ عبد الله * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) * إلى آخر الآية ثم قال : ما قوتل أهلها بعد.

فلما كان يوم الجمل. قرأها علي (عليه السلام) ثم قال: ما قوتل أهلها منذ يوم نزلت حتى كان اليوم.

185 - تفسير العياشي: عن أبي عثمان مولى بني أقصى قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: عذرني الله من طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته والله ما قوتل أهل هذه الآية مذ نزلت حتى قاتلتهم * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم) * الآية.

186 - الكافي: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن محمد بن نعمان أبو جعفر الأحول عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما انقضت القصة فيما بينه وبين طلحة والزبير وعائشة بالبصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) ثم قال:

أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة تفتن الناس بالشهوات وتزين لهم

بعاجلها وأيم الله إنها لتغر من أملها، وتخلف من رجاها، وستورث غدا أقواما الندامة والحسرة بإقبالهم عليها وتنافسهم فيها وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها ظلما وعدوانا وبغيا وأشرا وبطرا.

وبالله إنه ما عاش قوم قط في غضارة من كرامة نعم الله في معاش دنيا ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فأزال ذلك عنهم إلا من بعد تغيير من أنفسهم وتحويل عن طاعة الله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله عز وجل وتهاون بشكر نعم الله لان الله عز وجل يقول: * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال) *.

ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله جل ذكره بصدق من نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساءتهم لصفح لهم عن كل ذنب وإذا لأقالهم كل عثرة ولرد عليهم كل كرامة نعمة ثم أعاد لهم من صالح أمرهم ومما كان أنعم به عليهم كلما زال عنهم وأفسد عليهم.

فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته واستشعروا خوف الله عز ذكره وأخلصوا النفس وتوبوا إليه من قبيح ما استنفركم الشيطان من قتال ولي الأمر وأهل العلم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة وتشتت الامر وفساد صلاح ذات البين إن الله عز وجل يقبل التوبة ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون.

187 - نهج البلاغة: [و] من كلام له (عليه السلام) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة.

قالوا: أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع بالحسن والحسين إلى أمير المؤمنين عليهما السلام فكلماه فيه فخلى سبيله فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين فقال (عليه السلام): أو لم يبايعني بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الأربعة وستلقى الأمة منه ومن ولده يوما أحمر.

إيضاح: الحكم بن أبي العاص أبو مروان هو الذي طرده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه عثمان كما مر. والضمير في " إنها " يعود إلى الكف المفهوم من البيعة لجريان العادة بأن يضع المبايع كفه في كف المبتاع والنسبة إلى اليهود لشيوع العذر فيهم. والسبة بالفتح: الاست أي لو بايع في الظاهر لغدر في الباطن. وذكر السبة إهانة له. والامرة بالكسر مصدر كالامارة. وقيل: اسم. ولعقه - كسمعه -: لحسه. والغرض قصر مدة إمارته وكانت تسعة أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: أربعة أشهر وعشرة أيام.

والكبش - بالفتح -: الحمل إذا خرجت رباعيته. وكبش القوم:

رئيسهم. وفسر الأكثر الكبش ببني عبد الملك: الوليد وسليمان ويزيد وهشام، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء. وقيل: هم بنو مروان لصلبه عبد الملك الذي ولي الخلافة وعبد العزيز الذي ولي مصر وبشر الذي ولي العراق ومحمد الذي ولي الجزيرة ولكل منهم آثار مشهورة.

والولد بالتحريك مفرد وجمع. واليوم الأحمر: الشديد. وفي بعض النسخ:

" موتا أحمر " وهو كناية عن القتل.

188 - أمالي الطوسي: بإسناده قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة فقال:

يا جند المرأة ويا أصحاب البهيمة رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم الله أمركم بجهادي؟ أم على الله تفترون؟

ثم قال: يا بصرة أي يوم لك لو تعلمين وأي قوم لك لو تعلمين إن لك من الماء يوما عظيما بلاؤه. وذكر كلاما كثيرا.

189 - نهج البلاغة: [و] من كلام له (عليه السلام): أنتم الأنصار على الحق والاخوان في الدين والجنن يوم البأس والبطانة دون الناس بكم أضرب المدبر وأرجو طاعة المقبل فأعينوني بمناصحة خلية من الغش سليمة من الريب فوالله إني لاولى الناس بالناس.

بيان قال ابن أبي الحديد: قاله للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل ذكره المدايني والواقدي في كتابيهما.

وبطانة الرجل: خاصته وأصحاب سره. والمدبر: من أدبر وأعرض عن الحق. قوله (عليه السلام) " وأرجو... " أي من أقبل إلي إذا رأى أخلاقكم الحميدة أطاعني بصميم قلبه ويمكن أن يراد بالمقبل من كان من شأنه الاقبال والطاعة.

190 - الإرشاد من كلامه (عليه السلام) حين قتل طلحة وانفض [جمع] أهل البصرة:

بنا تسنمتم الشرف وبنا انفجرتم عن السرار وبنا اهتديتم في الظلماء.

وقر سمع لم يفقه الواعية [و] كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة ربط جنان لم يفارقه الخفقان.

[و] ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر وأتوسمكم بحلية المغترين سترني عنكم جلباب الدين وبصرنيكم صدق النية أقمت لكم الحق حيث تعرفون ولا دليل وتحتفرون ولا تميهون.

اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان عزب فهم امرئ تخلف عني ما شككت في الحق منذ رأيته.

كان بنوا يعقوب على المحجة العظمى حتى عقوا أباهم وباعوا أخاهم وبعد الاقرار كان توبتهم وباستغفار أبيهم وأخيهم غفر لهم.

بيان [هذا الكلام] رواه [السيد الرضي] في النهج بأدنى تغيير وأوله:

" بنا اهتديتم في الظلماء وتسنمتم العلياء وبنا انفجرتم عن السرار وقر سمع.

- إلى قوله - أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة حيث تلتقون ولا دليل - إلى قوله -: ما شككت في الحق مذ أريته لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال.

اليوم تواقفنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ. قوله " وتسنمتم العليا " أي ركبتم سنامها. وسنام كل شئ: أعلاه أي بتلك الهداية على قدركم " وبنا انفجرتم " وروي " أفجرتم ".

قال ابن أبي الحديد: هو نحو أغد البعير أي صرتم ذوي فجر، وعن للمجاوزة أي متنقلين عن السرار، والسرار: الليلة والليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر.

أقول: وعلى الرواية الأخرى لعل المعنى انفجرتم انفجار العين من الأرض أو الصبح من الليل. " وقر سمع " دعاء على السمع الذي لم يفقه كلام الداعي إلى الله بالثقل والصمم " كيف يراعى النبأة " أي من أصمته الصيحة القوية فإنه لم يسمع الصوت الضعيف والمعنى من لم ينتفع بالمواعظ الجلية كيف ينتفع بالعبر الضعيفة ولعله كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى دعاء الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).

" ربط جنان " دعاء للقلوب الخائفة الوجلة التي لا تزال تخفق من خشية الله والاشفاق من عذابه بالسكينة والثبات والاطمئنان والتقدير: ربط جنان نفسه. ومن روى بضم الراء فالمعنى: ربط الله جنانا كانت كذلك وهو أظهر.

والخفقان بالتحريك: التحرك والاضطراب " ما زلت أنتظر بكم " الخطاب لبقية أصحاب الجمل أو مع المقتولين أو الأخير فقط.

وإضافة " عواقب الغدر " بيانية أو لامية. والتوسم: التفرس أي كنت أتفرس منكم أنكم ستغترون بالشبه الباطلة.

" سترني عنكم جلباب الدين " أي الدين حال بيني وبينكم فلم تعرفوا ما أقوى عليه من الغلظة عليكم وقتلكم وسترني من عين قلوبكم ما وقفني عليه الدين من الرفق والشفقة وسحب ذيل العفو على الجرائم.

ويحتمل أن يكون المعنى إظهاركم شعار الاسلام عصمكم مني مع علمي بنفاقكم فأجريتكم مجرى المخلصين وهذا أنسب بما رواه بعضهم " ستركم عني ". " وبصرنيكم صدق النية " أي جعلني بصيرا بكم إخلاصي لله تعالى وبه صارت مرآة نفسي صافية كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ): المؤمن ينظر بنور الله. ذكره ابن ميثم والراوندي.

ويحتمل أن يكون المراد بصدق النية العلم الصادق الحاصل له عليه السلام بنفاقهم من العلامات كما قال تعالى * (فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) * أي أنزلكم منزلة المخلصين لظاهر إسلامكم مع علمي واقعا بنفاقكم.

وقال الراوندي رحمه الله: ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المعنى إنما أخفى رتبتي ومنزلتي عليكم ما أنا متباطئه من التخلق بأخلاق الديانة: وهو أنه لا يعرفهم نفسه بمفاخرها ومآثرها فيكون من باب قوله " إن ها هنا علما جما لو أصبت له حملة " وعلى هذا يكون معناه إنكم إن صدقت نياتكم ونظرتم بعين صحيحة وأنصفتموني أبصرتم منزلتي.

" أقمت لكم على سنن الحق " أي قمت لكم على جادة طريق الحق حيث يضل من تنكب عنه ولا دليل غيري وحيث تحتفرون الآبار لتحصيل الماء " ولا تميهون " أي لا تجدون ماء.

" اليوم أنطق لكم العجماء... " كني بالعجماء ذات البيان عن العبر الواضحة وما حل بقوم فسقوا عن أمر ربهم وعما هو واضح من كمال فضله (عليه السلام) وعن حال الدين ومقتضى أوامر الله تعالى فإن هذه الأمور عجماء لا نطق لها مقالا ذات البيات حالا ولما بينها عليه السلام وعرفهم ما يقوله لسان حالها فكأنه (عليه السلام) أنطقها لهم.

وقيل: العجماء صفة لمحذوف أي الكلمات العجماء والمراد بها ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنها ذات بيان عند أولي الألباب.

" عزب " أي بعد ويحتمل الاخبار والدعاء " وأوجس في نفسه خيفة ":

أضمر [...].

" اليوم تواقفنا " أي أنا واقف على سبيل الحق وأنتم على الباطل " ومن وثق بماء " لعل المراد من كان على الحق وأيقن ذلك واعتمد على ربه لا يبالي بما وقع عليه كما أن من وثق بماء لم يفزعه عطشه.

وقال الشارحون أي إن سكنتم إلى قولي ووثقتم به كنتم أبعد عن الضلال وأقرب إلى اليقين.

وقال القطب الرواندي رحمه الله [في شرحه على هذه الخطبة من نهج البلاغة]: أخبرنا بهذه الخطبة جماعة عن جعفر الدوريستي عن أبيه محمد بن العباس عن محمد بن علي بن موسى عن محمد بن علي الاسترآبادي عن علي بن محمد بن سيار عن أبيه عن الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين.

191 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم:

فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على الله فليفعل فإن أطعتموني فإني حاملكم إنشاء الله على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقة شديدة عظيمة ومذاقة مريرة.

وأما فلانة فأدركها رأي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل!!! ولها بعد حرمتها الأولى والحساب على الله.

ومنه.

سبيل أبلج المنهاج أنور السراج فبالايمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يستدل على الايمان وبالايمان يعمر العلم وبالعلم يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا وبالدنيا تحرز الآخرة.

وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى.

[و] منه:

قد شخصوا من مستقر الأجداث وصاروا إلى مصائر الغايات لكل دار أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها.

وإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله سبحانه وإنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق.

وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين والنور المبين والشفاء النافع والري الناقع والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق لا يعوج فيقام ولا يزيغ فيستعتب ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع من قال به صدق ومن عمل به سبق.

وقام إليه رجل فقال: [يا أمير المؤمنين] أخبرنا عن الفتنة وهل سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم])؟ فقال عليه السلام: لما أنزل الله سبحانه قوله: * (ألم أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * [1 - 2 / العنكبوت: 29] علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟

فقال: يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي. فقلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: أبشر فإن الشهادة من ورائك؟ فقال لي:

إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر!!

وقال: يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: بمنزلة فتنة.

بيان قوله (عليه السلام): " أن يعتقل " أي يحبس نفسه على طاعة الله.

" وفلانة " كناية عن عائشة ولعله من السيد رضي الله عنه تقية.

قوله (عليه السلام): " وضغن " أي حقد. [وكان من أسباب حقدها لأمير المؤمنين (عليه السلام) سد النبي صلى الله عليه وآله باب أبيها من المسجد وفتح بابه، وبعثه (عليه السلام) بسورة براءة بعد أخذها من أبي بكر، وإكرام رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة عليها السلام وحسدها عليها إلى غير ذلك من الأسباب المعلومة.

والمرجل كمنبر: القدر. والقين: الحداد أي كغليان قدر من حديد. قوله (عليه السلام): " من غيري " يعني به عمر كما قيل أو الأعم وهو أظهر أي لو كان عمر أو أحد من أضرابه ولي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل عليه ونسب إليه أنه كان يحرض الناس على قتله ودعيت إلى أن تخرج عليه في عصابة تثير فتنة وتنقض البيعة لم تفعل - وهذا بيان لحقدها له (عليه السلام).

والبلوج: الإضاءة. قوله (عليه السلام): " لا مقصر " أي لا محبس ولا غاية لهم دونه " مرقلين " أي مسرعين " قد شخصوا " أي خرجوا.

" والأجداث ": القبور. والخلق بالضم وبضمتين: السجية والطبع والمروءة والدين والرجل إذا روى من الماء فتغير لونه يقال [له]: نقع. قوله (عليه السلام): " لا يزيغ فيستعتب " أي لا يميل فيطلب منه الرجوع.

والعتبى: الرجوع والمراد بكثرة الرد الترديد في الألسنة.

قوله (عليه السلام): " لا تنزل بنا " قال ابن أبي الحديد لقوله تعالى:

* (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * " وحيزت عني " أي منعت " والأهواء الساهية " أي الغافلة. قوله (عليه السلام): " بمنزلة فتنة " أي لا يجري عليهم في الظاهر أحكام الكفر وإن كانوا باطنا من أخبث الكفار.

أقول: قال ابن ميثم وابن أبي الحديد: هذا الخبر رواه كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لي إن الله كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. قال:

فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب [علي] فيها الجهاد؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة. فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟ قال: على الاحداث في الدين ومخالفة الامر. فقلت: يا رسول الله أنت كنت وعدتني الشهادة فاسئل الله أن يعجلها لي بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أما إني قد وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه فكيف صبرك إذا؟

فقلت: يا رسول الله ليس هذا بموطن صبر هذا موطن شكر. قال: أجل أصبت فأعد للخصومة فإنك تخاصم. فقلت: يا رسول الله لو بينت لي قليلا.

فقال: إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن وتعمل بالرأي وتستحل الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال فكن حلس بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الأمور فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين؟ أبمنزلة فتنة أم بمنزلة رده؟ فقال: [أنزلهم] بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بل منا فبنا فتح [الله] وبنا يختم وبنا ألف بين القلوب بعد الفتنة فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله.

بيان: " كن حلس بيتك " بالكسر أي ملازما له غير مفارق بالخروج للقتال ودفع أهل الضلال. والضمير " في تقلدها " و " قلدتها " على المجهول فيهما راجع إلى الخلافة والامارة، والتقليد مأخوذ من عقد القلادة على الاستعارة وتقليدهم: إطاعتهم وتركهم العناد " وجاش القدر " بالهمز وغيره: غلا.

" وقلبت لك الأمور " أي دبروا أنواع المكائد والحيل لدفعك.

192 - نهج البلاغة: قيل: إن الحارث بن حوط أتاه عليه السلام فقال: أتراني أظن أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟ فقال: يا حار إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت. إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه!! فقال الحارث: فإني أعتزل مع سعد بن مالك وعبد الله بن عمر.

فقال: إن سعدا وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل.

بيان " نظرت تحتك " أي نظرت في أعمال الناكثين بظاهر الاسلام الذين هم دونك في الرتبة لبغيهم على إمام الحق فاغتررت بشبهتهم واقتديت بهم ولم تنظر إلى من هو فوقك وهو إمامك الواجب الطاعة ومن تبعه من المهاجرين والأنصار ولا سمعت حكمهم بكون خصومهم على الباطل فكان ذلك سبب حيرتك.

ويحتمل أن يكون [معنى] نظره تحته كناية عن نظره إلى باطل هؤلاء وشبههم المكتسبة عن محبة الدنيا، ونظره فوقه كناية عن نظره إلى الحق وتلقيه من الله.

أو المعنى نظرت إلى هذا الامر الذي يستولي عليه فكرك وهو خطر قتال أهل القبلة ولم تنظر إلى الامر العالي الذي هو فوق نظرك من وجوب قتالهم لبغيهم وفسادهم وخروجهم على الإمام العادل.

193 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) لما أظفره الله بأصحاب الجمل وقد قال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعداءك. فقال (عليه السلام): أهوى أخيك معنا؟ قال: نعم قال: فقد شهدنا ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الايمان.

بيان " سيرعف بهم الزمان " الرعاف: الدم الخارج من أنف الانسان والمعنى: سيخرجهم الزمان من العدم إلى الوجود. [وهذا] من قبيل الاسناد إلى الظرف أو الشرط.

194 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام): في ذم البصرة وأهلها:

كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهزمتم أخلاقكم رقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه.

كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها.

وفي رواية أخرى: وأيم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة.

وفي رواية أخرى: كجؤجؤ طير في لجة بحر.

أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء خففت عقولكم وسفهت حلومكم [أحلامكم " خ ل "] فأنتم غرض لنا بل وأكلة لآكل وفريسة لصائد [لصائل " خ "].

بيان [إنما قال (عليه السلام):] وأتباع البهيمة لان جمل عائشة كان راية عسكر البصرة. والرغا: صوت الإبل. قوله (عليه السلام): " أخلاقكم دقاق ". قال ابن أبي الحديد: الدق من كل شئ: حقيره وصغيره يصفهم باللؤم وفي الحديث: أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب أن أنكح فلانة إلا.

أن في أخلاق أهلها دقة فقال له: إياك وخضراء الدمن.

والشقاق: الخلاف والافتراق. والزعاق: المالح. وسبب ملوحة مائهم قربهم من البحر وامتزاج مائه بمائهم.

قيل: ذكرها في معرض ذمهم لعله من سوء اختيارهم هذا الموضع أو كونها سببا لسوء المزاج والبلادة وغير ذلك كما تقوله الأطباء.

قوله (عليه السلام): " بين أظهركم " أي بينكم على وجه الاستظهار والاستناد إليكم وأما كونه مرتهنا بذنبه فلان المقيم بينهم لابد وأن ينخرط في سلكهم ويكتسب من رذائل أخلاقهم فيكون موثقا بذنوبه أو أن كونه بينهم يجري مجرى العقوبة بذنبه والخارج من بينهم لحقه رحمة الله فوفقه لذلك.

وجؤجؤ السفينة: صدرها. ويقال: جثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البرك للإبل.

وقال ابن ميثم. أما وقوع المخبر عنه فالمنقول أنها غرقت في أيام القادر بالله، وفي أيام القائم بالله غرقت بأجمعها وغرق من في ضمنها وخرجت دورها ولم يبق إلا مسجدها الجامع [ثم].

قال: ويمكن أن يكون المراد بقربها من الماء وبعدها من السماء كون موضعها هابطا قريبا من البحر.

وقيل: المراد ببعدها من السماء كونها بعيدة من دائرة معدل النهار فإن الأرصاد دلت على أن أبعد موضع في المعمورة عن معدل النهار الأبلة قصبة البصرة.

وقيل: المراد [من] بعدها عن سماء الرحمة [كونها] مستعدة لنزول العذاب انتهى.

ولعل مراده أنها أبعد بلاد العرب عن المعدل وإلا فظاهر أن الأبلة ليست أبعد موضع في المعمورة والأبلة - بضم الهمزة والباء وتشديد اللام المفتوحة -:

إحدى الجنات الأربع وهي الموضع الذي فيه الدور والأبنية الآن.

والسفه: رذيلة مقابل الحلم. والنابل: ذو النبل. والاكلة: المأكول.

والفريسة: ما يفترسه السبع. والصولة: الحملة والوثبة.

195 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام): [في بيان بعض شؤون النساء].

معاشر الناس إن النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول.

فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن. وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين منهن كشهادة الرجل الواحد.

وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر.

توضيح: الغرض ذم عائشة وتوبيخ من تبعها وإرشاد الناس إلى ترك طاعة النساء.

ونقصان الايمان بالقعود عن الصلاة والصيام لعله مبني على أن الأعمال أجزاء الايمان وقعودهن وإن كان بأمر الله تعالى إلا أن سقوط التكليف لنوع من النقص فيهن وكذا الحال في الشهادة والميراث.

وترك طاعتهن في المعروف إما بالعدول إلى فرد آخر منه أو فعله على وجه يظهر أنه ليس لطاعتهن بل لكونه معروفا أو ترك بعض المستحبات فيكون الترك حينئذ مستحبا كما ورد تركها في بعض الأحوال كحال الملال.

196 - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام): فتن كقطع الليل المظلم لا تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية تأتيكم مزمومة مرحولة يحفزها قائدها ويجهدها راكبها أهلها قوم شديد كلبهم قليل سلبهم يجاهدهم في الله قوم أذلة عند المتكبرين في الأرض مجهولون وفي السماء معروفون فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حس وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر والجوع الأغبر.

إيضاح: قطع الليل جمع قطع بالكسر وهو الظلمة. قال تعالى: * (فأسر بأهلك بقطع من الليل) * [81 / هود] كذا ذكره ابن أبي الحديد ولعله سهو [منه] والظاهر أنه جمع قطعة.

" لا تقوم لها قائمة " أي لا تنهض لحربها فئة ناهضة أو قائمة من قوائم الخيل أو قلعة أو بنية قائمة بل تنهدم يعني لا سبيل إلى قتال أهلها.

" ولا ترد لها راية " أي لا تنهزم راية من رايات تلك الفتنة بل تكون

غالبة دائما أو لا ترجع لحربها راية من الرايات التي هربت عنها " مزمومة مرحولة ": عليها زمام ورحل أي تامة الأدوات يدفعها قائدها والحفز: السوق الشديد. ويجهدها أي يحمل عليها في السير فوق طاقتها. " قليل سلبهم " أي ما سلبوه من الخصم أي همتهم القتل لا السلب.

وقيل: إن هذه إشارة إلى صاحب الزنج وجيشه.

وفيه أن الذين جاهدوهم لم يكونوا على الأوصاف المذكورة إلا أن يقال:

لشقاوة الطرف الآخر أمدهم الله بالملائكة وهو بعيد.

وقيل: إشارة إلى ملحمة أخرى في آخر الزمان لم تأت بعد. وهو قريب.

والرهج: الغبار.

قال ابن أبي الحديد كنى بهذا الجيش عن طاعون يصيبهم حتى يبيدهم.

وقال ابن ميثم: إشارة إلى فتنة الزنج وظاهر أن لم يكن لهم غبار ولا أصوات إذ لم يكونوا أهل خيل ولا قعقعة لجم فإذن لا رهج لهم ولا حس.

وقال ابن أبي الحديد: الموت الأحمر كناية عن الوباء، والجوع الأغبر [كناية] عن المحل والحمرة كناية عن الشدة، ووصف الجوع بالأغبر لان الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة وظلاما.

وقيل: الموت الأحمر إشارة إلى قتلهم بالسيف.

وقال ابن ميثم. أقول: قد فسره عليه السلام بهلاكهم من قبل الغرق كما سيأتي.

197 - نهج البلاغة: [و] من كلامه (عليه السلام) فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة:

يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام.

[قال الرضي رحمه الله] يؤمى بذلك إلى صاحب الزنج.

ثم قال (عليه السلام):

ويل لسكككم العامرة والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ولا يفقد غائبهم!!

أنا كأب الدنيا لوجهها وقادرها بقدرها وناظرها بعينها.

ومنه يؤمى [عليه السلام] به إلى وصف الأتراك:

كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ويكون المفلت أقل من المأسور.

فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب!! فضحك (عليه السلام) وقال للرجل وكان كلبيا:

يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله: " إن الله عنده علم الساعة " الآية فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون في النار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا

فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي.

بيان الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة والقتال. واللجب: الصوت.

والقعقعة: حكاية صوت السلاح ونحوه. والحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل.

قوله: " يثيرون الأرض " أي التراب لان أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل كذا قيل.

وفيه إنه لا يلائم قوله (عليه السلام): " لا يكون له غبار " ولعله كناية عن شدة وطئهم الأرض أو يقال مع ذلك ليس غبارهم كالغبار الذي يثار من الحوافر ولما كانت أقدام الزنج في الأغلب قصارا عراضا منتشرة الصدر مفرجات الأصابع أشبهت أقدام النعام في تلك الأوصاف. " والسكك ": جمع سكة بالكسر وهي الزقاق والطريق المستوي والطريقة المصطفة من النخل.

و " المزخرفة ": المزينة المموهة بالزخرف وهو الذهب. و " أجنحة الدور " - التي شبهها بأجنحة النسور -: رواشنها وما يعمل من الأخشاب والبواري بارزة عن السقوف لوقاية الحيطان وغيرها عن الأمطار وشعاع الشمس. وخراطيمها:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.