پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

93 باب 113

ج ۳۲، ص ۱۹–۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۲۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

فخرج علي عليه السلام فدخل المسجد وصعد المنبر مرتديا بطاق مؤتزرا ببرد قطري متقلدا سيفا متوكئا على قوس فقال:

أما بعد فإنا نحمد الله ربنا وإلهنا وولينا وولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة امتنانا منه بغير حول منا ولا قوة ليبلونا أنشكر أم نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه، فأفضل الناس عند الله منزلة وأقربهم من الله وسيلة أطوعهم لامره وأعملهم بطاعته وأتبعهم لسنة رسوله وأحياهم لكتابه ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة الرسول.

هذا كتاب الله بين أظهرنا وعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته فينا لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [13 / الحجرات].

ثم صاح بأعلا صوته: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول: فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين.

ثم قال: يا معشر المهاجرين والأنصار أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين.

ثم قال: أنا أبو الحسن - وكان يقولها إذا غضب - ثم قال:

ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم فقد حذرتموها واستتموا نعم الله عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله والذل لحكمه جل ثناؤه.

فأما هذا الفئ فليس لأحد على أحد فيه أثرة فقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا وعهد نبينا

بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه.

ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين ثم بعث بعمار بن ياسر وعبد الرحمان بن حسل القرشي إلى طلحة والزبير وهما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما فقاما حتى جلسا إليه عليه السلام فقال لهما:

نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره لها؟

قالا: نعم فقال: غير مجبرين ولا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما؟ قالا: نعم قال: فما دعاكما بعد إلى ما أرى؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الأمور ولا تقطعها دوننا وأن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت فأنت تقسم القسم وتقطع الامر وتمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا!!

فقال: لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا فاستغفرا الله يغفر لكما ألا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه؟ قالا: معاذ الله. قال: فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشئ؟ قالا: معاذ الله. قال: أفوقع حكم أو حق لاحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه؟ قالا: معاذ الله. قال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا وظهرت عليه دعوتنا وأخذناه قسرا وقهرا ممن لا يرى الاسلام إلا كرها.

فقال عليه السلام: أما ما ذكرتموه من الاستشارة بكما فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ولكنكم دعوتموني إليها وجعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الأمة فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما

دلاني عليه واتبعته ولم أحتج إلى رأيكما فيه ولا رأي غيركما ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه.

وأما القسم والأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء قد وجدت أنا وأنتما رسول الله صلى الله عليه وآله يحكم بذلك وكتاب الله ناطق به، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وأما قولكما: جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا سواءا بيننا وبين غيرنا.

فقديما سبق إلى الاسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم فلم يفضلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في القسم ولا آثرهم بالسبق والله سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم وليس لكما والله عندي ولا لغير كما إلا هذا أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر.

ثم قال: رحم الله امرءا رأى حقا فأعان عليه ورأي جورا فرده وكان عونا للحق على من خالفه.

قال ابن أبي الحديد: فإن قلت فإن أبا بكر قسم بالسواء ولم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين عليه السلام؟ قلت إن أبا بكر قسم محتذيا لقسم رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ولي عمر الخلافة ونفل قوما على قوم ألفوا ذلك ونسوا تلك القسمة الأولى وطالت أيام عمر وأشربت قلوبهم حب المال

وكثرة العطاء، وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرنوا على القناعة فلما ولي عثمان أجرى الامر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق العوام بذلك، ومن ألف أمرا شق عليه فراقه فلما ولي أمير المؤمنين عليه السلام أراد أن يرد الامر إلى ما كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نسي ذلك ورفض وتخلل بين الزمانين اثنان وعشرون سنة فشق ذلك عليهم وأنكروه وأكبروه حتى حدث ما حدث ولله أمر هو بالغه.

بيان: قوله [عليه السلام]: " كنت كارها " أي طبعا وإن أحبها شرعا. أو كنت كارها قبل دعوتكم لعدم تحقق الشرائط. والمراد بالوالي الوالي بغير الاستحقاق، والعامل بغير أمر الله فيها. فعلى الوجه الأول التعليل للكراهة طبعا لعسر العمل بأمر الله فيها. وعلى [الوجه] الثاني التعليل لعدم التعرض قبل تحقق الشرائط لأنها تكون حينئذ ولاية جور أيضا.

وقال الجوهري: راقني الشئ: أعجبني ومنه قولهم: غلمان روقة وجوار روقة أي حسان.

ولعل مفعول القول محذوف أو هو " جرمنا " وقوله: " يقولون " تأكيد للقول أولا.

وقال الجوهري: الطاق: ضوب من الثياب. وقال: القطر: ضرب من البرود يقال لها: القطرية.

8 - وروى ابن أبي الحديد أيضا عن الطبري وغيره أن الناس غشوه وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو يأبى ذلك ويقول: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب.

قالوا [له] ننشدك الله ألا ترى الفتنة؟ ألا ترى إلى ما حدث في الاسلام؟

ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم لما أرى منكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم فقالوا: ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال: إن كان لابد من ذلك ففي المسجد إن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين وفي ملاء وجماعة.

فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون فبايعوه [و] فيهم طلحة والزبير.

قال: وروى أبو عثمان الجاحظ قال: أرسل طلحة والزبير إلى علي (عليه السلام) قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة وقالا: لا تقل له يا أمير المؤمنين وقل له: يا أبا الحسن لقد فال فيك رأينا وخاب ظننا أصلحنا لك الامر ووطدنا لك الامرة وأجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لأمرهم جئناك وأسرعنا إليك وبايعناك وقدنا إليك أعناق العرب ووطئ المهاجرون والأنصار أعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا ورفضتنا رفض التريكة وملكت أمرك الأشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الاعراب ونزاع الأمصار فكنا فيما رجوناه منك كما قال الأول:

فكنت كمهريق الذي في سقائه * لرقراق آل فوق رابية صلد فلما جاءه محمد بن طلحة. وأبلغه ذلك قال (عليه السلام): اذهب إليهما فقل لهما: فما الذي يرضيكما فذهب وجاء وقال: إنهما يقولان: ول أحدنا البصرة والآخر الكوفة فقال: والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين اذهب إليهما فقل: أيها الشيخان أحذرا من الله ونبيه على أمته ولابتغيا المسلمين غائلة وكيدا وقد سمعتما قول الله " تلك الدار الآخرة

نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " [83 / القصص].

فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه، وتأخرا عنه أياما ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا.

قال: ولما خرجا قال علي (عليه السلام) لأصحابه: والله ما يريدان العمرة وإنما يريدان الغدرة " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ".

وروى عن الطبري أنه لما بايع الناس عليا أتى الزبير فاستأذن عليه قال أبو حبيبة مولى الزبير فأعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه وقال:

إئذن له فأذنت له فدخل فسلم وهو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل الامر ما قضاه قم مقامه وانظر هل ترى من السيف شيئا؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته فقال ذاك.

9 - أمالي الطوسي: أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت عن أحمد بن [محمد ابن] عقدة قال: حدثنا الحسن بن صالح من كتابه في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وأحمد بن يحيى عن محمد بن عمرو، عن عبد الكريم، عن القاسم بن أحمد عن أبي الصلت الهروي.

وقال ابن عقدة: وحدثناه القاسم بن الحسن الحسيني عن أبي الصلت عن علي بن عبد الله بن النعجة عن أبي سهيل بن مالك:

عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: لما ولي علي بن أبي طالب (عليه السلام) أسرع الناس إلى بيعته المهاجرون والأنصار وجماعة الناس لم يتخلف عنه عن أهل الفضل إلا نفر يسير خذلوا وبايع الناس.

وكان عثمان قد عود قريشا والصحابة كلهم وصبت عليهم الدنيا صبا وآثر بعضهم على بعض وخص أهل بيته من بني أمية وجعل لهم البلاد وخولهم العباد فأظهروا في الأرض فسادا وحمل أهل الجاهلية والمؤلفة قلوبهم على رقاب الناس حتى غلبوه على أمره فأنكر الناس ما رأوا من ذلك فعاتبوه فلم يعتبهم وراجعوه فلم يسمع منهم وحملهم على رقاب الناس حتى انتهى إلى أن ضرب بعضا ونفى بعضا وحرم بعضا فرأى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدفعوه وقالوا: إنما بايعناه على كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) والعمل بهما فحيث لم يفعل ذلك لم تكن له عليهم طاعة.

فافترق الناس في أمره على خاذل وقاتل فأما من قاتل فرأى أنه حيث خالف الكتاب والسنة واستأثر بالفئ واستعمل من لا يستأهل رأوا أن جهاده جهاد.

وأما من خذله فإنه رأى أنه يستحق الخذلان ولم يستوجب النصرة بترك أمر الله حي قتل واجتمعوا على علي بن أبي طالب فبايعوه فقام وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي وآله ثم قال:

أما بعد فإني قد كنت كارها لهذه الولاية يعلم الله في سماواته وفوق عرشه على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اجتمعتم على ذلك فدخلت فيه وذلك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيما وال ولي أمر أمتي من بعدي أقيم يوم القيامة على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن نجا فبعدله وإن جار انتقض به الصراط انتقاضة تزيل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو وعضو من أعضائه مسيرة مائة عام يخرق به الصراط فأول ما

يلقى به النار أنفه وحر وجهه ولكني لما اجتمعتم علي نظرت فلم يسعني ردكم حيث اجتمعتم أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.

فقام إليه الناس فبايعوه فأول من قام فبايعه طلحة والزبير ثم قام المهاجرون والأنصار وسائر الناس حتى بايعه الناس وكان الذي يأخذ عليهم البيعة عمار بن ياسر وأبو الهيثم بن التيهان وهما يقولان: نبايعكم على طاعة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وإن لم نف لكم فلا طاعة لنا عليكم ولا بيعة في أعناقكم والقرآن إمامنا وإمامكم.

ثم التفت علي (عليه السلام) عن يمينه وعن شماله وهو على المنبر وهو يقول: ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة - فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إن لم يغفر لهم الغفار - إذا منعوا ما كانوا فيه وصيروا إلى حقوقهم التي يعلمون يقولون حرمنا ابن أبي طالب وظلمنا حقوقنا ونستعين بالله ونستغفره.

وأما من كان له فضل وسابقة منكم فإنما أجره فيه على الله فمن استجاب لله ولرسوله ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده فأنتم أيها الناس عباد الله المسلمون والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية وليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى وللمتقين عند الله خير الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين جزاءا وما عند الله خير للأبرار.

[و] إذا كان غدا فاغدوا فإن عندنا مالا اجتمع فلا يتخلفن أحد كان في عطاء أو لم يكن إذا كان مسلما حرا أحضروا رحمكم الله.

فاجتمعوا من الغد ولم يتخلف عنه أحد فقسم بينهم ثلاثة دنانير لكل إنسان الشريف والوضيع والأحمر والأسود ولم يفضل أحدا، ولم يتخلف عنه أحد إلا هؤلاء الرهط: طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وناس معهم.

فسمع عبيد الله بن أبي رافع وهو كاتب علي بن أبي طالب (عليه السلام) عبد الله بن الزبير وهو يقول للزبير وطلحة وسعيد بن العاص لقد التفت إلى زيد بن ثابت فقلت له: إياك أعني واسمعي يا جارة. فقال له عبيد الله: يا سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير إن الله يقول في كتابه: * (وأكثرهم للحق كارهون) * قال عبيد الله: فأخبرت عليا فقال: لئن سلمت لأحملنهم على الطريق قاتل الله ابن العاص لقد علم في كلامي أني أريده وأصحابه بكلامي والله المستعان.

قال مالك ابن أوس: وكان علي بن أبي طالب عليه السلام أكثر ما يسكن القناة فبينا نحن في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي (عليه السلام) ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير والمسور بن مخرمة فجلسوا.

وكان علي (عليه السلام) جعل عمار بن ياسر على الخيل فقال لأبي الهيثم بن التيهان ولخالد بن زيد أبي أيوب ولأبي حية ولرفاعة بن رافع في رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا إلى هؤلاء القوم فإنه بلغنا عنهم ما نكره من خلاف أمير المؤمنين إمامهم والطعن عليه وقد دخل معهم قوم من أهل الجفاء والعداوة فإنهم سيحملونهم على ما ليس من رأيهم فقال: فقاموا وقمنا معهم حتى جلسوا إليهم فتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: إن لكم لقدما في الاسلام وسابقة وقرابة من أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد بلغنا عنكم طعن وسخط لأمير المؤمنين فإن يكن أمر لكما خاصة فعاتبا ابن عمتكما وإمامكما وإن كان نصيحة للمسلمين فلا تؤخراه عنه ونحن عون لكما فقد علمتما أن بني أمية لن تنصحكما أبدا وقد عرفتما - وقال أحمد عرفتم - عدواتهم لكما وقد شركتما في دم عثمان ومالأتما.

فسكت الزبير وتكلم طلحة فقال: افرغوا جميعا مما تقولون فإني قد عرفت أن في كل واحد منكم خطبة.

فتكلم عمار بن ياسر رحمه الله فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي.

(صلى الله عليه وآله) وقال: أنتما صاحبا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد

أعطيتما إمامكما للطاعة والمناصحة والعهد والميثاق على العمل بطاعة الله وطاعة رسوله وأن يجعل كتاب الله - قال أحمد: وجعل كتاب الله - إماما ففيم السخط والغضب على علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فغضب الرجال للحق انصرا نصركما الله.

فتكلم عبد الله بن الزبير فقال: لقد تهذرت يا أبا اليقظان فقال له عمار: مالك تتعلق في مثل هذا يا أعبس ثم أمر به فأخرج فقام الزبير فقال:

عجلت يا أبا اليقظان على ابن أخيك رحمك الله فقال عمار: يا أبا عبد الله أنشدك الله أن تسمع قول من رأيت فإنكم معشر المهاجرين لم يهلك من هلك منكم حتى استدخل في أمره المؤلفة قلوبهم فقال الزبير: معاذ الله أن نسمع منهم فقال عمار: والله يا أبا عبد الله لو لم يبق أحد إلا خالف علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما خالفته ولا زالت يدي مع يده وذلك لان عليا لم يزل مع الحق منذ بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فإني أشهد أنه لا ينبغي لاحد أن يفضل عليه أحدا.

فاجتمع عمار بن ياسر وأبو الهيثم ورفاعة وأبو أيوب وسهل بن حنيف فتشاوروا أن يركبوا إلى علي (عليه السلام) بالقناة فيخبروه بخبر القوم فركبوا إليه فأخبروه باجتماع القوم وما هم فيه من إظهار الشكوى والتعظيم لقتل عثمان وقال له أبو الهيثم: يا أمير المؤمنين انظر في هذا الامر فركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخل المدينة وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واجتمع أهل الخير والفضل من الصحابة والمهاجرين فقالوا لعلي (عليه السلام) إنهم قد كرهوا الأسوة وطلبوا الأثرة وسخطوا لذلك.

فقال: علي (عليه السلام): ليس لأحد فضل في هذا المال هذا كتاب الله بيننا وبينكم ونبيكم محمد (صلى الله عليه وآله) وسيرته ثم صاح بأعلى صوته يا معشر الأنصار أتمنون علي بإسلامكم بل لله ورسوله المن عليكم إن كنتم صادقين - وقال أحمد: [أتمنون على الله بإسلامكم (1)] - أنا أبو الحسن القرم.

ونزل عن المنبر وجلس ناحية المسجد وبعث إلى طلحة والزبير فدعاهما ثم قال لهما: ألم تأتياني وتبايعاني طائعين غير مكرهين فما أنكرتم أجور في حكم أو استيثار في فئ؟ قالا: لا. قال: أو في أمر دعوتماني إليه من أمر المسلمين فقصرت عنه؟ قالا: معاذ الله. قال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم وانتقاصنا حقنا من الفئ جعلت حظنا في الاسلام كحظ غيرنا فيما أفاء الله علينا بسيوفنا ممن هو لنا فئ فسويت بيننا وبينهم.

فقال علي (عليه السلام): الله أكبر اللهم إني أشهدك وأشهد من حضر عليهما أما ما ذكرتما من الاستيثار فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ولا لي فيها محبة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فكرهت خلافكم فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع وأمر فيه بالحكم وقسم وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمضيته ولم أحتج فيه إلى رأيكما ودخولكما معي ولا غيركما ولم يقع أمر جهلته فأتقوى فيه برأيكما ومشورتكما ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما إذا لم يكن في كتاب الله ولا في سنة نبينا صلى الله عليه وآله فأما ما كان فلا يحتاج فيه إلى أحد.

وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه ووجدت أنا وأنتما قد جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) من كتاب الله فلم أحتج فيه إليكما قد فرغ من قسمه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وأما قولكما جعلتنا فيه كمن ضربناه بأسيافنا وأفاء الله علينا وقد سبق رجال رجالا فلم يضرهم ولم يستأثرهم عليهم من سبقهم لم يضرهم حين

استجابوا لربهم والله مالكم ولا لغيركم إلا ذلك ألهمنا الله وإياكم الصبر عليه.

فذهب عبد الله بن الزبير يتكلم فأمر به فوجئت عنقه وأخرج من المسجد فخرج وهو يصيح ويقول: أردد إليه بيعته.

فقال علي (عليه السلام): لست مخرجكما من أمر دخلتما فيه ولا مدخلكما في أمر خرجتما منه. فقاما عنه وقالا: أما إنه ليس عندنا أمر إلا الوفاء قال:

فقال (عليه السلام): رحم الله عبدا رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا للحق على من خالفه.

بيان: يخرق به الصراط أي من الأعوام التي يخرق بها الصراط أي يقطع بها.

وفي النهاية: " قناة ": واد من أودية المدينة عليه حرث ومال وزرع. وقال في حديث علي (عليه السلام): " أنا أبو حسن القرم أي المقدم في الرأي، والقرم فحل الإبل أي أنا فيهم بمنزلة الفحل في الإبل.

قال الخطابي: وأكثر الروايات " القوم " بالواو ولا معنى له وإنما هو بالراء أي المقدم في المعرفة وتجارب الأمور.

10 - 18 - الكافية لابطال توبة الخاطئة عن الحسين بن عيسى عن زيد عن أبيه قال: حدثنا أبو ميمونة عن أبي بشير العائذي قال: كنت بالمدينة حين قتل عثمان فاجتمع المهاجرون فيهم طلحة والزبير فأتوا عليا (عليه السلام) فقالوا:

يا أبا الحسن هلم نبايعك، قال: لا حاجة لي في أمركم أنا بمن اخترتم راض.

قالوا: ما نختار غيرك واختلفوا إليه بعد قتل عثمان مرارا.

وعن إسحاق بن راشد عن عبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي عن أبي أروى قال: لا أحدثك إلا بما رأته عيناي وسمعته أذناي لما برز الناس للبيعة عند بيت المال قال علي (عليه السلام) لطلحة: ابسط يدك للبيعة، فقال له طلحة: أنت أحق بذلك مني وقد استجمع لك الناس ولم يجتمعوا لي فقال علي (عليه السلام) لطلحة : والله ما أخشى غيرك!!! فقال طلحة: لا تخشى فوالله لا تؤتى من قبلي أبدا فبايعه وبايع الناس.

وعن يحيى بن سلمة عن أبيه قال: قال ابن عباس: والذي لا إله إلا هو أن أول خلق الله عز وجل ضرب على يد علي بالبيعة طلحة بن عبيد الله.

وعن محمد بن عيسى النهدي عن أبيه عن الصلت بن دينار عن الحسن قال: بايع طلحة والزبير عليا (عليه السلام) على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) طائعين غير مكرهين.

وعن عبيد الله بن حكيم بن جبير عن أبيه عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن طلحة والزبير بايعا عليا.

وعن الحسن بن مبارك عن بكر بن عيسى قال: إن طلحة والزبير أتيا عليا (عليه السلام) بعدما بايعاه بأيام فقالا: يا أمير المؤمنين قد عرفت شدة مؤنة المدينة وكثرة عيالنا وإن عطاءنا لا يسعنا قال: فما تريدان نفعل؟ قالا:

تعطينا من هذه المال ما يسعنا!! فقال: اطلبا إلى الناس فإن اجتمعوا على أن يعطوكما شيئا من حقوقهم فعلت. قالا: لم نكن لنطلب ذلك إلى الناس ولم يكونوا يفعلوا لو طلبنا إليهم!! قال: فأنا والله أحرى أن لا أفعل فانصرفا عنه.

وعن عمرو بن شمر عن جابر عن محمد بن علي عليهما السلام إن طلحة والزبير أتيا عليا (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة فقال لهما: لعلكما تريدان الشام والبصرة؟ فقالا: اللهم غفرا ما ننوي إلا العمرة.

وعن الحسين بن مبارك عن بكر بن عيسى (عليه السلام) أن عليا أخذ عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ على أحد من خلقه أن لا يخالفا ولا

ينكثا ولا يتوجها وجها غير العمرة حتى يرجعا إليها فأعطياه ذلك من أنفسهما ثم أذن لهما فخرجا.

وعن أم راشد مولاة أم هانئ أن طلحة والزبير دخلا على علي (عليه السلام) فاستأذناه في العمرة فأذن لهما فلما وليا ونزلا من عنده سمعتهما يقولان: لا والله ما بايعناه بقلوبنا إنما بايعناه بأيدينا [قالت:] فأخبرت عليا (عليه السلام) بمقالتهما فقال : " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ".

19 - الإرشاد: [و] من كلامه صلوات الله عليه - حين تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد - ما رواه الشعبي قال: لما اعتزل سعد ومن سميناه أمير المؤمنين (عليه السلام) وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم وإن على الامام الاستقامة وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب من دين الاسلام واتبع غير سبيل أهله ولم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا وإني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم وأيم الله لأنصحن للخصم ولأنصفن للمظلوم وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان بن ثابت أمور كرهتها والحق بيني وبينهم.

بيان: " وإنما الخيار " أي بزعمكم وعلى ما تدعون من ابتناء الامر على البيعة " لم تكن بيعتكم [إياي فلتة] " تعريض ببيعة أبي بكر.

20 - 22 - مناقب ابن شهرآشوب: في جمل أنساب الأشراف أنه قال الشعبي في خبر لما قتل عثمان أقبل الناس لعلي (عليه السلام) ليبايعوه وقالوا إليه فمدوا يده فكفها وبسطوها فقبضها حتى بايعوه.

وفي سائر التواريخ: أن أول من بايعه طلحة بن عبيد الله - وكانت إصبعه أصيبت يوم أحد فشلت فبصرها أعرابي حين بايع فقال: ابتدأ هذا الامر يد شلاء لا يتم - ثم بايعه الناس في المسجد.

ويروى أن الرجل كان عبيد بن ذويب فقال: يد شلاء وبيعة لا تتم وهذا عنى البرقي في بيته:

ولقد تيقن من تيقن غدرهم * إذ مد أولهم يدا شلاءا جبلة بن سحيم عن أبيه أنه قال: لما بويع علي (عليه السلام) جاء إليه المغيرة بن شعبة فقال إن معاوية من قد علمت قد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الاسلام ثم أعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه؟ قالا:

لا. قال: لا يسألني الله عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا " وما كنت متخذا المضلين عضدا " الخبر.

ولما بويع علي (عليه السلام) أنشأ خزيمة بن ثابت يقول:

إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس أنه * أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا لا تشق غباره * إذا ما جرى يوما على ضمر البدن ففيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم مثل الذي فيه من حسن وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذي المنن وصاحب كبش القوم في كل وقعة * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه * إمامهم حتى أغيب بي الكفن [وقال أبو العباس: أحمد بن] عطية.

رأيت عليا خير من وطى الحصا * وأكرم خلق الله من بعد أحمد وصي رسول المرتضى وابن عمه * وفارسه المشهور في كل مشهد تخيره الرحمان من خير أسرة * لأطهر مولود وأطيب مولد إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * ببيعته بعد النبي محمد بيان: أطب قريش أي أعلمهم ورجل طب - بالفتح - أي عالم. " تكون لها " أي لشدة الواقعة " نفس الشجاع " وروحه للخوف منها " عند الذقن " أي مشرفة على مفارقة البدن.

أقول: سيأتي في أعمال يوم النيروز عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن اليوم الذي بويع فيه أمير المؤمنين ثانية كان يوم النيروز.

23 - نهج البلاغة: ومن كلام له [عليه السلام] لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا يقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وإن الآفاق قد أغامت والحجة قد تنكرت

واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا.

تبيين: المخاطبون بهذا الخطاب [هم] الطالبون للبيعة بعد قتل عثمان، ولما كان الناس نسوا سيرة النبي واعتادوا بما عمل فيهم خلفاء الجور من تفضيل الرؤساء والاشراف لانتظام أمورهم وأكثرهم إنما نقموا على عثمان استبداده بالأموال كانوا يطمعون منه عليه السلام أن يفضلهم أيضا في العطاء والتشريف ولذا نكث طلحة والزبير في اليوم الثاني من بيعته ونقموا عليه التسوية في العطاء وقالوا آسيت بيننا وبين الأعاجم وكذلك عبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان وأضرابهم ولم يقبلوا ما قسم لهم فهؤلاء القوم لما طلبوا البيعة بعد قتل عثمان قال عليه السلام " دعوني والتمسوا غيري... " إتماما للحجة عليهم وأعلمهم باستقبال أمور لها وجوه وألوان لا يصبرون عليها وإنه بعد البيعة لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه ولا يصغي إلى قول القائل وعتب العاتب بل يقيمهم على المحجة البيضاء ويسير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله.

[قوله]: " وإن الآفاق قد أغامت " أي أظلمت بغيم سنن أرباب البدع وخفاء شمس الحق تحت سحاب شبه أهل الباطل. " والمحجة ": جادة الطريق " وتنكرها " تغيرها وخفاؤها. قوله عليه السلام: " ركبت بكم " أي جعلتكم راكبين. وتركهم إياه عدم طاعتهم له واختيار غيره للبيعة حتى لا تتم شرايط الخلافة لعدم الناصر كقوله (عليه السلام) في الشقشقية: " لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها " وليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجة وإبطال لما علم عليه السلام من ادعائهم الاكراه على البيعة كما فعل طلحة والزبير بعد النكث، مع أن المرء حريص على ما منع والطبع نافر عما سورع إلى إجابته " والوزير " من يحمل عن الملك ثقل التدبير.

وقال ابن أبي الحديد - كما هو دأبه أن يأتي بالحق ثم عنه يحيد -: هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره ويقولون: أنه (عليه السلام) لم يكن منصوصا عليه بالإمامة وإن كان أولى الناس بها لأنه لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول: دعوني والتمسوا غيري.

ثم ذكر تأويل الامامية منه أن يسير فيهم بسيرة الخلفاء ويفضل بعضهم على بعض في العطاء أو بأن الكلام خرج مخرج التضجر والتسخط لافعال الذين عدلوا عنه (عليه السلام) قبل ذلك للأغراض الدنيوية أو بأنه خرج مخرج التهكم كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * أي بزعمك ثم قال:

واعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد لو دل عليه دليل فأما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره.

ولا يخفى على اللبيب أنه بعد الاغماض عن الأدلة القاهرة والنصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التأويل ولا يستقيم الحمل على ظاهره إلا على القول بأن إمامته عليه السلام كانت مرجوحة وأن كونه وزيرا أولى من كونه أميرا وهو ينافي القول بالتفضيل الذي قال به فإنه (عليه السلام) إذا كان أحق الإمامة وبطل تفضيل المفضول على ما هو الحق واختاره أيضا كيف يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره وكيف يجوز له (عليه السلام) أن يأمر الناس بتركه والعدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك الإمامة، ومع وجود الضرورة كما جاز ترك الإمامة الواجبة بالدليل جاز ترك الإمامة المنصوص عليها فالتأويل واجب على التقديرين ولا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان.

على أن الظاهر للمتأمل في أجزاء الكلام حيث علل الامر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب وتنكر المحجة وأنه إن أجابهم حملهم على الحق هو أن السبب في ذلك المانع دون عدم النص وأنه لم يكن متعينا للإمامة أو لم يكن أحق وأولى به ونحو ذلك ولعل الوجه في قوله (عليه السلام) " لعلي أسمعكم وأطوعكم " هو أنه إذا تولى الغير أمر الإمامة ولم تتم الشرائط في خلافته (عليه السلام) لم يكن ليعدل عن مقتضى التقية بخلاف سائر الناس حيث يجوز الخطأ عليهم.

وأما قوله: " فأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا " فلعل المراد بالخيرية فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا فإنه (عليه السلام) على تقدير الإمامة وبسط اليد لا يجب عليه العمل بمحض الحق وهو يصعب على النفوس ولا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيرا فإن الوزير يشير بالرأي مع تجويز التأثير في الأمير وعدم الخوف ونحوه من شرايط الامر بالمعروف ولعل الأمير الذي يولونه الامر يرى في كثير من الأمور ما يطابق آمال القوم ويوافق أطماعهم ولا يعمل بما يشير به الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم فالحاصل أن ما قصدتموه من بيعتي لا يتم لكم ووزارتي أوفق لغرضكم والغرض إتمام الحجة كما عرفت.

24 - أمالي الطوسي: الحسين بن عبد الله عن أحمد بن جعفر البزوفري عن حميد بن زياد عن العباس بن عبيد الله الدهقان عن إبراهيم بن صالح الأنماطي رفعه قال:

لما أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد البيعة دخل بيت المال ودعى بمال كان قد اجتمع فقسمه ثلاثة دنانير بين من حضر من الناس كلهم فقام سهل بن حنيف فقال يا أمير المؤمنين قد أعتقت هذا الغلام فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف.

25 - نهج البلاغة: ومن خطبة له [عليه السلام]: قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لايح واعتدل مائل واستبدل الله بقوم قوما وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر وإنما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه.

وإن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخلصكم له وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه من ظاهر علم وباطن حكم لا تفنى غرائبه ولا تنقضي عجائبه فيه مرابيع النعم ومصابيح الظلم لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه قد أحمى حماه وأرعى مرعاه فيه شفاء المشتفى وكفاية المكتفى توضيح: قيل هذه خطبة خطب بها (عليه السلام) بعد قتل عثمان وانتقال الخلافة إليه ويمكن أن يكون المراد بطلوع الطالع ظهور إمرته وخلافته (عليه السلام) وأن يشير ب‍ " لموع " اللامع إلى ظهورها من حيث هي حق له وسطوع أنوار العدل بصيرورتها إليه، وب‍ " لوح اللائح " إلى الحروب والفتن الواقعة بعد انتقال الامر إليه.

وقيل المراد بالجميع واحد فيحتمل أن يكون المراد طلع ما كان طالعا فإن الخلافة كانت له (عليه السلام) حقيقة أي طلع ظاهرا ما كان طالعا حقيقة كقوله (عليه السلام): " واعتدل مائل " أي الخلافة التي كانت مائلة عن مركزها أو أركان الدين القويم.

ولعل انتظار الغير كناية عن العلم بوقوعه أو الرضى بما قضى الله من ذلك والمراد " بالغير " ما جرى قبل ذلك من قتل عثمان وانتقال الامر إليه عليه السلام أو ما سيأتي من الحروب والوقايع والأول أنسب.

قوله (عليه السلام): " قوام الله " أي يقومون بمصالحهم وقيم المنزل هو

المدبر له " والعرفاء " جمع عريف وهو القيم بأمور القبيلة والجماعة يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم " فعيل " بمعنى فاعل. " إلا من عرفهم " أي بالإمامة " وعرفوه " أي بالتشيع والولاية. ومنكرهم من لم يعرفهم ولم يقر بما أتوا به من ضروريات الدين فهو منكر لهم.

قوله (عليه السلام): لأنه أسم سلامة أي الاسلام مشتق من السلامة وقال الجوهري: جماع الشئ بالكسر: جمعه يقال: الخمر جماع الاثم.

والمرابيع: الأمطار التي تجئ في أول الربيع فيكون سببا لظهور الكلأ. ويقال:

أحميت المكان أي جعلته حمى.

قال ابن أبي الحديد أحمأه أي جعله عرضة لان يحمي أي عرض الله سبحانه حماه ومحارمه لان يجتنب وأرعى مرعاه لان يرعى أي مكن من الانتفاع بمواعظه لأنه خاطبنا بلسان عربي مبين.

ويمكن أن يقال المعنى جعل له حرمات ونهى عن انتهاكها. أو ارتكاب نواهيه وتعدى حدوده ورخصا أباح للناس التمتع بها.

أو المراد بقوله عليه السلام " قد أحمى حماه " منع المغيرين من تغيير قواعده وبقوله: " أرعى مرعاه " مكن المطيعين من طاعته التي هي الأغذية الروحانية للصالحين كما أن النبات غذاء للبهائم.

26 - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام) في أول خلافته: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا نهج الخير تهتدوا واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا الفرايض الفرائض أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة، إن الله تعالى حرم حراما غير مجهول وأحل حلالا غير مدخول وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب.

بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم آخركم اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم.

أطيعوا الله ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه.

بيان: واصدفوا أي اعرضوا عن طريقه. والقصد: العدل. ونصب الفرائض على الاغراء.

قوله (عليه السلام): " وشد بالاخلاص " أي ربط الحقوق بها فأوجب على المخلصين الموحدين المحافظة على حقوق المسلمين.

قوله: " وخاصة أحدكم " قال ابن أبي الحديد: الموت وإن كان عاما لكل حيوان إلا أن له مع كل حيوان خصوصية وكيفية مخالفة مع غيره. " فإن الناس أمامكم " أي سبقوكم إلى الموت وفي بعض النسخ: " الباس " بالباء الموحدة مع الهمزة أي الفتنة تحدوكم أي تسوقكم. والحداء: سوق الإبل والغناء لها " تخففوا " أي بالقناعة من الدنيا باليسير وترك الحرص عليها وارتكاب المأثم فإن المسافر الخفيف أحرى بلحوق أصحابه وبالنجاة " إنما ينتظر " أي للبعث والنشور.

27 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله قال: خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعدما بويع له بخمسة أيام خطبة فقال:

واعلموا أن لكل حق طالبا ولكل دم ثائرا والطالب كقيام الثائر بدمائنا والحاكم في حق نفسه هو العدل الذي لا يحيف والحاكم الذي لا يجور وهو الله الواحد القهار.

واعلموا أن على كل شارع بدعة وزره ووزر كل مقتد به من بعده إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا وسينتقم الله من الظلمة مأكل بمأكل ومشرب بمشرب من لقم العلقم ومشارب الصبر الأدهم فليشربوا الصلب من الراح السم المذاف وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا ولهم بكل ما أتوا وعملوا من أفاريق الصبر الأدهم فوق ما أتوا وعملوا أما أنه لم يبق ألا الزمهرير من شتائهم وما لهم من الصيف إلا رقدة ويحبسهم وما توازروا وجمعوا على ظهورهم من الآثام.

فيا مطايا الخطايا ويا زور الزور وأوزار الآثام مع الذين ظلموا اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على أنفسكم فسيعلم الذين ظلموا أي منقل ينقلبون.

فأقسم ثم أقسم لتحملنها بنو أمية من بعدي وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل فلا يبعد الله إلا من ظلم وعلى البادي - يعني الأول - ما سهل لهم من سبيل الخطايا مثل أوزارهم وأوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون.

إيضاح: والطالب كقيام الثائر أي طلب الطالب للحق كقيام الطالب بدمائنا، والثأر بالهمز: الدم والطلب به وقاتل حميمك " والثائر ": من لا يبقى على شئ حتى يدرك ثاره ذكره الفيروزآبادي " والحاكم في حق نفسه " ولعل المعنى أن في قتلنا حقا لنا وحقا لله تعالى حيث قتلوا حجته ووليه والقائم يطلب حقنا والله العادل يحكم في حق نفسه أن على كل شارع بدعة وزره، شرع لهم كمنع: سن. وقوله: " وزره " اسم إن وخبره الظرف المقدم إي يلزم مبدع البدعة ومحدثها وزر نفسه ووزر كل من اقتدى به " من لقم العلقم " اللقم جمع اللقمة والعلقم: الحنظل وكل شئ مر " والأديم ": الأسود " فليشربوا الصلب " أي الشديد الغليظ فإن شربه أعسر أو هو تصحيف " الصئب " بالهمز يقال: صئب من الشراب كفرح إذا روى وامتلأ " والصبب " بالباء محركة بمعنى المصوب " والراح ": الخبر أطلق هنا تهكما. و " الدوف ": الخلط والبل بماء ونحوه. وقال الفيروزآبادي: الفرقة: السقأ الممتلئ لا يستطاع يمخض حتى يفرق. والطائفة من الناس والجمع: فرق وجمع الجمع: أفاريق

" إلا الزمهرير من شتائهم " أي لم يبق من شدائد الدنيا إلا ما أصابهم من تلك الشدة وليس لهم في ذلك أجر " إلا رقده " - بالهاء - أي إلا نومة. وفي بعض النسخ بالفاء مع الضمير. والرفد بالكسر: العطاء. وبالكسر والفتح:

القدح الضخم والحاصل أنه لم يبق لهم من راحة الدنيا إلا راحة قليلة ذهبت عنهم " ويحبسهم ما توازروا " أي يحبسهم يوم القيامة أوزارهم. وفي بعض النسخ: " وما توازروا " أي يحبسهم الله " ويا زور الزور " قال في القاموس الزورة: الناقة التي تنظر بمؤخر عينها لشدتها. ولعل في بعض الفقرات تصحيفات.

28 - الإرشاد: مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله [عليه السلام] قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه:

أما بعد فإن الله لم يقصم جباري دهر قط إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم أحد من الأمم إلا من بعد أزل وبلاء أيها الناس وفي دون ما استقبلتم من خطب واستدبرتم من عتب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير.

ألا فأحسنوا النظر عباد الله فيما يعنيكم ثم أنظروا إلى عرصات من قد أباده الله بعلمه كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم فها هي عرصة المتوسمين وإنها لبسبيل مقيم تنذر من يأتها من الثبور بعد النضرة والسرور ومقيل من الامن والحبور ولمن صبر منكم العاقبة ولله عاقبة الأمور.

فواها لأهل العقول كيف أقاموا بمدرجة السيول واستضافوا غير مأمون.

ويسا لهذه الأمة الجائرة في قصدها الراغبة عن رشدها لا يقتفون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يرعوون من عيب كيف

ومفزعهم في المبهمات إلى قلوبهم وكل امرئ منهم إمام نفسه أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات لا يألون قصدا ولن يزدادوا إلا بعدا لشدة أنس بعضهم ببعضهم وتصديق بعضهم بعضا حيادا كل ذلك عما ورث الرسول ونفورا عما أدى إليه من فاطر السماوات والأرضين العليم الخبير فهم أهل عشوات وكهوف شبهات قادة حيرة وريبة ممن وكل إلى نفسه فاغرورق في الأضاليل هذا.

وقد ضمن الله قصد السبيل " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وان الله لسميع عليم " [42 / الأنفال: 8] فيا ما أشبهها من أمة صدرت عن ولائها ورغبت عن رعاتها.

ويا أسفا أسفا يكلم القلب ويد من الكرب من فعلات شيعتنا بعد مهلكي على قرب مودتها وتاشب ألفتها كيف يقتل بعضها بعضا وتحول ألفتها بغضا.

فلله الأسرة المتزحزحة غدا عن الأصل، المخيمة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، المتوكفة الروح من غير مطلعه، كل حزب منهم معتصم بغصن آخذ به، أينما مال الغصن مال معه.

مع أن الله - وله الحمد - سيجمعهم كقزع الخريف ويؤلف بينهم ويجعلهم ركاما كركام السحاب يفتح الله لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم إليها كسيل العرم حيث لم تسلم عليه قارة ولم تمنع منه أكمة ولم يرد ركن طود سنته يغرسهم الله في بطون أودية يسلكهم ينابيع في الأرض ينفى بهم عن حرمات قوم ويمكن لهم في ديار قوم لكي لا يغتصبوا ما غصبوا يضعضع الله بهم ركنا وينقض به على الجندل من ارم ويملأ منه بطنان الزيتون.

الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا.

بيان [قوله عليه السلام:] " إلى عرصات من قد أباده الله " أي أنظروا إلى ديار من قد أهلكه الله بعمله كالخلفاء الثلاثة خصوصا عثمان فها هي أي عرصات هؤلاء عرصة المتوسمين والمتفكرين في الدنيا وعواقبها المعتبرين بها " وإنها لسبيل مقيم " أي عرصاتهم ومنازلهم على سبيلكم تنظرون إليها صباحا ومساء تنذر تلك العرصة من يأتها معتبرا بلسان الحال بالويل والثبور بعدما كان أصحابها في النضرة والسرور " والحبور " كالسرور لفظا ومعنى.

" واستضافوا " أي طلبوا الضيافة أو قبلوها ممن لا يؤمن من الغدر وهو الدنيا.

" ويسا لهذه الأمة " [قال الفيروزآبادي] في القاموس: ويس كلمة تستعمل في موضع رأفة واستملاح للصبي، والويس: الفقر.

وفي بعض النسخ: " ويا لهذه الأمة " أي: يا قوم اعجبوا لهم " لا يألون قصدا " أي لا يقصرون في قصد الخيرات أو في طلب قصد السبيل ووسطه بزعمهم لكن لقصور علمهم لا يزيدون إلا بعدا.

وفي بعض النسخ: " لا يأتون " وهو أصوب. " وقد ضمن الله " إشارة إلى قوله تعالى : " وعلى الله قصد السبيل " " فياما أشبهها " أي يا قوم ما أشبه هذه الأمة بأمة كذا تعريضا لهم وإعراضا عن التصريح بصدور هذه الأعمال منهم.

والأظهر ما في الكافي " فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها " وفي الصحاح: تأشب القوم: اختلطوا وائتشبوا أيضا يقال: جاء فلان فيمن تأشب

إليه أي انضم إليه: وقال: تزحزح: تنحى. وقال: خيم بالمكان أي أقام.

والتوكف: الترقب والانتظار والحاصل أنهم تفرقوا عن أئمة الحق ولم ينصروهم وتعلقوا بالأغصان والفروع التي لا ينفع التعلق بها كمختار وأبي مسلم وزيد ويحيى وإبراهيم وأمثالهم.

قوله (عليه السلام): " سيجمعهم " إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية. والآنك بضم النون: الا سرب.

قوله (عليه السلام): " ولعل الله يجمع شيعتي " إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام) وقد مر [وسيأتي " خ ل "] مزيد توضيح للخطبة عند إبرادها بسند آخر.

29 - الغيبة للنعماني: الكليني عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن يعقوب السراج عليه السلام بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب خطبة ذكرها يقول فيها:

وعلي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما بويع أمير المؤمنين ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سباقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم.

30 - نهج البلاغة: ذمتي بما أقول رهينه وأنابه زعيم أن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجره التقوى عن تقحم الشبهات.

ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم.

ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار.

ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة.

حق وباطل ولكل أهل فلئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل ولقل ما أدبر شئ فأقبل.

بيان: الزعيم الكفيل " أن من صرحت " أي كشفت. والمثلات:

العقوبات: وقحم في الامر وتقحمه: رمى بنفسه فيه: والشبهات: ما اشتبه حقيته وحليته.

وقيل: أراد بالشبهات ما يتوهم كونه حقا ثابتا باقيا من الأمور الزائلة الفانية. وقد مر تفسير باقي الكلام في باب شكايته (عليه السلام).

31 - نهج البلاغة: [وقال عليه السلام وقد] قال له طلحة والزبير: نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الامر. فقال: (عليه السلام): ولا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة وعونان على العجز والأود.

بيان: قال ابن أبي الحديد أي إذا قوي أمر الاسلام بي قويتما أنتما أيضا والاستعانة هنا الفوز والظفر " وعونان على العجز والأود ": أي العوج.

[و] قال ابن ميثم رحمه الله: أي على رفع ما يعرض منهما أو حال وجودهما إذ كلمة على تفيد الحال.

وروى ابن أبي الحديد أنه قال في جوابهما: إما المشاركة في الخلافة فكيف يكون ذلك وهل يصح أن يدبر أمر الرعية إمامان؟ وهل يجمع السيفان ويحك في غمد؟

32 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) لما عوتب على التسوية في العطاء:

أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه والله لا أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجما لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال لهم [فكيف وأنما المال مال الله " خ ل "] ثم قال (عليه السلام):

ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله ولم يضع أمرؤ ماله

في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره ودهم فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خدين وألام خليل.

إيضاح: قوله (عليه السلام) " أتأمروني " أصله تأمرونني فأسكنت الأولى وأدغمت: " لا أطور به " أي لا أقربه أبدا ولا أدور حوله. و [قال الفيروزآبادي] في القاموس: السمر محركة الليل وحديثه.

" وما أفعله ما سمر السمير " أي ما اختلف الليل والنهار. " وما أم نجم " أي قصد أو تقدم لان النجوم لا تزال يتبع بعضها بعضا فلابد فيها من تقدم وتأخر ولا يزال يقصد بعضها بعضا. " فإن زلت به النعل " أي إذا عثر وافتقر. والخدين: الصديق.

33 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام): لم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحدا إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لأنصفن المظلوم ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها.

إيضاح الفلتة: الامر يقع من غير تدبر ولا روية وفيه تعريض ببيعة أبي بكر كما روت العامة عن عمر أنه قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه.

وقوله (عليه السلام): " إني أريدكم " الخطاب لغير الخواص من أصحابه (عليه السلام) والمعنى: [إني] أريد إطاعتكم إياي لله وتريدون أن تطيعوني للمنافع الدنيوية.

وقال الجوهري: خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنفه ليشد فيها الزمام.

34 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) كلم به طلحة والزبير بعد بيعته للخلافة وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بما:

لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا ألا تخبراني أي شئ لكما فيه حق دفعتكما عنه؟ وأي قسم استأثرت عليكما به؟ أم أي حق رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه؟ أم جهلته أم أخطأت بابه؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ولم يقع حكم جهلته فأستشيركما وإخواني من المسلمين ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما.

وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله قد فرغ منه فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى أخذ الله بقلوبكم وقلوبنا إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر.

رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه.

توضيح: قال [ابن الأثير] في النهاية نقم [فلان] إذا بلغت به الكراهة حد السخط.

وقال ابن أبي الحديد: أي نقمتما من أحوالي اليسير وتركتما الكثير الذي

ليس لكما ولا لغير كما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير؟ وليس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن والعيب ولكنه على جهة الاحتجاج.

وقال ابن ميثم: أشار باليسير الذي نقماه إلى ترك مشورتهما وتسويتهما لغيرهما في العطاء فإنه وإن كان عندهما صعبا فهو لكونه غير حق في غاية السهولة والكثير الذي أرجأه ما أخراه من حقه ولم يؤتياه إياه.

وقيل: يحتمل أن يريد أن الذي أبدياه ونقماه بعض ما في أنفسهما وقد دل ذلك على أن في أنفسهما أشياء كثيرة لم يظهراه. والاستيثار: الانفراد بالشئ.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.