پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

93 باب 113

ج ۳۲، ص ۴۷۴–۵۰۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۶ از ۲۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

فتبعه أخواه عبيد الله وعوف وقالا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك قبح الله العيش بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا.

قال: فاقتتل الناس قتالا شديدا يوم الأربعاء فقال رجل من أصحاب علي عليه السلام والله لأحملن على معاوية حتى أقتله فأخذ فرسا فركبه ثم ضربه حتى إذا قام على سنابكه دفعه فلم ينهنهه شئ عن الوقوف على رأس معاوية ودخل معاوية خباءه فنزل الرجل عن فرسه ودخل عليه فخرج معاوية من الخباء وطلع الرجل في أثره فخرج معاوية فأحاط به الناس وقال: ويحكم إن السيوف لم يؤذن لها في هذا ولولا ذلك لم يصل إليكم عليكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتى همد الرجل ثم عاد معاوية إلى مجلسه.

قال نصر: فلما انقضى هذا اليوم بما فيه أصبحوا في اليوم الثاني والفيلقان متقابلان فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق فاقتتلا قتالا شديدا ثم إن العراقي اعتنقه فوقعا جميعا وعاد الفرسان ثم إن العراقي قهره فجلس على صدره وكشف المغفر عنه يريد [أن] يذبحه فإذا هو أخوه لأبيه فصاح به أصحاب علي عليه السلام ويحك أجهز عليه. قال:

إنه أخي قالوا: فاتركه قال: لا والله حتى يأذن أمير المؤمنين فأخبر علي عليه السلام بذلك فأرسل إليه أن دعه فتركه وعاد إلى صف معاوية.

414 - وعن الجرجاني قال: كان معاوية يعد لكل عظيم حريثا ومولاه وكان يلبس سلاح معاوية متشبها به فإذا قاتل قال الناس: ذاك معاوية وإن معاوية دعاه وقال: يا حريث إتق عليا وضع رمحك حيث شئت.

فأتاه عمرو بن العاص وقال: يا حريث إنك والله لو كنت قرشيا لأحب لك معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لك حظها فإن رأيت فرصة فاقتحم. وخرج علي عليه السلام في هذا اليوم وكان أمام الخيل فحمل عليه حريث.

وفي رواية عمرو بن شمر عن جابر قال: برز حريث مولى معاوية هذا اليوم وكان شديدا ذا بأس لا يرام فصاح يا علي هل لك في المبارزة؟ فأقدم أبا حسن إن شئت فأقبل علي وهو يقول:

أنا علي وابن عبد المطلب * نحن لعمر الله أولى بالكتب منا النبي المصطفى غير كذب * أهل اللواء والمقام والحجب نحن نصرناه على كل العرب ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين فجزع معاوية عليه جزعا شديدا وعاب عمروا في إغرائه بعلي.

فلما قتل حريث برز عمرو بن الحصين السكسكي فنادى أبا حسن هلم إلى المبارزة فأومى علي إلى سعيد بن قيس الهمداني فبارزه فضربه بالسيف فقتله.

قال نصر: وكان لهمدان بلاء عظيم في نصرة علي عليه السلام في صفين ومن الشعر الذي لا يشك أن قائله علي لكثرة الرواية له:

دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير لئام بكل رديني وعضب تخاله * إذا اختلف الأقوام شعل ضرام لهمدان أخلاق كرام يزينهم * وبأس إذا لاقوا وجد خصام

وجد وصدق في الحروب ونجدة * وقول إذا قالوا بغير أثام متى تأتهم في دارهم تستضيفهم * تبت ناعما في خدمة وطعام جزى الله همدان الجنان فإنها * سمام العدى في كل يوم زحام فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام 415 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر قال: ثم قام علي بين الصفين ونادى: يا معاوية يكررها فقال معاوية: سلوه ما شأنه؟ قال: أحب أن يظهر لي فأكلمه بكلمة واحدة فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية: ويحك علام تقتل الناس بيني وبينك ويقتل بعضهم بعضا أبرز إلي فأينا قتل فالامر إلى صاحبه. فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله؟ قال: قد أنصفك الرجل فاعلم أنك إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي على ظهر الأرض عربي فقال معاوية: يا ابن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه والله ما بارز ابن أبي طالب شجاع قط إلا وسقى الأرض بدمه ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه فلما رأى علي عليه السلام ذلك ضحك وعاد إلى موقفه.

قال: وحقدها معاوية عل عمرو باطنا.

قال نصر: ثم التقى الناس واقتتلوا قتالا شديدا وحاربت طي مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبا عظيمة وقتل منهم أبطال كثيرون وقاتلت النخع أيضا معه ذلك اليوم قتالا شديدا وقطعت رجل علقمة بن قيس النخعي وقتل أخوه أبي بن قيس فكان علقمة يقول بعد: ما أحب أن رجلي أصح ما كانت لما أرجو بها الثواب وقال: رأيت أخي في نومي فقلت له: ما الذي قدمتم عليه؟ قال: التقينا نحن وأهل الشام بين يدي الله سبحانه فاحتججنا عنده فحججنا فسررت بذلك.

416 - وروي عن الحضين بن المنذر أنه لما تصاف الناس ذلك اليوم وحمل بعضهم على بعض وضعضعت ميمنة أهل العراق جاءنا علي عليه السلام ومعه بنوه فنادى بصوت جهر: لمن هذه الرايات؟ فقلنا؟: رايات ربيعة فقال:

بل هي رايات عصم الله أهلها وصبرها وثبت أقدامها ثم قال لي وأنا حامل راية ربيعة: يا فتى ألا تدني [رأيتك] هذه ذراعا؟ [فقلت: بلى والله وعشرة أذرع ثم ملت بها هكذا [فأدنيتها فقال لي: حسبك.

وروي أنهم أعطوا الراية الحضين بن المنذر الرقاشي وهو يومئذ غلام وهو يزحف براية ربيعة وكانت حمراء فأعجب عليا عليه السلام زحفه وثباته فقال:

لمن راية حمراء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما ويدنو بها في الصف حتى يديرها * حمام المنايا تقطر الموت والدماء جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدى البأس حرا ما أعز وأكرما وأحزم صبرا يوم يدعي إلى الوغى * إذا كان أصوات الكماة تغمغما ربيعة أعني إنهم أهل نجدة وبأس * إذا لاقوا خميسا عرمرما وقد صبرت عك ولخم وحمير * لمذحج حتى لم تفارق دم دما ونادت جذام يا لمذحج ويحكم * جزى الله شرا أينا كان أظلما اما تتقون الله في حرماتكم * وما قرب الرحمن منها وعظما أذفنا ابن حرب طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما وسر ينادي الزبرقان مراطم * ونادى كلاعا والكريب وأنعما

وعمرا وسفيانا وجهما ومالكا * وحوشب والغاوي سريحا وأظلما وكرز بن نبهان وعمرو بن جحدر * وصباحا العبسي به؟؟ واسلما قال نصر: وأقبل ذو الكلاع في الحمير ومن لف لفها ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام فحملوا على ربيعة وهم ميسرة أهل العراب وفيهم عبد الله بن العباس حملة شديدة؟؟؟؟ وضعت رايات ربيعة ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم يلبثوا إلا قليلا حتى كروا ثانية وعبيد - الله بن عمر في أولهم يقول: يا أهل الشام هذا الحي من العمراني قتلة عثمان وأنصار علي فإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان فشدوا على الناس شدة عظيمة فثبتت لهم ربيعة وصبرت صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء واشتد القتال بين ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر وكثرت القتلى.

ثم خرج نحو خمس مائة فارس أو أكثر من أصحاب علي عليه السلام على رؤوسهم البيض وهم غائصون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين والناس وقوف تحت راياتهم فلم يرجع من هؤلاء مخبر لا عراقي ولا شامي قتلوا جميعا بين الصفين.

وكان بصفين تل يلقى عليه الجماجم من الرجال فكان يدعى تل الجماجم.

قال نصر: ثم ذهب هذا اليوم بما فيه فأصبحوا من اليوم التاسع من صفر وقد خطب معاوية أهل الشام وحرضهم فحمل عبيد الله وقراء أهل الشام

ومعه ذو الكلاع في حمير على ربيعة في ميسرة علي عليه السلام فقاتلوا قتالا شديدا.

فأتى زياد بن خصفة إلى عبد القيس فقال: لا يكونن وائل بعد اليوم إن ذا الكلاع وعبيد الله بن عمر قد أبادا ربيعة فانهضوا لهم وإلا هلكت فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء فشدت أزر الميسرة وعظم القتال فقتل ذو الكلاع قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف وتضعضعت أركان حمير وثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر.

فأرسل عبيد الله إلى الحسن بن علي عليه السلام إن لي إليك حاجة فالقني فلقيه الحسن عليه السلام فقال له عبيد الله: إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا وقد شنئه الناس فهل لك في خلعه وأن تتولى أنت هذا الامر فقال: كلا والله.

ثم قال: يا ابن الخطاب والله لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك أو في غدك أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق تري نساء أهل الشام موقفك وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا.

قال: فوالله ما كان إلا بياض النهار حتى قتل عبيد الله وهو في كتيبة رقطاء وكانت تدعى الخضرية كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب مخضر فمر الحسن فإذا رجل متوسد رجل قتيل وقد ركز رمحه في عينه وربط فرسه برجله فقال الحسن لمن معه: انظروا إلى هذا وإذا رجل من همدان وإذا القتيل عبيد الله بن عمر قد قتله الهمداني في أول الليل وبات عليه حتى أصبح.

قال نصر: وقد اختلفت الرواة في قاتله فقالت همدان: نحن قتلناه قتله هانئ بن الخطاب وقالت حضرموت: نحن قتلناه قتله مالك بن عمرو وقال بكر بن وائل: قتله منا محرز بن الصحصح وروي أن قاتله حريث بن جابر بن الجعفي.

417 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: لما حمل ذو الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف العراق ناداهم أبو شجاع الحميري تبت أيديكم أترون معاوية خيرا من علي أسد الله أضل الله سعيكم ثم أنت يا ذا الكلاع قد كنا نرى أن لك نية في الدين فقال ذو الكلاع: إيها يا أبا شجاع والله ما معاوية بأفضل من علي ولكني أقاتل عن دم عثمان. قال:

فأصيب ذو الكلاع حينئذ قتله خندف البكري في المعركة.

قال نصر: وقال معاوية لما قتل ذو الكلاع: لأنا أشد فرحا بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فتحتها قال: لان ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها.

قال نصر: فلما قتل ذو الكلاع اشتدت الحرب وشد عك ولخم وجذام والأشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق.

418 - وقال نصر: وحدثني عمرو بن الزبير: [قال:] لقد سمعت الخصين بن المنذر يقول: أعطاني علي ذلك اليوم راية ربيعة ومضر وقال: بسم الله سر يا حضين واعلم أنه لا تخفق على رأسك براية مثلها أبدا هذه راية رسول الله.

قال: فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي إلى الحضين فقال: هل لك أن تعطيني الراية أحملها فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها؟ فقال الحضين وما غناي يا عم عن أجرها مع ذكرها فقال: إنه لا غناء بك عن ذلك ولكن أعرها عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك قال حضين: فعلمت أنه قد استقتل وأنه يريد أن يموت مجاهدا قال فقلت له: خذها فأخذها ثم قال لأصحابه إن عمل الجنة كره كله وثقيل وإن عمل النار خف كله وحبيب إن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره وليس شئ مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد هو أفضل الأعمال ثوابا عند

الله فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا ويحكم اما تشتاقون إلى الجنة أما تحبون أن يغفر الله لكم. فشد وشدوا معه وقاتلوا قتالا شديدا فقتل أبو عرفاء وشدت ربيعة بعدها شدة عظيمة على صفوف أهل الشام.

وقال نصر: فاضطرب الناس ذلك اليوم بالسيوف حتى قطعت وتكسرت وصارت كالمناجل وتطاعنوا بالرماح حتى تناثرت أسنتها ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب ثم تعانقوا وتكادموا بالأفواه ثم تراموا بالصخرة والحجارة ثم تحاجزوا فكان الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول: كيف أصير إلى رايات بني فلان؟ فيقول: ها هنا لا هداك الله ويمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول: كيف أمضي إلى رايات بني فلان؟ فيقولون: ها هنا لا حفظك الله.

فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلي عليه السلام إحداق بياض العين بسوادها.

قال نصر: وحدثني عمرو أنه لما وقف عليه السلام تحت رايات ربيعة قال عتاب بن لقيط: يا معشر ربيعة حاموا عن علي منذ اليوم فإن أصيب فيكم افتضحتم ألا ترونه قائما تحت راياتكم.

فقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة ليس لكم عذر عند العرب إن أصيب علي وفيكم رجل حي فامنعوه اليوم واصدقوا عدوكم اللقاء.

فتعاقدت ربيعة وتحالفت بالايمان العظيمة وتبايع منهم سبعة آلاف على أن لا ينظر رجل خلفه حتى يردوا سرادق معاوية فقاتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا لم

يكن قبله مثله وأقبلوا نحو سرادق معاوية فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال:

إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت * كتائب منها كالجبال تجالد ثم قال لعمرو يا عمرو ما ترى؟ قال: أرى أن لا تحنث أخوالي اليوم فقام معاوية وخلا لهم سرادقه ورحله وخرج فارا عنه لائذا ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس وانتهبت ربيعة سرادقه ورحله وبعث إلى خالد بن المعمر إنك قد ظفرت ولك إمرة خراسان إن لم تتم فقطع خالد القتال ولم يتمه وقال لربيعة قد برت أيمانكم فحسبكم.

فلما كان عام الجماعة وبايع الناس معاوية أمره معاوية على خراسان وبعثه إليها فمات قبل أن يبلغها.

419 - قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد أن عليا عليه السلام صلى بهم هذا اليوم صلاة الغداة ثم زحف بهم فلما أبصروه استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن خيل الشام حملت على خيل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي عليه السلام ألف رجل أو أكثر فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم.

فنادى علي عليه السلام ألا رجل يشرى نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته؟!

فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنعا في الحديد فقال: يا أمير المؤمنين مرني بأمرك. فقال علي عليه السلام:

سمحت بأمر لا يطاق حفيظة * وصدقا وإخوان الحفاظ قليل

جزاك إله الناس خيرا فقد وفت * يداك بفضل ما هناك جزيل فقال عليه السلام [يا أبا الحارث] شد الله ركنك احمل على أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم: إن أمير المؤمنين عليه السلام يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: هللوا وكبروا من ناحيتكم ونهلل ونكبر من ناحيتنا واحملوا ونحمل عليهم فضرب الجعفي فرسه وقاتلهم حتى خلص إلى أصحابه فلما رأوه استبشروا به وفرحوا وقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قال: صالح يقرئكم السلام ويقول: هللوا وكبروا واحملوا حملة رجل واحد ونحمل من جانبنا ففعلوا ما أمرهم به وهللوا وكبروا وهلل علي وكبر هو وأصحابه وحمل على أهل الشام وحملوهم من وسط أهل الشام فانفرج القوم عنهم وخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد ولقد قتل من فرسان الشام يومئذ زهاء سبعمائة نفر وكان علي عليه السلام من أعظم الناس اليوم عناء.

قال: وكان علي لا يعدل بربيعة أحدا من الناس فشق ذلك على مضر وأظهروا لهم القبيح وأبدوا ذات أنفسهم.

فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة وعمير بن عطارد وقبيصة بن جابر وعبد الله بن الطفيل في وجوه قبائلهم فأتوا عليا عليه السلام فتكلم أبو الطفيل فقال: إنا والله يا أمير المؤمنين ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا فاعفهم عن القتال أياما واجعل لكل امرئ منا يوما نقاتل فيه فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا فقال عليه السلام نعم أعطيكم ما طلبتم. وأمر ربيعة أن تكف عن القتال وكانت بإزاء اليمن من صفوف الشام.

فغدا أبو الطفيل في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة فتقدم أمام الخيل واقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف إلى علي عليه السلام وأثنى عليه خيرا.

ثم غدا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم وهو يومئذ سيد مضر كوفة فقاتل أصحابه قتالا شديدا ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة في بني أسد فقاتل القوم إلى أن دخل الليل.

ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطفيل في جماعة هوازن فحاربهم حتى الليل فانصرفوا.

قال نصر: وكتب عقبة بن مسعود عامل علي عليه السلام على الكوفة إلى سليمان بن صرد الخزاعي وهو مع علي عليه السلام: أما بعد فإنهم " إن يظهروا عليكم ويرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا " فعليك بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين عليه السلام والسلام.

420 - قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد وعمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قام علي عليه السلام فخطب الناس بصفين فقال:

الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه منهم ومن عصاه إن يرحم فبفضله ومنه، وإن عذب فبما كسبت أيديهم وإن الله ليس بظلام لعبيد.

أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ارتضاه لذلك وكان أهله واصطفاه على جميع العباد لتبليغ رسالته وجعله رحمة منه على خلقه وكان كعلمه فيه رؤوفا رحيما أكرم خلق الله حسبا وأجمله منظرا وأسخاه نفسا وأبره بوالد وأوصله لرحم وأفضله علما وأثقله حلما وأوفاه بعهد وآمنه على عقد لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح فيعفو حتى مضى صلى الله عليه وآله وسلم مطيعا لله صابرا على ما أصابه مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله فكان ذهابه أعظم المصيبة على جميع أهل الأرض البر والفاجر.

ثم [إنه] ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله عهدا فلست أحيد عنه وقد حضرتم عدوكم وعلمتم أن رئيسهم منافق بن منافق يدعوهم إلى النار وابن عم نبيكم معكم وبين أظهركم يدعوكم إلى الجنة وإلى طاعة ربكم والعمل بسنة نبيكم.

ولا سواء من صلى قبل كل ذكر لم يسبقني بالصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد وأنا من أهل بدر ومعاوية طليق بن طليق، والله

إنا على الحق وإنهم على الباطل ولا يجتمعن عليه وتتفرقوا عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم * (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) * فإن لم تفعلوا ليعذبنهم الله بأيدي غيركم.

فقام أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين عليه السلام انهض بنا إلى عدونا وعدوك إذا شئت فوالله ما نريد بك بدلا بل نموت معك [ونحيا معك].

فقال لهم: والذي نفسي يده لنظر إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم [و] أضرب بين يديه بسيفي هذا فقال: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " فقال لي: " يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وموتك وحياتك يا علي معي " والله ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي ولا نسيت ما عهد إلي وإني على بينة من ربي وعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا.

ثم نهض إلى القوم فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق الأحمر وما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيرا.

421 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان قال: برز في أيام صفين رجل اشتهر بالبأس والنجدة اسمه كريب بن الوضاح فنادى من يبارز؟ فخرج إليه المرتفع ابن الوضاح فقتله ثم نادى من

يبارز؟ فخرج إليه الحارث بن الجلاح فقتله، ثم نادى: من يبارز؟ فخرج إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتله ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ونادى من يبارز؟.

فخرج إليه علي عليه السلام وناداه: ويحك يا كريب إني أحذرك الله وبأسه ونقمته وأدعوك إلى سنة الله وسنة رسوله ويحك لا يدخلنك معاوية النار فكان جوابه أن قال: ما أكثر ما قد سمعت منك هذه المقالة ولا حاجة لنا فيها أقدم إذا شئت من يشتري سيفي وهذا أثره. فقال علي: ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يتشحط في دمه.

ثم نادى من يبارز فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتل الحارث ثم نادى من يبارز؟ فبرز إليه المطاع بن المطلب القيني فقتل مطاعا ثم نادى من يبرز؟ فلم يبرز إليه أحد فنادى * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) * [194 / البقرة: 2] يا معاوية هلم إلي فبارزني ولا يقتلن الناس فيما بيننا.

فقال عمرو بن العاص: اغتنمه منتهزا قد قتل ثلاثة من أبطال العرب وإني أطمع أن يظفرك الله به!! فقال معاوية: والله لن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي اذهب إليك فليس مثلي يخدع.

قال نصر: وخطب عبد الله بن العباس في هذا اليوم وقال بعد الحمد والثناء والشهادة بالتوحيد والرسالة:

وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة وانتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره وأول ذكر صلى معه بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله كل مشاهده التي منها الفضل ومعاوية مشرك يعبد الأصنام والذي ملك الملك وحده وبان به وكان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول " صدق الله ورسوله " ومعاوية يقول: " كذب الله ورسوله ".

فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر والله إنكم لعلى حق وإن القوم لعلى باطل فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم وإنا لنعلم أن سيعذبهم الله بأيديكم أو بأيدي غيركم.

اللهم أعنا ولا تخذلنا وانصرنا على عدونا ولا تخل عنا وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.

422 - قال نصر: وحدثنا عمرو عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله قال: قام عمار يوم صفين فقال: انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالاحسان فقالوا هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لاحداثه فقالوا: إنه لم يحدث شيئا وذلك لأنه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدمت الجبال والله ما أظنهم يطلبون بدم إنهم ليعلمون أنه لظالم ولكن القوم دانوا للدنيا فاستحبوها واستمرؤها وعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها إن القوم لم تكن لهم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما. ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولاها ما بايعهم من الناس رجلان.

اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم.

ثم مضى ومضى معه أصحابه فدنا من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو بعت دينك بمصر فتبا لك فطال ما بغيت الاسلام عوجا.

وفي كتاب نصر: ثم نادى عمار عبيد الله بن عمر وذلك قبل مقتله فقال:

يا ابن عمر صرعك الله بعت دينك بالدنيا من عدو الله وعدو الاسلام؟ قال:

كلا ولكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم. قال: كلا أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله وإنك إن لم تقتل اليوم فتموت غدا فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك.

ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي هذا البحر لفعلت.

اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت.

اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملا اليوم هذا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء القاسطين ولو أعلم اليوم عملا هو أرضى لك منه لفعلته.

423 - وروى ابن ديزيل في كتاب صفين عن سيف الضبي عن الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة المحاربي عن أبيه عن جده شريك قال: كان الناس من أهل العراق وأهل الشام يقتتلون أيام صفين ويتزايلون فلا يستطيع الرجل أن يرجع إلى مكانه حتى يسفر الغبار عنه، فاقتتلوا يوما وأسفر الغبار فإذا علي عليه السلام تحت رايتنا يعني بني محارب فقال: هل من ماء؟ فأتيته بإداوة فخنثتها له ليشرب فقال: لا إنا نهينا أن نشرب من أفواه الأسقية ثم علق سيفه وإنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه فصببت له على يديه فغسلهما حتى أنقاهما ثم شرب بيديه حتى إذا روى رفع رأسه ثم قال: أين مضر؟ فقلت:

أنت فيهم يا أمير المؤمنين فقال: من أنتم بارك الله فيكم: فقلنا: نحن بنوا محارب فعرف موقفه ثم رجع إلى موضعه.

قال ابن أبي الحديد خنثت الإداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج. وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن اختناث الأسقية لان رجلا اختنث سقاء فشرب فدخل إلى جوفه حية كانت في السقاء.

424 - قال: وروى نصر بن مزاحم عن يحيى بن يعلى عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن زيد بن أبي رجاء عن أسماء بن حكيم الفزاري قال: كنا بصفين مع علي تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى وقد استظللنا برداء أحمر إذ أقبل رجل فقال: أيكم عمار بن ياسر؟ فقال: أنا عمار. قال: أبو اليقظان؟ قال: نعم قال: إن لي إليك حاجة فأنطق بها سرا أو

علانية؟ قال: اختر لنفسك أيهما شئت قال: لا بل علانية. قال: فانطق قال:

إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى ليلتي هذه فإني رأيت في مقامي هذا تقدم منادينا فقام وأذن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى بالصلاة والفلاح ونادى مناديهم بمثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة وتلونا كتابا واحدا ودعونا دعوة واحدة ورسولنا واحد فأدركني الشك في ليلتي هذه فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟ قلت: لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه. فجئتك لذلك فقال عمار: تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة [لي؟] - وأومئ إلى راية عمرو بن العاص - قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله مرات وهذه الرابعة فما هي بخيرهن ولا أبرهن بل هي شرهن وأفجرهن أشهدت بدرا واحدا ويوم حنين أو شهدها أب لك فيخبرها لك؟ قال: لا. قال: فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين وإن مراكز هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب فهل ترى هذا العسكر ومن فيه؟ والله لوددت أن جميع من أقبل فيه [مع] معاوية [ممن] يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته وذبحته والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور أترى دم عصفور حراما؟ قال: لا بل حلال قال: فإنهم حلال كذلك أتراني بينت؟ قال: قد بينت قال: فاختر أي ذلك أحببت.

فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال: سيضربونكم بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولوا: لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا والله ما هم من الحق على ما يقذي عين ذباب والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل.

425 - قال نصر: وحدثنا يحيى بن يعلى عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين تقاتلهم الدعوة واحدة والرسول واحد والصلاة واحدة والحج واحد فماذا أسميهم؟ قال: سمهم بما سماهم الله في كتابه. قال: ما كل ما في الكتاب أعلمه. قال: أما سمعت الله يقول: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) * إلى قوله: * (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) * [253 / البقرة: 2] فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبي وبالحق فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا وشاء الله قتالهم فقتالنا هذا بمشيئة الله وإرادته.

توضيح: الأدهم: الأسود. والحمحمة: صوت الفرس إذا طلب العلف. والصهيل: صوته المعروف. " وما كنا له مقرنين " أي مطيقين " وأفضت القلوب " أي دنت وقربت ووصلت أو أفضت بسرها أو سرها فحذف المفعول أو ظهرت لك بما فيها من عيوبها وأسرارها أو خرجت إلى فضاء رحمتك وساحة مغفرتك.

قال الجوهري: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء وأفضيت إلى فلان سري وقال الخليل في العين: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه وأصله أنه سار في فضاء.

وقال الجوهري: شخص بصره فهو شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا

يطرف. والمناع اسم جبل وأريد هنا ما يمتنع به ويلجأ إليه.

وسيأتي أكثر الأدعية والخطب برواية أخرى مع شرحها.

وقال الفيروزآبادي: الفت: الدق والكسر بالأصابع. وفت في ساعده:

أضعفه.

وقال الجوهري: نابذه الحرب: كاشفه.

قوله: " قص الشارب " قص الشعر: قطعه أي كما يسوي القاص شعرات الشارب. و [قال ابن الأثير] في [مادة لحج من كتاب] النهاية: لحج في الامر يلحج إذا دخل فيه ونشب. قوله: " عضضتم بهن أبيكم " العض: اللزوم. وهن كناية عن الشئ القبيح أي لزمتم عادات السوء التي كانت لآبائكم. والشدة بالفتح: الحملة. والموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. والثأر بالهمزة وقد يخفف: طلب الدم وقاتل الحميم. " إلا عن دينكم " أي بسببه أو يزيلوكم عنه. " عضضتم بصم الجندل " أي الحجارة الصلبة ولعله دعاء عليهم بالخيبة أو إخبار بأنهم خيبوا أنفسهم. والحتوف: جمع الحتف وهو الموت. لم تطل أي لم تبطل. فهو مأثور أي مذكور. وقال الجوهري: الصدق بالفتح: الصلب من الرماح ويقال: المستوي. ويقال أيضا: رجل صدق اللقاء ويقال للرجل الشجاع: إنه لذو مصدق بالفتح أي صادق الحملة كأنه ذو صدق فيما يعدك من ذلك. " واستقبله سنام " أي طائفة عظيمة على المجاز. قوله: " قد رأيت جولتكم ".

426 - أقول: روى الكليني عن مالك بن أعين أنه قال أمير المؤمنين عليه السلام حين مر براية لأهل الشام أصحابها لا يزالون عن مواضعهم: إنهم لن يزالوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والأكف وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد وتنشر

حواجبهم على الصدور والأذقان أين أهل الصبر وطلاب الاجر.

وصارت إليه عصابة من المسلمين فعادت ميمنته إلى موقفها ومصافها وكشفت من بإزائها فأقبل حتى انتهى إليهم وقال عليه السلام: " إني رأيت جولتكم ".

وساق [الحديث] نحو ما مر إلى قوله: " فأزلتموهم من مصافهم كما أزالوكم وأنتم تضربونهم بالسيوف حتى ركب أولهم آخرهم كالإبل المطرودة الهيم الآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين وليعلم المنهزم بأنه مسخط ربه وموبق نفسه، إن في الفرار موجدة الله والذل اللازم والعار الباقي وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه ولا يرضى ربه ولموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها والاقرار عليها.

427 - وفى النهج: وأنتم لهاميم العرب ويآفيخ الشرف والأنف المقدم، والسنام الأعظم، ولقد شفا وحاوح صدري أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسا بالنصال وشجرا بالرماح تركب أولاهم أخرهم كالإبل الهيم المطرودة ترمى عن حياضها وتذاد عن مواردها.

428 - وقد روى المفيد في الارشاد الكلام الأول إلى قوله: " أين أهل النصر أين طلاب الاجر " وسيأتي شرحه عند إيراد ما رواه الرضي رضي الله عنه. ويقال:

جال جولة: أي طاف. وانحاز عنه أي عدل وانحاز القوم أي تركوا مراكزهم والجفاة: هم الذين بعدوا عن الآداب الحسنة. والطغام: الأراذل. وفي الكافي: الطغاة. واللهاميم: جمع لهموم وهو الجواد من الناس والخيل.

واليآفيخ: جمع يافوخ وهو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل. ولعجه الضرب أي آلمه وأحرق جلده. ويقال: هوى لاعج لحرقة الفؤاد من الحب.

والوحوحة: صوت معه بحح يصدر عن المتألم. وفي الكافي " وشفى بعض حاج صدري " والحاج بالتخفيف جمع الحاجة. وضرب من الشوك. ويقال: ما قد صدري حوجاء ولا لوجاء أي لا مرية ولا شك. " بأخرة " بالتحريك أي أخيرا. والحوز: الجمع والسوق: اللين والشديد. وحسناها حسا أي استأصلناهم قتلا. والنصال جمع نصل: السهم أو السيف وغيرهما. وفي بعض النسخ:

[النضال] بالمعجمة [وهو مصدر] " ناضلته ". إذا رميته. وشجرت زيدا بالرمح:

طعنته. والهيم بالكسر: العطاش. والذود: الصد والمنع. ومواردها: المواضع التي تردها للشرب. والعار الباقي أي في الأعقاب أوله بين الناس. ويومه: أجله المقدر لموته. وفي القاموس: الخذمة محركة: السير الغليظ المحكم مثل الحلقة يشد في رسغ البعير ويشد إليها سرايح نعلها. والخلخال والساق. والهشيم من النبات:

اليابس المتكسر. والهمود: الموت وطفؤ النار.

قوله عليه السلام: " منا النبي صلى الله عليه وآله ".

أقول: في الديوان هكذا: " وبالنبي المصطفى غير الكذب " وفيه رجز آخر مخاطبا لحريث:

أنا الغلام العربي المنتسب * من غير عود ومصاص المطلب يا أيها العبد اللئيم المنتدب * إن كنت للموت محبا فاقترب وأثبت رويدا أيها الكلب الكلب * أو لا فول هاربا ثم انقلب والعود بالفتح: القديم من السؤدد. وفلان مصاص قومه بالضم إذا كان أخلصهم نسبا. وندبه لأمر أي دعاه وحثه له فانتدب أي أجاب ورجل كلب بكسر اللام: شديد الحرص. وكلب كلب أي مجنون يكلب بلحوم الناس.

[قوله عليه السلام] " أولا " أي أولا تثبت. وقيل أو بمعنى بل.

ويروى أنه لما قتل حريث قال معاوية:

حريث ألم تعلم وعلمك ضائر * بأن عليا للفوارس قاهر وأن عليا لا يبارز فارسا * من الناس إلا أقصدته الأظافر أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر فدلاك عمرو والحوادث جمة * غرورا وما جرت عليك المقادر وظن حريث أن عمرا نصيحه * وقد يهلك الانسان إذ لا يحاذر أيركب عمرو رأسه خوف نفسه * ويصلي حريثا إنه لمماكر وروى في الديوان أبياته عليه السلام في مدح همدان هكذا:

ولما رأيت الخيل تقرع بالقنا * فوارسها حمر العيون دوامي وأقبل رهج في السما كأنه * غمامة جن ملبس بقتام ونادى بن هند ذا الكلاع ويحصبا * وكندة في لخم وحي جذام تيممت همدان الذين هم * إذا ناب أمر جنتي وسهامي وناديت فيهم دعوة فأجابني * فوارس من همدان غير لئام فوارس من همدان ليسوا بعزل * غداة الوغا من يشكر وشبام ومن أرحب الشم المطاعين بالقنا * ورهم وأحياء السبيع ويام ومن كل حي قد أتتني فوارس * ذوو نجدات في اللقاء كرام بكل رديني وعصب تخاله * إذا اختلف الأقوام شعل ضرام يقودهم حامي الحقيقة منهم * سعيد بن قيس والكريم يحامي فخاضوا لظاها واصطلوا بشرارها * وكانوا لدى الهيجاء كشرب مدام جزى الله همدان الجنان فإنهم * سمام العدى في كل يوم خصام لهمدان أخلاق ودين يزينهم * ولين إذا لاقوا وحسن كلام متى تأتهم في دارهم لضيافة * تبت عندهم في غبطة وطعام

ألا إن همدان الكرام أعزة * كما عن ركن البيت عند مقام أناس يحبون النبي ورهطه * سراع إلى الهيجاء غير كهام إذا كنت بوابا على باب جنة * أقول لهمدان ادخلوا بسلام 429 - قال الشارح: وروى ابن أعثم أن عمرو بن حصين أتى عليا عليه السلام من عقبه ليغتاله بسنان رمحه فقتله سعيد بن قيس وقال:

ألا أبلغ معاوية بن صخر * ورجم الغيب يكشفه الظنون بأنا لا نزال لكم عدوا * طوال الدهر ما سمع الحنين ألم تر أن والدنا علي * أبو حسن ونحن له بنون وإنا لا نريد به سواه * وذاك الرشد والحظ السمين فلما سمعه معاوية بعث ذا الكلاع مع كثير من القبائل وقال: اخرج واقصد بحربك همدان خاصة فلما رآهم علي قال: يا لهمدان عليكم بهذه الخيل فإن معاوية قد قصدكم بها خاصة دون غيركم فأقبل عليهم ابن قيس مع همدان فهزمهم فقال علي عليه السلام لهم: أنتم درعي ورمحي وسناني وجنتي والله لو كانت الجنة في يدي لأدخلنكم إياها خاصة يا معشر همدان ثم أنشأ هذه الأبيات.

والدامي: الملطخ بالدم. والرهج: الغبار. والدجن: البأس. الغيم:

السماء. والقتام: الغبار الأسود. ويحصب بكسر الصاد حي من يمن وكذا اللخم والجذام قبيلتان من يمن. وتيممت أي قصدت. والاعزال: الذي لا سلاح معه والعزل بالتشديد جمعه.

ويشكر بضم الكاف وشبام بكسر الشين وأرحب بالحاء المهملة ورهم بضم المهملة وسبيع بفتح السين ويام بالمثناة التحتانية قبائل همدان. والشم جمع الأشم وهو السيد ذو الانفة. والمطاعين جمع المطعان وهو كثير الطعن.

وقال الجوهري: القناة الردينية والرمح الرديني زعموا أنه منسوب إلى امرأة السمهري تسمى ردينة وكانا يقومان القنا بخط هجر. والعضب: السيف القاطع. والشرب بالفتح جمع شارب. والمدام: الخمر. والسمام بالكسر جمع سم وفرس كهام أي بطئ.

قوله عليه السلام: " لمن راية حمراء " أقول في الديوان هكذا:

لنا الراية السوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما فيوردها في الصف حتى يزيرها * حياض المنايا يقطر الموت والدماء تراه إذا ما كان يوم كريهة * أبى فيه إلا عزة وتكرما وأجمل صبرا حين يدعى إلى الوغا * إذا كان أصوات الرجال تغمغما وقد صبرت عك ولخم وحمير * لمذحج حتى أورثتها تندما ونادت جذام يا لمذحج ويحكم * جزى الله شرا أينا كان أظلما أما تتقون الله في حرماتنا * وما قرب الرحمن منا وعظما جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم * لدى الموت قدما ما أعز وأكرما ربيعة أعني إنهم أهل نجدة * وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما أذقنا ابن هند طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما وولى ينادي زبرقان بن ظالم * وذا كلع يدعو كريبا وأنعما وعمروا ونعمانا وبسرا ومالكا * وحوشب والداعي معاد وأظلما وكرز بن نبهان وابني محرق * وحرثا وقينيا عبيدا وسلما وخفقت الراية تخفق وتخفق [على زنة تضرب وتنصر]: اضطربت. " حتى يزيرها " أي يذهب بها إلى الزيارة. والكماة جمع الكمي وهو الشجاع المتكمي في سلاحه لأنه كمي نفسه أي سترها بالدرع والبيضة. والغمغمة: أصوات الابطال عند القتال. والكلام الذي لا يبين كالتغمغم. والعك واللخم بالخاء المعجمة وحمير كمنبر ومذحج بالذال المعجمة كمسجد وجذام بضم الجيم وإعجام الذال قبائل من اليمن. واللام في قوله: يا لمذحج للاستغاثة. والخميس:

الجيش. والعرمرم: الجيش الكثير. والزبرقان بكسر الزاي والراء: ابن بدر الفزاري.

وذو كلع: بفتح الكاف واللام. وكريب: مصغر كرب ابن صباح الحميري. وعمرو:

ابن العاص. ونعمان: ابن بشير القيسي. وبسر: ابن أرطأة. ومالك: ابن مسهر القضاعي. وحوشب: المكنى ذا الظليم. وكرز: بضم الكاف وتقديم المهملة. ونبهان بالنون ثم الباء الموحدة ابنا محرق بالحاء المهملة والراء المشددة. وحرث بالثاء المثلثة: ابن وداع الحميري. والقيني: مطاع بن مطلب. وعبيد الله: ابن عمر بن الخطاب. وسلم: أبو الأعور السلمي. كلهم أشقياء من أصحاب معاوية عليه وعليهم اللعنة وأنعم أي أجاب. ومعاو مرخم معاوية للشعر. وأظلم أي أتى بالظلم أو كان أشد ظلما أو كان مظلما ذا سواد وشقاوة.

وقتل ذو الكلاع بصفين وقتل كريب بيد أمير المؤمنين بعد أن قتل مترقع بن وضاح الخولاني وشرحبيل بن طارق وحرب بن الجلاج وعباد بن مسروق مبارزة. وقتل مالك بسيف حجر بن عدي وحوشب بسيف سليمان بن صرد الخزاعي وحرث ومطاع بسيفه عليه السلام وعبيد الله بسيف عبد الله بن سوار أو حريث بن خالد أو هانئ بن خطاب أو هانئ بن عمر أو محرز بن صحصح.

وقال الجوهري: وقولهم: جاؤوا ومن لف لفهم أي ومن عد فيهم وتأشب إليهم.

430 - أقول: ثم قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين بعدما ذكر قتل عمار وهاشم بن عتبة رضي الله عنهما كما سيأتي في الباب الآتي:

وبعث علي عليه السلام خيلا ليحبسوا عن معاوية مادته فبعث معاوية الضحاك بن قيس الفهري في خيل إلى تلك الخيل فأزالوها وجاءت عيون علي عليه السلام فأخبرته بما قد كان فقال عليه السلام لأصحابه: فما ترون فيما ها هنا؟ فاختلفوا فقال عليه السلام فاغدوا إلى القتال فأمرهم غدوة بالقتال فانهزم أهل الشام وانهزم عتبة بن أبي سفيان حتى أتى الشام.

431 - وعن عمر بن سعد عن سليمان الأعمش عن إبراهيم الهجري عن القعقاع بن الأبرد قال: والله إني لواقف قريبا من علي عليه السلام بصفين يوم وقعة الخميس وقد التقت مذحج وكانوا في ميمنة علي وعك وجذام ولخم والأشعريون وكانوا مستبصرين في قتال علي عليه السلام فلقد سمعت من قتالهم صوتا ليست أصوات هد الجبال ولا الصواعق بأعظم هولا في الصدور من ذلك الصوت وعلي عليه السلام يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله المستعان الله ثم نهض حين قام قائم الظهيرة وهو يقول: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " فلا والله ما حجز بيننا وبينهم إلا الله رب العالمين في قريب من ثلث الليل وقتلت يومئذ أعلام العرب وكان في رأس علي عليه السلام ثلث ضربات وفي وجهه ضربتان.

قال: وكتب معاوية كتابين أحدهما إلى أبي أيوب الأنصاري وكتب فيه:

" لا تنسى شيباء أبا عذرتها ولا قاتل بكرها " فلم يدر أبو أيوب ما هو فأتى به عليا عليه السلام وقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام إن معاوية كتب إلي بكتاب لا أدرى ما هو؟ فقال عليه السلام: هذا مثل ضربه لك يقول: ما أنسى الذي لا تنسى الشيباء [هي] لا تنسى أبا عذرتها الشيباء المرأة البكر ليلة افتضاضها لا تنسى بعلها الذي افترعها أبدا ولا تنسى قاتل بكرها وهو أول ولدها كذلك لا أنسى أنا قتلة عثمان.

وكتب الآخر إلى زياد بن سمية وكان عاملا لعلي على بعض فارس فكتب إليه يتهدده ويوعده فقال زياد: ويلي على ابن آكلة الأكباد، وكهف المنافقين وبقية الأحزاب يتهددني ويوعدني وبيني وبينه ابن عم محمد صلى الله عليه وآله

معه سبعون ألف طوائع سيوفهم عند أذقانهم ولا يلتفت أحد منهم وراءه حتى يموت أما والله لو خلص الامر إلي ليجدني أحمر ضرابا بالسيف.

والأحمر يعني أنه مولى فلما ادعاه معاوية صار عربيا [منافيا].

وكتب معاوية في أسفل كتاب أبي أيوب أبياتا.

فأجابه أبو أيوب بأبيات ردها عليه [وكان نص كتابه في جواب معاوية:] [أما بعد فإنك كتبت إلي]: " لا تنسي الشيباء ثكل ولدها ولا أبا عذرتها " فضربتها مثلا بقتل عثمان وما نحن وقتل عثمان؟ إن الذي تربص بعثمان وثبط يزيد بن أسد وأهل الشام في نصرته لانت، وإن الذين قتلوه لغير الأنصار.

فلما أتى معاوية بكتاب أبي أيوب كسره.

432 - وعن عمر بن سعد عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي قال: شهدت مع علي عليه السلام بصفين فاقتتلنا ثلاثة أيام وثلاثة ليال حتى تكسرت الرماح ونفدت السهام ثم صارت إلى المسائفة فاجتلدنا بها إلى نصف الليل حتى صرنا في أهل الشام في اليوم الثالث وعانق بعضنا بعضا ولقد قاتلنا بجميع السلاح فلم يبق شئ من السلاح إلا قاتلنا به حتى تحاثينا بالتراب وتكاد منا حتى صرنا قياما ينظر بعضنا إلى بعض ما يستطيع واحد من

الفريقين ينهض إلى صاحبه ولا يقاتل فلما كان نصف الليل انحاز معاوية وخيله من الصف من الليلة الثالثة وغلب علي عليه السلام على القتلى تلك الليلة وأقبل علي عليه السلام على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فدفنهم وقتل شمر بن أبرهة وقتل جماعة كثيرة من أصحاب علي عليه السلام يومئذ.

433 - وعن ابن أبي شقيق أن عبد الله بن جعفر ذا الجناحين كان يحمل على الخيل بصفين إذ جاء رجل من خزيمة فقال: هل من فرس؟ قال: نعم خذ أي الخيل شئت فلما ولى قال ابن جعفر إن يصيب أفضل الخيل يقتل. قال: فما عتم أن أخذ أفضل الخيل فركبه وحمل على الذي دعاه إلى البراز فقتله [الشامي] وحمل غلامان من الأنصار جميعا أخوان حتى انتهيا إلى سرادق معاوية فقتلا عنده وأقبلت الكتائب بعضها نحو بعض فاقتتلت قياما على الركب لا يسمع السامعون إلا وقع السيوف على البيض والدروع.

قال وجاء عدي بن حاتم يلتمس عليا ما يطأ إلا على إنسان ميت أو قدم أو ساعد فوجده تحت رايات بكر بن وائل فقال: يا أمير المؤمنين ألا نقوم حتى نموت؟ فقال علي عليه السلام: ادنه. فدنا حتى وضع أذنه عند أنفه فقال: ويحك إن عامة من معي يعصيني وإن معاوية فيمن يطيعه ولا يعصيه.

قال: وكتب إلى معاوية: أما بعد فإنك قد ذقت ضراء الحرب وأذقتها وإني عارض عليكم ما عرض المخارق على بني فالج:

أيا راكبا إما عرضت فبلغا * بني فالج حيث استقر قرارها هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم * بلاقع أرض طار عنها غبارها سليم بن منصور أناس بحرة * وأرضهم أرض كثير وبارها فأجابه معاوية: من معاوية إلى علي أما بعد عافانا الله وإياك فإني إنما قاتلت على دم عثمان وكرهت التدهين في أمره وإسلام حقه فإن أدرك به فبها وإلا فإن الموت على الحق أجمل من الحياة على الضيم ثم تمثل ببعض الأبيات.

قال: وأرسل علي عليه السلام إلى معاوية أن أبرز لي واعف الفريقين من القتال فأينا قتل صاحبه كان الامر له. قال عمرو: لقد أنصفك الرجل فقال معاوية: إني لاكره أن أبارز الأهوج الشجاع لعلك طمعت فيها يا عمرو؟

[و] قال علي عليه السلام: وا نفساه أيطاع معاوية وأعصى؟ ما قاتلت أمة قط أهل بيت نبيها وهي مقر بنبيها إلا هذه الأمة.

ثم إن عليا عليه السلام أمر الناس أن يحملوا على أهل الشام فحملت خيل علي عليه السلام على صفوف أهل الشام فقوضت صفوفهم فقال عمرو يومئذ: على من هذا الرهج؟ فقيل على ابنيك عبد الله ومحمد فقال عمرو: يا وردان قدم لواءك فتقدم فأرسل إليه معاوية إنه ليس على ابنيك بأس فلا تنقض الصف والزم موقفك فقال عمرو: هيهات الليث يحمي شبليه * ما خيره بعد أبيه ثم قال: إنك لم تلدهما إني أنا ولدتهما.

فأرسل علي عليه السلام إلى أهل الكوفة وأهل البصرة أن احملوا فحمل الناس من كل جانب فاقتتلوا قتالا شديدا فخرج رجل من أهل الشام فقال:

من يبارز؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي عليه السلام فاقتتلا ساعة ثم إن العراقي ضرب رجل الشامي فقطعها فقاتل ساعة ثم ضرب يده فقطعها فرمى الشامي بسيفه بيده اليسرى إلى أهل الشام ثم قال: يا أهل الشام دونكم سيفي هذا فاستعينوا به على عدوكم فأخذوه فاشترى معاوية ذلك السيف من أولياء المقتول بعشرة آلاف.

434 - قال نصر: وحدثني رجل عن مالك الجهئي عن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام مر على جماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فأخبروه بذلك فوقف في ناس من أصحابه فقال: انهدوا إليهم وعليكم بالسكينة وسيماء الصالحين ووقار الاسلام والله لأقرب قوم من الجهل بالله عز وجل قوم قائدهم ومؤدبهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الحرام والمجلود حدا في الاسلام وهم أولى يقومون فيقصبوني ويشتموني وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعوني إلى عبادة الأصنام فالحمد لله ولا إله إلا الله وقديما ما عاداني الفاسقوني.

إن هذا هو الخطب الجليل أن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين وعلى الاسلام وأهله متخوفين أصبحوا وقد خدعوا شطر هذه الأمة فأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان وقد نصبوا لنا الحرب وجدوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.

اللهم فإنهم قد ردوا الحق فافضض جمعهم وشتت كلمتهم وابسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت.

435 - وعن نمير بن وعلة عن عامر الشعبي أن علي بن أبي طالب عليه السلام مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض الناس على قتالهم وذكر أنهم غسان فقال:

إن هؤلاء القوم لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم وضرب يفلق الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والأكف حتى تصدع جباههم وتنشر حواجبهم على الصدور والأذقان أين أهل الصبر وطلاب الخير؟ أين من يشري وجهه لله عز وجل؟

فثابت إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال له: امش نحو هذه الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك يدك حتى يأتيك أمري ورأيي ففعل وأعد علي مثلهم فلما دنى منهم محمد وأشرع الرماح في صدورهم أمر علي الذين أعد فشدوا عليهم ونهض محمد

في وجوههم فزالوا عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا واقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا فما صلى كثير من الناس إلا إيماء.

436 - وعن شيخ من حضرموت قال: كان منا رجل يدعى هانئ بن نمر، فخرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد فقال: سبحان الله ما يمنعكم أن يخرج رجل منكم إلى هذا فلولا أني موعوك وإني أجد لذلك ضعفا لخرجت إليه فما رد عليه رجل من أصحابه شيئا فوثب فقال أصحابه:

سبحان الله تخرج إليه وأنت موعوك؟ قال: والله لأخرجن إليه ولو قتلني فلما رآه عرفه وإذا الرجل من قومه يقال له معمر بن أسيد الحضرمي وبينهما قرابة من قبل النساء فقال له: يا هانئ ارجع إنه ان يخرج إلي غيرك أحب إلي إني لست أريد قتلك قال له هانئ: ما خرجت إلا وأنا موطن نفسي على القتل ما أبالي أنت قتلتني أو غيرك ثم مشى نحوه فقال: اللهم في سبيلك وسبيل رسولك ونصرا لابن عم نبيك ثم اختلفا ضربتين فقتل هانئ صاحبه وشد أصحابه ونحوه وشد أصحاب هانئ نحوهم ثم اقتتلوا وانفرجوا عن اثنين وثلاثين قتيلا.

ثم إن عليا عليه السلام أرسل إلى الناس أن احملوا فحمل الناس على راياتهم كل قوم بحيالهم فتجالدوا بالسيوف وعمد الحديد لا يسمع إلا أصوات الحديد ومرت الصلوات كلها ولم يصلوا إلا تكبيرا عند مواقيت الصلوات حتى تفانوا ورق الناس.

فخرج رجل بين الصفين فقال: أخرج فيكم المحلقون؟ قلنا: لا قال:

إنهم سيخرجون ألسنتهم أحلا من العسل وقلوبهم أمر من الصبر لهم حمة كحمة الحيات ثم غاب الرجل فلم يعلم من هو.

437 - وعن محمد بن إسحاق عن عبد الله ابن أبي يحيى عن عبد الرحمن بن حاطب قال: خرجت ألتمس أخي في القتلى بصفين سويدا فإذا رجل قد أخذ بثوبي صريع في القتلى فالتفت فإذا بعبد الرحمن بن كلدة فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون هل لك في الماء؟ قال: لا حاجة لي في الماء قد أنفذ في السلاح وخرقني ولست أقدر على الشرب هل أنت مبلغ عني أمير المؤمنين عليه السلام رسالة؟ قلت: نعم. قال: إذا رأيته فاقرأه مني السلام وقل يا أمير المؤمنين احمل جرحاك إلى عسكرك حتى تجعلهم من وراء القتلى فإن الغلبة لمن فعل ذلك ثم لم أبرح حتى مات فخرجت حتى أتيت عليا عليه السلام فقلت له إن عبد الرحمن بن كلدة يقرأ عليك السلام قال: وعليه أين هو؟ قلت: قد والله يا أمير المؤمنين أنفذه السلاح وخرقه فلم أبرح حتى توفي فاسترجع قلت: قد أرسلني إليك برسالة [قال: فما هي؟] فلما أبلغته الرسالة قال: صدق والذي نفسي بيده. فنادى منادي العسكر أن احملوا جرحاكم إلى عسكركم ففعلوا.

فلما أصبح نظر أهل الشام وقد ملوا من الحرب وأصبح علي قد رحل الناس وهو يريد أن ينزل على أهل الشام في عسكرهم فقال معاوية: فأخذت معرفة فرسي ووضعت رجلي في الركاب حتى ذكرت أبيات ابن الاطنابة:

أبت لي عفتي وأبي بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح إلى آخر الأبيات فعدت إلى مقعدي فأصبت خير الدنيا.

وكان علي عليه السلام إذا أراد القتال هلل وكبر ثم قال:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.