بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۸۱–۱۱۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۲۱
" إن هؤلاء " أي طلحة والزبير وعائشة " قد تمالؤا " أي تساعدوا واجتمعوا أو تعاونوا. والفيالة: الضعف أي إن بقوا على ضعف رأيهم قطعوا نظام المسلمين. والفئ: الرجوع.
قوله: " فأرادوا رد الأمور " أي أرادوا انتزاع الامر منه (عليه السلام) كما انتزع أولا. " والنعش ": الرفع. والضميران في " حقه وسنته " راجعان إلى الرسول.
54 - نهج البلاغة: ومن كلامه عليه السلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه
(عليه السلام): فقدموا على عمالي وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي وعلى أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي فشتتوا كلمتهم وأفسدوا علي جماعتهم ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة عضوا على أسيافهم فضاربوا حتى لقوا الله صادقين.
توضيح: شتته: فرقه. وقال [ابن الأثير] في النهاية: أصل العض:
اللزوم يقال: " عض عليه عضا وعضيضا " إذا لزمه انتهى أي طائفة من الشيعة لزموا سيوفهم ويروى " طائفة " بالنصب أي وقتلوا طائفة شأنهم ذلك.
55 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) كلم به بعض العرب وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب (عليه السلام) منها يعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبين له (عليه السلام) من أمره معهم ما علم به أنه على الحق ثم قال له : بايع. فقال: إني رسول قوم ولا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم فقال (عليه السلام): أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلأ والماء فخالفوك إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء. فقال له (عليه السلام): فامدد إذا يدك.
فقال الرجل: فوالله ما استطعت؟ أن أمتنع عند قيام الحجة علي فبايعته عليه السلام.
والرجل يعرف بكليب الجرمي.
بيان: المجادب: محال الجدب 56 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له [عليه السلام] إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار وسنام العرب أما بعد فإني أخبركم في أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه، إن الناس طعنوا عليه فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عتابه وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف وأرفق حدائهما العنيف!!! وكان من عائشة فيه فلتة غضب فأتيح له قوم قتلوه وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوكم " إنشاء الله.
57 - ومن كتاب له [عليه السلام] إليهم بعد فتح البصرة:
وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته فقد سمعتم وأطعتم ودعيتم فأجبتم.
بيان أكثر استعتابه: أي أكثر طلب العتبى منه والرجوع إلى ما يرضى به القوم منه. وأقل عتابه أي لائمته على وجه الاذلال والمؤاخذة إما لعدم النفع أو للمصلحة. والوجيف: السير السريع. قوله (عليه السلام) " فلتة غضب " أي فجاءة غضب والحاصل إن هؤلاء الثلاثة كانوا أشد الناس عليه. " فأتيح له " أي قدر وهئ. وجاشت: غلت. والمرجل: القدر من النحاس. و " دار الهجرة ": المدينة والغرض إعلامهم باضطراب حال المدينة وأهلها حين علموا بمسير القوم إلى البصرة للفتنة.
أقول: قال ابن ميثم رحمه الله: كتب [عليه السلام] كتاب الأول حين نزل بماء العذيب متوجها إلى البصرة وبعثه مع الحسن (عليه السلام) وعمار بن ياسر.
58 - 61 - وقال ابن أبي الحديد في الشرح: روى محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمان بن يسار القرشي قال: لما نزل علي عليه السلام الربذة متوجها إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر وكتب إليهم هذا الكتاب يعني الكتاب الأول.
وزاد في آخره: فحسبي بكم إخوانا وللدين أنصارا فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله لعلكم تفلحون.
وروى أبو محنف قال: حدثني الصقعب قال: سمعت عبد الله بن جنادة يحدث أن عليا (عليه السلام) لما نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى أبي موسى الأشعري وهو الأمير يومئذ على الكوفة لينفر إليه الناس وكتب إليه معه:
من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فإني بعثت إليك هاشم بن عتبة لتشخص إلي من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي وقتلوا شيعتي وأحدثوا في الاسلام هذا الحدث العظيم فأشخص بالناس إلي معه حين يقدم عليك فإني لم أو لك المصر الذي أنت به ولم أقرك عليه إلا لتكون من أعواني على الحق وأنصاري على هذا الامر والسلام.
وروى محمد بن إسحاق أنه لما قدم محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفة استنفرا الناس فمنعهم أبو موسى فلحقا بعلي (عليه السلام) فأخبراه بالخبر.
وروى أبو مخنف أن هاشم بن عتبة لما قدم الكوفة دعا أبا موسى فقال:
اتبع ما كتب به إليك فأبى ذلك فبعث إلى هاشم يتوعده فكتب إلى علي بامتناعه وأنه شاق بعيد الود ظاهر الغل والشنآن وأنه هدده بالسجن والقتل!!
فلما ورد كتابه على أمير المؤمنين عليه السلام [وقد] أتاه به المحل بن خليفة فسلم عليه ثم قال: الحمد لله الذي أدى الحق إلى أهله ووضعه موضعه فكره ذلك قوم وقد والله كرهوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله ثم بارزوه وجاهدوه فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم والله يا أمير المؤمنين لنجاهدنهم معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته إذ صاروا أعداء لهم بعده.
فرحب به علي (عليه السلام) وقال له: خيرا ثم أجلسه إلى جانبه وقرأ كتاب هاشم وسأله عن الناس وعن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين ما أثق به ولا آمنه على خلافك إن وجد من يساعده على ذلك.
فقال علي (عليه السلام): والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح ولقد أردت عزله فأتاني الأشتر فسألني أن أقره وذكر أن أهل الكوفة به راضون فأقررته.
وروى أبو مخنف قال: وبعث علي (عليه السلام) من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى وكتب معهما:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد يا ابن الحائك
يا عاض أير أبيه فوالله إن كنت لأرى أن بعدك من هذا الامر الذي لم يجعلك الله له أهلا ولا جعل لك فيه نصيبا سيمنعك من رد أمري والافتراء علي وقد بعثت إليك ابن عباس وابن أبي بكر فخلهما والمصر وأهله واعتزل عملنا مذؤما مدحورا فإن فعلت وإلا فإني قد أمرتهما أن ينابذاك على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين فإذا ظهرا عليك قطعاك إربا إربا والسلام على من شكر النعمة ووفا بالبيعة وعمل برجاء العافية.
قال أبو مخنف: فلما أبطأ ابن عباس وابن أبي بكر عن علي (عليه السلام) ولم يدر ما صنعا رحل عن الربذة إلى ذي قار فنزلها قال فلما نزل ذا قار بعث إلى الكوفة الحسن ابنه عليه السلام وعمار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد بن عبادة ومعهم كتاب إلى أهل الكوفة فأقبلوا حتى كانوا بالقادسية فتلقاهم الناس فلما دخلوا الكوفة قرأوا كتاب علي (عليه السلام) وهو:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين أما بعد فإني خرجت مخرجي هذا إما ظالما وإما مظلوما وإما باغيا وإما مبغيا علي فأنشد الله رجلا بلغه كتابي هذا إلا نفر إلي فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما استعتبني والسلام.
قال: فلما دخل الحسن (عليه السلام) وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستقر [فاستنفر " خ ل "] الناس فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال:
أيها الناس إنا جئنا [كم] ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله وإلى أفقه من تفقه من المسلمين وأعدل من تعدلون وأفضل من تفضلون وأوفى من
تبايعون من لم يعيه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة إلى من قربه الله إلى رسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مآثرة إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون فقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم مجمحون وصدقه وهم مكذبون إلى من لم ترد له راية ولا تكافئ له سابقة وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويسألكم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به من الصالحون.
قال أبو مخنف: وحدثني جابر بن يزيد عن تميم بن حذيم قال: قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام وعمار بن ياسر يستنفران الناس إلى علي (عليه السلام) ومعهما كتابه فلما فرغا من كتابه قام الحسن - وهو فتى حدث والله إني لأرثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون:
اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا. - فوضع يده على عمود يتساند إليه وكان عليلا من شكوى به فقال:
الحمد لله العزيز الجبار الواحد القهار الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أمتن علينا بنبوته واختصه برسالته وأنزل عليه وحيه واصطفاه على جميع خلقه وأرسله إلى الإنس والجن حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان وجحد الرحمان فصلى الله عليه وآله وجزاه أفضل ما جزى المرسلين.
أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرشد الله أمره وأعز نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب وإلى العمل
بالكتاب والجهاد في سبيل الله وإن كان في عاجل ذاك ما تكرهون فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله.
وقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ثم شهد مع رسول الله جميع مشاهده وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الاسلام ما قد بلغكم ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) راضيا عنه حتى غمضه بيده وغسله وحده والملائكة أعوانه والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ثم أدخله حفرته وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من من الله عليه ثم والله ما دعاهم إلى نفسه ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها فبايعوه طائعين ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه فعليكم عابد الله بتقوى الله والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين.
عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته وألهمنا وإياكم تقواه وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه واستغفر الله العظيم لي ولكم.
ثم مضى إلى الرحبة فهيأ منزلا لأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام).
قال جابر فقلت لتميم: كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه؟ فقال: وما سقط عني من قوله أكثر ولقد حفظت بعض ما سمعت.
قال أبو مخنف: ولما فرغ الحسن (عليه السلام) من خطبته قام عمار وخطب الناس واستنفرهم فلما سمع أبو موسى خطبتهما صعد المنبر وقال:
الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد فجمعنا بعد الفرقة وجعلنا إخوانا متحابين بعد العداوة وحرم علينا دماءنا وأموالنا قال الله سبحانه: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وقال تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) * فاتقوا الله عباد الله وضعوا أسلحتكم وكفوا عن قتال إخوانكم.
إلى آخر خطبته الملعونة التي تركها أولى من ذكرها وتنادى بكفر صاحبها ونفاقه.
قال: فلما أتت الاخبار عليا باختلاف الناس بالكوفة بعث الأشتر إليها فأخرجه منها صاغرا.
قال أبو مخنف: ولما نزل علي (عليه السلام) ذا قار كتبت عائشة إلى حفصة أما بعد فإني أخبرك أن عليا قد نزل ذا قار وأقام بها مرعوبا خائفا لما بلغه من عدتنا وجماعتنا فهو بمنزلة الأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر.
فدعت حفصة جواري لها يتغنين ويضربن بالدفوف فأمرتهن أن يقلن في غنائهن: ما الخبر ما الخبر؟ علي في السفر كالفرس الأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر.
وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء.
فبلغ أم كلثوم بنت علي (عليه السلام) ذلك فلبست جلابيبها ودخلت عليهن في نسوة متنكرات ثم أسفرت عن وجهها فلما عرفتها حفصة خجلت واسترجعت فقالت أم كلثوم: لئن تظاهرتما عليه اليوم لقد تظاهرتما على أخيه من قبل فأنزل الله فيكما ما أنزل فقالت حفصة: كفي رحمك الله وأمرت
بالكتاب فمزق واستغفرت الله.
فقال سهل بن حنيف في ذلك:
عذرنا الرجال بحرب الرجال * فما للنساء وما للسباب أما حسبنا ما أتينا به * لك الخير من هتك ذاك الحجاب ومخرجها اليوم من بيتها * يعرفها الذنب نبح الكلاب إلى أن أتاها كتاب لها * مشوم فيا قبح ذاك الكتاب أقول الأير: الذكر. و [قال ابن الأثير] في النهاية: [وفيه] " من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " أي فقولوا له: اعضض بأير أبيك ولا تكنوا بالأير عن الهن تنكيرا له وتأديبا.
و [أيضا قال في مادة أير:] في حديث علي (عليه السلام): " من يطل أير أبيه ينتطق به " هذا مثل ضربه أي من كثرت إخوته اشتد ظهره بهم انتهى.
ولعل المعنى هنا أخذه بسنة أبيه الكافر ولزومه بجهله وعصبيته ومعائبه أو قلة أعوانه وأنصاره ودنائته.
62 - وذكر المفيد قدس سره في [كتاب] الكافية قصة حفصة بسندين آخرين نحوا مما مر.
63 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة: رووا أنه (عليه السلام) لما بلغه وهو بالربذة خبر طلحة والزبير وقتلهما حكيم بن جبلة ورجالا من الشيعة وضربهما عثمان بن حنيف وقتلهما السبابجة قام على الغرائر فقال: إنه أتاني خبر متفظع ونبأ جليل أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضربا مبرحا وترك لا يدري أحيي هو أم ميت وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في عدة من رجال المسلمين الصالحين لقوا الله موفون ببيعتهم ماضين على حقهم، وقتلا السبابجة خزان بيت المال الذي للمسلمين قتلوهم [طائفة منهم] صبرا وقتلوا [طائفة منهم] غدرا.
فبكى الناس بكاءا شديدا ورفع أمير المؤمنين (عليه السلام) يديه يدعو ويقول: اللهم أجز طلحة والزبير جزاء الظالم الفاجر والخفور الغادر.
64 - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام) في ذكر أصحاب الجمل:
فخرجوا يجرون حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تجر الأمة عند شرائها متوجهين بها إلى البصرة فحبسا نساءهما في بيوتهما وأبرزا حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما ولغيرهما في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها فقتلوا طائفة صبرا وطائفة غدرا. فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله بلا جرم جره لحل لي قتل ذلك الجيش كله إذ حضروه فلم ينكروه ولم يدفعوا بلسان ولا بيد دع ما انهم
قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم.
بيان: الحرمة: ما يحرم انتهاكه والمراد بها هنا الزوجة كالحبيس، والضمير في " حبسا " راجع إلى طلحة والزبير [و] قوله (عليه السلام): " صبرا " أي بعد الأسر. [و] " غدرا " أي بعد الأمان. قوله (عليه السلام: " جره " أي جذبه أو من الجريرة قال في القاموس: الجر: الجذب. والجريرة: الذنب جر على نفسه وغيره جريرة يجرها بالضم والفتح جرا.
قال ابن ميثم فإن قلت المفهوم من هذا الكلام تعليل جواز قتله (عليه السلام) لذلك الجيش بعدم إنكارهم للمنكر فهل يجوز قتل من لم ينكر المنكر؟
قلت أجاب ابن أبي الحديد عنه فقال: يجوز قتلهم لأنهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا كمن يعتقد إباحة الزنا وشرب الخمر.
وأجاب الراوندي (رحمه الله) بأن " جواز " قتلهم لدخولهم في عموم قوله تعالى: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا) * الآية وهؤلاء قد حاربوا رسول الله لقوله (صلى الله عليه وآله): يا علي حربك حربي. وسعوا في الأرض بالفساد.
واعترض المجيب الأول عليه فقال: الاشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر والتعليل بعموم الآية لا ينفعه.
وأقول: الجواب الثاني أسد، و [الجواب] الأول ضعيف لان القتل وإن وجب على من اعتقد إباحة ما علم من الدين ضرورة لكن هؤلاء كان جميع ما فعلوه من القتل والخروج بالتأويل وإن كان معلوم الفساد فظهر الفرق بين اعتقاد حل الخمر والزنا وبين اعتقاد هؤلاء إباحة ما فعلوه.
وأما الاعتراض على الجواب الثاني فضعيف أيضا لان له أن يقول: إن قتل المسلم إذا صدر عن بعض الجيش ولم ينكر الباقون مع تمكنهم وحضورهم كان ذلك قرينة على الرضا من جميعهم والراضي بالقتل شريك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته والاتحاد به لاتحاد بعض الجيش ببعض وكان خروج ذلك الجيش على الامام محاربة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وسعيا في الأرض بالفساد وذلك عين مقتضى الآية انتهى ملخص كلامه.
ويمكن أن يجاب عن اعتراضه على الجواب بأن هؤلاء كانوا مدعين لشبهة لم تكن شبهة محتملة لأنهم خرجوا على الامام بعد البيعة طائعين غير مكرهين كما ذكره (عليه السلام) مع أن الاحتمال كاف له فتأمل.
ويمكن الجواب عن أصل السؤال بأن التعليل ليس بعدم إنكار المنكر مطلقا بل بعدم إنكار هؤلاء لهذا المنكر الخاص أي قتل واحد من المسلمين المعاونين للإمام (عليه السلام) بالخروج عليه وربما يشعر بذلك قوله (عليه السلام): لحل لي قتل ذلك الجيش.
ويمكن حمل كلام الراوندي على ذلك. وأما ما ذكره أخيرا من جواز قتل الراضي بالقتل فإن أراد الحكم كليا فلا يخفى إشكاله وإن أراد في هذه المادة الخاصة فصحيح.
ويرد على جواب ابن أبي الحديد مثل ما أورده هو على الراوندي رحمه الله بأن الاشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر لا في استحلال القتل ولو قدر في كلامه (عليه السلام) كان يقول: " المراد إذ حضروه مستحلين فلم ينكروا ". لأمكن للراوندي أن يقول: إذ حضروه محاربين.
ولو أجاب بأن الحضور مع عدم الانكار هو الاستحلال فبطلانه ظاهر مع أن للراوندي رحمه الله أن يقول: الحضور في جيش قد قتل بعضهم أحدا من أتباع الامام من حيث إنه من شيعته مع عدم الانكار والدفع محاربة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ولا ريب أنه كذلك.
65 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام في معنى طلحة بن عبيد الله:
قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر. والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لأنه [كان مظنته] ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الامر ويقع الشك.
ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه أو ينابذ ناصريه.
ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذرين فيه.
ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ويدع الناس معه فما فعل واحدة من الثلاث وجاء بأمر لم يعرف بابه ولم يسلم معاذيره.
بيان قوله (عليه السلام): " قد كنت " قال ابن أبي الحديد: " كان " ها هنا تامة والواو للحال أي خلقت ووجدت بهذه الصفة ويجوز أن يكون الواو زائدة وكان ناقصة وخبرها " ما أهدد ". " وتجرد في الأرض " أي جد فيه.
ذكره الجوهري.
وقال [ابن الأثير] في [مادة جلب من كتاب] النهاية وفي حديث علي (عليه السلام) " أراد أن يغالط بما أجلب فيه " يقال: اجلبوا عليه إذا تجمعوا وتألبوا. وأجلبه أي أعانه وأجلب عليه إذا صاحبه واستحثه.
وقال الجوهري: لبست عليه الامر ألبس: خلطت. وقال: أعذر أي صار
ذا عذر. وفي النهاية: " فما نهنهها شئ دون العرش " أي ما منعها وكفها عن الوصول إليه. والركود: السكون والثبات.
66 - نهج البلاغة: وقال (عليه السلام) لانس بن مالك وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئا مما سمعه من رسول الله في معناهما فلوى عن ذلك فرجع إليه فقال: إني أنسيت ذلك الامر فقال (عليه السلام) له: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة يعني البرص.
فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يرى إلا متبرقعا 67 - الإحتجاج: احتجاجه عليه السلام على الناكثين في خطبة خطبها حين نكثوها فقال:
إن الله ذو الجلال والاكرام لما خلق الخلق واختار خيرة من خلقه واصطفى صفوة من عباده وأرسل رسولا منهم وأنزل عليه كتابه وشرع له دينه وفرض فرائضه فكانت الجملة قول الله جل ذكره حيث أمر فقال: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * فهو لنا أهل البيت خاصة دون غيرنا فانقلبتم على أعقابكم وارتددتم ونقضتم الامر ونكثتم العهد ولم تضروا الله شيئا وقد أمركم الله أن تردوا الامر إلى الله وإلى رسوله وإلى أولي الامر منكم المستنبطين للعلم فأقررتم ثم جحدتم وقد قال الله لكم: * (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) *.
إن أهل الكتاب والحكمة والايمان وآل إبراهيم بينه الله لهم فحسدوه وأنزل الله جل ذكره " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا " فنحن آل إبراهيم فقد حسدنا كما حسد آباؤنا.
وأول من حسد آدم الذي خلقه الله عز وجل بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه الأسماء واصطفاه على العالمين فحسده الشيطان فكان من الغاوين.
ثم حسد قابيل هابيل فقتله فكان من الخاسرين.
ونوح (عليه السلام) حسده قومه فقالوا: " ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ".
ولله الخيرة يختار من [ما " خ "] يشاء ويختص برحمته من يشاء يؤتي الحكمة والعلم من يشاء.
ثم حسدوا نبينا (صلى الله عليه وآله) ألا ونحن أهل البيت الذين أذهب الله عنا الرجس ونحن المحسودون كما حسد آباؤنا قال الله عز وجل: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي " وقال: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ".
فنحن أولى الناس بإبراهيم ونحن ورثناه ونحن أولوا الأرحام الذين ورثنا الكعبة ونحن آل إبراهيم أفترغبون عن ملة إبراهيم؟ وقد قال الله تعالى:
* (فمن تبعني فإنه مني) *.
يا قوم أدعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه وإلى ولي أمره وإلى وصيه وإلى وارثه من بعده فاستجيبوا لنا واتبعوا آل إبراهيم واقتدوا بنا فإن ذلك لنا آل إبراهيم فرضا واجبا والأفئدة من الناس تهوي إلينا وذلك دعوة إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " فهل نقمتم منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل علينا؟! ولا تتفرقوا فتضلوا والله شهيد عليكم وقد أنذرتكم ودعوتكم وأرشدتكم ثم أنتم وما تختارونه.
68 - الإحتجاج: روى عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه قال: كنت قاعدا عند
علي عليه السلام حين دخل عليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما وقد قال: قد اعتمرتما. فأعادا عليه الكلام فأذن لهما ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. قلت: فلا تأذن لهما. فردهما ثم قال: والله ما تريدان العمرة وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما وإلا فرقة لأمتكما!!! فحلفا له فأذن لهما ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة. قلت: فلم أذنت لهما؟
قال: حلفا لي بالله. قال: فخرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها.
69 - الإرشاد، الإحتجاج: [وروي] عنه (عليه السلام) أنه قال عند توجههما إلى مكة للاجتماع مع عائشة في التأليب عليه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه:
أما بعد فإن الله عز وجل بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) للناس كافة وجعله رحمة للعالمين فصدع بما أمر به وبلغ رسالة ربه، فلم به الصدع ورتق به الفتق وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الإحن والعداوة والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب.
ثم قبضه الله إليه حميدا لم يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة ولا بلغ شيئا كان في التقصير عنه القصد وكان من بعده ما كان من التنازع في الامرة فتولى أبو بكر وبعده عمر ثم تولى عثمان فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم: بايعنا فقلت: لا أفعل قلتم: بلى فقلت: لا وقبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم فجذبتموها وحتى تداككتم علي كتداكك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض وبسطت يدي
فبايعتموني مختارين وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة والله يعلم أنهما أرادا الغدرة فجددت عليهما العهد في الطاعة وأن لا يبغيا الأمة الغوائل فعاهداني ثم لم يفيا لي ونكثا بيعتي ونقضا عهدي.
فعجبا لهما من انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين ولو شئت أن أقول لقلت اللهم اغضب عليهما بما صنعا وأظفرني بهما.
بيان اللم: الاصلاح والجمع. والإحن كعنب جمع إحنة بالكسر وهي الحقد. ويقال: في صدره علي وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ والمصدر بالتحريك. قوله (عليه السلام): " ولو شئت أن أقول لقلت " كناية أبلغ من الصريح في ذم الرجلين وكفرهما.
70 - الإحتجاج: وقال عليه السلام في أثناء كلام آخر: وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل [بيت] النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا ولا شهرا كاملا حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني. ثم دعا عليهما.
71 - أمالي الطوسي: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن عبيد الله بن إسحاق الضبي عن حمزة بن نصر عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي قال: لما رجعت رسل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من عند طلحة
والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله ثم قال:
يا أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كيما يرعووا ويرجعوا وقد وبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فليسوا يستجيبون ألا وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان واصبر للجلاد فإنما منتك نفسك من أنباء الأباطيل.
هبلتهم الهبول قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر وإني لعلى يقين من ربي وفي غير شبهة من أمري.
أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيص من لم يقتل يمت إن أفضل الموت القتل والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف لاهون علي من موت على فراش.
يا عجبي لطلحة ألب على ابن عفان حتى إذا قتل أعطاني صفقة يمينه طائعا ثم نكث بيعتي وطفق ينعى ابن عفان ظالما وجاء يطلبني يزعم بدمه.
والله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم حين حصره وألب عليه - إنه [كان] لينبغي أن يوازر قاتليه وأن ينابذ ناصريه، وإن كان في تلك الحال مظلوما إنه لينبغي أن يكون معه، وإن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي أن يعتزله ويلزم بيته ويدع الناس جانبا فما فعل من هذه الخصال واحدة وها هو ذا قد أعطاني صفقة يمينه غير مرة ثم نكث بيعته اللهم فخذه ولا تمهله.
ألا وإن الزبير قطع رحمي وقرابتي ونكث بيعتي ونصب لي الحرب وهو يعلم أنه ظالم لي اللهم فاكفنيه بم شئت.
72 - مجالس المفيد، أمالي الطوسي: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن إسماعيل بن أبان عن عمرو بن شمر قال: سمعت جابر بن يزيد الجعفي يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: حدثني أبي عن جدي قال:
لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة فلما ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له:
" قائد " فقربه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له عبد الله: الحمد لله الذي رد الحق إلى أهله ووضعه في موضعه كره ذلك قوم أم سروا به فقد والله كرهوا محمدا صلى الله عليه وآله ونابذوه وقاتلوه فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم والله لنجاهدن معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه إلى جنبه وكان له حبيبا ووليا وأخذ يسائله عن الناس إلى أن سأله عن أبي موسى الأشعري فقال:
والله ما أنا واثق به وما آمن عليك خلافه إن وجد مساعدا على ذلك!!.
فقال أمير المؤمنين: والله ما كان عندي مؤتمنا ولا ناصحا ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته وولوه وسلطوه بالامرة على الناس ولقد أردت عزله فسألني الأشتر فيه وأن أقره فأقررته على كره مني له وعملت على صرفه من بعد.
قال: فهو مع عبد الله في هذا ونحوه إذا أقبل سواد كثير من قبل جبال
طئ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنظروا ما هذا السواد؟ وقد ذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت فقيل: هذه طئ قد جاءتك تسوق الغنم والإبل والخيل فمنهم من جاءك بهداياه وكرامته ومنهم من يريد النفوذ معك إلى عدوك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزى الله طيا خيرا وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما فلما انتهوا إليه سلموا عليه.
قال عبد الله بن خليفة فسرني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيئتهم وتكلموا فأقروا والله لعيني ما رأيت خطيبا أبلغ من خطيبهم.
وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني كنت أسلمت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأديت الزكاة على عهده وقاتلت أهل الردة من بعده أردت بذلك ما عند الله وعلى الله ثواب من أحسن واتقى وقد بلغنا أن رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين فأتيناك لننصرك بالحق فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت ثم أنشأ يقول:
فنحن نصرنا الله من قبل ذاكم * وأنت بحق جئتنا فسننصر سنكفيك دون الناس طرا بنصرنا * وأنت به من سائر الناس أجدر فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزاكم الله من حي عن الاسلام وأهله خيرا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ونويتم نصر المسلمين.
وقام سعيد بن عبيد البختري من بني بختر فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من يقدر أن يعبر بلسانه عما في قلبه ومنهم من لا يقدر أن يبين ما يجده في نفسه بلسانه فإن تكلف ذلك شق عليه وإن سكت عما في قلبه برح به الهم والبرم وإني والله ما كل ما في نفسي أقدر أن أوديه إليك بلساني ولكن والله لأجهدن على أن أبين لك والله ولي التوفيق أما أنا فإني ناصح لك في السر والعلانية ومقاتل معك الأعداء في كل موطن وأرى لك من الحق ما لم أكن أراه لمن كان قبلك ولا لاحد اليوم من أهل زمانك لفضيلتك في الاسلام وقرابتك من الرسول ولن أفارقك أبدا حتى تظفر أو أموت بين يديك.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يرحمك الله فقد أدى لسانك ما يجد ضميرك لنا ونسأل الله أن يرزقك العافية ويثيبك الجنة.
وتكلم نفر منهم فما حفظت غير كلام هذين الرجلين.
ثم ارتحل أمير المؤمنين واتبعه منهم ستمائة رجل حتى نزل " ذا قار " فنزلها في ألف وثلاثمائة رجل.
73 - أمالي الطوسي: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن الفضل بن دكين عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال:
لما نزل علي بالربذة سألت عن قدومه إلينا؟ فقيل: خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة فخرج يريدهم. فصرت إليه فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام فجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى فقال له أمير المؤمنين: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية.
فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤوب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها فوالله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى تستخرجك منه.
ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت الأمة فذاك وأن اختلفت رضيت بما قسم الله وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق وأذكرك بالله لا تقتل بمضيعة!!!
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما قولك: إن عثمان حصر. فما ذاك وما علي منه وقد كنت بمعزل عن حصره.
وأما قولك: إئت مكة فوالله ما كنت لاكون الرجل الذي يستحل به مكة.
وأما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فوالله ما كنت لاكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا ولكن أباك يا بني يضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المخالف أبدا حتى يأتي علي يومي فوالله ما زال أبوك مدفوعا عن حقه مستأثرا عليه منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس هذا.
فكان طارق بن شهاب أي وقت حدث بهذا الحديث بكى..
74 - جاما المفيد عن الجعابي عن ابن عقدة عن أبي عوانة موسى بن يوسف عن عبد السلام بن عاصم عن إسحاق بن إسماعيل عن عمرو بن أبي قيس عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو قال: أخبرني رجل من بني تميم قال:
كنا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) بذي قار ونحن نرى أنا سنختطف في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقة ولنقتلن هذين الرجلين يعني طلحة والزبير ولنستبيحن عسكرهما.
قال التميمي: فأتيت إلى عبد الله بن العباس فقلت: أما ترى إلى ابن عمك وما يقول؟ فقال: لا تعجل حتى ننظر ما يكون [قال:] فلما كان من أمر البصرة ما كان اتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق. فقال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب محمد أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها إلى أحد غيره فلعل هذا مما عهد إليه.
75 - الخصال: فيما أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) اليهودي السائل عما فيه من خصال الأوصياء قال علي (عليه السلام): وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي وأنا ولي أمرها والوصي عليها فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال وأقبلوا بها تخبط الفيافي وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعند كل حال في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم طويلة لحاهم قليلة عقولهم عازبة آراؤهم وهم جيران بدو ووراد بحر فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم ويرمون بسهامهم بغير فهم فوقفت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم يرجع ولم يعقل [لم يرجعوا ولم يقلعوا " خ ل "] وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت فقدمت الحجة بالاعذار والانذار ودعوة المرأة إلى الرجوع إلي بيتها والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي والترك لنقضهم عهد الله عز وجل في وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه وناظرت بعضهم فرجع وذكرت فذكر ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك
فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا فلما أبوا إلا هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة وبهم الهزيمة ولهم الحسرة وفيهم الفناء والقتل وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أولا من الاغضاء والامساك ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الأطراف وسفك الدماء وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية فأصير إلى ما كرهت أولا وآخرا وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت وتأنيت وراجعت وأرسلت وسافرت [وشافهت " خ "] وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كل شئ التمسوه بعد أن عرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه فلما أبوا إلا تلك أقدمت عليها فبلغ الله بي وبهم ما أراد وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيدا.
76 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي عن فضالة عن أبان بن عثمان عن ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) * قال: نزلت في طلحة والزبير والجمل جملهم.
77 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم في قوله: " وضرب الله مثلا " ثم ضرب الله فيهما مثلا فقال: * (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) * قال: والله ما عنا بقوله:
بيان: المراد بفلان طلحة وهذا إن كان رواية فهي شاذة مخالفة لبعض الأصول، وإن كان قد يبدو من طلحة ما يدل على أنه كان في ضميره الخبيث مثل ذلك لكن وقوع أمثال ذلك بعيد عقلا ونقلا وعرفا وعادة وترك التعرض لأمثاله أولى.
78 - تفسير علي بن إبراهيم: قال أمير المؤمنين في كتابه الذي كتبه إلى شيعته ويذكر فيه خروج عائشة إلى البصرة وعظم خطأ طلحة والزبير فقال:
وأي خطيئة أعظم مما أتيا أخرجا زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيتها وكشفا عنها حجابا ستره الله عليها وصانا حلائلهما في بيوتهما ما أنصفا لا لله ولا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال مرجعها على الناس في كتاب الله البغي والمكر والنكث قال الله: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) * وقال: * (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) * وقال: * (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) * وقد بغيا علينا ونكثا بيعتي ومكرا بي.
79 - تفسير علي بن إبراهيم: لما أنزل الله * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) * وحرم الله نساء النبي على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا فأنزل الله * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) * إلى قوله * (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما) *.
80 - الخصال: سمعت شيخنا محمد بن الحسن رضي الله عنه يروي أن الصادق (عليه السلام) قال: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى أدرك فرخه فنفاه عن رأيه.
81 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد والحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عن محمد بن سنان رفعه قال: إن عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديدا العداوة لهذا الرجل حتى أبعثه إليه قال: فأتيت به فمثل بين يديها فرفعت إليه رأسها فقالت له: ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل؟ قال: فقال لها: كثيرا ما أتمنى على ربي أنه وأصحابه في وسطي فضربت ضربة بالسيف يسبق السيف الدم.
قالت فأنت له فاذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا رايته أو مقيما أما إنك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنهم طير صواف فتعطيه كتابي هذا وإن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر!! قال: فاستقبلته راكبا فناولته الكتاب ففص خاتمه ثم قرأه فقال: تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا وشرابنا ونكتب جواب كتابك. فقال: هذا والله ما لا يكون! قال: فساء خلقه فأحدق به أصحابه ثم قال له: أسألك قال:
نعم قال: وتجيبني؟ قال : نعم. قال: فنشدتك الله هل قالت: التمسوا لي رجلا شديدا عداوته لهذا الرجل فأتوها بك فقالت لك: ما بلغ من عداوتك هذا الرجل فقلت: كثيرا ما أتمنى على ربي أنه وأصحابه في وسطي وأني
ضربت ضربة بالسيف يسبق السيف الدم؟ قال: اللهم نعم. قال: فنشدتك الله أقالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنهم طير صواف؟ فقال: اللهم نعم. قال: فنشدتك بالله هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر؟ قال: اللهم نعم. قال: فمبلغ أنت عني؟
قال: اللهم نعم فإني قد أتيتك وما في الأرض خلق أبغض إلي منك وأنا الساعة ما في الأرض أحب إلي منك فمرني بما شئت قال: ارجع إليها [ب] كتابي هذا وقل لها: ما أطعت الله ولا رسوله حيث أمرك الله بلزوم بيتك فخرجت ترددين في العساكر وقل لهما: ما أطعتما الله ولا رسوله حيث خلفتم حلائلكم في بيوتكم وأخرجتم حليلة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال: فجاء بكتابه حتى طرحه إليها وأبلغها مقالته ثم رجع إليه فأصيب بصفين فقالت [عائشة]: ما نبعث إليه بأحد إلا أفسده علينا.
82 - الخرائج: علي بن النعمان ومحمد بن سنان مثله.
83 - مناقب ابن شهرآشوب: علي بن النعمان ومحمد بن يسار مثله.
بيان قوله: " فضربت... " على بناء المجهول وحاصله أنه تمنى أن يكونوا مشدودين على وسطه فيضرب ضربة على وسطه يكون فيها هلاكهم وهلاكه!!! وسبق السيف الدم كناية عن سرعة نفوذها وقوتها.
84 - الخرائج: روى عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
مر رسول الله يوما على علي والزبير قائم معه يكلمه فقال رسول الله (صلى الله
عليه وآله): ما تقول له فوالله لتكونن أول العرب تنكث بيعته!!!.
85 - الخرائج: روي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام ) قال: لما رجع الامر إليه أمر أبا الهيثم بن التيهان وعمار بن ياسر وعبيد الله بن [أبي] رافع فقال: اجمعوا الناس ثم انظروا ما في بيت مالهم واقسموا بينهم بالسوية فوجدوا نصيب كل واحد منهم ثلاثة دنانير فأمرهم يقعدون للناس ويعطونهم.
قال: وأخذ مكتله ومسحاته ثم انطلق إلى بئر الملك يعمل فيها فأخذ الناس ذلك القسم حتى بلغوا الزبير وطلحة وعبد الله بن عمر أمسكوا بأيديهم وقالوا: هذا منكم أو من صاحبكم؟ قالوا: بل هذا أمره لا نعمل إلا بأمره قالوا: فاستأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه إذن هو ذا ببئر الملك يعمل فركبوا دوابهم حتى جاؤوا إليه فوجدوه في الشمس ومعه أجير له يعينه فقالوا له: إن الشمس حارة فارتفع معنا إلى الظل [فارتفع] معهم إليه فقالوا له: لنا قرابة من نبي الله وسابقة وجهاد إنك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية كانوا يفضلوننا على غيرنا. فقال علي أيهما عندكم أفضل عمر أو أبو بكر؟ قالوا: أبو بكر. قال: فهذا قسم أبي بكر وإلا فدعوا أبا بكر وغيره وهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه. قالا: فسابقتنا؟ قال:
أنتما أسبق مني بسابقتي؟ قالوا: لا. قالا: قرابتنا بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال: [أهي] أقرب من قرابتي؟ قالوا: لا. قالوا: فجهادنا. قال: أعظم من جهادي؟ قالوا: لا. قال: فوالله ما أنا في هذا المال وأجيري هذا إلا بمنزلة سواء قالا: أفتأذن لنا في العمرة؟ قال: ما العمرة تريدان وإني لاعلم أمركم
وشأنكم فاذهبا حيث شئتما فلما وليا قال: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه.
86 - الإرشاد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قال بعد حمد الله والثناء عليه:
أما بعد فإن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) قلنا: نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأولياؤه وأحق الخلق به لا ننازع حقه وسلطانه فبينما نحن كذلك إذ نفر المنافقون وانتزعوا سلطان نبينا منا وولوه غيرنا فبكت والله لذلك العيون والقلوب منا جميعا معا وخشنت له الصدور وجزعت النفوس منا جزعا أرغم.
وأيم الله لولا مخافتي الفرقة بين المسلمين وأن يعود أكثرهم إلى الكفر ويعوز الدين لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا.
وقد بايعتموني الآن وبايعني هذان الرجلان طلحة والزبير على الطوع منهما
ومنكم والايثار ثم نهضا يريدان البصرة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم اللهم فخذهما لغشهما لهذه الأمة وسوء نظرهما للعامة.
ثم قال: انفروا رحمكم الله في طلب هذين الناكثين القاسطين الباغيين قبل أن يفوت تدارك ما جنياه.
أقول: قد أوردناه بسند متصل مع زيادة في باب شكايته [عليه السلام نقلا] عن [كتاب] مجالس المفيد.
87 - ورواه أيضا [المفيد] في [كتاب] الكافية عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عليهم السلام قال: كتبت أم الفضل بنت الحارث مع عطاء مولى ابن عباس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفير طلحة والزبير وعائشة من مكة فيمن نفر معهم من الناس فلما وقف أمير المؤمنين على الكتاب قال محمد بن أبي بكر: ما للذين أوردوا ثم أصدروا غداة الحساب من نجاة ولا عذر.
ثم نودي من مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلاة جامعة فخرج الناس وخرج أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله [...].
إلى آخر ما [مر مما] رواه في [كتاب] الإرشاد.
88 - الإرشاد لما اتصل بأمير المؤمنين صلوات الله عليه مسير عائشة وطلحة والزبير من مكة إلى البصرة حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
قد سارت عائشة وطلحة والزبير كل منهما يدعي الخلافة دون صاحبه ولا يدعي طلحة الخلافة إلا أنه ابن عم عائشة ولا يدعيها الزبير إلا أنه صهر أبيها والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربن الزبير عنق طلحة وليضربن طلحة عنق الزبير ينازع هذا على الملك هذا ولقد علمت والله أن الراكبة الجمل لا تحل عقدة ولا تسير عقبة ولا تنزل منزلة إلا إلى معصية الله حتى تورد نفسها ومن معها موردا يقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجع ثلثهم.
والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان ولرب عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه.
والله لتنبحنها كلاب الحوأب فهل يعتبر معتبر ويتفكر متفكر لقد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون.
89 - أقول ورواه أيضا مرسلا في الكافية وزاد في آخره:
مالي وقريش: أما والله لأقتلنهم كافرين ولأقتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالأمس وما لنا إليها من ذنب غير أنا خيرنا عليها فأدخلناهم في خيرنا.
أما والله لا يترك الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته إنشاء الله فلتضج مني قريش ضجيجا.
90 - الإرشاد لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس رضي الله عنه: فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمها إلى صاحبتها وقال لي: قومهما. فقلت: ليس لهما قيمة. قال: على ذاك قلت: كسر درهم
قال: والله لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا.
قلت: إن الحاج اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسنا كان منك وإن كان غير ذلك كان مني؟ قال: لا أنا أتكلم ثم وضع يده على صدري وكان شثن الكفين فآلمني ثم قام فأخذت بثوبه وقلت: نشدتك الله والرحم. قال: لا تنشدني ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس في العرب أحد يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس إلى منجاتهم أم والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدلت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها.
ما لي ولقريش أم والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين وإن مسيري هذا عن عهد إلي فيه.
أم والله لابقرن الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا [في خيرنا " خ "] وأنشد:
أدمت لعمري شربك المحض خالصا * وأكلك بالزبد المقشرة التمرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا 91 - [الإرشاد] ولما نزل [عليه السلام] بذي قار أخذ البيعة على من حضره ثم تكلم فأكثر من الحمد لله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:
قد جرت أمور صبرنا عليها وفي أعيننا القذى تسليما لأمر الله فيما امتحننا به رجاء الثواب على ذلك وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون ويسفك دماؤهم.
نحن أهل البيت وعترة الرسول وأحق الخلق بسلطان الرسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الأمة وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر لم يصبرا حولا واحدا ولا شهرا كاملا حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني.
ثم دعا [عليه السلام] عليهما.
بيان: قوله (عليه السلام): على ذاك أي قومهما على ذاك التحقير الذي تظهره. قوله: " نشدتك الله " لعله نشده على أن يدع الكلام إليه إذ كان يظن أن المصلحة في ذلك.
وقال الجوهري: المحض: اللبن الخالص وهو الذي لم يخالطه الماء حلوا كان أو حامضا. وقال: الجرد: فضاء لا نبات فيه. وقال: السمرة بضم الميم:
شجر الطلح والجمع سمر وسمرات وأسمر.
92 - الإرشاد: روى عبد الحميد بن عمران العجلي عن سلمة بن كهيل قال:
لما التقى أهل الكوفة أمير المؤمنين صلوات الله عليه بذي قار حيوا به ثم قالوا:
الحمد لله الذي خصنا بجوارك وأكرمنا بنصرتك.
فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال:
يا أهل الكوفة إنكم من أكرم المسلمين وأقصدهم تقويما وأعدلهم سنة وأفضلهم سهما في الاسلام وأجودهم في العرب مركبا ونصابا أنتم أشد العرب ودا للنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وإنما جئتكم ثقة بعد الله بكم للذي بذلتم من أنفسكم عند نقض طلحة والزبير وخلفهما [خلعهما " خ "] طاعتي وإقبالهما بعائشة للفتنة وإخراجهما إياها من بيتها حتى أقدماها البصرة فاستغووا طغامها وغوغاءها مع أنه قد بلغني أن أهل الفضل منهم وخيارهم في الدين قد اعتزلوا وكرهوا ما صنع طلحة والزبير. ثم سكت عليه السلام.
فقال أهل الكوفة: نحن أنصارك وأعوانك على عدوك ولو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ورجوناه فدعا لهم أمير المؤمنين وأثنى عليهم ثم قال:
لقد علمتم معاشر المسلمين أن طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين راغبين ثم استأذناني في العمرة فأذنت لهما فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين، وفعلا المنكر اللهم إنهما قطعاني وظلماني وجنياني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي فاحلل ما عقدا ولا تحكم ما أبرما وأرهما المسائة فيما عملا.
بيان الطغام بالفتح: أوغاد الناس الواحد والجمع فيه سواء. والغوغاء:
الجراد بعد الدباء وبه سمي الغوغاء. والغاغة من الناس وهم الكثر المختلطون. ذكره الجوهري.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.