بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۳۲۸–۳۶۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۲ از ۲۱
وظاهر الآية الآتية وهي قوله تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم فاتقوا الله لعلكم ترحمون) * بقاء المذكورين في الآية السابقة على الايمان ولعله السر في خلو أكثر الاخبار عن الاحتجاج بهذه الآية في هذا المقام فتكون الآية مسوقة لبيان حكم طائفتين من المؤمنين تعدى وبغت إحداهما على الأخرى لأمر دنيوي أو غيرهما مما لا يؤدي إلى الكفر.
[المقام] الثاني فيما اغتنمه المسلمون من أموال البغاة فذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يقسم أموالهم مطلقا.
وذهب بعضهم إلى قسمة ما حواه العسكر دون غيره من أموالهم وتمسك الفريقان بسيرته (عليه السلام) في أهل البصرة.
قال الأولون: لو جاز الاغتنام لم يرد عليه السلام عليهم أموالهم وقد روي أنه (عليه السلام) نادى من وجد ماله فله أخذه. فكان الرجل منهم يمر بمسلم يطبخ في قدره فيسأله أن يصبر حتى ينضج فلا يصبر فيكفأها ويأخذها وأنه كان يعطي من القوم من له بينة، ومن لم يكن له بينة فيحلفه ويعطيه.
وقال الآخرون: لولا جوازه لما قسم (عليه السلام) أموالهم أولا بين المقاتلة وقد كان ردها عليهم بعد ذلك على سبيل المن لا الاستحقاق كما من النبي صلى الله عليه وآله على كثير من المشركين وقد رووا عنه (عليه السلام) أنه قال: " مننت على أهل البصرة كما من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل مكة " ولذا ذهب بعض أصحابنا إلى جواز استرقاقهم كما جاز للرسول صلى الله عليه وآله في أهل مكة والمشهور [بين علمائنا ] عدمه.
والذي نفهم من الاخبار أنهم واقعا في حكم المشركين وغنائمهم وسبيهم.
في حكم غنائم المشركين وسبيهم والقائم (عليه السلام) يجري تلك الأحكام
عليهم ولما علم أمير المؤمنين (عليه السلام) استيلاء المخالفين على شيعته لم يجر هذه الأحكام عليهم لئلا يجروها على شيعته وكذا الحكم بطهارتهم وجواز مناكحتهم وحل ذبيحتهم لاضطرار معاشرة الشيعة معهم في دولة المخالفين.
ويدل عليه ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لسيرة علي (عليه السلام) يوم البصرة كانت خيرا لشيعته مما طلعت عليه الشمس إنه علم أن للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته.
قلت: فأخبرني عن القائم (عليه السلام) أيسير بسيرته؟ قال: لا إن عليا (عليه السلام) سار فيهم بالمن للعلم من دولتهم وإن القائم (عليه السلام) يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لأنه لا دولة لهم.
وأما ما لم يحوها العسكر من أموالهم فنقلوا الاجماع على عدم جواز تملكها وكذلك ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الامام وإنما الخلاف فيما حواه العسكر مع إصرارهم.
وأما مدبرهم وجريحهم وأسيرهم فذوا الفئة منهم يتبع ويجهز عليه ويقتل بخلاف غيره.
وقد مضت الاخبار في ذلك وسيأتي في باب سيره (عليه السلام) في حروبه.
تكملة: قال الشيخ قدس الله روحه في تلخيص الشافي عندنا أن من حارب أمير المؤمنين (عليه السلام) وضرب وجهه ووجه أصحابه بالسيف كافر والدليل المعتمد في ذلك إجماع الفرقة المحقة الامامية على ذلك فإنهم لا
يختلفون في هذه المسألة على حال من الأحوال وقد دللنا على أن إجماعهم حجة فيما تقدم.
وأيضا فنحن نعلم أن من حاربه كان منكرا لإمامته ودافعا لها ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لان الجهل بهما على حد واحد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر.
وأيضا روي عنه [صلى الله عليه وآله وسلم] أنه قال: " حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي " ومعلوم أنه إنما أراد أحكام حربك تماثل أحكام حربي ولم يرد أن أحد الحربين هي الأخرى المعلوم ضرورة خلاف ذلك، فإن كان حرب النبي صلى الله عليه وآله كفرا وجب مثل ذلك في حرب أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه جعله مثل حربه.
ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وآله " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ونحن نعلم أنه لا يجب عداوة أحد بإطلاق إلا عداوة الكفار.
وأيضا فنحن نعلم أن من كان يقاتله يستحل دمه ويتقرب إلى الله بذلك واستحلال دم امرئ مسلم مؤمن كفر بالاجماع وهو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق.
فإن قيل لو كانوا كفارا لوجب أن يسير فيهم بسيرة الكفار فيتبع موليهم ويجهز على جريحهم ويسبي ذراريهم فلما لم يفعل ذلك دل على أنهم لم يكونوا كفارا.
قلنا: لا يجب بالتساوي في الكفر التساوي في جميع أحكامه لان أحكام الكفر مختلفة فحكم الحربي خلاف حكم الذمي وحكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عباد الأصنام فإن أهل الكتاب يؤخذ منهم الجزية ويقرون على أديانهم ولا يفعل ذلك بعباد الأصنام.
وعند من خالفنا من الفقهاء يجوز التزوج بأهل الذمة وإن لم يجز ذلك في غيرهم، وحكم المرتد بخلاف حكم الجميع.
وإذا كان أحكام الكفر مختلفة مع الاتفاق في كونه كفرا لا يمتنع أن يكون من حاربه (عليه السلام) كافرا وإن سار فيهم بخلاف أحكام الكفار.
وأما المعتزلة وكثير من المنصفين من غيرهم فيقولون بفسق من حاربه (عليه السلام) ونكث بيعته ومرق عن طاعته و [لكنهم] إنما يدعون أنه تابوا بعد ذلك ويرجعون في ادعاء توبتهم إلى أمور غير مقطوع بها ولا معلومة، من أخبار الآحاد.
والمعصية [منهم] معلومة مقطوع عليها وليس يجوز الرجوع عن المعلوم إلا بمعلوم مثله.
318 - 326 - وقد روى الواقدي بإسناده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما فتح البصرة كتب إلى أهل الكوفة بالفتح:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال.
[وإني] أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم مع طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم وتنكبهم
عن الحق فنهضت من المدينة حين انتهى إلي خبرهم حين ساروا إليها في جماعتهم وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت ذا قار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله فأقبل إلي إخوانكم سراعا حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فأعذرت بالدعاء وقدمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة واستتبتهم من نكثهم بيعتي وعهد الله عليهم فأبوا إلا قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي فناهضتهم بالجهاد في سبيل الله، فقتل الله من قتل منهم ناكثا وولى من ولى إلى مصرهم فسألوني ما دعوتهم إليه قبل القتال فقبلت منهم وأغمدت السيف عنهم وأخذت بالعفو عنهم وأجريت الحق والسنة بينهم واستعملت عبد الله بن عباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إنشاء الله تعالى.
وقد بعثت إليكم زحر بن قيس الجعفي لتسألوه وليخبركم عني وعنهم وردهم الحق علينا فردهم الله وهم كارهون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب عبيد الله بن أبي رافع في جميدي سنة ست وثلاثين.
فكيف يكون طلحة والزبير تائبين وقد صرح [أمير المؤمنين عليه السلام] بأنهما تماديا في الغي حتى قتلا ناكثين؟!
وقد روى أبو مخنف لوط بن يحيى هذا الكتاب بخلاف هذه الألفاظ وروى في جملته بعد حمد الله والثناء عليه وذكر بغي القوم ونكثهم:
" وحاكمناهم إلى الله فأدالنا عليهم فقتل طلحة والزبير وقد تقدمت إليهما بالمعذرة وأبلغت إليهما في النصيحة واستشهدت عليهما صلحاء الأمة، فما أطاعا المرشدين، ولا أجابا الناصحين.
ولاذ أهل البغي بعائشة فقتل حولها عالم جم وضرب الله وجه بقيتهم فأدبروا، فما كانت ناقة الحجر بأشأم عليهم منها على أهل ذلك المصر مع ما جاءت من الحوب الكبير في معصية ربها ونبيها واغترارها في تفريق المسلمين
وسفك دماء المسلمين بلا بينة ولا معذرة ولا حجة ظاهرة.
فلما هزمهم الله أمرت أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا تكشف عورة ولا يهتك ستر ولا يدخل دار إلا بإذن وآمنت الناس.
وقد استشهد منا رجال صالحون ضاعف الله حسناتهم ورفع درجاتهم وأثابهم ثواب الصادقين الصالحين الصابرين ".
و [ليتعمق المنصفون في هذا البيان ليتجلى لهم أنه] ليست هذه أوصاف من تاب وقبض على الطهارة والإنابة.
وفي تفريقه (عليه السلام) في الخبر بين قتلاه وقتلاهم ووصف من قتل من عسكره بالشهادة دون من قتل منهم ثم في دعائه لقتلى عسكره دون طلحة والزبير دلالة على ما قلناه، ولو كانا مضيا تائبين لكانا أحق الناس بالوصف بالشهادة والترحم والدعاء.
و [أيضا] قد روى الواقدي أيضا كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أهل المدينة [وهو أيضا] يتضمن مثل معاني كتابه إلى أهل الكوفة وقريبا من ألفاظه ووصفهم بأنهم قتلوا على النكث والبغي ولولا الإطالة لذكرناه بعينه.
و [أيضا] روى الواقدي أن ابن جرموز لما قتل الزبير نزل فاجتز رأسه وأخذ سيفه ثم أقبل حتى وقف على باب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: أنا رسول الأحنف فتلا عليه هذه الآية * (الذين يتربصون بكم) * فقال: هذا رأس الزبير وسيفه وأنا قاتله. فتناول أمير المؤمنين (عليه السلام) سيفه وقال: " طال
ما جلا به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الحين ومصارع السوء ".
ولو كان تائبا ما كان مصرعه مصرع سوء لا سيما وقد قتله غادرا به وهذه شهادة لو كان تائبا مقلعا عما كان عليه.
و [قد] روى الشعبي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ألا إن أئمة الكفر في الاسلام خمسه طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري!!
و [أيضا] قد روى مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود.
و [قد] روى نوح بن دراج عن محمد بن مسلم عن حبة العرني قال:
سمعت عليا (عليه السلام) حين برز أهل الجمل وهو يقول: والله لقد علمت صاحبة الهودج أن أهل الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وقد خاب من افترى.
وقد روي هذا المعنى بهذا اللفظ أو بقريب منه من طرق مختلفة.
و [قد] روى البلاذري في تاريخه بإسناده عن جويرية ابن أسماء أنه قال: بلغني أن الزبير حين ولى ولم يكن بسط يده بسيف اعترضه عمار بن ياسر بالرمح وقال: أين يا أبا عبد الله والله ما كنت بجبان ولكني أحسبك شككت؟ قال: هو ذاك ومضى حتى نزل بوادي السباع فقتله ابن جرموز.
واعترافه بالشك يدل على خلاف التوبة لأنه لو كان تائبا لقال له في
الجواب: ما شككت بل تحققت أنك وصاحبك على الحق وأنا على الباطل وقد ندمت على ما كان مني وأي توبة لشاك غير متحقق.
فهذه الأخبار وما شاكلها تعارض أخبارهم لو كان لها ظاهر يشهد بالتوبة وإذا تعارضت الاخبار في التوبة والاصرار سقط الجميع وتمسكنا بما كنا عليه من أحكام فسقهم وعظيم ذنبهم.
وليس لهم أن يقولوا: إن كل ما رويتموه من طريق الآحاد وذلك إن جميع أخبارهم بهذه المثابة وكثير مما رويناه أظهر مما رووه وأفشى فإن كان من طريق الآحاد فالأمران سيان.
وأما توبة طلحة فالامر فيها أضيق على المخالف من الكلام في توبة الزبير لان طلحة قتل بين الصفين وهو مباشر للحرب مجتهد فيها ولم يرجع عنها حتى أصابه السهم فأتى على نفسه.
وادعاء توبة مثل هذا مكابرة.
فإن قيل: أليس قد روي أن أمير المؤمنين لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير قال: " بشر قاتل ابن صفية بالنار " فلو لم يكن تائبا لما استحق النار بقتله.
قيل لهم: إن ابن جرموز غدر بالزبير وقتله بعد أن أعطاه الأمان وكان قتله على وجه الغيلة والمكر وهذه منه معصية لا شبهة فيها وقد تظاهر الخبر بما ذكرناه حتى روي أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثم الزبير قالت في ذلك:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش اللسان ولا اليد فإنما استحق ابن جرموز النار بقتله إياه غدرا لا لان المقتول في الجنة.
وهذا الجواب يتضمن الكلام على قولهم: إن بشارته بالنار مع الإضافة إلى قتل الزبير يدل على أنه إنما استحق النار بقتله لأنا قد بينا في الجواب أنه من حيث قتله غدرا استحق النار.
وقد قيل في هذا الخبر أن ابن جرموز كأن من جملة الخوارج الخارجين على أمير المؤمنين (عليه السلام) في النهروان وأن النبي صلى الله عليه وآله قد كان أخبره بحالهم ودله على جماعة منهم بأعيانهم وأوصافهم فلما جاءه برأس الزبير أشفق أمير المؤمنين من أن يظن به لعظيم ما فعله الخير ويقطع له على سلامة العاقبة ويكون قتله الزبير شبهة فيما يصير إليه من الخارجية قطع عليه بالنار لتزول الشبهة في أمره وليعلم أن هذا الفعل الذي فعله لا يساوي شيئا مع ما يرتكبه في المستقبل.
وجرى ذلك مجرى شهادة النبي صلى الله عليه وآله على رجل من الأنصار يقال له: قزمان أبلى في يوم " أحد " بلاءا شديدا وقتل بيده جماعة [فبشره النبي صلى الله عليه وآله] بالنار فعجب من ذلك السامعون حتى كشفوا عن أمره فوجدوا أنه لما حمل جريحا إلى منزله ووجد ألم الجراح قتل نفسه بمشقص.
وإنما شهد النبي صلى الله عليه وآله بالنار عليه عقيب بلائه للوجه الذي ذكرناه.
والذي يدل على أن بشارته بالنار لم تكن لكون الزبير تائبا مقلعا بل لبعض ما ذكرناه هو أنه لو كان الامر كما أدعوه لأقاده أمير المؤمنين (عليه السلام) به ولما طل دمه وفي عدوله (عليه السلام) من ذلك دلالة على ما ذكرناه.
فأما طلحة فقد بينا أنه تضيق إقامة العذر له لأنه قتل في المعركة في حال التوبة فيها بعيدة وظاهر الحال الاصرار.
وليس لاحد أن يقول: إنه روي عنه أنه قال بعدما أصابه السهم:
ندمت ندامة الكسعي لما * رأيت عيناه ما صنعت يداه لان هذا بعيد من الصواب والبيت المروي بأن يدل على خلاف التوبة أولى لأنه جعل ندامته مثل ندامة الكسعي وخبر الكسعي معروف لأنه ندم بحيث لا ينفعه الندم وحيث فاته الامر وخرج عن يده ولو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعي بل كان شبيها لندامة من تلافى ما فرط فيه على وجه ينتفع به.
وروى حسين الأشقر عن يوسف البزاز عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر أمير المؤمنين بطلحة وهو صريع فقال: اقعدوه. فأقعد [وه] فقال: لقد كانت لك سابقة لكن دخل الشيطان في منخريك فأدخلك النار.
ثم روى عن معاوية بن هشام عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن إبراهيم مولى قريش أن عليا (عليه السلام) مر بطلحة قتيلا يوم الجمل.
وساق الحديث في التكلم معه ومع كعب بن سور مثل ما مر.
ثم قال رحمه الله - بعد إيراد أسئلة وأجوبة تركناها حذرا من الاطناب -:
فإن قيل قول النبي صلى الله عليه وآله: " عشرة من أصحابي في الجنة " يدل على أنهما تابا لأنهما من جملتهم بلا شك.
قيل لهم: قد بينا فيما تقدم الكلام على بطلان هذا الخبر حيث تعلقوا به في فضائل أبي بكر وقلنا: إنه لا يجوز أن يعلم الله مكلفا ليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنة لان ذلك يغريه بالقبيح وليس يمكن أحدا ادعاء عصمة التسعة ولو لم يكن إلا ما وقع من طلحة والزبير من الكبيرة لكفى.
وقد ذكرنا أن هذا الخبر لو كان صحيحا لاحتج به أبو بكر لنفسه واحتج له به في [يوم] السقيفة وغيرها وكذلك عمر وعثمان.
ومما يبين أيضا بطلانه إمساك طلحة والزبير عن الاحتجاج به لما دعوا الناس إلى نصرتهما واستنفارهم إلى الحرب معهما وأي فضيلة أعظم وأفخم من الشهادة لهما بالجنة وكيف يعدلان مع العلم والحاجة عن ذكره إلا لأنه باطل.
ويمكن أن يسلم مسلم هذا الخبر ويحمله على الاستحقاق في الحال لا العاقبة فكأنه أراد أنهم يدخلون الجنة إن وافوا بما هم عليه الآن ويكون الفائدة في الخبر إعلامنا بأنهم يستحقون الثواب في الحال.
وأما الكلام في توبة عائشة فما بيناه من الطرق الثلاث في توبة طلحة والزبير هي معتمدة فيما يدعونه من توبة عائشة.
أولها أن جميع ما يروونه من الاخبار لا يمكن ادعاء العلم فيها ولا القطع على صحتها وأحسن الأحوال فيها أن يوجب الظن وقد بينا أن المعلوم لا يرجع عنه بالمظنون.
والثاني أنها معارضة بأخبار تزيد على ما رووه في القوة أو تساويه.
فمن ذلك ما رواه الواقدي بإسناده عن شعبة عن ابن عباس قال:
أرسلني علي (عليه السلام) إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين فأمرها أن ترجع إلى بلادها.
وساق الحديث نحوا مما مر برواية الكشي إلى قوله: فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الأول ثم قالت: والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن.
ثم ساق الحديث إلى آخره ثم قال:
فإن قيل: ففي هذا الخبر دليل على التوبة وهي قولها عقيب بكائها: لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن.
قلنا قد كشف الامر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببغض أمير المؤمنين (عليه السلام) وبغض أصحابه المؤمنين وقد أوجب الله عليها محبتهم وتعظيمهم وهذا دليل على الاصرار وأن بكائها إنما كان للخيبة لا للتوبة وما كان في قولها: " لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن " من دليل التوبة وقد يقول المصر مثل ذلك إذا كان عارفا بخطائه فيما ارتكبه وليس كل من ارتكب ذنبا يعتقد أنه حسن حتى لا يكون خائفا من العقاب عليه وأكثر مرتكبي الذنوب يخافون العقاب مع الاصرار ويظهر منهم مثل ما حكي عن عائشة ولا يكون توبة.
وروى الواقدي بإسناده أن عمارا رحمة الله عليه استأذن على عائشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال: يا أمة كيف رأيت صنع الله حين جمع بين الحق والباطل ألم يظهر الله الحق على الباطل ويزهق الباطل؟ فقالت:
إن الحروب دول وسجال وقد أديل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكن انظر يا عمار كيف تكون في عاقبة أمرك.
وروى الطبري في تاريخه أنه لما انتهى إلى عائشة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) قالت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر
فمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد فقالت:
فإن يك نائيا فلقد نعاه * نعي ليس في فيه التراب فقالت زينب بنت أبي سلمة: العلي تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسى فإذا نسيت فذكروني!!
وهذه سخرية منها بزينب وتمويه خوفا من شناعتها ومعلوم أن الناسي والساهي لا يتمثل بالشعر في الأغراض المطابقة ولم يكن ذلك منها إلا عن قصد ومعرفة.
وروي عن ابن عباس أنه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) - لما أبت عائشة الرجوع إلى المدينة -: أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحلها. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنها لا تألوا شرا ولكني أردها إلى بيتها الذي تركها فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) فإن الله بالغ أمره.
وروى محمد بن إسحاق عن جنادة أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع الأسود بن أبي البختري تحرضهم عليه صلوات الله عليه.
وروي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني واستدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمان فجاء حتى وقف فقالت: يا
مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمان؟ فقلت: لا. فقالت حبا مني لعبد الرحمان بن ملجم.
فأما قصتها في دفن الحسن [عليه السلام) فمشهورة حتى قال لها عبد - الله بن عباس: يوما على بغل؟!! ويوما على جمل؟!! فقالت: أوما نسيتم يوم الجمل يا ابن عباس إنكم لذووا أحقاد؟!
ولو ذهبنا إلى تقصي ما روي عنها من الكلام الغليظ الشديد الدال على بقاء العداوة واستمرار الحقد والضغينة لأطلنا وأكثرنا.
و [أما] ما روي عنها من التلهف والتحسر على ما صدر عنها فلا يدل على التوبة إذ يجوز أن يكون ذلك من حيث خابت عن طلبتها ولم تظفر ببغيتها مع الذل الذي لحقها وألحقها العار في الدنيا والاثم في الآخرة.
بيان: قال الجوهري: عرد الرجل تعريدا: فر.
وقال: كسع حي من اليمن ومنه قولهم: " ندامة الكسعي " وهو رجل ربي نبعة حتى أخذ منه قوسا فرمى الوحش عنها ليلا فأصابت وظن أنه أخطأ فكسر القوس. فلما أصبح رأى ما أصمى من الصيد فندم قال الشاعر:
ندمت ندامة الكسعي لما * رأت عيناه ما صنعت يداه
[الباب التاسع] باب احتجاجات الأئمة عليهم السلام وأصحابهم على الذين أنكروا على أمير المؤمنين صلوات الله عليه حروبه 327 - الإحتجاج: جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال: يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين.
فهملت عين علي بن الحسين دموعا حتى امتلأت كفه منها ثم ضرب بها على الحصى ثم قال: يا أخا أهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمنا ولا قتل مسلما!!! وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الاسلام فلما وجدوا على الكفر أعوانا أظهروه.
وقد علمت صاحبة الجمل والمستحفظون من آل محمد أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي الأمي (صلى الله عليه وآله [و سلم]) وقد خاب من افترى.
فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول:
إخواننا بغوا علينا!! فقال علي بن الحسين أما تقرأ كتاب الله * (وإلى عاد أخاهم هودا) * [65 / الأعراف و 50 / هود] فهم مثلهم أنجى الله عز وجل هودا والذين معه وأهلك عادا بالريح العقيم.
328 - الإحتجاج: روي أن سالما دخل على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: جئت أكلمك في أمر هذا الرجل قال: أيما رجل؟ قال: علي بن أبي طالب قال: في أي أموره؟ قال في أحداثه قال أبو جعفر (عليه السلام): انظر ما استقر عندك مما جاءت به الرواة عن آبائهم قال: ثم نسبهم ثم قال: يا سالم أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سعد بن معاذ براية الأنصار إلى خيبر فرجع منهزما ثم بعث عمر بن الخطاب براية المهاجرين فأتى بسعد جريحا وجاء عمر يجبن أصحابه ويجبنونه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هكذا تفعل المهاجرون والأنصار حتى قالها ثلاثا. ثم قال: لأعطين الراية رجلا ليس بفرار يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله؟ قال: نعم وقال القوم جميعا أيضا.
فقال أبو جعفر: يا سالم إن قلت إن الله أحبه وهو لا يعلم ما هو صانع فقد كفرت وإن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو يعلم ما هو صانع فأي حدث ترى؟ فقال: فأعد علي فأعاد عليه فقال: يا سالم عبدت الله على ضلالة سبعين سنة.
بيان: [قوله:] " فقال يا سالم " أي [فقال] سالم مخاطبا لنفسه، أو [قال] الامام مخاطبا له. والأول أظهر ويؤيده أن في بعض النسخ: فقال سالم [...].
329 - تفسير العياشي: عن يحيى بن المساور الهمداني عن أبيه قال جاء رجل من أهل الشام إلى علي بن الحسين فقال: أنت علي بن الحسين؟ قال: نعم. قال:
أبوك الذي قتل المؤمنين؟ فبكى علي بن الحسين ثم مسح عينيه فقال: ويلك كيف قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟ قال لقوله: " إخواننا قد بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم " فقال: ويلك أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: فقد قال الله تعالى: * (وإلى مدين أخاهم شعيبا) * * (وإلى ثمود أخاهم صالحا) * أفكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم؟ قال له الرجل: لا بل في عشيرتهم قال (عليه السلام): فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم وليسوا إخوانهم في دينهم قال: فرجت عني فرج الله عنك.
330 - علل الشرائع: ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان عن الأعمش عن عباية الأسدي قال:
كان عبد الله بن العباس جالسا على شفير زمزم يحدث الناس فلما فرغ من حديثه أتاه رجل فسلم عليه ثم قال: يا عبد الله إني رجل من أهل الشام فقال: أعوان كل ظالم إلا من عصم الله منكم سل عما بدا لك. فقال: يا
عبد الله بن عباس إني جئتك أسألك عمن قتله علي بن أبي طالب من أهل لا إله إلا الله لم يكفروا بصلاة ولا بحج ولا بصوم شهر رمضان ولا بزكاة!!
فقال له عبد الله: ثكلتك أمك سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. فقال: ما جئتك أضرب إليك من حمص للحج ولا للعمرة ولكني أتيتك لتشرح لي أمر علي بن أبي طالب وفعاله. فقال له: ويلك إن علم العالم صعب لا تحتمله ولا تقر به قلوب الصدية!!!
أخبرك أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان مثله في هذه الأمة كمثل موسى والعالم (عليه السلام) وذلك إن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: * (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ) * [144 - 145 / الأعراف: 7] وكان موسى يرى أن جميع الأشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم أن علماءكم قد أثبتوا جميع الأشياء فلما انتهى موسى إلى ساحل البحر فلقي العالم فاستنطق بموسى ليصل علمه - ولم يحسده كما حسدتم أنتم علي بن أبي طالب وأنكرتم فضله - فقال له موسى: * (هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) * [66 / الكهف: 18] فعلم العالم أن موسى لا يطيق بصحبته ولا يصبر على علمه فقال له: * (إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا فقال له موسى ستجدني إنشاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) * [67 - 69 / الكهف: 18] فعلم العالم أن موسى لا يصير على علمه فقال: " فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " قال: فركبا في السفينة فخرقها العالم فكان خرقها لله عز وجل رضى وسخطا لموسى ولقي الغلام فقتله فكان قتله لله عز وجل رضا وسخط ذلك موسى وأقام الجدار فكان إقامته لله عز وجل رضى وسخط موسى ذلك.
كذلك كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يقتل إلا من كان قتله لله عز وجل رضى ولأهل الجهالة من الناس سخطا اجلس حتى أخبرك.
إن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج زينب بنت جحش فأولم فكانت
وليمته الحيس وكان يدعو عشرة فكانوا إذا أصابوا طعام رسول الله صلى الله عليه وآله استأنسوا إلى حديثه واستغنموا النظر إلى وجهه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يشتهي أن يخفوا عنه فيخلوا له المنزل لأنه حديث عهد بعرس وكان يكره أذى المؤمنين فأنزل الله عز وجل فيه قرآنا أدبا للمؤمنين وذلك قوله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق) * فلما نزلت هذه الآية كان الناس إذا أصابوا طعام نبيهم صلى الله عليه وآله لم يلبثوا أن يخرجوا.
قال: فلبث رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعة أيام ولياليهن عند زينب بنت جحش ثم تحول إلى بيت أم سلمة بنت أبي أمية وكان ليلتها وصبيحة يومها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فلما تعالى النهار انتهى علي (عليه السلام) إلى الباب فدقه دقا خفيفا له عرف رسول الله دقه وأنكرته أم سلمة فقال: يا أم سلمة قومي فافتحي له الباب. فقالت: يا رسول الله من هذا الذي يبلغ من خطره أن أقوم له فأفتح له الباب؟ وقد نزل فينا بالأمس ما قد نزل من قول الله عز وجل: * (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) * فمن هذا الذي بلغ من خطره أن أستقبله بمحاسني ومعاصمي؟ قال: فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كهيئة المغضب: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " قومي فافتحي له الباب فإن بالباب رجلا ليس بالخرق ولا بالنزق ولا بالعجول في أمره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وليس بفاتح الباب حتى يتوارى عنه الوطئ.
فقامت أم سلمة وهي لا تدري من بالباب غير أنها قد حفظت النعت والمدح فمشت نحو الباب وهي تقول بخ بخ لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ففتحت له.
قال: فأمسك [علي] بعضادتي الباب ولم يزل قائما حتى خفي عنه الوطئ
ودخلت أم سلمة خدرها ففتح الباب ودخل فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقال رسول الله: يا أم سلمة أتعرفينه؟ قالت: نعم وهنيئا له هذا علي بن أبي طالب.
فقال: صدقت يا أم سلمة هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد الوصيين وهو عيبة علمي وبابي الذي أوتي منه وهو الوصي بعدي على الأموات من أهل بيتي والخليفة على الاحياء من أمتي وأخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السنام الاعلى.
اشهدي يا أم سلمة واحفظي أنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
فقال الشامي: فرجت عني يا عبد الله وأشهد أن علي بن أبي طالب مولاي ومولى كل مسلم.
331 - كشف اليقين: من كتاب أحمد بن محمد الطبري عن أحمد بن هشام عن محمد بن نسيم القرشي عن الحسن بن الحسين عن يحيى بن يعلى عن الأعمش.
قال: وحدثني جعفر بن محمد الكوفي عن عبد الله بن داهر الرازي عن أبيه داهر بن يحيى عن الأعمش عن عباية عن ابن عباس مثله.
332 - كشف اليقين: المظفر بن جعفر عن محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني عن محمد بن جرير الطبري عن محمد بن حميد الرازي عن داهر عن الأعمش عن عباية عن ابن عباس مثله.
بيان: [قال ابن الأثير] في [مادة " صدأ " من كتاب] النهاية: فيه: " إن هذه القلوب تصدأ كما كما يصدأ الحديد " هو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام فيذهب بجلائه كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما.
قوله " فاستنطق بموسى " أي أنطقه الله بسبب موسى ليضل علم موسى في جنب علمه ويقر موسى بالجهل فلم يحسده موسى.
والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط.
قوله " وكان ليلتها " أي كان زمان التحول الليلة والصبيحة التي كانت نوبتها منه (صلى الله عليه وآله وسلم).
قوله: " دقا خفيفا له " أي دقا خفيفا كان مختصا به (عليه السلام) عرف بذلك أنه هو الداق.
والخرق: ترك الرفق في الامر. والنزق: الخفة والطيش. والخدر بالكسر:
ستر يمد للجارية في ناحية البيت. وسنام كل شئ: أعلاه.
333 - جاما: المفيد عن المراغي عن زيد بن الحسن الكوفي عن جعفر بن
نجيح عن جندل بن والق، عن محمد بن محمد بن عمر، عن زيد الأنصاري عن سعيد بن بشير عن قتادة:
عن سعيد بن المسيب قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين وبايع البيعتين ولم يعبد صنما ولا وثنا ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح ولد على الفطرة [و] لم يشرك بالله طرفة عين.
فقال الرجل: إني لم أسألك عن هذا إنما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفا ثم سار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم ثم أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم.
فقال له ابن عباس: أعلي أعلم عندك أم أنا؟ فقال: لو كان علي أعلم عندي منك ما سألتك!! قال: فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثم قال:
ثكلتك أمك علي علمني وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله علمه الله من فوق عرشه فعلم النبي (صلى الله عليه وآله) من علم الله وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي، وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر.
[الباب العاشر] باب خروجه صلوات الله عليه من البصرة وقدومه الكوفة إلى خروجه إلى الشام 334 - الإرشاد: من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قدم الكوفة من البصرة بعد حمد الله تعالى والثناء عليه:
أما بعد فالحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الكاذب المبطل عليكم يا أهل [هذا] المصر بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم من المنتحلين المدعين القائلين إلينا يتفضلون بفضلنا ويجاحدونا أمرنا وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه، وقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا.
قد قعد عن نصرتي منكم رجال وأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبونا ونرى منهم ما نحب.
بيان: قال الجوهري: زريت عليه بالفتح إذا عتبت عليه. وقال: أعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة.
335 - مجالس المفيد: المرزباني عن محمد بن موسى عن محمد بن سهل عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن الحارث بن حصيرة:
عن عبد الرحمان بن عبيد أبي الكنود قال: قدم أمير المؤمنين عن البصرة إلى الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب فأقبل حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فالحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الكاذب المبطل عليكم يا أهل هذا المصر بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المنتحلين المدعين الغالين الذين يتفضلون بفضلنا ويجاحدوناه وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه وقد ذاقوا وبال ما اجترموا فسوف يلقون غيا.
إنه قد قعد عن نصري رجال منكم فأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى.
قال: فقام إليه مالك بن حبيب التميمي ثم اليربوعي - وكان صاحب شرطته - فقال: والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا والله لئن أمرتنا لنقتلنهم.
فقال له أمير المؤمنين يا مال جزت المدى وعدوت الحق وأغرقت في
النزع!! فقال: يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الأعادي.
فقال أمير المؤمنين: ليس هكذا قضاء الله يا مال قال الله تعالى: * (النفس بالنفس) * فما بال بعض الغشم؟ وقال سبحانه: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) *.
فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي - وكان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل وحضر معه صفين على ضعف نية في نصرته - فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير بم قتلوا؟
فقال أمير المؤمنين: قتلوا بما قتلوا شيعتي وعمالي وبقتلهم أخا ربيعة - العبدي رحمه الله في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث البيعة كما نكثتم ولا نغدر كما غدرتم. فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما وعدوانا فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني منهم لنقتلنهم بهم ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم فأبوا علي وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك أفي شك أنت من ذلك؟ فقال: قد كنت في شك فأما الآن فقد عرفت واستبان لي خطأ القوم وأنك أنت المهتدي المصيب.
ثم إن عليا تهيأ لينزل فقام رجال ليتكلموا فلما رأوه قد نزل جلسوا ولم يتكلموا.
قال أبو الكنود: وكان أبو بردة مع حضوره صفين ينافق أمير المؤمنين (عليه السلام) ويكاتب معاوية سرا فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة وكان عليه كريما.
336 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة: عن عمرو بن شمر عن جابر عن
أبي جعفر (عليه السلام) أن أمير المؤمنين لما دنا إلى الكوفة مقبلا من البصرة، خرج الناس مع قرظة بن كعب يتلقونه فلقوه دون نهر النضر بن زياد فدنوا منه يهنونه بالفتح وإنه ليمسح العرق عن جبهته فقال له قرظة بن كعب: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعز وليك وأذل عدوك ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين.
فقال له عبد الله بن وهب الراسبي: إي والله إنهم الباغون الظالمون الكافرون المشركون.
فقال له أمير المؤمنين: ثكلتك أمك ما أقواك بالباطل وأجراك على أن تقول ما لم تعلم أبطلت يا ابن السوداء ليس القوم كما تقول لو كانوا مشركين سبينا وغنمنا أموالهم وما ناكحناهم ولا وارثناهم.
337 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين: دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة بعد رجوعه من البصرة ومعه أشراف من أهل البصرة وغيرهم فاستقبلهم أهل الكوفة فيهم قراؤهم وأشرافهم فدعوا له وقالوا: يا أمير المؤمنين أين تنزل أتنزل القصر؟ قال: لا ولكن أنزل الرحبة فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الاسلام فضلا ما لم تبدلوا أو تغيروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم وبدأتم بالمنكر فغيرتم ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله فأما في الاحكام والقسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه.
ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الامل فينسى الآخرة.
ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة!!! اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل.
الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الناكث المبطل.
عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلين المدعين القالين لنا يتفضلون بفضلنا ويجاحدوننا أمرنا وينازعوننا حقنا ويباعدوننا عنه، فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا.
ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم وأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة.
فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي وكان صاحب شرطته فقال: والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا.
إلى آخر ما مر برواية المفيد رحمه الله ثم قال:
قال نصر: ولما قدم علي (عليه السلام) الكوفة نزل على باب المسجد فدخل فصلى ثم تحول فجلس إليه الناس فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة فقال قائل: استأثر الله به. فقال: إن الله تعالى لا يستأثر بأحد من خلقه إنما أراد الله جل ذكره بالموت إعزاز نفسه وإذلال خلقه وقرأ * (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) *.
قال نصر: فلما لحقه ثقله (عليه السلام) قالوا [له]: أتنزل القصر؟ قال:
قصر الخبال لا تنزلونيه!! قال: وأنب عليه [السلام] جماعة ممن أبطأوا عنه ولم يحضروا القتال وقال: ما بطأ بكم عني وأنتم أشراف قومكم؟ والله إن كان من
ضعف النية وتقصير البصيرة فإنكم لبور، وإن كان من شك في فضلي ومظاهرة علي إنكم لعدو. فقالوا: حاش لله يا أمير المؤمنين نحن سلمك وحرب عدوك ثم اعتذر القوم.
قال نصر: وأتم علي (عليه السلام) صلاته يوم دخل الكوفة فلما كانت الجمعة خطب الناس فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من الضلالة، من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله انتجبه لامره واختصه بنبوته أكرم خلقه عليه وأحبهم إليه فبلغ رسالة ربه ونصح لامته وأدى الذي عليه.
أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله وأقربه إلى رضوان الله وخيره في عواقب الأمور عند الله وبتقوى الله أمرتم وللاحسان والطاعة خلقتم فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه فإنه حذر بأسا شديدا واخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا في غير رياء ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له، ومن عمل لله مخلصا تولى الله ثوابه.
وأشفقوا من عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثا ولم يترك [شيئا] من أمركم سدى قد سمى آثاركم وعلم أعمالكم وكتب آجالكم فلا تغتروا بالدنيا فإنها غرارة لأهلها، مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي، وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون.
أسأل الله منازل الشهداء ومرافقة الأنبياء ومعيشة السعداء فإنما نحن به وله.
قال نصر: ثم استعمل علي (عليه السلام) العمال وفرقهم في البلاد وكتب مع جرير بن عبد الله البجلي كتابا إلى معاوية يدعوه إلى البيعة.
بيان: قال في النهاية: و [في] حديث ابن مسعود: إن قوما بنوا مسجدا بظهر الكوفة فقال: جئت لأفسد مسجد الخبال أي الفساد.
أقول: أورده نصر في كتابه على وجه البسط ثم قال:
[و] بعث يزيد بن قيس الأرحبي على المدائن ومخنف بن سليم على إصبهان وهمذان وقرظة بن كعب على البهقباذات، وقدامة بن مظعون على كسكر وعدي بن حاتم على مدينة بهر سير وآستانها وأبا حسان البكري على آستان العالي وسعد بن مسعود الثقفي على آستان الزوابي وربعي بن كأس على سجستان - وكأس أمه يعرف بها - وخليد إلى خراسان فسار خليد حتى إذا دنا من نيسابور بلغه أن أهل خراسان قد كفروا ونزعوا يدهم من الطاعة وقدم عليهم عمال كسرى من كابل فقاتل أهل نيسابور فهزمهم وحصر أهلها وبعث إلى علي (عليه السلام) بالفتح والسبي.
ثم صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان فبعث بهن إلى علي (عليه السلام) فلما قدمن عليه قال: أزوجكن؟ قلن: لا إلا أن تزوجنا ابنيك فإنا لا نرى لنا كفوا غيرهما فقال علي (عليه السلام): إذهبا حيث شئتما.
فقام نرسا فقال: مر لي بهن فإنها منك كرامة وبيني وبينهن قرابة. ففعل
فأنزلهن نرسا معه وجعل يطعمهن ويسقيهن في الذهب والفضة ويكسوهن كسوة الملوك ويبسط لهن الديباج.
وبعث الأشتر على الموصل ونصيبين ودارا وسنجار وآمد وهيت وعانات وما غلب عليه من تلك الأرضين من أرض الجزيرة.
وبعث معاوية بن أبي سفيان الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة وكان في يديه حران والرقة والرها وقرقيسا وكان من كان بالكوفة وبالبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية.
فخرج الأشتر وهو يريد الضحاك بحران فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه وكان جل أهلها عثمانية فجاؤوا وعليهم سماك بن مخرمة وأقبل الضحاك يستقبل الأشتر فالتقى الضحاك وسماك بين حران والرقة ورحل الأشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كان عند المساء فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى أصبح بحران فدخلها وأصبح الأشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمان بن خالد في خيل يغيثهم.
فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه وعبأ جنوده وخيله ثم ناداهم الأشتر: ألا إن الحي عزيز ألا إن الذمار منيع ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة احتجرتم احتجار الضباب فنادوا يا عباد الله أقيموا قليلا، علمتم والله أن قد أتيتم.
فمضى الأشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسا فتحرزوا منه وبلغ عبد الرحمان بن خالد انصراف الأشتر فانصرف.
338 - وروى نصر أيضا عن عبد الله بن كردم بن مرثد قال: لما قدم علي عليه السلام حشر إليه أهل السواد فلما اجتمعوا أذن لهم فلما رأى كثرتهم قال:
إني لا أطيق كلامكم ولا أفقه عنكم فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم وأعمه نصيحة لكم.
قالوا: نرسا ما رضى فقد رضيناه وما سخط سخطنا [ه]. فتقدم [نرسا] فجلس إليه فقال: يا نرسا أخبرني عن ملوك فارس كم كانوا؟ قال: كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة اثنين وثلاثين ملكا. قال: فكيف كانت سيرتهم!! قال: ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة حتى ملكنا كسرى بن هرمز فاستأثر بالمال والأعمال وخالف أولينا وأخرب الذي للناس وعمر الذي له واستخف بالناس وأوغر نفوس فارس حتى ثاروا إليه فقتلوه فأرملت نساؤه ويتم أولاده.
فقال: يا نرسا إن الله عز وجل خلق الخلق بالحق ولا يرضى من أحد إلا بالحق وفي سلطان الله تذكرة مما خول الله وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير ولابد من إمرة ولا يزال أمرنا متماسكا ما لم يشتم آخرنا أولنا فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا هلكوا وأهلكوا.
ثم أمر عليهم أمرا أهم.
ثم إن عليا بعث إلى العمال في الآفاق وكان أهم الوجوه إليه الشام.
339 - وروى عن محمد بن عبيد الله القرشي عن الجرجاني قال: لما بويع علي (عليه السلام) وكتب إلى العمال في الآفاق كتب إلى جزير بن عبد الله البجلي - وكان عاملا لعثمان على ثغر همدان - مع زحر بن قيس الجعفي:
أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال.
وإني أخبرك عمن سرنا إليه من جموع طلحة والزبير عند نكثهم بيعتهم وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف أني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار
حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن علي وعبد الله بن العباس وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة فاستنفروهم فأجابوا فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت [في] الدعاء وأقلت العثرة وناشدتهم عقد بيعتهم فأبوا إلا قتالي فاستعنت بالله عليهم فقتل من قتل وولوا مدبرين إلى مصرهم فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء فقبلت العافية ورفعت [عنهم] السيف واستعملت عليهم عبد الله بن عباس وسرت إلى الكوفة وقد بعثت إليكم زحر بن قيس فاسأل عما بدا لك.
فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال: يا أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو المأمون على الدين والدنيا وقد كان من أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه وقد بايعه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ولو جعل هذا الامر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها.
ألا وإن البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم فإن ملتم أقام ميلكم.
فقال الناس: سمعا وطاعة رضينا رضينا فأجاب جرير وكتب جواب كتابه [بالطاعة].
ثم قام زحر بن قيس خطيبا فكان مما حفظ من كلامه أن قال: الحمد لله الذي اختار الحمد لنفسه وتولاه دون خلقه لا شريك له في الحمد، ولا نظير له في المجد، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائم الدائم، إله السماء والأرض، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق الواضح والكتاب الناطق داعيا إلى الخير وقائدا إلى الهدى.
ثم قال: أيها الناس إن عليا كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول ولكن لابد من رد الكلام إن الناس بايعوا عليا بالمدينة غير محاباة
ببيعته لعلمه بكتاب الله وسنن الحق وإن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث وألبا عليه الناس ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب وأخرجا أم المؤمنين فلقيهما فأعذر في الدعاء وأحسن في البقية وحمل الناس على ما يعرفون هذا عيان ما غاب عنكم وإن سألتم الزيادة فزدناكم ولا قوة إلا بالله.
ثم ذكر أبياتا من جرير وغيره تركناها روما للاختصار.
قال: ثم أقبل جرير سائرا من ثغر همدان حتى ورد على علي (عليه السلام) بالكوفة فبايعه ودخل فيما دخل فيه [الناس] من طاعة علي واللزوم لامره.
وقال نصر: أخبرنا محمد بن عبيد الله عن الجرجاني: قال لما بويع علي (عليه السلام) وكتب إلى العمال كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني والأشعث على آذربيجان عامل لعثمان - وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك - فكتب إليه علي (عليه السلام) -:
أما بعد فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله.
ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وصارا إلى البصرة فسرت إليهما فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية.
وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة وفي يديك مال من مال الله وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلي ولعلي أن لا أكون شر ولا تك لك إن استقمت ولا قوة إلا بالله.
فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان ولا يشفي منه الخبر غير أن من سمع بن ليس كمن عاينه إن الناس بايعوا عليا راضين به وإن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث ثم اذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المؤمنين.
ثم قام الأشعث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولاني آذربيجان فهلك وهي في يدي وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له [كطاعة من كان قبله] وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم، وعلي المأمون على ما قد غاب عنا وعنكم من ذلك الامر.
قال: فلما أتى منزله دعا أصحابه وقال: إن كتاب علي قد أوحشني وهو آخذ بمال آذربيجان وأنا لاحق بمعاوية فقال القوم: الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لأهل الشام؟
فاستحيا [الأشعث] فسار حتى قدم على علي (عليه السلام).
قال: وإنه قدم على علي (عليه السلام) بعد قدومه الكوفة الأحنف بن
قيس وجارية بن قدامة وحارثة بن زيد وزيد بن جبلة وأعين بن ضبيعة وعظم الناس بنو تميم وكان فيهم أشراف ولم يقدم هؤلاء على عشيرة من أهل الكوفة.
فقام الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة وحارثة بن بدر فتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنه إن يك [بنو] سعد لم تنصرك يوم الجمل فإنها لم تنصر عليك وقد عجبوا أمس ممن نصرك وعجبوا اليوم ممن خذلك لأنهم شكوا في طلحة والزبير ولم يشكوا في معاوية وعشيرتنا في البصرة فلو بعثنا إليهم فقدموا إلينا فقاتلنا بهم العدو وانتصفنا بهم وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس.
[ف] قال علي لجارية بن قدامة وكان رجل تميم بعد الأحنف: ما تقول يا جارية؟ فأجاب بما يدل على كراهته من إشخاص قومه عن البصرة.
ثم خاطب [علي عليه السلام] حارثة فوافق الأحنف في رأيه.
فقال (عليه السلام) للأحنف: اكتب إلى قومك فكتب إليهم يحثهم على الخروج والمسير إليه.
وكتب معاوية بن صعصعة وهو ابن أخي الأشعث إليهم أبياتا في ذلك فلما انتهى كتاب الأحنف وشعر معاوية إلى بني سعد ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة فعزت بالكوفة وكثرت ثم قدمت عليهم ربيعة ولهم حديث.
بيان: قال في القاموس: الاستان بالضم أربع كور ببغداد عالي وأعلى وأوسط وأسفل انتهى.
" وبهرسير " ربما يقرأ بالباء الموحدة [المفتوحة] والسين المهملة [المفتوحة] المعد للتنزه.
وربما يقرء بالنون والشين المعجمة أي نهر اللبن الذي أجراه فرهاد لشيرين.
قوله (عليه السلام): " وفي سلطان الله " لعل المعنى أن في سلطنة الله على عباده ولطفه بهم وشفقته عليهم وعفوه عنهم وعدم معاجلتهم بالمعاصي مع غناه عنهم وكمال حاجتهم إليه ما يتذكر من خوله الله سلطنته فيتبع سنة الله فيهم. والرجيع: الروث.
[الباب الحادي عشر] باب بغي معاوية وامتناع أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن تأميره وتوجهه إلى الشام للقائه إلى ابتداء غزوات صفين 340 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له [عليه السلام] إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة ذكره الواقدي في كتاب الجمل:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد علمت إعذاري فيكم وإعراضي عنكم حتى كان ما لابد منه ولا دفع له، والحديث طويل والكلام كثير وقد أدبر ما أدبر وأقبل ما أقبل فبايع من قبلك وأقبل إلي في وفد من أصحابك والسلام.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.