پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

93 باب 113

ج ۳۲، ص ۵۰۷–۵۴۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۷ از ۲۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

من أي يومي من الموت أفر * يوم لم يقدر أم يوم قدر وأقبل عبد الرحمان بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية الأعظم مرتجزا فاستقبله جارية بن قدامة وأطعنا مليا ومضى عبد الرحمن وانصرف جارية وعبد الرحمن لا يأتي على شئ إلا أهمده فغم ذلك عليا عليه السلام.

وأقبل عمرو بن العاص في خيل من بعده فقال: أقحم يا ابن سيف الله فإنه الظفر.

وأقبل الناس على الأشتر فقالوا: يوم من أيامك الأول وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى فأخذ الأشتر لواءه ثم حمل فضارب القوم حتى ردهم على أعقابهم فرجعت خيل عمرو.

وذكروا أنه لما رد لواء معاوية ورجعت خيل عمرو انتدب لعلي عليه السلام همام بن قبيصة وكان من أشتم الناس لعلي عليه السلام وكان معه لواء هوازن فقصد المذحج فقال عدي بن حاتم لصاحب لوائه: ادن مني فأخذه فحمل وطعن ساعة ثم رجع ثم حمل جندب بن زهير مرتجزا.

فلما رأى ابن العاص الشر استقبل فقال له معاوية: ائت ببني أبيك فقاتل بهم. فأتى جماعة أهل اليمن فقال: أنتم اليوم الناس وغدا لكم الشأن هذا يوم له ما بعده من الامر احملوا معي على هذا الجمع قالوا نعم فحملوا وحمل عمرو.

فقال عمرو بن الحمق: دعوني والرجل فان القوم قومي فقال له ابن بديل: دع القوم يلقى بعضهم بعضا فأبى عليه وحمل ثم طعنه في صدره فقتله وولت الخيل وأزال القوم عن مراكزهم.

ثم إن حوشبا ذا ظليم أقبل في جمعه وصاحب لوائه يرتجز فحمل عليه سليمان بن صرد الخزاعي فطعنه فقتله واستدار القوم وقتل حوشب وابن بديل وصبر بعضهم لبعض وفرح أهل الشام بقتل هاشم واختلط أمرهم حتى ترك أهل الرايات مراكزهم وأقحم أهل الشام من آخر النهار وتفرق الناس عن علي عليه السلام فأتى ربيعة وكان فيهم وتعاظم الامر.

وأقبل عدي بن حاتم يطلب عليا عليه السلام في موضعه الذي تركه فيه فلم يجده فأصابه في مصاف ربيعة فقال: يا أمير المؤمنين أما إذا كنت حيا فالامر أمم ما مشيت إليك إلا على قتيل وما أبقت هذه الواقعة لنا ولهم عميدا فقاتل حتى يفتح الله عليك فإن في الناس بقية بعد.

وأقبل الأشعث يلهث جزعا فلما رأى عليا عليه السلام هلل وكبر وقال: يا أمير المؤمنين خيل كخيل ورجال كرجال ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه فعد إلى مقامك الذي كنت فيه فإن الناس يظنونك حيث تركوك.

وأرسل سعيد بن قيس [إلى أمير المؤمنين عليه السلام] إنا مشتغلون بأمرنا مع القوم وفينا فضل فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه.

وأقبل علي عليه السلام على ربيعة فقال أنتم درعي ورمحي فقال عدي بن حاتم إن قوما أنست بهم وكنت فيهم في هذه الجولة لعظيم حقهم علينا والله إنهم لصبر عند الموت أشداء عند القتال.

وركب على فرسه الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وكان يقال له: المرتجز ثم قدم علي بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله السوداء ثم نادى أيها الناس من يشرى نفسه لله يربح هذه يوم له ما بعده إن عدوكم قد قرح كما قرحتم.

فانتدب له من بين العشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا وضعوا سيوفهم على عواتقهم وتقدمهم علي عليه السلام على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول:

دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * وأصبحوا بحربكم وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتوا * * أو لا فإني طال ما عصيت قد قلتم لو جئتنا فجئت * ليس لكم ما شئتم وشئت بل ما يريد المحيي المميت

وتبعه ابن عدي بن حاتم مرتجزا وتقدم الأشتر مرتجزا وحمل الناس حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتفض وأهمدوا ما أتوا عليه حتى أفضى الامر إلى مضرب معاوية وعلي عليه السلام يضربهم بسيفه ويقول:

أضربهم ولا أرى معاوية * الأخرز العين العظيم الحاوية هوت به في النار أم هاوية فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه فوضع رجله في الركاب ثم ندم وتمثل بأبيات وقال:

يا ابن العاص اليوم صبر وغدا فخر. فقال عمرو: صدقت وانصرفوا وقد غلبوا وقهروا وكل قد كره صاحبه.

ثم إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال: إن هذا يوم تمحيص إن القوم قد أسرع فيهم ما أسرع فيكم اصبروا يومكم هذا وخلاكم ذم.

وحض علي عليه السلام أصحابه فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين إنك جعلتني على شرطة الخميس وقدمتني في الثقة دون الناس وإنك اليوم لا تفقد لي صبرا ولا نصرا أما أهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم وأما نحن ففينا بعض البقية فاطلب بنا أمرك وأذن لي في التقدم فقال له علي عليه السلام تقدم بسم الله.

وأقبل الأحنف بن قيس السعدي فقال: يا أهل العراق والله لا تصيبون هذا الامر أذل عنقا منه اليوم قد كشف القوم عنكم قناع الحياء وما يقاتلون على دين وما يصبرون إلا حياء فتقدموا فقالوا: إنا إن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس فما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقدموا في موضع التقدم وتأخروا في موضع التأخر تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم.

وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا وحمل عمرو بن العاص معلما مرتجزا فاعترضه علي عليه السلام وهو يقول:

قد علمت ذات القرون الميل * والخصر والأنامل الطفول أني بنصل السيف خنشليل * أحمي وأرمي أول الرعيل بصارم ليس بذي فلول ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله فبدت عورته فصرف علي وجهه عنه وارتث فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين قال: وهل تدرون من هو إنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه.

فلما رجع [عمرو إلى صفه] قال له معاوية: احمد الله وعورتك.

ثم ذكر نصر سعي معاوية في افتتان الأشعث بن قيس وعبد الله بن العباس والمراسلة والمكاتبة إليهما وإجابتهما بما لم يرض به وندم.

[ثم] قال: ولما تعاظمت الأمور على معاوية دعا عمروا وبسرا وعبيد الله بن عمر وعبد الرحمان بن خالد فقال لهم: قد غمني رجال من أصحاب علي منهم سعيد بن قيس في همدان والأشتر في قومه والمرقال وعدي بن حاتم وقيس بن سعد في الأنصار وقد وقتكم بما نيتكم بأنفسها أياما كثيرة حتى لقد استحييت لكم وأنتم عدتهم من قريش وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي فقالوا: ذلك إليك قال: فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا وأنت يا عمرو لاعور بني زهرة المرقال وأنت يا بسر لقيس بن سعد وأنت يا عبيد الله للأشتر وأنت يا عبد الرحمان لعدي بن حاتم ثم ليرد كل رجل منكم من حماة الخيل فجعلها نوائب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما.

فأصبح معاوية في غده فلم يدع فارسا إلا دعاه ثم قصد لهمدان بنفسه وتقدم الخيل فطعن في أعراض الخيل مليا ثم إن همدان نادت بشعارها وأقحم سعيد بن قيس على فرسه على معاوية واشتد القتال وحجز بينهم الليل وذكرت.

همدان أن معاوية فاته ركضا فانصرف معاوية ولم يعمل شيئا.

وإن عمرو بن العاص غدا في اليوم الثاني في حماة الخيل نحو المرقال ومع المرقال لواء علي الأعظم في حماة الناس وكان عمرو من فرسان قريش فتقدم وارتجز وطعن في أعراض الخيل مزبدا فحمل هاشم مرتجزا وطعن عمروا حتى رجع واشتد القتال وانصرف الفريقان ولم يسر معاوية ذلك.

وإن بسرا غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الأنصار كأنه فنيق مقرم فطعن في خيل بسر وبرز له بسر بعد ملئ وطعن بسر قيسا فضربه قيس بالسيف فرده على عقبه ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل.

وإن عبيد الله بن عمر تقدم في اليوم الرابع ولم يترك شيئا وجمع من استطاع فقال له معاوية إنك تلقى أفاعي أهل العراق فارفق واتئد فلقيه الأشتر أمام الخيل مزبدا وكان الأشتر إذا أراد القتال أزبد فرد الخيل فاستحيى عبيد الله فبرز أمام الخيل وكان فارسا فحمل عليه الأشتر فطعنه واشتد الامر وانصرف القوم وللأشتر الفضل فغم ذلك معاوية.

وإن عبد الرحمن غدا في اليوم الخامس وكان أرجأهم عند معاوية فقواه بالخيل والسلاح وكان يعده ولدا فلقيه عدي بن حاتم في حماة مذحج وقضاعة فبرز عبد الرحمان أمام الخيل ثم حمل فطعن الناس وقصده عدي بن حاتم وحمل في حماة الناس حتى تواروا في العجاج وفضح القوم ورجع عبد الرحمان إلى معاوية وانكسر معاوية وان القرشيين استحيوا مما صنعوا وشمتت بهم اليمانية وعيرهم معاوية وأنبهم فانقطعوا عنه أياما ثم اعتذر [إليهم] معاوية في أبيات فأتوه واعتذروا إليه واستقاموا له على ما يحب.

ثم إن معاوية ضاعف الفرائض والعطايا لعك والأشعريين وهم بذلوا جهدهم في القتال ووفا لهم بذلك فلم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلا طمع في معاوية وشخص بصره إليه حتى فشا ذلك في الناس.

وبلغ عليا عليه السلام فساءه [ذلك] فقال المنذر بن أبي حميصة وكان فارس همدان وشاعرهم: يا أمير المؤمنين إن عكا والأشعريين طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء فأعطاهم فباعوا الدين بالدنيا وإنا قد رضينا بالآخرة من الدنيا وبالعراق من الشام وبك من معاوية والله لآخرتنا خير من دنياهم ولعراقنا خير من شامهم ولإمامنا أهدى من إمامهم فامتحنا بالصبر واحملنا على الموت.

فقال علي عليه السلام حسبك رحمك الله وأثنى عليه وعلى قومه خيرا.

ولما أصبح الناس غدوا على مصافهم ونادى معاوية في أحياء اليمن فقال علي عليه السلام يا آل همدان فأجابه سعيد بن قيس فقال له: احمل فحمل حتى خلط الخيل بالخيل واشتد القتال وحطمتهم همدان حتى ألحقوهم معاوية وأسرع في فرسان أهل الشام القتل وأثنى علي عليه السلام على همدان وقال:

أنتم درعي ورمحي يا همدان ما نصرتم إلا الله ولا أجبتم غيره.

فقال سعيد: أجبنا الله وإياك ونصرنا نبي الله صلى الله عليه وآله في قبره وقاتلنا معك من ليس مثلك فارم بنا حيث أحببت.

فدعا معاوية مروان وأمره أن يخرج فأبى ثم دعا عمرو بن العاص وأمره بالخروج فلما خرج لقيه الأشتر أمام الخيل فلما غشيه الأشتر بالرمح راوغه عمرو فطعنه الأشتر في وجهه فلم يصنع شيئا ولوى عمرو عنان فرسه وجعل يده على وجهه ورجع إلى العسكر.

فجاء ذو الكلاع إلى معاوية وقال: تولي علينا من لا يقاتل معنا؟ ول رجلا منا وإلا فلا حاجة لنا بك. فقال لهم معاوية: لا أولي عليكم بعد يومي هذا إلا رجلا منكم.

قال: وحرض علي عليه السلام أصحابه فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال:

يا أمير المؤمنين قدمني في البقية من الناس فإنك لا تفقد لي اليوم صبرا ولا نصرا قال عليه السلام تقدم باسم الله والبركة فتقدم وأخذ رايته فمضى بالراية مرتجزا فرجع وقد خضب سيفه ورمحه دما وكان شيخا ناسكا عابدا وكان إذا لقي القوم لا يغمد سيفه وكان من ذخائر علي عليه السلام ممن قد بايعه على الموت وكان من فرسان أهل العراق وكانوا قد ثقلوا عن البراز حين عضتهم الحرب.

فقال الأشتر: يا أهل العراق أما من رجل يشري نفسه لله؟ فخرج آثال بن حجل فنادى بين العسكرين هل من مبارز؟ فدعى معاوية حجلا فقال: دونك الرجل وكانا مستبصرين في رأيهما. فبرز كل منهما إلى صاحبه فبدره الشيخ بطعنة فطعنه الغلام فانتسبا فإذا هو ابنه فنزلا واعتنق كل منهما صاحبه وبكيا فقال له الأب: أي أثال هلم إلى الدنيا. فقال له الغلام: يا أباه هلم إلى الآخرة والله يا أبت لو كان من رأيي الانصراف إلى أهل الشام لكان من رأيك لي أن تنهاني وا سوأتاه فما يقول لي علي؟ كن على ما أنت عليه وأنا أكون على ما أنا عليه وانصرف كل منهما إلى أصحابهما.

ثم إن معاوية دعا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد فقال: يا هذان ما لقيت من الأوس والخزرج؟ صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع منهم والجبان حتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا قتلته الأنصار أما والله لاعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب في حلقه ثم لألقينهم بأعدادهم من قريش رجال لم يغذهم التمر والطفيشل يقولون نحن الأنصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم.

فغضب النعمان وقال: يا معاوية، لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية.

وأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فإن لها وفاء به.

وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه.

وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناهم غلبناهم عليه كما غلبت قريش على السخينة.

ثم تكلم مسلمة بنحو من ذلك ولم يكن مع معاوية غير هذين الرجلين من الأنصار.

وانتهى الكلام إلى الأنصار.

فجمع قيس بن سعد الأنصار وقام خطيبا فيهم وقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحباكم فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه أمس وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الذي أنتم عليه فجدوا اليوم جدا تنسونه ما كان أمس وجدوا غدا فتنسونه ما كان اليوم وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب.

وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه.

وأما الطفيشل فلو كان طعامنا سميناه اسما كما سميت قريش السخينة..

وتحركت الخيل غدوة فظن قيس أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية وحمل الثانية [على آخر يشبهه أيضا] فضربه ثم انصرف.

ثم إن النعمان خرج حتى وقف بين الصفين فقال: يا قيس أنا النعمان بن بشير. قال قيس: ما حاجتك. قال: يا قيس إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم المدينة وقتلتم أنصاره يوم الجمل واقحامكم على خيولكم أهل الشام بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا وهونتم عليه المصيبة ووعدتموه الظفر وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية.

قال: فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه وأنت والله الغاش الضال المضل.

وأما ذكرك عثمان فإن كانت الاخبار تكفيك فخذها مني واحدة قتل عثمان من لست خيرا منه وخذله من هو خير منك.

وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث.

وأما معاوية فوالله لئن اجتمعت عليه العرب لقاتلته الأنصار.

وأما قولك إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحروب كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور.

انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

ثم انظر هل ترى مع معاوية أنصاريا غيرك وغير صويحبك ولستما والله ببدريين ولا عقبيين ولا أحديين ولا لكما سابقة في الاسلام ولا آية في القرآن ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك.

438 - وذكروا أنه كان فارس أهل كوفة الذي لا ينازع رجلا يقال له العكبر بن جدير الأسدي وكان فارس أهل الشام الذي لا ينازع عوف بن مجزأة المرادي وكان العكبر له عبارة ولسان لا يطاق فلما خرج الناس إلى مصافهم خرج المرادي نادرا من الناس وكذلك كان يصنع وقد كان قتل قبل ذلك نفرا [من أهل العراق] مبارزة فنادى يا أهل العراق هل من رجل عصاه سيفه يبارزني ولا أغركم من نفسي فأنا عوف بن مجزأة فارس زوف فصاح الناس بالعكبر فخرج إليه منقطعا من أصحابه والناس وقوف ووقف المرادي مرتجزا فبرز إليه العكبر وارتجز فاطعنا فصرعه العكبر فقتله ومعاوية على التل في أناس من قريش وأناس من الناس قليل فوجه العكبر فرسه فملا فروجه ركضا ويضربه بالسوط [مسرعا] نحو التل فنظر إليه معاوية فقال: إن هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن فاسألوه فأتاه رجل فناداه فلم يجبه فمضى حتى انتهى إلى معاوية وجعل يطعن في أعراض الخيل ورجا العكبر أن يفردوا له معاوية فقتل رجلا وقام القوم دون معاوية بالسيوف والرماح فلما لم يصل إلى معاوية نادى أولى لك يا ابن هند أنا الغلام الأسدي ورجع إلى علي عليه السلام فقال [له علي] عليه السلام: ماذا دعاك إلى ما صنعت يا عكبر لا تلق نفسك إلى الهلكة قال: أردت غرة ابن هند فحيل بيني وبينه.

وانكسر أهل الشام لقتل المرادي ونذر معاوية دم العكبر فقال العكبر:

يد الله فوق يد معاوية فأين دفاع الله عن المؤمنين.

ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الأنصار وكان طلائع أهل الشام وأهل العراق يلتقون فيما بين ذلك ويتناشدون الاشعار ويفخر بعضهم على بعض ويحدث بعضهم بعضا على أمان.

439 - قال نصر: وروى عمر بن سعد، عن عبد الرحمان بن عبد الله أن عبد الله بن كعب قتل يوم صفين فمر به الأسود بن قيس وهو بآخر رمق فقال: عز علي والله مصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ولو أعرف الذي أشعرك لأحببت أن لا يزايلني حتى [أقتله أو] يلحقني بك ثم نزل إليه فقال:

والله إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت من الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله. قال: أوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين حتى يظهر الحق أو تلحق بالله وأبلغه عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب ثم لم يلبث أن مات.

فأقبل الأسود إلى علي عليه السلام فأخبره فقال: يرحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة.

ثم إن عليا عليه السلام غلس بالناس بصلاة الفجر ثم زحف بهم فخرج الناس على راياتهم وأعلامهم وزحف إليهم أهل الشام.

440 - قال نصر: وحدثني عمرو بن شمر عن جابر عن عامر عن صعصعة بن صوحان والحارث بن أدهم أن أبرهة بن الصباح قام فقال: ويلكم يا معشر أهل اليمن والله إني لأظن الله آذن بفنائكم ويحكم خلوا بين هذين الرجلين فليقتتلا فأيهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا وكان [أبرهة] من أصحاب معاوية.

فبلغ ذلك عليا عليه السلام فقال: صدق أبرهة بن الصباح والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا مني بهذه.

وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف وقال لمن حوله والله إني لأظنه مصابا في عقله فارتج أهل الشام يقولون: والله إن أبرهة لأفضلنا دينا ورأيا وبأسا ولكن معاوية كره مبارزة علي عليه السلام.

وبرز يومئذ عروة بن داود الدمشقي فقال: إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إلي فتقدم إليه علي وحمل عليه وقتله ثم قال: يا عروة اذهب فأخبر قومك أما والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين.

فنظر إليه معاوية وكان واقفا على التل فقال: والله لقد دعاني علي إلى البراز حتى لقد استحييت من قريش. وإنما أراد بذلك [أن يبرز إليه] بسر بن أرطاة فقبل بسر أن يبارزه عليه السلام ثم ندم واستحيا من الاستعفاء فغدا علي عليه السلام منقطعا من خيله ومعه الأشتر وهو يريد التل فاستقبله بسر قريبا من التل فطعنه وهو لا يعرفه فاتقاه بسر برجله فانكشف عورته فانصرف علي عليه السلام عنه وناداه الأشتر يا أمير المؤمنين إنه بسر قال: دعه عليه لعنة الله.

وحمل ابن عم لبسر على علي عليه السلام فطعنه الأشتر فكسر صلبه وقام بسر من طعنة علي وولت خيله فقال له معاوية قد أدال الله عمروا منك فكان بسر بعد ذلك إذا لقي الخيل التي فيها علي عليه السلام تنحى ناحية وتحامى فرسان أهل الشام عليا عليه السلام.

441 - وعن عمر بن سعد بإسناده قال: كان من أهل الشام بصفين رجل يقال له الأصبغ بن ضرار وكان يكون طليعة ومسلحة [لمعاوية] فندب علي عليه السلام له الأشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل وكان علي عليه السلام ينهى عن قتل الأسير الكاف فجاء به ليلا وشد وثاقه وألقاه مع أضيافه ينتظر به الصباح فأنشد فيها أشعارا أثرت في الأشتر فغدا به الأشتر على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس فوالله لو علمت أن قتله الحق قتلته وقد بات عندنا الليلة وحركنا بشعره فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه!! وإن كنت فيه بالخيار فهبه لنا. قال: هو لك يا مالك فإذا أصبت أسيرا فلا تقتله فإن أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل فرجع به الأشتر إلى منزله وقال: لك ما أخذنا منك ليس لك عندنا غيره.

وذكروا أن عليا عليه السلام أظهر أنه مصبح معاوية ومناجزه فبلغ ذلك معاوية ففزع أهل الشام لذلك وانكسروا لقوله فكتب معاوية إليه عليه السلام:

" أما بعد فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت ".

إلى آخر ما سيأتي برواية سليم الهلالي وما جرى بين معاوية وبين عمرو في ذلك.

قال: ثم إن عليا عليه السلام غلس بالناس صلاة الغداة ثم زحف إليهم فخرج الناس على راياتهم وأعلامهم وزحف إليهم أهل الشام إلى آخر ما سيأتي.

توضيح: قوله: " لا تنسى شيباء " هذا مثل لمن وقع به من رجل سوء شديد وضرر عظيم فإنه لا ينساها ويظهر من المثل أن مضربها امرأة تزوجت رجلا فلما كان ليلة الزفاف غلب على زوجها رجل فقتله وأخذها قهرا فإنها لا تنسى تلك الواقعة أبدا فمثل بذلك قتل عثمان وأخذ الخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام.

قال الجوهري: " باتت فلانة بليلة شيباء " بالإضافة إذا افتضت. وباتت بليلة حرة إذا لم تفتض.

وقال الفيروزآبادي: باتت بليلة شيباء بالإضافة وبليلة الشيباء إذا غلبت على نفسها ليلة هدائها. وقال: العذرة: البكارة ومفتضها أبو عذرها.

وفي بعض الكتب: يقال: فلان أبو عذرة هذا الكلام أي هو الذي اخترعه ولم يسبقه إليه أحد وهو مستعار من قولهم أبو عذرتها أي هو الذي افتض بكارتها ويقال: إن المرأة لا تنسى أبا عذرتها.

وقال الميداني في مجمع الأمثال: لا تنسى المرأة أبا عذرها وقاتل بكرها أي أول من ولدها يضرب في المحافظة على الحقوق انتهى. والأظهر هنا ما ذكرنا.

وقال [ابن الأثير] في [مادة " حمر " من كتاب] النهاية: في حديث علي عليه السلام قيل له: غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم والروم، والعرب تسمى الموالي الحمراء [و] في حديث عبد الملك: " أراك أحمر قرفا قال الحسن:

أحمر " يعني أن الحسن في الحمرة ومنه قول الشاعر:

وإذا ظهرت تقنعي * بالحمر إن الحسن أحمر وقيل: كني بالأحمر عن المشقة والشدة أي من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها انتهى.

قوله: " وخضدت السهام " الخضد: الكسر والقطع وفي بعض النسخ بالمهملتين على الاستعارة.

وقال الجوهري: العتم: الابطاء. ويقال: ما عتم أن فعل كذا - بالتشديد - أي ما لبث وما أبطأ.

وقال في النهاية: الأهوج: المتسرع إلى الأمور كما يتفق. وقيل: الأحمق القليل الهداية انتهى.

والتقويض: الهدم. والرهج: بالتحريك: الغبار. ويقال: قصبه يقصبه أي عابه. وأبسلت فلانا: أسلمته للهلكة.

وقال في النهاية: في حديث الحسن: لا يزال أمر هذه الأمة أمما ما ثبتت الجيوش في أماكنها. الأمم: القرب واليسير.

وقال الجوهري: قال ابن السكيت: الأمم: بين القريب والبعيد وهو من المقاربة. والأمم: الشئ اليسير ويقال: أخذت ذلك من أمم أي من قرب.

وداري أمم داره أي مقابلتها. والقرن: الذوابة والخصلة من الشعر.

وبالتحريك: السيف والنبل. والأول أنسب. والحضر بالحاء المهملة محركة: ضيق الصدر والعي في المنطق. وبالخاء المعجمة: وسط الانسان. وكشح مخصر:

دقيق.

وقال الجوهري: الطفل بالفتح: الناعم يقال: جارية طفلة وبنان طفل انتهى أي يعرف النساء المخدرات النواعم ذلك فكيف الرجال. والخنشليل:

الماضي. والرعيل: القطعة من الخيل ومقدمتها. ويقال : ارتث فلان على ما لم يسم فاعله أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق والفنيق: الفحل المكرم والمقرم: البعير لا يحمل عليه ولا يذلل.

وقال في القاموس: راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا: مال وحاد عن الشئ والمراوغة: المصارعة وأن يطلب بعض القوم بعضا. وقال: الطفيشل كسميدع: نوع من المرق.

وفي النهاية: في حديث فاطمة أنها جاءت النبي صلى الله عليه وآله ببرمة فيها سخينة أي طعام حار. وقيل طعام يتخد من دقيق وسمن. وقيل: دقيق وتمر أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة انتهى.

والشغب: تهييج الشر. وأطعنا على بناء الافتعال أي طعن كل منهما صاحبه.

وفي النهاية: وفي حديث أبي جعفر الأنصاري: " فملأت ما بين فروجي " جمع فرج وهو ما بين الرجلين يقال للفرس: ملا فروجه وفرجه إذا عدا وأسرع، وبه سمي فرج الرجل والمرأة لأنهما بين الرجلين. وقال: إشعار البدن هو أن يشق أحد جانبي السنام حتى يسيل دمها ويجعل ذلك علامة يعرف بها أنها هدي ومنه حديث مكحول: لا سلب إلا لمن أشعر علجا أو قتل أي طعنه حتى يدخل السنان جوفه.

442 - أقول: ثم قال ابن أبي الحديد: قال نصر بن مزاحم في [الجزء من] كتاب صفين - وهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال وهو من رجال أصحاب الحديث -: حدثنا عمرو بن شمر عن أبي ضرار عن عمار بن ربيعة قال: غلس علي عليه السلام صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وقيل: عاشر صفر ثم زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق والناس على راياتهم وأعلامهم وزحف إليهم أهل الشام وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعا قد ملوا الحرب وكرهوا القتال وتضعضعت أركانهم.

قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح فجعل يضرب رؤوس أهل العراق بالقناة ويقول: سووا صفوفكم رحمكم الله حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره ثم حمد الله وأثنى عليه وقال:

الحمد لله الذي جعل فينا ابن عم نبيه أقدمهم هجرة وأولهم إسلاما سيف من سيوف الله صبه الله على أعدائه فانظروا إذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسر المران وجالت الخيل بالابطال فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة فاتبعوني وكونوا في أثري قال: ثم حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو الأشتر.

قال: وخرج رجل من أهل الشام ونادى بين الصفين: يا أبا الحسن يا علي أبرز إلي فخرج إليه علي عليه السلام حتى اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين فقال: إن لك يا علي لقدما في الاسلام والهجرة فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب حتى ترى رأيك؟ قال: وما هو؟ قال: ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ونرجع نحن إلى شامنا فتخلي بيننا وبين الشام.

فقال علي عليه السلام: قد عرفت ما عرضت إن هذه لنصيحة وشفقة ولقد أهمني هذا الامر وأسهرني وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله إن الله تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم.

قال: فرجع الرجل وهو يسترجع وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق ومن

جبال تهامة يدك بعضها بعضا وانكسفت الشمس بالنقيع وثار القطام والقسطل فضلت الألوية والرايات وأخذ الأشتر يسير فيما بين اليمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالاقدام على التي تليها فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة فلم يزل الأشتر يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة خلف ظهره وافترقوا على سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة وهي ليلة الهرير المشهورة وكان الأشتر في ميمنة الناس وعلي عليه السلام في القلب والناس يقتتلون ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى والأشتر يقول لأصحابه - وهو يزحف بهم نحو أهل الشام -: ازحفوا قيد رمحي هذا ويلقي رمحه فإذا فعلوا ذلك قال: ازحفوا قاب هذه القوس فإذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس من الاقدام فلما رأى ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم.

ثم دعا بفرسه وركز رايته وكانت مع حيان بن هوذة النخعي وسار بين الكتائب وهو يقول: ألا من يشرى نفسه لله ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أمر الله أو يلحق بالله؟ فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه فيقاتل معه.

443 - قال نصر: وحدثني عمر بن سعد عن أبي ضرار عن عمار بن ربيعة قال: مر بي الأشتر فأقبلت معه حتى رجع إلى المكان الذي كان به فقام في أصحابه فقال: شدوا فداء لكم عمي وخالي شدة ترضون بها الله وتعزون بها الدين إذا أنا حملت فاحملوا ثم نزل يضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته: أقدم فتقدم بها ثم شد على القوم وشد معه أصحابه فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى معسكرهم فقاتلوا عند المعسكر قتالا شديدا وقتل صاحب رايتهم وأخذ علي عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال.

444 - وروى نصر عن رجاله قال: لما بلغ القوم إلى ما بلغوا إليه قام علي عليه السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال:

أيها الناس قد بلغ بكم الامر وبعدوكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا وأنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله.

قال فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص وقال: يا عمرو إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفضل فما ترى؟ قال: إن رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله وهو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم وأهل الشام لا يخافون عليا إن ظفر بهم ولكن الق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا إن ردوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم فإنك بالغ به حاجتك في القوم وإني لم أزل أدخر هذا الامر لوقت حاجتك إليه فعرف معاوية ذلك وقال له: صدقت.

445 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر بن عمير الأنصاري قال:

والله لكأني أسمع عليا عليه السلام يوم الهرير وذلك بعدما طحنت رحا مذحج فيما بينها وبين عك ولخم وجذام والأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي حتى استقلت الشمس وقام قائم الظهيرة وعلي عليه السلام يقول لأصحابه:

حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا [فنيتا " خ "] وأنتم وقوف تنظرون أما تخافون مقت الله؟ ثم انفتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله عز وجل ثم نادى:

يا الله يا رحمان يا واحد يا صمد يا الله يا إله محمد إليك اللهم نقلت الاقدام وأفضت القلوب ورفعت الأيدي ومدت الأعناق وشخصت الابصار وطلبت الحوائج.

اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.

سيروا على بركة الله ثم نادى: لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى.

قال: فلا والذي بعث محمدا بالحق نبيا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول:

معذرة إلى الله وإليكم من هذا لقد هممت [مرات] أن أفلقه ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول كثيرا: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وأنا أقاتل به دونه عليه السلام.

قال: فكنا نأخذه ونقومه ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به عرض الصف فلا والله ما ليث بأشد نكاية منه في عدوه.

446 - وعن عمرو بن شمر عن جابر عن تميم بن حذيم قال: لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام أهل الشام في وسط الفيلق حيال موقف علي عليه السلام ومعاوية فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح وهي عظام مصاحف العسكر وقد شدوا ثلاثة رماح جميعا وربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط.

447 - قال نصر: وقال أبو جعفر وأبو الطفيل: استقبلوا عليا بمائة مصحف ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف وكان جميعها خمسمائة مصحف.

قال أبو جعفر عليه السلام: ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي عليه السلام وقام أبو شريح حيال الميمنة وورقاء بن المعتمر حيال الميسرة ثم نادوا يا معشر العرب الله الله في النساء والبنات والأبناء من الروم والاتراك وأهل فارس غدا إذا فنيتم الله الله في دينكم هذا كتاب الله بيننا وبينكم.

فقال علي عليه السلام: اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون فاحكم بيننا وبينهم إنك أنت الحكم الحق المبين.

فاختلف أصحاب علي عليه السلام في الرأي فطائفة قالت: القتال، وطائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها.

448 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لما كان اليوم الأعظم قال أصحاب معاوية: والله لا نبرح اليوم العرصة حتى نموت أو يفتح لنا. وقال أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام مثل ذلك فباكروا القتال غدوة في يوم من أيام الشعرى طويل شديد الحر فتراموا حتى فنيت النبال وتطاعنوا حتى تقصفت الرماح ثم نزل القوم عن خيولهم ومشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى تكسرت جفونها وقال الفرسان في الركب ثم اضطربوا بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا تغمغم القوم وصليل الحديد في الهام وتكادم الأفواه وكسفت الشمس وثار القتام وضلت الألوية والرايات ومرت مواقيت أربع صلوات ما يسجد فيهن لله إلا تكبيرا ونادت المشيخة في تلك الغمرات: يا معشر العرب الله الله في الحرمات من النساء والبنات.

قال جابر: فبكى أبو جعفر عليه السلام وهو يحدثنا بهذا الحديث قال:

وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف قد وضع مغفره على قربوس السرج

وهو يقول: اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمي الوطيس ورجعت الشمس من الكسوف واشتد القتال وأخذت السباع بعضها بعضا.

فقال رجل في تلك الحال: أي رجل هذا لو كانت له نية؟! فقال له صاحبه: وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك إن رجلا فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب وقد غلت هام الكماة من الحر وبلغت القلوب الحناجر وهو كما تراه جذعا يقول هذه المقالة اللهم لا تبقنا بعد هذا.

449 - قال نصر: وروى الشعبي عن صعصعة أنه بدر من الأشعث بن قيس ليلة الهرير قول نقله الناقلون إلى معاوية فاغتنمه وبنا عليه تدبيره وذلك أنه خطب أصحابه من كندة تلك الليلة وقال في خطبته: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي وقد فنى فيه من العرب فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط ألا فليبلغ الشاهد الغائب وإنا إن نحن تواقفنا غدا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات.

[أ] و [قال] نحو ذلك مما يخذلهم عن القتال.

فلما بلغ ذلك معاوية قال: أصاب ورب الكعبة فدبر تلك الليلة ما دبر من رفع المصاحف على الرماح فأقبلوا بالمصاحف ينادون كتاب الله بيننا وبينكم.

قال فجاء عدي بن حاتم فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم تصب منا عصبة إلا وقد أصيب منهم مثلها وكل مقروح ولكنا أمثل بقية منهم وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب فناجزهم.

وقام الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين إن معاوية لا خلف له من رجاله ولك بحمد الله الخلف ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نصرك فاقرع الحديد بالحديد واستعن بالله المجيد.

وقال عمرو بن الحمق: يا أمير المؤمنين إنا والله ما أجبناك ولا نصرناك على الباطل ولا أجبنا إلا الله ولا طلبنا إلا الحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه لاستشرى فيه اللجاج وطال فيه النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي.

فقام الأشعث مغضبا فقال: يا أمير المؤمنين إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس وليس آخر أمرنا كأوله وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لأهل الشام مني فأجب القوم إلى كتاب الله عز وجل فإنك أحق به منهم وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال.

فقال علي عليه السلام هذا أمر ينظر فيه. ونادى الناس من كل جانب الموادعة الموادعة.

وفي حديث عمر بن سعد قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح قال علي عليه السلام:

أيها الناس إني أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرح وابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني أعرف بهم منكم صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شر صغار وشر رجال ويحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل إنهم ما رفعوها وإنهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعة ولم يبق إلا أن يقطع دابر الظالمين.

فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين [قالوا:] يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم.

فقال لهم [علي عليه السلام]: ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعا إلى كتاب الله فلا أقبله إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده ونبذوا كتابه ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وأنهم ليس العمل بالقرآن يريدون.

قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك. - وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله -.

450 - قال نصر: فحدثني فضيل بن خديج قال: سأل مصعب [ابن الزبير] إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت؟ فقال: كنت عند علي عليه السلام حين بعث إلى الأشتر ليأتيه وقد كان الأشتر أشرف على عسكر معاوية ليدخله فأرسل إليه علي عليه السلام يزيد بن هانئ أن ائتني فأتاه فأبلغه فقال له الأشتر: آتيه فقل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي إني قد رجوت الفتح فلا تعجلني. فرجع يزيد إليه عليه السلام فأخبره فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلايل الفتح والنصر لأهل العراق ودلائل الخذلان والادبار على أهل الشام فقال القوم لعلي: ما نراك أمرته إلا بالقتال!! قال: أرأيتموني ساررت رسولي إليه؟ أليس إلا كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك. فقال: ويحك يا يزيد قل له: أقبل إلي فإن

الفتنة قد وقعت. فأتاه فأخبره فقال الأشتر: أبرفع هذه المصاحف قال:

نعم. قال: أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة إنها مشورة ابن النابغة ثم قال ليزيد بن هانئ: ويحك ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى إلى ما يلقون؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه؟ فقال له: يزيد أتحب أنك ظفرت ها هنا وأن أمير المؤمنين عليه السلام بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه ويسلم إلى عدوه؟ فقال: سبحان الله لا والله لا أحب ذلك. قال: فإنهم قد قالوا له وحلفوا عليه: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك.

فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح: يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله فيها وتركوا سنة من أنزلت عليه فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا نمهلك. قال: فأمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر. قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك قال: فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم متى كنتم محقين؟ أحين كنتم تقتلون أهل الشام؟

فأنتم الآن حيت أمسكتم عن قتالهم مبطلون؟ أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وأنهم خير منكم في النار قالوا:

دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا فقال: خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون فسبوه وسبهم وضربوا بسياطهم وجه دابته وضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح بهم علي عليه السلام فكفوا.

وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف تصرع القوم.

فتصايحوا أن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضي بحكم القرآن. فقال الأشتر:

إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي فقد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين. فأقبل الناس يقولون: قد رضي أمير المؤمنين عليه السلام قد قبل أمير المؤمنين عليه السلام وهو ساكت لا يفيض بكلمة مطرق إلى الأرض ثم قام فسكت الناس كلهم فقال:

أيها الناس إن أمري لم يزل معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وأخذت من عدوكم فلم تترك وإنها فيهم أنكى وأنهك ألا وإني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأمورا وكنت ناهيا فأصبحت منهيا وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون.

ثم قعد ثم تكلم رؤساء القبائل فكل قال ما يراه ويهواه إما من الحرب أو من السلم.

451 - قال ابن أبي الحديد: وذكر ابن ديزيل في كتاب صفين قال: خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية فارتجز فخرج إليه جارية بن قدامة ثم إطعنا فلم يصنعا شيئا وانصرف كل واحد منهما عن صاحبه فقال عمرو بن العاص لعبد الرحمن: أقحم يا ابن سيف الله فتقدم عبد الرحمن بلوائه وتقدم أصحابه فأقبل علي عليه السلام على الأشتر فقال له: قد بلغ لواء معاوية حيث ترى فدونك القوم فأخذ الأشتر لواء علي عليه السلام وارتجز وضارب القوم حتى ردهم فانتدب له همام بن قبيصة وكان مع معاوية فشد عليه في مذحج فانتصر عدي بن حاتم للأشتر فحمل عليه في طي فاشتد القتال جدا.

فدعا علي عليه السلام ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى: أيها الناس من يشري نفسه لله؟ إن هذا يوم له ما بعده فانتدب معه ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا فتقدم علي عليه السلام وقال:

دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * وأصبحوا في أمركم وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتوا وحمل الناس كلهم حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا معاوية بفرسه ليفر عليه فكان معاوية بعد ذلك يحدث ويقول لما وضعت رجلي في الركاب ذكرت قول عمرو بن الاطنابة:

أبت لي عفتي وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح وقولي لكما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي فأخرجت رجلي من الركاب وأقمت ونظرت إلى عمرو فقلت له: اليوم صبر وغدا فخر. فقال: صدقت فكان ذلك يوم الهرير ورفعت المصاحف بعده.

وروى إبراهيم [بن ديزيل] عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط قال: شهدنا صفين فمطرت السماء علينا دما عبيطا.

قال: وفي حديث الليث بن سعد: إن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية.

وفي حديث ابن لهيعة: حتى أن الصحاف والآنية لتمتلئ ونهريقها وذلك في يوم الهرير وفزع أهل الشام وهموا أن يتفرقوا فقام عمرو بن العاص فيهم فقال: أيها الناس إنما هذه آية من آيات الله فأصلح أمرؤ ما بينه وبين الله ثم لا عليه أن ينتطح هذا الجبلان فأخذوا في القتال.

وعن ابن عباس قال: حدثني معاوية إنه كان يومئذ قد قرب إليه فرس له أنثى بعيدة البطن من الأرض ليهرب عليها حتى أتاه آت من أهل العراق فقال له: إني قد تركت أصحاب علي عليه السلام في مثل ليلة الصدر من منى فأقمت.

قال نصر وإبراهيم أيضا: وكتب معاوية إلى علي عليه السلام: أما بعد إن هذا الامر قد طال بيننا وبينك وكل منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه ولن يعطي واحد منا الطاعة للآخر وقد قتل فيما بيننا بشر كثير وأنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى وإنا سوف نسأل عن هذه المواطن ولا يحاسب به غيري وغيرك وقد دعوتك إلى أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة وصلاح للأمة وحقن الدماء وذهاب للضغائن والفتن وأن تحكم بيني وبينك حكمين مرضيين أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك فيحكمان بيننا بما أنزل الله فهو خير لي ولك واقطع لهذه الفتن فاتق الله فيما دعيت إليه وارض بحكم القران إن كنت من أهله والسلام.

فكتب إليه علي عليه السلام.

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء المسلم نفسه اتباع ما حسن به فعله واستوجب فضله وسلم من عيبه، وإن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه ويبديان من خلله عند من يغنيه ما استرعاه الله ما لا يغني عنه تدبيره.

فاحذر الدنيا فإنه لا فرح في شئ وصلت إليه منها ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته وقد رام قوم أمرا بغير الحق وتأولوه على الله جل وعز فأكذبهم ومتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ.

فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ويندم فيه من أمكن الشيطان من قيادة ولم يحاده وغرته الدنيا واطمئن إليها.

ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن وقد علمت أنك لست من أهل القرآن ولا حكمه تريد والمستعان الله فقد أجبنا القرآن إلى حكمه ولسنا إياك أجبنا نعم فبيننا وبينك حكم القرآن ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا.

فكتب معاوية إلى أمير المؤمنين: أما بعد عافانا الله وإياك فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وألفة [ما] بيننا وقد فعلت الذي فعلت وأنا أعرف حقي ولكني اشتريت بالعفو صلاح الأمة ولم أكثر فرحا بشئ جاء ولا ذهب وإنما أدخلني في هذا الامر القيام بالحق فيما بين الباغي والمبغي عليه والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك فإنه لا يجمعنا وإياكم إلا هو نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن والسلام.

قال نصر: فكتب علي عليه السلام إلى عمرو بن العاص يعظه ويرشده:

أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ولن يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا يزيده فيها رغبة ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغ ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره فلا تحبط أبا عبد الله أجرك ولا تجار معاوية في باطله والسلام.

فكتب إليه عمرو بن العاص الجواب: أما بعد فالذي فيه صلاحنا وألفتنا الإنابة إلى الحق، وقد جعلنا القرآن بيننا حكما وأجبنا إليه فصبر الرجل منا نفسه على ما حكم عليه القرآن وعذره الناس بعد المحاجرة والسلام.

فكتب إليه علي عليه السلام أما بعد فإن الذي أعجبك من الدنيا مما نازعتك إليه نفسك ووثقت به منها لمنقلب عنك ومفارق لك فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة ولو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقي وانتفعت منها بما وعظت به والسلام.

فأجابه عمرو: أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن إماما ودعا الناس إلى أحكامه فاصبر أبا حسن فإنا غير منيليك إلا ما أنالك القرآن والسلام.

قال نصر: وجاء الأشعث إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى الناس إلا وقد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ونظرت ما الذي يسأل؟ قال:

أئته إن شئت فأتاه فسأله: يا معاوية لأي شئ رفعتم هذه المصاحف؟ قال:

لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به فيها فابعثوا رجلا منكم ترضون به ونبعث منا رجلا ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ولا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه. فقال الأشعث: هذا هو الحق وانصرف إلى علي عليه السلام فأخبره فبعث علي عليه السلام قراء من أهل العراق وبعث معاوية قراء من أهل الشام فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوه واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ويميتوا ما أمات القرآن ورجع كل فريق إلى صاحبه فقال أهل الشام: إنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص. وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد: وقد رضينا نحن واخترنا أبا موسى الأشعري. فقال:

لهم علي عليه السلام: فإني لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه. فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة: إنا لا نرضى إلا به فإنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه! فقال عليه السلام: فإنه ليس لي برضا وقد فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى آمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك. قالوا: والله ما نبالي أكنت أنت أو ابن عباس ولا نريد إلا رجلا هو منك

ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما أدنى من الآخر فقال علي عليه السلام فإني أجعل الأشتر. فقال الأشعث: وهل سعر الأرض علينا إلا الأشتر وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟ قال علي عليه السلام: وما حكمه؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيف حتى يكون ما أردت وما أراد.

452 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: لما أراد الناس عليا أن يضع الحكمين قال لهم: إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الامر أحدا هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص وإنه لا يصلح للقرشي إلا القرشي فعليكم بعبد الله بن العباس فارموه به فإن عمروا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله ولا يحل عقدة إلا عقدها ولا يبرم أمرا إلا نقضه ولا ينقض أمرا إلا أبرمه.

فقال الأشعث: لا والله لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة ولكن نجعل رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من أهل مضر فقال عليه السلام:

إني أخاف أن يخدع يمنيكم فإن عمروا ليس من الله في شئ إذا كان له في أمر هوى. فقال الأشعث: والله لان يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما وهما مضريان.

قال وذكر الشعبي أيضا مثل ذلك.

قال نصر: وفي حديث عمرو: فقال علي عليه السلام: قد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما شئتم.

فبعثوا إلى أبي موسى وهو بأرض من أرض الشام يقال لها عرض قد اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال: إن الناس قد اصطلحوا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: وقد جعلوك حكما. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر علي عليه السلام.

وجاء الأشتر عليا فقال: يا أمير المؤمنين الزني بعمرو بن العاص فوالله الذي لا إله غيره لئن ملئت عيني منه لأقتلنه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.