بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۶۰۷–۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲۰ از ۲۱
والمراد هنا بالسقف المرفوع السماء وبالجو المكفوف السماء أيضا من كفه أي جمعه وضم بعضه إلى بعض أو الهواء لكونه مضموما بالسماء محفوظا عن الانتشار كما ورد في الدعاء " وسد الهواء بالسماء " لكن يأبى عنه وصفه بكونه مجرى للشمس والقمر ومختلفا للنجوم السيارة وكونه مغيضا لليل والنهار لان الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس على وجه الأرض يكون سببا لغيبوبة الليل وعن وجهها لغيبوبة النهار فكان كالمغيض لهما. وقيل: المغيض الغيضة وهي في الأصل الأجمة يجتمع إليها الماء فيسمى غيضة ومغيضا وينبت فيها الشجر وكذلك الليل والنهار يتولدان من جريان الفلك فكان كالغيضة لهما والاختلاف: التردد. قوله عليه السلام " سبطا " أي قبيلة. قوله عليه السلام " قرارا " أي موضع استقرارهم و " مدرجا " أي موضع سيرها وحركاتها والهوام:
الحشرات. قوله عليه السلام " وللخلق اعتمادا " لأنهم يجعلونها مساكن لهم ويستغنون عن بناء جدار مثلا ولأنها من أمهات العيون ومنابع المياه وفيها المعادن والأشجار والثمار والأعشاب فهي معتمد للخلق في مرافقهم ومنافعهم وذمار الرجل: كل شئ يلزمه الدفع عنه وإن ضيعه لزمه الذم أي اللوم والحقائق الأمور الشديدة. العار ورائكم أي يسوقكم إلى الحرب ويمنعكم من الهرب وفي بعض النسخ " النار " بهذا الوجه أو لان الهارب مصيره إليها.
480 - نهج البلاغة: روى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث أنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد: إني سمعت عليا عليه السلام رفع الله درجته في
الصالحين وأثابه ثواب الشهداء والصديقين يقوم يول لقينا أهل الشام:
أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن أنكره بلسانه فقد آجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين.
بيان:
قوله عليه السلام: فقد سلم وبرئ أي من العذاب المترتب على فعل المنكر والرضا به لأنه خرج بمجرد ذلك عن العهدة.
وقال ابن ميثم: إنما خصصه بالسلامة والبراءة من العذاب لأنه لم يحمل إثما وإنما لم يذكر له أجرا - وإن كان كل واجب يثاب عليه - لان غاية إنكار المنكر دفعه والانكار بالقلب ليس له في الظاهر تأثير في دفع المنكر فكأنه لم يفعل ما يستحق به أجرا انتهى وفيه ما فيه.
481 - كتاب سليم بن قيس عن أبان بن أبي عياش عنه قال: سألت عبد الله بن عباس هل شهدت صفين؟. قال: نعم قلت: هل شهدت يوم الهرير؟
قال: نعم قلت: كم كان أتى عليك من السن؟ قال: أربعون سنة. قلت: فحدثني رحمك الله. قال: نعم مهما نسيت من شئ من الأشياء فلا أنسى هذا الحديث ثم بكى وقال:
صفوا وصففنا فخرج مالك الأشتر على فرس أدهم وسلاحه معلق على فرسه وبيده الرمح وهو يقرع به رؤوسنا ويقول: أقيموا صفوفكم فلما كتب الكتائب وأقام الصفوف أقبل على فرسه حتى قام بين الصفين فولى أهل الشام ظهره وأقبل علينا بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:
أما بعد فإنه كان من قضاء الله وقدره اجتماعنا في هذه البقعة من الأرض لآجال قد اقتربت وأمور تصرمت يسوسنا فيها سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وابن عم نبينا وأخوه ووارثه وسيف من سيوف الله ورئيسهم ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق وبقية الأحزاب يسوقهم إلى الشقاء والنار ونحن نرجو بقتالهم من الله الثواب وهم ينتظرون العقاب فإذا حمي الوطيس وثار القتام وجالت الخيل بقتلانا وقتلاهم رجونا بقتالهم النصر من الله فلا أسمعن إلا غمغمة أو همهمة.
أيها الناس غضوا الابصار وعضوا على النواجذ من الأضراس فإنها أشد لصررا الرأس واستقبلوا القوم بوجوهكم وخذوا قوائم سيوفكم بأيمانكم فاضربوا الهام واطعنوا بالرماح مما يلي الشرسوف فإنه مقتل وشدوا شدة قوم موتورين بآبائهم وبدماء إخوانهم حنقين على عدوهم قد وطنوا أنفسهم على الموت لكيلا تذلوا ولا يلزمكم في الدنيا عار.
ثم التقى القوم فكان بينهم أمر عظيم فتفرقوا عن سبعين ألف قتيل من جحاجحة العرب وكانت الوقعة يوم الخميس من حيث استقلت الشمس حتى ذهب ثلث الليل الأول ما سجد لله في ذينك العسكرين سجدة حتى مرت مواقيت الصلوات الأربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
قال سليم ثم إن عليا عليه السلام قام خطيبا فقال:
أيها الناس إنه قد بلغ بكم ما قد رأيتم بعدوكم فلم يبق منهم إلا آخر نفس وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا فيكم ما قد بلغوا أنا غاد عليهم بالغداة إنشاء الله ومحاكمهم إلى الله.
فبلغ ذلك معاوية ففزع فزعا شديدا وانكسر هو وجميع أصحابه وأهل الشام كذلك فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إنما هو الليلة حتى يغدوا علينا فما ترى؟ قال: أرى الرجال قد قلوا وما بقي فلا يقومون لرجاله ولست مثله وإنما يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء وليس يخاف أهل الشام عليا إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم ولكن الق إليهم أمرا فإن ردوه اختلفوا وإن قبلوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب الله وارفع المصاحف على رؤوس الرماح فإنك بالغ حاجتك فإني لم أزل أدخرها لك.
فعرفها معاوية وقال: صدقت ولكن قد رأيت رأيا أخدع به عليا طلبي إليه الشام على الموادعة وهو الشئ الأول الذي ردني عنه.
فضحك عمرو وقال: أين أنت يا معاوية من خديعة علي وإن شئت أن تكتب فاكتب.
قال فكتب معاوية إلى علي عليه السلام كتابا مع رجل من أهل السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة أما بعد فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمناه نحن لم يجنها بعضنا على بعض وإنا إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما يزم به ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني لك طاعة ولا بيعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوه ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف وقد والله رقت الأكباد وذهبت الرجال ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز ولا يسترق به ذليل والسلام.
قال سليم فلما قرأ علي عليه السلام كتابه ضحك وقال: العجب من معاوية وخديعته لي فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: اكتب:
أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وأنا وإياك يا معاوية على غاية منها لم نبلغها بعد.
وأما طلبك [إلي] الشام فإني لم أعطك اليوم ما منعتك أمس.
وإما استواؤنا في الخوف والرجاء فإنك قلت لست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام أحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة.
وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن ولا المحق كالمبطل وفي أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب واستعبدنا بها العجم والسلام.
فلما انتهى كتاب علي عليه السلام إلى معاوية كتمه عمرا ثم دعاه فأقرأه فشمت به عمرو وقد كان نهاه ولم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلي عليه السلام من عمرو بعد اليوم الذي صرعه عن دابته فقال عمرو:
ألا لله درك يا بن هند * ودر المردي الحال المسود أتطمع لا أبالك في علي * وقد قرع الحديد على الحديد وترجو أن تخادعه بشك * وترجو أن يهابك بالوعيد وقد كشف القناع وجر حربا * يشيب لهولها رأس الوليد له جأواه مظلمة طحون * فوارسها تلهب كالأسود يقول لها إذا رجعت إليه * بقتل بالطعان اليوم عودي فإن وردت فأولها ورودا * وإن صدرت فليس بذي ورود وما هي من أبي حسن بنكر * وما هي من مساتك بالبعيد وقلت له مقالة مستكين * ضعيف القلب منقطع الوريد
طلبت الشام حسبك يا بن هند * من السوآت والرأي الزهيد ولن أعطاكها ما ازددت عزا * ومالك في استزادك من مزيد فلم تكسر بهذا الرأي عودا * سوى ما كان لا بل رق عود فقال معاوية: والله لقد علمت ما أردت بهذا. قال عمرو: وما أردت به قال عيبك رأيي في خلافك ومعصيتك والعجب لك تفيل رأيي وتعظم عليا وقد فضحك. فقال: أما تفييلي رأيك فقد كان وأما إعظامي عليا فإنك بإعظامه أشد معرفة مني ولكنك تطويه وأنشره وأما فضيحتي فلن يفتضح رجل بارز عليا فإن شئت أن تبلوها أنت منه فافعل فسكت معاوية وفشا أمرهما في أهل الشام.
قال أبان قال سليم ومر علي عليه السلام بجماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهم يشتمونه فأخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه وقال لهم:
انهضوا إليهم وعليكم السكينة وسيماء الصالحين ووقار الاسلام أقربنا من الجهل بالله والجرأة عليه والاغترار لقوم رئيسهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر والمجلود الجد في الاسلام والطريد مروان وهم هؤلاء يقربون ويشتمون وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعوني إلى عبادة الأوثان فالحمد لله على ما عاداني الفاسقون إن هذا لخطب جليل أن فساقا منافقين كانوا عندنا غير مؤتمنين وعلى الاسلام منحرفين [متخوفين " خ ل "] خدعوا شطر هذه الأمة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهوائهم إلى الباطل فقد نصبوا لنا الحرب
وجدوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.
ثم حرض عليهم وقال:
إن هؤلاء لا يزولون عن موقفهم هذا دون طعن دراك تطير منه القلوب وضرب تفلق الهام وتطيح منه الأنوف والعظام ويسقط منه المعاصم وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد وتنشر حواجبهم على صدورهم والأذقان والنحور.
أين أهل الدين وطلاب الاجر. [قال:] فثارت عليه عصابة نحو أربعة آلاف فدعا محمد بن الحنفية [و] قال: يا بني امش نحو هذه الرابة مشيا وئيدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الأسنة فأمسك حتى يأتيك رأيي ففعل.
وأعد علي مثلهم فلما دنا محمد وأشرع الرماح في صدورهم أمر علي الذين كان أعدهم أن يحملوا معه فشدوا عليهم ونهض محمد ومن معه في وجوههم فأزالوهم عن مواقفهم وقتلوا عامتهم.
بيان:
لصرر الرأس كأنه جمع صرة على الاستعارة، فشبه خرايط الدماغ وأوعية الرأس بالصرة التي تجعل فيها الدراهم.
وقال الجوهري: الشراسيف: مقاط الأضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن ويقال: الشرسوف: غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف. وقال: الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. وقال: الجحجاح:
السيد، والجمع: الجحاجح، وجمع الجحاجح: جحاجحة.
قوله: ودر المردي الحال [كذا].
أقول: روى ابن أبي الحديد عن نصر بن مزاحم كتاب معاوية وجوابه عليه السلام وما جرى بين معاوية وبين عمرو في ذلك وفي الأبيات اختلاف وفيها: " و در الآمرين لك الشهود " والمسود: الرعية لسيد يقال: ساد قومه يسودهم وفيها:
وترجو أن تحيره بشك * وتأمل أن يهابك [بالوعيد] والوليد: الطفيل.
وقال الجوهري: كتيبة جأوا: بينة الجأي وهي التي يعلوها لون السواد لكثرة الدروع. وفيها [أيضا]:
[يقول لها] إذا رجعت إليه * وقد ملت طعان القوم عودي والضمير في " لها " راجع إلى الجأواء.
[وبدل] قوله: " وإن صدرت " في الرواية " وإن صدت فليس بذي صدود ".
وفيها [أيضا]:
ولو أعطاكها ما ازددت عزا * ولا لك لو أجابك من مزيد فلم تكسر بذاك الرأي عودا * لركته ولا ما دون عود والدق بالكسر الدقيق. والركة: الرقة والضعف. وقال الجوهري: فيل رأيه: ضعفه. وقال: مشى مشيا وئيدا أي على تؤدة. وقال: يقال: امش على هينتك أي على رسلك وقد مر شرح سائر أجزاء الخبر ولم أبال بالتكرار للاختلاف الكثير بين الروايات.
أقول: وروى نصر بن مزاحم في كتاب صفين هذه المراسلة مع ما جرى فيه بين معاوية وعمرو والابيات باختلاف وقد أشرنا إلى بعضه.
482 - أمالي الصدوق: الحافظ عن أحمد بن عبد العزيز بن الجعد عن عبد الرحمن بن
صالح، عن شعيب بن راشد عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قام علي عليه السلام يخطب الناس بصفين يوم جمعة وذلك قبل [ليلة] الهرير بخمسة أيام فقال:
الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع خلقه البر والفاجر وعلى حججه البالغة على خلقه من عصاه أو أطاعه إن يعف فبفضل منه، وإن يعذب فبما قدمت أيديهم وما الله بظلام للعبيد.
أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء وأستعينه على ما نابنا من أمر ديننا وأومن به وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا.
ثم إني أشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودينه الذي ارتضاه وكان أهله واصطفاه على جميع العباد بتبليغ رسالته وحججه على خلقه وكان كعلمه فيه رؤوفا رحيما أكرم خلق الله حسبا وأجملهم منظرا وأشجعهم نفسا وأبرهم بوالد وآمنهم على عقد لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح ويعفو حتى مضى مطيعا لله صابرا على ما أصابه مجاهدا في الله حق جهاده عابدا لله حتى أتاه اليقين فكان ذهابه عليه السلام أعظم المصيبة على جميع أهل الأرض البر والفاجر.
ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله عهدا لن أخرج عنه وقد حضركم عدوكم وقد عرفتم من رئيسهم يدعوهم إلى باطل وابن عم نبيكم صلى الله عليه وآله بين أظهركم يدعوكم إلى طاعة ربكم والعمل بسنة نبيكم ولا سواء من صلى قبل كل ذكر لم يسبقني بالصلاة غير نبي الله، وأنا والله من أهل بدر، والله إنكم لعلى الحق وإن القوم لعلى الباطل فلا يصبر القوم على باطلهم ويجتمعوا عليه وتتفرقوا عن حقكم قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإن لم تفعلوا ليعذبنهم الله بأيدي غيركم.
فأجابه أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين انهض [بنا] إلى القوم إذا شئت فوالله ما نبغي بك بدلا نموت معك ونحيا معك فقال لهم مجيبا لهم:
والذي نفسي بيده لنظر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أضرب قدامه بسيفي فقال: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " ثم قال لي: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي وحياتك يا علي وموتك معي " فوالله ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي ولا نسيت ما عهد إلي إني إذا لنسئ وإني لعلى بينة من ربي بينها لنبيه صلى الله عليه وآله فبينها لي وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا.
ثم نهض إلى القوم يوم الخميس فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق ما كانت صلاة القوم يومئذ إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة فقتل علي عليه السلام يومئذ بيده خمس مائة وستة نفر من جماعة القوم فأصبح أهل الشام ينادون يا علي اتق الله في البقية ورفعوا المصاحف على أطراف القنا.
بيان: وموتك معي أي بعد الموت معي وأنا حاضر عندك ونصري وتأييدي معك في حياتك وبعد موتك أو حياتك كحياتي وموتك كموتي.
[قوله (عليه السلام)] " الفظه لفظا " أي أقول هذا الكلام جهرا ولا أبايى أن أبينه للناس. وقال الجوهري: القنا جمع قناة وهي الرمح ويجمع على قنوات. وقني على فعول وقناء.
483 - تفسير علي بن إبراهيم: هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: حدثني رجل من ولد عدي بن حاتم عن أبيه عن جده عدي بن حاتم وكان مع علي صلوات الله عليه في حروبه أن عليا عليه السلام قال ليلة الهرير بصفين حين التقى مع معاوية رافعا صوته يسمع أصحابه: لأقتلن معاوية وأصحابه ثم قال في آخر قوله: " إنشاء الله " يخفض به صوته وكنت منه قريبا فقلت: يا أمير المؤمنين إنك حلفت على ما قلت ثم استثنيت فما أردت بذلك؟ فقال: إن الحرب خدعة وأنا عند أصحابي صدوق فأردت أن أطمع أصحابي في قولي كي لا يفشلوا ولا يفروا فافهم فإنك تنتفع بها بعد إنشاء الله تعالى.
484 - الاختصاص:: أحمد بن هارون الفامي عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى عن محمد البرقي عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من التابعين ثلاثة نفر بصفين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة ولم يرهم أويس القرني وزيد بن صوحان العبدي وجندب الخير الأزدي رحمة الله عليهم.
بيان:
قال الشيخ في رجاله: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ويقال جندب الخير وجندب الفارق ويظهر من ابن عبد البر أن الفارق وهو جندب بن كعب الأزدي الذي قتل الساحر بين يدي الوليد بن عقبة كما مر في مطاعن عثمان ولذا لقب بالفارق لأنه فرق بضربة بين الحق والباطل وذكر أنه شهد مع علي عليه السلام بصفين ولعله المذكور في الخبر.
485 - العمدة: بإسناده إلى صحيح مسلم بإسناده إلى شقيق قال: سمعت سهل بن حنيف يقول بصفين: اتهموا رأيكم على دينكم والله لقد رأيتني يوم أبى جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرددته والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا سهل بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا.
بيان:
" أسهل بنا " كناية عن انتهاء الأمر ورفع الحرب من قولهم: أسهل إذا صار إلى السهل من الأرض ضد الحزن وقصة أبي جندل واشتباه الامر فيها على
الصحابة قد مر في باب الحديبية وغرضه أن هذا الامر شبيه بذاك فلا تنكروه.
486 - العمدة: من تفسير الثعلبي قال: روي خلف بن أبي خليفة عن أبي هاشم عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشدد بعضنا على بعض بالسيف قلنا نعم هو هذا.
487 - نهج البلاغة: روي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادما من صفين مر بالشاميين فسمع بكاء النساء على قتلى صفين وخرج إليه حرب بن شرحبيل الشامي وكان من وجوه قومه فقال له: أيغلبكم نساؤكم على ما أسمع ألا تنهونهن عن هذا الأنين [الرنين " خ ل "] وأقبل يمشي معه وهو عليه السلام راكب فقال له: ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن.
488 - نهج البلاغة: قال عليه السلام وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة: يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فرط سابق ونحن لكم تبع لاحق أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج فقد نكحت وأما الأموال فقد قسمت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟.
ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى.
بسم الله الرحمن الرحيم
[الباب الثالث عشر] باب شهادة عمار رضي الله عنه وظهور بغي الفئة الباغية بعد ما كان أبين من الشمس الضاحية وشهادة غيره من أتباع الأئمة الهادية 364 - الإحتجاج: روي عن الصادق عليه السلام أنه لما قتل عمار بن ياسر رحمة الله عليه ارتعدت فرائص خلق كثير وقالوا: قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " عمار تقتله الفئة الباغية " فدخل عمرو بن العاص على معاوية فقال:
يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا قال: لماذا. قال: قتل عمار. قال:
فماذا؟ قال أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تقتله الفئة الباغية فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه إنما قتله علي بن أبي طالب لما ألقاه بين رماحنا. فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب عليه السلام فقال: فإذا رسول الله
صلى الله عليه وآله هو الذي قتل حمزة وألقاه بين رماح المشركين!
365 - أمالي الصدوق: ابن موسى عن الأسدي عن النخعي عن إبراهيم بن الحكم عن محمد بن الفضيل عن مسعود الملائي عن حبة العرني قال: أبصر عبد الله بن عمرو رجلين يختصمان في رأس عمار رضي الله عنه يقول هذا: أنا قتلته ويقول هذا: أنا قتلته فقال ابن عمرو: يختصمان أيهما يدخل النار أولا. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قاتله وسالبه في النار.
فبلغ ذلك معاوية لعنه الله فقال ما نحن قتلناه وإنما قتله من جاء به.
قال الصدوق رحمه الله يلزمه على هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قاتل حمزة رضي الله عنه وقاتل الشهداء معه لأنه صلى الله عليه وآله هو الذي جاء بهم.
366 - أمالي الصدوق: وبهذا الاسناد عن إبراهيم بن الحكم عن عبيد الله بن موسي عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى العبسي قال: لما قتل عثمان
أتوا حذيفة فقالوا: يا أبا عبد الله قتل هذا الرجل وقد اختلف الناس فما تقول؟
قال: أما إذا أتيتم فأجلسوني قال: فأسندوه إلى صدر رجل منهم فقال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أبو اليقظان على الفطرة ثلاث مرات لن يدعها حتى يموت.
367 - أمالي الطوسي: المفيد عن محمد بن الحسن المقري عن الحسن بن علي بن عبد الله عن عيسى بن مهران عن الفضل بن دكين عن موسى بن قيس عن الحسين بن أسباط قال: سمعت عمار بن ياسر رحمه الله يقول عند توجهه إلى صفين: اللهم لو أعلم أنه أرضا لكم أن أرمي بنفسي من فوق هذا الجبل لرميت بها ولو أعلم أنه أرضى لك أن أوقد لنفسي نارا فأوقع فيها لفعلت وإني لا أقاتل أهل الشام إلا وأنا أريد بذلك وجهك وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا
أريد وجهك الكريم.
368 - قصص الأنبياء: الصدوق عن أحمد بن محمد الشحام عن عبد الرحمن بن أبي حاتم عن عمر الأودي عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: قال عمار رضي الله عنه يوم صفين: إئتوني بشربة لبن. فأتي فشرب ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن.
ثم تقدم فقتل فلما قتل أخذ خزيمة بن ثابت بسيفه فقاتل وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتل عمارا الفئة الباغية وقاتله في النار فقال معاوية: ما نحن قتلناه إنما قتله من جاء به.
369 - الخرائج: روي عن أم سلمة قالت: كان عمار ينقل اللبن بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وكان صلى الله عليه وآله يمسح التراب عن صدره ويقول: تقتلك الفئة الباغية.
370 - مناقب ابن شهرآشوب: كثر أصحاب الحديث على شريك وطالبوه بأنه يحدثهم بقول النبي صلى الله عليه وآله: " تقتلك الفئة الباغية " فغضب وقال : أتدرون أن لا فخر لعلي أن يقتل معه عمار إنما الفخر لعمار أن يقتل مع علي عليه السلام.
371 - رجال الكشي: ابن قتيبة عن الفضل عن محمد بن سنان عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: ما تقول في عمار. قال: رحم الله عمارا. - [كرر هذا] ثلاثا - قاتل مع أمير المؤمنين عليه السلام وقتل
شهيدا. قال: قلت في نفسي: ما تكون منزلة أعظم من هذه المنزلة فالتفت إلي فقال: لعلك تقول مثل الثلاثة هيهات هيهات قال: قلت: وما علمه أنه يقتل في ذلك اليوم؟ قال: إنه لما رأى الحرب لا يزداد إلا شدة والقتل لا يزداد إلا كثرة ترك الصف وجاء إلى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين هو هو؟ قال:
ارجع إلى صفك فقال له ذلك ثلاث مرات كل ذلك يقول له: ارجع إلى صفك فلما أن كان في الثالثة قال له: نعم فرجع إلى صفه وهو يقول:
اليوم ألقى الأحبة * محمدا وحزبه بيان:
الثلاثة سلمان وأبو ذر ومقداد رضي الله عنهم قوله: " هو هو " أي هذا وقت الوعد الذي وعدت من الشهادة.
رجال الكشي: خلف بن محمد عن عبيد بن محمود عن هاشم بن القاسم، عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: قال عمار بن ياسر: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم.
توضيح:
أي إني أريد أن أخاصم قاتلي عند الله فلا تسلبوني ثيابي لتكون لي شاهدا وحجة أو هو كناية عن الشهادة بالحق فإنه يلزمه المخاصمة أي إني شهيد حقيقة وحكمه أن يدفن بثيابه.
373 - رجال الكشي: خلف عن عبيد بن حميد عن أبي نعيم عن سفيان عن حبيب عن أبي البختري قال: أتي عمار يومئذ بلبن فضحك ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: آخر شراب تشربه من الدنيا مذقة من لبن حتى تموت.
في خبر آخر أنه قال: آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن.
توضيح:
المذقة بالفتح والضم: اللبن الممذوق أي المخلوط بالماء قال في النهاية:
المذق: المزج والخلط يقال: مذقت اللبن فهو مذيق إذا خلطته بالماء والمذقة: الشربة من اللبن الممذوق. والضياح بالفتح أيضا: اللبن الرقيق الممزوج بالماء.
374 - رجال الكشي: خلف عن الفتح بن عمرو الوراق عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب عن أسود بن مسعدة عن حنظلة بن خويلد قال: إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما أنا قتلته فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكم نفسا لصاحبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتله الفئة الباغية.
فقال معاوية لا تغني عنا بجنونك يا بن عمرو فما بالك معنا قال إني معكم ولست أقاتل إن أبي شكاني إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال لي رسول الله أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه فإني معكم ولست أقاتل.
بيان:
قال في النهاية: يقال: أغن عني شرك أي اصرفه وكفه.
375 - كشف الغمة: في هذا الحرب قتل أبو اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنه وقد تظاهرت الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: عمار بن ياسر جلدة بين عيني تقتله الفئة الباغية.
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال
لعمار: يقتلك الفئة الباغية.
قال ابن الأثير وخرج عمار بن ياسر على الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم لو أني أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحنى عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت وإني لا أعلم اليوم عملا أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم عملا هو أرضى لك منه لفعلته والله إني لأرى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون والله لو ضربونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل.
ثم قال: من يبتغي رضوان ربه فلا يرجع إلى مال ولا ولد.
فأتاه عصابة فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون بدم عثمان والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحقبوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا فبلغوا ما ترون ولولا هذه الشبهة ما تبعهم رجلان من الناس اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.
ثم مضى ومعه العصابة فكان لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي الوقاص وهو المرقال وكان صاحب راية علي عليه السلام فقال: يا هاشم أعورا وجبنا؟ لا خير في أعور لا يغشى
الناس اركب يا هاشم فركب ومضى معه وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا وعمار يقول: تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت تحت أطراف الأسل وقد فتحت أبواب السماء وزينت الحور العين اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.
وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا لك. فقال: لا ولكن أطلب بدم عثمان. قال له: [هيهات " خ ل "] أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله تعالى وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك لغد فإنك صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى ثم قاتل عمار ولم يرجع وقتل.
قال حبة بن جوين العرني قلت لحذيفة بن اليمان: حدثنا فإنا نخاف الفتن. فقال: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وإن آخر رزقه ضياح من لبن.
قال حبة فشهدته يوم قتل يقول: إئتوني بآخر رزق لي من الدنيا. فأتي بضياح من لبن في قدح أروح بحلقة حمراء! فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة فقال:
اليوم ألقى الأحبة * محمدا وحزبه وقال: والله لو ضربونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل.
ثم قتل رضي الله عنه قيل قتله أبو العادية واجتز رأسه ابن جوى السكسكي وكان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية وآخر شربة تشربها ضياح من لبن.
ونقلت من مناقب الخوارزمي قال: شهد خزيمة بن ثابت الأنصاري الجمل وهو لا يسل سيفا وصفين وقال: لا أصلي أبدا خلف إمام حتى يقتل عمار فانظر من يقتله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتله الفئة الباغية.
قال: فلما قتل عمار قال خزيمة: قد حانت لي الصلاة ثم اقترب فقاتل حتى قتل.
وكان الذي قتل عمارا أبو عادية المري طعنه برمح فسقط وكان يومئذ يقاتل وهو ابن أربع وتسعين سنة فلما وقع أكب عليه رجل فاجتز رأسه فأقبلا يختصمان كلاهما يقول: أنا قتلته.
فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا في النار!! فسمعها معاوية فقال لعمرو: وما رأيت مثل ما صنعت قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما:
إنكما تختصمان في النار فقال عمرو: هو والله ذلك وإنك لتعلمه ولوددت اني مت قبل هذا بعشرين سنة.
وبالاسناد عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعمر المسجد وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وآله فجعل ينفض التراب عن رأس عمار ويقول: يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد الاجر من الله تعالى قال: فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويحك تقتلك
الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار وقال عمار: أعوذ بالرحمن - أظنه قال: - من الفتن.
قال أحمد بن الحسين البيهقي: وهذا صحيح على شرط البخاري.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لأبيه عمرو حين قتل عمار: أقتلتم عمارا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال؟ فقال عمرو: لمعاوية أتسمع ما يقول عبد الله؟ فقال: إنما قتله من جاء به وسمعه أهل الشام فقالوا: إنما قتله من جاء به فبلغت عليا عليه السلام فقال: [إذا] يكون النبي صلى الله عليه وآله قاتل حمزة رضي الله عنه لأنه جاء به.
ونقلت عن مسند أحمد بن حنبل عن عبد الله بن الحارث قال: إني لأسير مع معاوية في منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص قال: فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعمار:
ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: ما يزال يأتينا بهنة أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به!!.
ومن مسند أحمد أيضا عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت [قال] ما زال جدي كافا سلاحه يوم الجمل حتى قتل عمار بصفين فسل سيفه فقاتل حتى قتل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتل عمارا الفئة الباغية.
ومن المسند عن علي عليه السلام أن عمارا استأذن على النبي صلى الله عليه وآله فقال: الطيب المطيب ائذن له.
ومن المناقب عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا:
يا أبا أيوب إن الله أكرمك بنبيه صلى الله عليه وآله إذ أوحى إلى راحلته فبركت على بابك وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ضيفا لك فضيلة فضلك الله بها أخبرنا عن مخرجك مع علي؟ قال: فإني أقسم لكما إنه كان رسول الله في هذا البيت الذي أنتما فيه وليس في البيت غير رسول الله وعلي جالس عن يمينه وأنا عن يساره وأنس قائم بين يديه إذ تحرك الباب فقال عليه السلام: أنظر من بالباب فخرج أنس وقال: هذا عمار بن ياسر فقال: افتح لعمار الطيب المطيب. ففتح أنس ودخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فرحب به وقال: إنه ستكون بعدي في أمتي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يبرأ بعضهم من بعض فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني علي بن أبي طالب عليه السلام وإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس إن عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردي. يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله.
توضيح: قوله عليه السلام " جلدة بين عيني " وفي بعض الروايات " جلدة ما بين عيني وأنفي " وعلى التقديرين كناية عن غاية الاختصاص وشدة الاتصال.
وقال في النهاية: في حديث عمار: " لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر " السعفات جمع سعفة بالتحريك وهي أغصان النخيل. وقيل: إذا يبست سميت سعفة فإذا كانت رطبة فهي شطبة. وإنما خص " هجر " للمباعدة في المسافة ولأنها موصوفة بكثرة النخل " وهجر " اسم بلد معروف بالبحرين.
وفي القاموس: احتقبه واستحقبه: ادخره. وفي الصحاح: احتقبه واستحقبه بمعنى أي احتمله ومنى قيل: احتقب فلان الاثم كأنه جمعه واحتقبه من خلفه.
وفي النهاية: العوار بالفتح وقد يضم العيب وقيل: انهم يقولون للردئ من كل شئ من الأمور والأخلاق أعور وكل عيب وخلل في شئ فهو عورة.
والأسل محركة: الرماح. قوله: " أظنه " أي قال الخدري أظن أن عمارا قال:
أعوذ بالرحمن من الفتن.
وفي النهاية فيه: " ستكون هنات وهنات " أي شرور وفساد يقال: في فلان هنات: أي خصال شر ولا يقال في الخير وواحدها هنت وقد يجمع على هنوات وقيل واحدها هنة تأنيث هن وهو كناية عن كل اسم جنس.
376 - الكفاية: أبو المفضل الشيباني عن محمد بن الحسين بن حفص عن عباد بن يعقوب عن علي بن هاشم عن محمد بن عبد الله عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده عمار قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض غزواته وقتل علي عليه السلام أصحاب الألوية وفرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي وقتل شيبة بن نافع أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله إن عليا قد جاهد في الله حق جهاده فقال: لأنه مني وأنا منه وارث علمي وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة بعدي ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي حربه حربي وحربي حرب الله وسلمه سلمي وسلمي سلم الله ألا أنه أبو سبطي والأئمة بعدي من صلبه يخرج الله تعالى الأئمة الراشدين ومنهم مهدي هذه الأمة فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا المهدي قال: يا عمار إن الله تبارك وتعالى عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسين أئمة تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قوله عز وجل:
* (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) * [30 / الملك] يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملا الدنيا قسطا وعدلا ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل وهو سميي وأشبه الناس بي.
يا عمار سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا وحزبه فإنه مع الحق والحق معه.
يا عمار إنك ستقاتل بعدي مع علي صنفين الناكثين والقاسطين ثم يقتلك الفئة الباغية.
قلت: يا رسول الله أليس ذلك على رضا الله ورضاك؟ قال: نعم على رضا الله ورضاي ويكون آخر زادك شربة من لبن تشربه.
فلما كان يوم صفين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال؟ قال: مهلا رحمك الله فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاده ثالثا فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فنظر إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إنه اليوم الذي وصف لي رسول الله صلى الله عليه وآله فنزل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن بغلته وعانق عمارا وودعه ثم قال: يا أبا اليقظان جزاك الله عن الله وعن نبيك خيرا فنعم الأخ كنت ونعم الصاحب كنت ثم بكا عليه السلام وبكا عمار ثم قال: والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم حنين: يا عمار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا وحزبه فإنه مع الحق والحق معه وستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين.
فجزاك الله يا أمير المؤمنين عن الاسلام أفضل الجزاء فلقد أديت وبلغت ونصحت ثم ركب وركب أمير المؤمنين عليه السلام ثم برز إلى القتال.
ثم دعا بشربة من ماء فقيل: ما معنا ماء فقام إليه رجل من الأنصار فأسقاه شربة من لبن فشربه ثم قال: هكذا عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من اللبن.
ثم حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفسا فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعنا فقتل رحمه الله.
فلما كان الليل طاف أمير المؤمنين في القتلى فوجد عمارا ملقى فجعل رأسه على فخذه ثم بكا عليه السلام وأنشأ يقول:
أيا موت كم هذا التفرق عنوة * فلست تبقى لي خليل خليل أراك بصيرا بالذين أحبهم * كأنك تمضي نحوهم بدليل
بيان: الشعر في الديوان هكذا:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كل خليل أراك مضرا بالذين أحبهم * كأنك تنحو نحوهم بدليل وروى الشارح عن ابن أعثم أن عمارا رضي الله عنه لما برز يوم صفين قال: أيها الناس هل من رائح إلى الله تطلب الجنة تحت ظلال الأسنة اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.
فطعنه ابن جون في صدره فرجع وقال: أسقوني شربة من ماء فأتاه راشد مولاه بلبن فلما رآه كبر وقال: هذا ما أخبرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله بأن آخر زادي من الدنيا ضياح من لبن فلما شرب خرج من مكان الجرح وسقط وتوفي رضي الله عنه فأتاه علي عليه السلام وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن امرءا لم يدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو في الاسلام من شئ ثم صلى عليه وقرأ هاتين البيتين.
377 - الاختصاص: عن محمد بن الحسن عن محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي عن نصر بن أحمد عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن محمد بن إسحاق عن صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني شيخ من أسلم شهد صفين مع القوم قال:
والله إن الناس على سكناتهم فما راعنا إلا صوت عمار بن ياسر حين اعتدلت الشمس أو كادت تعتدل وهو يقول: أيها الناس من رائح إلى الجنة كالظمآن يرى الماء؟ ما الجنة إلا تحت أطراف العوالي اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.
يا معشر المسلمين أصدقوا الله فيهم فإنهم والله أبناء الأحزاب دخلوا في هذا الدين كارهين حين أذلتهم حد السيوف وخرجوا منه طائعين حتى أمكنتهم الفرصة.
وكان يومئذ ابن تسعين سنة قال: فوالله ما كان إلا الالجام والاسراج.
وقال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص إن هذه الراية قد قاتلتنا ثلاث عركات وما هي بأرشدهن ثم حمل وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل على خليله أو يرجع الحق إلى سبيله * يا رب إني مؤمن بقيله ثم استسقى عمار واشتد ظمأه فأتته امرأة طويلة اليدين ما أدري أعس معها أم إداوة فيها ضياح من لبن [فشربه] وقال الجنة تحت الأسنة اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه.
والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل.
ثم حمل وحمل عليه ابن جوين السكسكي وأبو العادية الفزاري فأما أبو العادية فطعنه وأما ابن جوين اجتز رأسه لعنهما الله.
إيضاح: العالية: أعلى الرمح والجمع: العوالي. وفي الصحاح: لقيته عركة بالتسكين أي مرة ولقيته عركات أي مرات.
378 - العمدة: من صحيح مسلم بأسانيد عن أبي سعيد الخدري قال:
أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: أبشر ابن سمية يقتلك فئة باغية.
وبأسانيد أيضا عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية.
وبسند آخر عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقتل عمارا الفئة الباغية.
ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي الحديث السادس عشر من إفراد البخاري من الصحيح عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد الخدري واسمعا من حديثه. فانطلقنا فإذا هو في حائط له يصلحه فأخذ رداءه واحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار اثنتين اثنتين فرآه النبي صلى الله عليه وآله فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وكان يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
ثم ذكر الخبر بسند آخر عن عكرمة مثله.
ثم قال: قال الحميدي: وفي هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلا في طريق هذا الحديث ولعلها لم تقع إليه أو وقعت فحذفها لغرض قصده.
وأخرجه أبو بكر البرقاني وأبو بكر الإسماعيلي قبله وفي هذا الحديث عندهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية
ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.
قال أبو مسعود الدمشقي في كتابه: لم يذكر البخاري هذه الزيادة وهي في حديث عبد الله بن المختار وخالد بن عبد الله الواسطي ويزيد بن زريع ومحبوب بن الحسن وشعبة كلهم عن خالد الحذاء وروى إسحاق عن عبد الوهاب هكذا.
قال: وأما حديث عبد الوهاب الذي أخرجه البخاري [من] دون [تلك] الزيادة فلم يقع إلينا من غير حديث البخاري.
هذا آخر معنى ما قاله أبو مسعود.
أقول: قال [ابن الأثير] في [مادة: " ويح - ويس " من كتاب] النهاية:
فيه قال لعمار: " ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية " ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترفع وتضاف ولا تضاف يقال: ويح زيد وويحا له وويح له.
ثم قال: وفيه قال لعمار: " ويس ابن سمية " وفي رواية " يا ويس ابن سمية " ويس كلمة [تقال] لمن يرحم ويرفق [به] مثل " ويح " وحكمها حكمها.
379 - رجال الكشي: جعفر بن معروف عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن حسين بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أقواما يزعمون أن عليا صلوات الله عليه لم يكن إماما حتى أشهر سيفه: [قال]:
خاب إذن عمار وخزيمة بن ثابت وصاحبك أبو عمرة وقد خرج يومئذ صائما بين الفئتين بأسهم فرمى بها قربي يتقرب بها إلى الله حتى قتل يعني عمارا.
بيان: لعل المعنى أنهم [ما] كانوا يعتقدون إمامته عليه السلام قبل أن
يشهر سيفه فيكونوا من الخائبين بتلك العقيدة ولعل التخصيص لأنهم كانوا أعرف بهذا الوصف عند السائل من غيرهم والظاهر أن الزاعمين [هم] الزيدية المشترطون في الإمامة الخروج بالسيف.
قوله عليه السلام: " صائما " يمكن أن يكون صائما ابتداء ثم اضطر إلى شرب اللبن أو شربه تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وآله.
وقال السيد الداماد قدس سره: " صائما " أي قائما واقفا ثابتا للقتال من الصوم بمعنى القيام والوقوف يقال: صام الفرس صوما أي قام على غير اعتلاف وصام النهار صوما إذا قام قائم الظهيرة واعتدل. والصوم: ركود الريح ومصام الفرس ومصامته موقفه والصوم أيضا الثبات والدوام والسكون وما صائم ودائم وقائم وساكن بمعنى.
والباء في " بأسهم " للملابسة والمصاحبة. أو خرج بين الفئتين وكان صائما بالصيام الشرعي والباء أيضا للملابسة أو من الصوم بمعنى البيعة أي خرج مبايعا على بذل المهجة في سبيل الله أو خرج بين صفي الفئتين داميا بأسهم من قولهم صام النعام أي رمى بذرقه وهو صومه فالباء للصلة أو الدعامة فقد جاء الصوم بهذه المعاني كلها في الصحاح وأساس البلاغة والمعرب والمغرب والقاموس والنهاية انتهى.
أقول: قد مضى كثير من أخبار هذا الباب في باب فضائل عمار وفي باب مطاعن عثمان.
380 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم عن سفيان الثوري وقيس بن
الربيع عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي عليه السلام قال جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي صلى الله عليه وآله: فقال: إئذنوا له مرحبا بالطيب المطيب.
وعن سفيان بن سعيد عن سلمة بن كهيل عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وآله حين رآهم يحملون الحجارة حجارة المسجد فقال: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وذاك دأب الأشقياء الفجار.
وعن سفيان عن الأعمش عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قال: لقد ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه.
وعن الحسن بن صالح عن أبي ربيعة الأيادي عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان.
وعن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما بني المسجد جعل عمار يحمل حجرين حجرين فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا اليقظان لا تشق على نفسك. قال: يا رسول الله إني أحب أن أعمل في هذا المسجد قال: ثم مسح ظهره ثم قال: إنك من أهل الجنة تقتلك الفئة الباغية.
وعن حفص بن عمران الأزرق البرجمي عن نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص لأبيه: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بطواعيتك ما سرت هذا المسير أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية.
وعن حفص بن عمران البرجمي عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: أصيب أويس القرني مع علي بصفين.
وعن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن عمار بن ياسر نادى يومئذ: أين من يبغي رضوان ربه ولا يؤب إلى مال ولا ولد؟ قال: فأتته عصابة من الناس فقال: يا أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله.
ودفع علي الراية إلى هاشم بن عتبة وكان عليه درعان فقال له علي عليه السلام كهيئة المازح: أيا هاشم أيا تخشى على نفسك أن تكون أعورا جبانا؟
قال: ستعلم يا أمير المؤمنين والله لألفن بين جماجم القوم لف رجل ينوي الآخرة. فأخذ رمحا فهزه فانكسر ثم أخذ آخر فوجده جاسيا فألقاه ثم دعا برمح لين فشد به لواءه.
ولما دفع علي عليه السلام الراية إلى هاشم قال له رجل من بكر بن وائل من أصحاب هاشم: أقدم ما لك يا هاشم قد انتفخ سحرك عورا وجبنا قال:
من هذا قالوا فلان قال: أهلها وخير منها إذا رأيتني صرعت فخذها ثم قال لأصحابه: شدوا شسوع نعالكم وشدوا أزركم فإذا رأيتموني قد هززت الراية ثلاثا فاعلموا أن أحدا منكم لا يسبقني إليها ثم نظر هاشم إلى عسكر معاوية فرأى جمعا عظيما فقال: من أولئك؟ قالوا: أصحاب ذي الكلاع ثم نظر فرأى جندا آخر فقال: من أولئك قالوا: جند أهل المدينة قريش قال: قومي لا حاجة لي في قتالهم قال: من عند هذه القبة البيضاء؟ قيل معاوية وجنده فحمل حينئذ يرقل إرقالا.
وعن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما كان قتال صفين والراية مع هاشم بن عتبة جعل عمار بن ياسر يتناوله بالرمح ويقول:
أقدم يا أعور.
لا خير في أعور لا يأتي الفزع.
قال: فجعل يستحيي من عمار وكان عالما بالحرب فيتقدم فيركز الراية إذا
سامت إليه الصفوف قال عمار: أقدم يا أعور لا خير في أعور لا يأتي الفزع.
فجعل عمرو بن العاص يقول: إني لأرى لصاحب الراية السوداء عملا لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم. فاقتتلوا قتالا شديدا.
وجعل عمار يقول: صبرا عباد الله الجنة في ظلال البيض.
قال: وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى أكتافهم وشعارهم يا الله يا أحد يا صمد يا رحيم.
وكانت علامة أهل الشام خرقا بيضا قد جعلوها على رؤوسهم وأكتافهم وكان شعارهم نحن عباد الله حقا يا لثارات عثمان.
قال: فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد فما تحاجزنا حتى حجز بينا سواد الليل وما يرى رجلا منا ولا منهم موليا فلما أصبحوا وذلك اليوم الثلاثاء خرج الناس إلى مصافهم فقال أبو نوح: فكنت في خيل علي عليه السلام فإذا أنا برجل من أهل الشام يقول: من يدلني على الحميري أبي نوح؟ قال:
قلت: فقد وجدته فمن أنت؟ قال: أنا ذو الكلاع سر إلي فقال أبو نوح:
معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة قال ذو الكلاع: سر فلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة ذي الكلاع حتى ترجع إلى خيلك فإنما أريد بذلك أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه.
فسارا حتى التقيا فقال ذو الكلاع: إنما دعوتك أحدثك حديثا حدثنا عمرو بن العاص في إمارة عمر بن الخطاب. قال أبو نوح: وما هو؟ قال:
حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر قال أبو نوح: لعمرو الله إنه لفينا. قال: أجاد هو على قتالنا؟ قال أبو نوح:
نعم ورب الكعبة لهو أشد على قتالكم مني.
فقال ذو الكلاع: هل تستطيع أن تأتي معي صف أهل الشام فأنا لك جار منهم حتى تلقى عمرو بن العاص فتخبره عن عمار وجده في قتالنا لعله
يكون صلحا بين هذين الجندين فقال له أبو نوح: إنك رجل غادر وأنت في قوم غدور وإن لم تكن تريد الغدر أغدروك وإني أن أموت أحب إلي من أن أدخل مع معاوية وأدخل في دينه وأمره. فقال ذو الكلاع: أنا جار لك من ذلك أن لا تقتل ولا تسلب ولا تكره على بيعة ولا تحبس عن جندك وإنما هي كلمة تبلغها عمرا لعل الله أن يصلح بين هذين الجندين ويضع عنهم الحرب والسلاح.
فسار معه حتى أتى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس وعبد الله بن عمرو يحرض الناس فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا [أ] با عبد الله هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر ولا يكذبك؟ قال عمرو: من هذا معك؟ قال: هذا ابن عمي وهو من أهل الكوفة فقال له عمرو: إني لأرى عليك سيماء أبي تراب. قال أبو نوح: علي سيماء محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه وعليك سيماء أبي جهل وسيماء فرعون.
فقام أبو الأعور فسل سيفه ثم قال: لا أرى هذا الكذاب يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيماء أبي تراب فقال ذو الكلاع: أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأحطمن أنفك بالسيف ابن عمي وجاري عقدت له ذمتي وجئت به إليكم ليخبركم عمار تماريتم فيه.
فقال له عمرو: أذكرك بالله يا أبا نوح إلا ما صدقت أفيكم عمار بن ياسر؟ فقال له أبو نوح: ما أنا بمخبرك عنه حتى تخبرني لم تسأل عنه؟ فإن معنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله غيره وكلهم جاد على قتالكم. قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عمارا تقتله الفئة الباغية وإنه ليس ينبغي لعمار أن يفارق الحق ولن تأكل النار منه شيئا.
فقال أبو نوح: لا إله إلا الله والله أكبر والله إنه لفينا جاد على قتالكم فقال عمرو: والله إنه لجاد على قتالنا؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثني يوم الجمل أنا سنظهر عليهم ولقد حدثني أمس أن لو ضربونا حتى
يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على باطل ولكانت قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.