بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۳۶۴–۴۰۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۳ از ۲۱
بيان: قوله: " إعذاري فيكم " يحتمل أن يكون الخطاب لبني أمية أو لجميع الأمة واختار ابن أبي الحديد الأول وقال: أي مع كوني ذا عذر لو ذممتكم وأسأت إليكم فلم أفعله بل أعرضت عن إساءتكم إلي وضربت عنكم صفحا حتى كان ما لابد منه يعني قتل عثمان.
وقال ابن ميثم: يعني إعذاره إلى الله فيهم وإظهار عذره باجتهاده في نصيحة عثمان أولا ونصرة بني أمية بالذب عنه ثانيا وإعراضه عنهم بعد إياسه عنهم من قبول عثمان نصيحته ومن نصرته والدفع عنه حتى كان ما لابد منه ولا دفع له من قبله انتهى.
قيل : ويحتمل أن يكون المراد بإعذاره (عليه السلام) استنكافه عن البيعة أولا وهو إعراضه عنهم، وما لابد منه ولا دفع له هو خلافته (عليه السلام)، وقد مر مثله في مخاطبة طلحة والزبير فالخطاب لجميع الأمة.
قوله (عليه السلام): " وقد أدبر ما أدبر " أي أدبر ذلك الزمان وأقبل زمان آخر.
وفي بعض النسخ " من أدبر " أي بعض الناس أقبلوا إلي وبعضهم أدبر كطلحة والزبير وأشباههما.
وقال الجوهري: وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا فهو وافد والجمع:
وفد مثل. صاحب وصحب.
341 - كتاب الصفين لنصر بن مزاحم عن عمر بن سعد [الأسدي] عن نمير بن وعلة عن عامر الشعبي أن عليا (عليه السلام) حين قدم من البصرة نزع جريرا عن همدان فجاء حتى نزل الكوفة فأراد [علي] أن يبعث إلى معاوية رسولا فقال له جرير: ابعثني إليه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الامر ويكون
أميرا من أمراءك وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وجلهم قومي وأهل بلادي وقد رجوت أن لا يعصوني.
فقال له الأشتر: لا تبعثه ودعه ولا تصدقه فوالله إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم!! فقال له علي عليه السلام: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا.
فبعثه علي (عليه السلام) وقال له حين أراد أن يبعثه: إن حولي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل الدين والرأي من قد رأيت وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيك:
" من خير ذي يمن " إئت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه وأعلمه إني لا أرضى به أميرا وأن العامة لا ترضى به خليفة.
فانطلق جرير حتى [أتى الشام و] نزل بمعاوية فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر، وأهل العروض والعروض عمان وأهل البحرين. واليمامة فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ولو سال عليها سيل من أوديته غرقها وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل.
ودفع إليه كتاب علي بن أبي طالب (عليه السلام):
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام
لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغايب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا.
وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك.
وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس وحاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن.
ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى.
وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله وهو من أهل الايمان والهجرة فبايع ولا قوة إلا بالله.
فلما قرأ الكتاب قام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أمر عثمان [قد] أعيا من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه، وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث.
ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن ألا وإن العرب لا تحتمل السيف وقد؟
كانت بالبصرة أمس ملحمة إن تشفع البلاء بمثلها فلا نبأ للناس وقد بايعت
العامة عليا. ولو ملكنا والله أمورنا لم نختر لها غيره، ومن خالف هذا استعتب.
فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس.
فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين وكان لكل امرئ ما في يده ولكن الله لم يجعل للآخر من الولاة حق الأول وجعل تلك أمورا موطأة وحقوقا ينسخ بعضها بعضا.
فقال معاوية: انظر وتنظر وأستطلع رأي أهل الشام.
فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية مناديا فنادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر وقال بعد كلام طويل.
أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأني خليفة عثمان بن عفان عليكم وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط وأني ولي عثمان وقد قتل مظلوما والله يقول: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان؟!
فقام أهل الشام بأجمعهم وأجابوا إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا ثاره أو يفني الله أرواحهم.
قال: فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه.
342 - 356 - قال نصر: وحدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال:
واستحثه جرير بالبيعة فقال: يا جرير إنها ليست بخلسة وإنه أمر له ما بعده فأبلعني ريقي حتى أنظر.
ودعا ثقاته [وشارهم في الامر؟] فقال له عتبة بن أبي سفيان: استعن على هذا الامر بعمرو بن العاص وأثمن له بدينه فإنه من قد عرفت وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن يرى فرصة.
فروى نصر عن عمر بن سعد ومحمد بن عبيد الله قالا: كتب معاوية إلى عمرو:
أما بعد فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني أقبل أذاكرك أمرا.
قال: فلما قرئ الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبد الله ومحمدا فقال:
ما تريان؟
فقال عبد الله: أرى أن نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده وقتل عثمان وأنت عنه غائب فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أو شك أن تهلك فتشقي فيها.
وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ولن يصرم هذا الامر
وأنت فيه خامل يتصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديها واطلب بدم عثمان فإنك قد استسلمت فيه إلى بني أمية.
فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وأنا ناظر فيه.
فلما جنه الليل رفع صوته ينشد أبياتا في ذلك يرددها فقال عبد الله ترحل الشيخ.
قال: ودعا عمرو غلاما له يقال له: وردان وكان داهيا ماردا فقال:
ارحل يا وردان ثم قال: حط يا وردان. فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك؟ قال: هات ويحك قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا عوض من الآخرة فأنت واقف بينهما!!
قال [عمرو]: فإنك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك!!! قال: الآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية.
فارتحل وسار حتى قدم على معاوية وعرف ذلك معاوية فباعده وكايد كل واحد منهما صاحبه!!! فلما دخل عليه قال: أبا عبد الله طرقتنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر.
قال [عمرو]: وما ذاك؟ قال ذاك إن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه وهو من آفات هذا الدين.
ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم إلي ليغلب على الشام.
ومنها أن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا.
قال [عمرو]: ليس كل ما ذكرت عظيما.
أما أمر ابن أبي حذيفة فما يعظمك من رجل خرج في أشباهه أن تخرج [إليه] الخيل [حتى] تقتله أو تأتيك به وإن فاتك لا يضرك وأما قيصر فاهد له من وصفاء الروم ووصائفها وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنه إليها سريع.
وأما علي فلا والله يا معاوية لا تسوى العرب بينك وبينه في شئ من الأشياء وإن له في الحرب لحظا ما هو لاحد من قريش وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه.
وروى نصر عن عمر بن سعد بإسناده قال: قال معاوية لعمرو: يا أبا عبد الله إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وشق عصا المسلمين وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرق الجماعة وقطع الرحم!! قال عمرو: إلى من؟
قال: إلى جهاد علي قال: فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا فقهه ولا علمه ووالله وإن له مع ذلك جدا وجدودا وحظا وحظوة وبلاء من الله حسنا فما تجعل لي إن شايعتك على ما تريد؟ قال: حكمك. قال: مصر طعمة. قال: فتلكأ عليه معاوية.
قال نصر وفي حديث غير عمر قال: قال له معاوية: يا أبا عبد الله إني أكره أن تحدث العرب أنك إنما دخلت في هذا الامر لغرض دنيا!! قال: دعني منك قال معاوية: إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت قال عمرو: لا لعمر الله ما مثلي يخدع ولأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: ادن مني برأسك أسارك. قال: فدنا منه عمرو [كي] يساره فعض معاوية أذنه وقال: هذه خدعة هل ترى في البيت أحدا غيري وغيرك.
ثم رجع [الكلام] إلى حديث عمر فقال معاوية: يا أبا عبد الله ألم تعلم أن مصرا مثل العراق؟ قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق.
قال فدخل عليه عتبة بن أبي سفيان فقال: أما ترضى أن تشتري عمروا بمصر إن هي صفت لك؟ فليتك لا تغلب على الشام.
فقال معاوية: يا عتبة بت عندنا الليلة قال: فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية بأبيات يحثه فيها على إرضاء عمرو، فلما سمع معاوية ذلك أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه.
قال: فقال عمرو: ولي الله عليك بذلك شاهد؟ قال له معاوية: نعم لك الله علي بذلك لئن فتح الله علينا الكوفة. قال عمرو: والله على ما نقول وكيل.
قال: فخرج عمرو من عنده فقال له ابناه: ما صنعت؟ قال: أعطانا مصر. فقالا: وما مصر في ملك العرب؟ قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر.
قال: فأعطاها إياه وكتب له كتابا وكتب معاوية: على أن لا ينقض شرط طاعة فكتب عمرو على أن لا تنقض طاعته شرطا.
وكايد كل منهما صاحبه.
وكان مع عمرو ابن عم له فتى شاب وكان داهيا فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتى وقال: ألا تخبرنا يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب؟ فقال عمرو: يا ابن الأخ إن الامر لله دون علي ومعاوية فأنشد الفتى في ذلك شعرا فقال له عمرو: يا ابن أخي لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكني الآن مع معاوية. فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك ولكنك تريد دنياه ويريد دينك.
وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب ولحق بعلي فحدثه بأمر عمرو ومعاوية قال: فسر ذلك عليا وقربه.
قال: وغضب مروان وقال ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو؟ قال:
فقال له معاوية: إنما نبتاع الرجال لك.
قال: فلما بلغ عليا ما صنع معاوية وعمرو قال:
يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعراء إلى آخر ما سيأتي من الأبيات في آخر الأبواب.
وروى نصر عن محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما بات عمرو عند
معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة وكتب له بها كتابا وقال: ما ترى؟ قال:
امض الرأي الأول.
فبعث [معاوية] مالك بن هبيرة في طلب ابن أبي حذيفة فأدركه فقتله وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه.
ثم قال: [معاوية لعمرو]: ما ترى في علي؟ قال: أرى فيه خيرا أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق ومن عند خير الناس في أنفس الناس ودعوتك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد ورأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدو لجرير فأرسل إليه ووطئ له ثقاتك فليفشوا في الناس أن عليا قتل عثمان وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ومن تعلق بقلبه شئ لم يخرجه شئ أبدا.
فدعا معاوية يزيد بن لبيد وبسر بن أرطأة وعمرو بن سفيان ومخارق بن الحرث الزبيدي وحمزة بن مالك وحابس بن سعيد الطائي ثم كتب إلى شرحبيل أن جرير بن عبد الله قدم علينا من قبل علي بأمر فظيع فاقدم.
فاستشار شرحبيل أهل اليمن من أهل حمص فاختلفوا عليه، فقام إليه عبد الرحمان بن غنم وهو صاحب معاذ وختنه وكان أفقه أهل الشام فنهاه عن المسير إلى معاوية ووعظه ونهاه أيضا عياض اليماني وكان ناسكا.
فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية.
فلما قدم عليه تلقاه الناس فأعظموه ودخل على معاوية فقال له معاوية: يا شرحبيل إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي وعلي خير الناس لولا أنه قتل عثمان وحبست نفسي عليك وإنما أنا رجل من أهل الشام أرضى ما رضوا وأكره ما كرهوا.
فقال شرحبيل: أخرج فانظر فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطئون له كلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان فرجع مغضبا إلى معاوية فقال: يا معاوية أبى الناس إلا أن عليا قتل عثمان والله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك!
قال معاوية: ما كنت لأخالف عليكم ما أنا إلا رجل من أهل الشام. قال فرد هذا الرجل إلى أصحابه [إذن ].
قال: فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق وأن أهل الشام مع شرحبيل.
فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال: ابعث إلى جرير فبعث إليه حصين أن زرنا فإن عندنا شرحبيل بن السمط فاجتمعا عنده.
فتكلم شرحبيل فقال: يا جرير أتيتنا بأمر ملفق لتلقينا في لهوات الأسد وأردت أن تخلط الشام بالعراق وأطريت عليا وهو قاتل عثمان والله سائلك عما قلت يوم القيامة.
فأقبل عليه جرير وقال: يا شرحبيل أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون أمرا ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار وقوتل على رده طلحة والزبير.
وأما قولك: إني ألقيتك في لهوات الأسد ففي لهواتها ألقيت نفسك.
وأما خلط العراق بالشام فخلطها على حق خير من فرقتها على باطل.
وأما قولك إن عليا قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد، ولكنك ملت إلى الدنيا وشئ كان في نفسك علي زمن سعد بن أبي وقاص.
فبلغ معاوية قول الرجلين فبعث إلى جرير وزجره وكتب جرير إلى شرحبيل أبياتا يعظه فيها فزعر شرحبيل وفكر فاستزله القوم ولفف له معاوية الرجال ولم ينفعه زجر قومه [له] ولا غيرهم حتى أنه بعثه معاوية إلى مدائن الشام يدعوهم إلى الطلب بدم عثمان فبدأ بأهل حمص فأجابوه إلا نساك من أهل حمص فإنهم قاموا إليه فقالوا: بيوتنا قبورنا ومساجدنا وأنت أعلم بما ترى.
وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به.
فآيس جرير [عند ذلك] من معاوية ومن عوام الشام.
قال [نصر]: وكان معاوية قد أتى جريرا قبل ذلك في منزله فقال: يا جرير إني قد رأيت رأيا. قال: هاته. قال: اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لاحد بعده بيعة في عنقي وأسلم له هذا الامر واكتب إليه بالخلافة!!! فقال جرير: اكتب بما أردت واكتب معك فكتب معاوية بذلك إلى علي.
فكتب علي إلى جرير:
أما بعد فإنما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما أحب، وأراد أن يريثك حتى يذوق أهل الشام، وإن المغيرة بن شعبة قد كان أشار علي أن أستعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت ذلك عليه.
ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل وإلا فأقبل.
وفشا كتاب معاوية في العرب.
وفي حديث صالح بن صدقة قال: أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس وقال علي: " وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا " وأبطأ على علي (عليه السلام) حتى آيس منه.
وفي حديث محمد وصالح بن صدقة قالا: وكتب علي (عليه السلام) إلى جرير:
أما بعد فإذا أتاك كتابي [هذا] فاحمل معاوية على الفصل ثم خيره وخذه
بالجواب بين حرب مخزية أو سلم محظية فإن اختار الحرب فانبذ له، وإن اختار السلم فخذه ببيعته.
فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى به إلى معاوية فأقرأه الكتاب وقال: يا معاوية إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب ولا ينشرح إلا بتوبة ولا أظن قلبك لا مطبوعا أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي ؟؟؟ فقال معاوية ألقاك بالفيصل في أول مجلس إنشاء الله.
فلما بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال: يا جرير الحق بصاحبك وكتب إليه بالحرب فأجابه علي (عليه السلام):
من علي إلى معاوية بن صخر أما بعد فقد أتاني كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه وقاده [الضلال] فاتبعه.
زعمت أنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا وما كان الله ليجمعهم على ضلالة ولا ليضربهم بالعمى وما أمرت فيلزمني خطيئة الامر، ولا قتلت فيجب علي قصاص.
وأما قولك: إن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة؟ فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار وإلا أتيتك به من قريش الحجاز.
وأما قولك: ادفع إلينا قتلة عثمان، فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أمية وبنو عثمان أولى بذلك منك.
فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلي أحملك إياهم على المحجة.
وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبينك وبين طلحة والزبير فلعمري ما الامر فيما هناك إلا واحد لأنها بيعة عامة لا يثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار.
وأما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان ولا يقين بالخبر.
وأما فضلي بالاسلام وقرابتي من النبي صلى الله عليه وآله وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته.
[نصر، عن] صالح بن صدقة بإسناده قال: لما رجع جرير إلى علي (عليه
السلام) كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية فاجتمع جرير والأشتر عند علي (عليه السلام) فقال الأشتر: أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى من خناقه وأقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو روحه إلا فتحه أو يخاف غمه الا سده.
فقال جرير: والله أو أتيتهم لقتلوك - وخوفه بعمرو، وذي الكلاع وحوشب - وقد زعموا أنك من قتلة عثمان.
فقال الأشتر: لو أتيته والله يا جرير لم يعييني جوابها ولم يثقل علي محملها ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر قال: فأتهم إذا. قال: الآن وقد أفسدتهم ووقع بيننا الشر؟
وعن الشعبي قال: اجتمع جرير والأشتر عند علي (عليه السلام) فقال الأشتر: أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه وأقبل الأشتر يشتمه ويقول: يا أخا بجيلة إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان والله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الأرض حيا إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم وأنت والله منهم ولا أرى سعيك إلا لهم ولئن أطاعني فيك أمير المؤمنين (عليه السلام) ليحبسنك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستبين من هذه الأمور ويهلك الله الظالمين.
قال: فلما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسا ولحق به أناس من قيس ولم يشهد صفين من قيس غير تسعة عشر رجلا ولكن أحمس شهدها منهم سبعمائة رجل.
وخرج علي (عليه السلام) إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه وخرج أبو زرعة عمرو بن جرير وقال: أصلحك الله إن فيها أيضا لغير جرير فخرج علي منها إلى دار ثوير بن عامر فحرقها وهدم منها وكان ثوير رجلا شريفا وكان قد لحق بجرير.
وفي حديث صالح بن صدقة قال: لما أراد معاوية المسير إلى صفين كتب إلى أهل مكة وأهل المدينة كتابا يذكرهم فيه أمر عثمان فكتب إليه عبد الله بن عمر مجيبا له ولابن العاص:
أما بعد فلقد أخطأتما موضع النصرة وتناولتما من مكان بعيد وما زاد الله من شك في هذا الامر بكتابكما إلا شكا وما أنتما والمشورة؟ وما أنتما والخلافة؟
وأما أنت يا معاوية فطليق وأما أنت يا عمرو فظنون ألا فكفا عنا أنفسكما فليس لكما ولي ولا نصير.
وأجابه سعد بن أبي وقاص أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة من قريش فلم يكن أحد منا أحق من صاحبه إلا باجتماعنا عليه، غير أن عليا قد كان فيه ما فينا ولم يك فينا ما فيه وهذا أمر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره.
وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما كان خيرا لهما والله يغفر لام المؤمنين ما أتت [به].
وكتب إليه محمد بن مسلمة أما بعد فقد اعتزل هذا الامر من ليس في يده من رسول الله صلى الله عليه وآله مثل الذي في يدي فقد أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو كائن قبل أن يكون فلما كان كسرت سيفي وجلست في بيتي واتهمت الرأي على الدين إذا لم يصلح لي معروف آمر به ولا منكر أنهى عنه ولعمري ما طلبت إلا الدنيا ولا اتبعت إلا الهوى فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا فما أخرجني الله من نعمة ولا صيرني إلى شك.
إلى آخر ما كتب.
قال: وروى صالح بن صدقة عن إسماعيل بن زياد عن الشعبي أن عليا (عليه السلام) قدم من البصرة مستهل رجب وأقام بها سبعة عشر شهرا يجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص.
وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما قدم عبيد الله بن عمر على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان وينال منه؟ فقال: الرأي ما رأيت. فبعث إليه فأتاه فقال له يا ابن أخ إن لك اسم أبيك فانظر بملأ عينيك وتكلم بكل فيك فأنت المأمون المصدق فاصعد المنبر فاشتم عليا واشهد عليه أنه قتل عثمان.
فقال: يا أمير المؤمنين أما شتمي له فإنه علي بن أبي طالب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فما عسى أن أقول في حسبه، وأما بأسه فهو الشجاع المطرق وأما أيامه فما قد عرفت ولكني ملزمه دم عثمان!! فقال عمرو: إذا والله قد نكأت القرحة.
فلما خرج عبيد الله قال معاوية: أما والله لولا قتلة الهرمزان ومخافة علي على نفسه ما أتانا أبدا ألم تر إلى تقريظه عليا.
فلما قام [عبيد الله] خطيبا تكلم بحاجته حتى إذا أتى إلى أمر علي
أمسك!! فعاتبه معاوية فاعتذر بأني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان وعرفت أن الناس محتملوها عني!!
فهجره معاوية واستخف بحقه حتى أنشد شعرا في مدح عثمان وتصويب طلحة والزبير فأرضاه وقربه وقال حسبي هذا منك.
بيان: قوله (عليه السلام): " من خير ذي يمن " إشارة إلى رواية وردت في مدحه قال [ابن الأثير] في [مادة ذوي من كتاب] النهاية في حديث المهدي " قرشي يمان ليس من ذي ولا ذو " أي ليس في نسبه نسب أذواء اليمن وهم ملوك حمير منهم ذو يزن وذو رعين. وقوله: [" قرشي يمان "] أي وهو قرشي النسب يماني المنشأ ومنه حديث جرير " يطلع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك " وكذا أورده أبو عمر الزاهد وقال: ذي ها هنا صلة أي زايدة انتهى.
والعكم بالكسر: العدل وعكمت المتاع: شددته.
قوله: " على أن لا ينقض " قال ابن أبي الحديد: تفسيره أن معاوية قال للكاتب: اكتب على أن لا ينقض شرط طاعة يريد أخذ إقرار عمرو له أنه قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشئ وهذه مكايدة له لأنه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع عن مصر ولم يكن لعمرو أن يرجع عن طاعته ويحتج عليه برجوعه عن إعطائه مصر لان مقتضي المشارطة المذكورة أن طاعة معاوية واجبة عليه مطلقا سواء كان مصر مسلمة إليه أولا.
فلما انتبه عمرو على هذه المكيدة منع الكاتب من أن يكتب ذلك وقال:
بل اكتب على أن لا تنقض طاعة شرطا. يريد أخذ إقرار معاوية بأنه إذا أطاعه لا تنقض طاعته إياه ما شارطه عليه من تسليم مصر إليه. وهذا أيضا مكايدة من عمرو لمعاوية.
وفي النهاية والصحاح: نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتح الفاء وسكونها والنفيضة: قوم يبعثون متجسسين هل
يرون عدوا أو خوفا.
وقرقيسا بالكسر ويمد ويقصر: بلد على الفرات. والتقريظ: مدح الانسان وهو حي بحق أو باطل.
357 - البرسي في مشارق الأنوار عن محمد بن سنان قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يجهز أصحابه إلى قتال معاوية إذا اختصم إليه اثنان فلغى أحدهما في الكلام فقال له: اخسأ يا كلب. فعوى الرجل لوقته وصار كلبا فبهت من حوله وجعل الرجل يشير بإصبعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ويتضرع فنظر إليه وحرك شفتيه فإذا هو بشر سوي!!
فقام إليه بعض أصحابه وقال له: مالك تجهز العسكر ولك مثل هذه القدرة؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في هذه الفلوات حتى أضرب صدر معاوية فأقلبه عن سريره لفعلت ولكن عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
358 - الاختصاص: محمد بن علي عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير:
عن أبان الأحمر قال: قال الصادق (عليه السلام): يا أبان كيف ينكر الناس قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما قال: " لو شئت لرفعت رجلي هذه فضربت بها صدر ابن أبي سفيان بالشام فنكسته عن سريره " ولا ينكرون تناول آصف وصي سليمان عرش بلقيس وإتيان سليمان به قبل أن يرتد إليه طرفه؟ أليس نبينا أفضل الأنبياء ووصيه أفضل الأوصياء؟ أفلا جعلوه كوصي سليمان حكم الله بيننا وبين من جحد حقنا وأنكر فضلنا.
359 - أمالي الطوسي: المفيد عن الكاتب، عن الزعفراني عن الثقفي عن عبيد الله بن أبي هاشم، عن عمر بن ثابت عن جبلة بن سحيم قال: لما بويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بلغه أن معاوية قد توقف عن إظهار البيعة له وقال: إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته.
فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أمير المؤمنين إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الأمور ثم اعزله إن بدا لك.
فقال [له] أمير المؤمنين (عليه السلام) أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه؟ قال: لا. قال: لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا وما كنت متخذ المضلين عضدا لكن ابعث إليه وأدعوه إلى ما في يدي من الحق فإن أجاب فرجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم وإن أبى حاكمته إلى الله.
فولى المغيرة وهو يقول فحاكمه إذا فحاكمه إذا فأنشأ يقول:
نصحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فما مني له الدهر ثانية ولم يقبل النصح الذي جئته به * وكانت له تلك النصيحة كافية وقالوا له: ما أخلص النصح كله * فقلت له: إن النصيحة غالية فقام قيس بن سعد رحمه الله فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله به فقدم فيه رجلا وأخر فيه أخرى فإن كان لك الغلبة تقرب إليك بالنصيحة وإن كانت لمعاوية تقرب إليه بالمشورة ثم أنشأ يقول:
يكاد ومن أرسى ثبيرا مكانه * مغيرة أن يقوي عليك معاوية وكنت بحمد الله فينا موفقا * وتلك التي آراكها غير كافية فسبحان من علا السماء مكانها * والأرض دحاها فاستقرت كما هيه بيان: قوله: " الدهر " منصوب على الظرفية أي ليس مني نصيحة ثانية ما بقي الدهر.
قوله " ومن أرسى " الواو للقسم أي بحق الذي أثبت جبل ثبير المعروف بمنى.
360 - الإرشاد: من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لما عمد المسير إلى الشام لقتال معاوية بن أبي سفيان [قال] بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
اتقوا الله عباد الله وأطيعوه وأطيعوا إمامكم فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالامام الفاجر وقد أصبح معاوية غاصبا لما في يديه من حقي ناكثا لبيعتي طاعنا في دين الله عز وجل.
وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس وجئتموني راغبين إلي في أمركم حتى استخرجتموني من منزلي لتبايعوني فالتويت عليكم لأبلو ما عندكم فراودتموني القول مرارا وراودتكم وتكأكأتم علي تكأكؤ الإبل الهيم على حياضها حرصا على بيعتي حتى خفت أن يقتل بعضكم بعضا.
فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمري وأمركم وقلت إن أنا لم أجبهم إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدا يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي وقلت:
والله لألينهم وهم يعرفون حقي وفضلي أحب إلي من أن يلوني وهم لا يعرفون حقي وفضلي فبسطت لكم يدي فبايعتموني يا معشر المسلمين وفيكم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان.
فأخذت عليكم عهد بيعتي وواجب صفقتي [من] عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق لتفن لي ولتسمعن لامري ولتطيعوني وتناصحوني وتقاتلون معي كل باغ أو مارق إن مرق، فأنعمتم لي بذلك جميعا فأخذت عليكم عهد الله وميثاقه وذمة الله ورسوله فأجبتموني إلى ذلك وأشهدت الله عليكم وأشهدت بعضكم على بعض وقمت فيكم بكتاب الله.
وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله [وسلم]) فالعجب من معاوية بن أبي سفيان ينازعني الخلافة ويجحدني الإمامة ويزعم أنه أحق بها مني جرأة منه على الله وعلى رسوله بغير حق له فيها ولا حجة ولم يبايعه عليها المهاجرون ولا سلم له الأنصار والمسلمون.
يا معشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي أو ما أوجبتم لي على أنفسكم الطاعة؟ أما بايعتموني على الرغبة؟ ألم آخذ عليكم العهد بالقبول لقولي؟ أما بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر؟ فما بال من خالفني لم ينقض عليهما حتى مضيا ونقض علي ولم يف لي؟ أما يجب لي عليكم نصحي ويلزمكم أمري؟ أما تعلمون أن بيعتي تلزم الشاهد عنكم والغائب؟ فما بال معاوية وأصحابه طاعنين في بيعتي؟ ولم لم يفوا بها لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى بالامر ممن تقدمني؟.
أما سمعتم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله [وسلم]) يوم الغدير في ولايتي وموالاتي؟ فاتقوا الله أيها المسلمون وتحاثوا على جهاد معاوية الناكث القاسط وأصحابه القاسطين.
واسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب الله المنزل على نبيه المرسل لتتعظوا فإنه عظة لكم فانتفعوا بمواعظ الله وازدجروا عن معاصي الله فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه (صلى الله عليه وآله [وسلم]): * (ألم تر إلى الملا من بني
إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله.
فقال لهم نبيهم هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا. فلما كتب عليكم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين، وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا. قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * [246 - 247 / البقرة: 2].
يا أيها الناس إن لكم في هذه الآيات عبرة لتعلموا أن الله تعالى جعل الخلافة والامر من بعد الأنبياء في أعقابهم وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة باصطفائه إياه وزيادته بسطة في العلم والجسم فهل تجدون الله عز وجل اصطفى بني أمية على بني هاشم؟ وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم؟
فاتقوا الله عباد الله وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخطه بعصيانكم له، قال الله عز وجل: * (لعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) * [78 - 79 / المائدة: 5] [وقال تعالى:] * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) *. [15 / الحجرات: 49].
[وقال تعالى:] * (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) * [10 - 11 / الصف: 61].
اتقوا الله عباد الله وتحاثوا على الجهاد مع إمامكم فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر إذا أمرتهم أطاعوني وإذا استنهضتهم نهضوا معي لاستغنيت بهم عن كثير منكم وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد المفروض.
بيان: التكأكؤ: التجمع. والتوى عن الامر: تثاقل. وروى في الامر تروية: نظر وتفكر. وأنعم له أي قبل [قوله] وأجاب بنعم.
قوله (عليه السلام): " إن الله جعل الخلافة " فيه إشكال وهو أن المشهور بين المفسرين أن طالوت لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة إذ النبوة كانت في سبط لاوي والمملكة في سبط يهودا. وقيل في سبط يوسف وهو كان من سبط بنيامين فالآيات تدل على عدم لزوم كون الخلافة في أعقاب الأنبياء.
ويمكن أن يجاب [عنه] بوجوه: الأول القدح في تلك الأمور فإنها مستندة إلى أقوال المؤرخين والمفسرين من المخالفين فيمكن أن يكون طالوت من سبط النبوة أو المملكة فيكون ادعاؤهم الأحقية من جهة المال فقط.
الثاني أن كونه من ولد يعقوب وإسحاق وإبراهيم كاف في ذلك.
الثالث أن يكون الاستدلال من جهة ما يفهم من الآية من كون النبوة في سبط مخصوص آباؤهم أنبياء فالمراد بالخلافة رئاسة الدين وإن اجتمعت رئاسة الدين والدنيا في تلك الأمة فلا ينافي الاستدلال بالبسطة في العلم والجسم فإنه إذا اشترط في الرياسة الدنيوية فقط البسطة في العلم والجسم فاشتراطهما في الرياستين ثابت بطريق أولى.
361 - الإرشاد: [و] من كلامه (عليه السلام) وقد بلغه عن معاوية وأهل الشام ما يؤذيه من الكلام فقال:
الحمد لله قديما وحديثا ما عاداني الفاسقون فعاداهم الله ألم تعجبوا أن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقا غير مرضيين وعن الاسلام وأهله منحرفين خدعوا بعض هذه الأمة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب وهبوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.
اللهم إن ردوا الحق فاقضض خدمتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت.
362 - نهج البلاغة: [و] من كلام له (عليه السلام) عند عزمه على المسير إلى الشام:
اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في النفس والاهل والمال.
اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الأهل ولا يجمعهما غيرك لان المستخلف لا يكون مستصحبا والمستصحب لا يكون مستخلفا.
قال السيد رضي الله عنه: وابتداء هذا الكلام مروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قفاه [أمير المؤمنين عليه السلام] بأبلغ كلام وتممه بأحسن تمام من قوله: " لا يجمعهما غيرك " إلى آخر الفصل.
بيان: قال ابن ميثم: روي أنه [عليه السلام] دعا بهذا الدعاء عند وضعه رجله في الركاب متوجها إلى حرب معاوية. والوعثاء: المشقة. والكآبة:
الحزن. والمنقلب: مصدر [من قولهم]: انقلب منقلبا: رجع. وسوء المنظر: هو أن يرى في نفسه أو أهله أو ماله ما يكرهه .
363 - نهج البلاغة: ومن كتاب له (عليه السلام) إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية:
أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل وخذه بالامر الجزم ثم خيره بين حرب مجلية، أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب فانبذ إليه وإن اختار السلم فخذ بيعته والسلام.
تبيين: قال ابن ميثم: روي أن جريرا أقام عند معاوية حين أرسله (عليه السلام) حتى اتهمه الناس فقال علي (عليه السلام): " قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا.
فأبطأ [جرير] حتى أيس منه فكتب إليه بعد ذلك هذا الكتاب فلما انتهى إليه أتى معاوية فأقرأه إياه وقال: يا معاوية إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب ولا يشرح إلا بتوبة ولا أظن قلبك إلا مطبوعا أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يد غيرك.
فقال معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إنشاء الله ثم أخذ في بيعة أهل الشام فلما انتظم أمره لقي جريرا وقال له: الحق بصاحبك وأعلمه بالحرب فقدم جرير إلى علي (عليه السلام).
قال: والبجلي منسوب إلى بجيلة قبيلة. والمجلية من الاجلاء وهو الاخراج عن الوطن قهرا. والمخزية: المهينة والمذلة وروي مجزية بالجيم أي كافية. والحرب والسلم مؤنثان لكونهما في معنى المحاربة والمسالمة. والنبذ:
الالقاء والرمي والمقصود أن يجهر له بذلك من غير مداهنة كقوله تعالى: * (وإما
تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * [58 / الأنفال: 8].
364 - نهج البلاغة: [و] من كلام له (عليه السلام) وقد أشار إليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبد الله إلى معاوية:
إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام وصرف لأهله عن خير إن أرادوه ولكن قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا والرأي عندي مع الأناة فأرودوا ولا أكره لكم الاستعداد لحرب أهل الشام.
ولقد ضربت أنف هذا الامر وعينه وقلبت ظهره وبطنه فلم أر لي إلا القتال أو الكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله.
إنه قد كان على الأمة وال أحدث أحداثا وأوجد الناس مقالا فقالوا ثم نقموا فغيروا.
بيان: جرير بن عبد الله البجلي كان عاملا لعثمان على ثغر همدان فلما صار الامر إليه طلبه فأجاب بالسمع والطاعة وقدم إليه (عليه السلام) فأرسله إلى معاوية.
365 -: وروى أنه (عليه السلام) لما أراد بعثه قال جرير: والله يا أمير المؤمنين ما أدخرك من نصري شيئا وما أطمع لك في معاوية فقال (عليه السلام) قصدي حجة أقيمها ثم كتب معه " فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام " إلى آخر ما مر برواية نصر بن مزاحم.
فأجابه معاوية أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ولكنك أغريت بعثمان وخذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين.
ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك ولا حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأنهم أطاعوك ولم يطعك أهل الشام.
فأما شرفك في الاسلام وقرابتك من النبي (صلى الله عليه وسلم) وموضعك من قريش فلست أدفعه.
وكتب في آخر الكتاب قصيدة كعب بن جعيل:
أرى الشام يكره أهل العراق * وأهل العراق لها كارهونا 366 - ويروى أن الكتاب الذي كتبه (عليه السلام) مع جرير كانت صورته: إني قد عزلتك ففوض الامر إلى جرير والسلام.
وقال لجرير: صن نفسك عن خداعه فإن سلم إليك الامر وتوجه إلي فأقم أنت بالشام وإن تعلل بشئ فارجع.
فلما عرض جرير الكتاب على معاوية تعلل بمشاورة أهل الشام وغير ذلك فرجع جرير وكتب معاوية في أثره في ظهر كتاب علي (عليه السلام): من ولاك حتى تعزلني والسلام.
ويقال: أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه. والمراد بالخير:
الطاعة. والأناة كالقناة اسم من التأني. و " أرودوا " على صيغة الافعال أي ارفقوا. والاعداد: التهية كالاستعداد.
وربما يتوهم التنافي بين ذكر مفسدة الاستعداد أولا وعدم كراهة الاعداد ثانيا .
ودفع بوجوه: منها أنه كره استعداد نفسه بجمع العسكر وعرضهم وتحريضهم على القتال دون إعداد أصحابه بإصلاح كل منهم فرسه وأسلحته.
ومنها أن المكروه إظهار الاعداد دون الاعداد سرا وتركنا بعض الوجوه لوهنها.
وضرب الانف والعين مثل للعرب يراد منه الاستقصاء في البحث والتأمل. وقلب الظهر والبطن: التأمل في ظاهر الامر وباطنه.
وإطلاق الكفر هنا على المبالغة أو بالمعنى الذي يطلق على ترك الفرايض وفعل الكبائر كما سيأتي في أبواب الايمان والكفر.
ويحتمل على بعد اختصاص ذلك بالامام والمراد بالوالي عثمان وبالأحداث البدع والأمور المنكرة. و " أوجد الناس مقالا " أي أبدى لهم طريقا إليه بأحداثه. وتفسير " أوجدها " هنا بأغضب كما قيل غريب. و " نقموا " كضربوا أي عتبوا وطعنوا عليه.
367 - نهج البلاغة: [و] من وصية [له عليه السلام] لمعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له:
اتق الله الذي لابد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه، ولا تقاتلن إلا من قاتلك وسر البردين وغور الناس ورفه في السير، ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، وقدره مقالا لا ظعنا، فأرح فيه بدنك وروح ظهرك فإذا وقفت حين ينبطح السحر أو حين ينفجر الفجر فسر على بركة الله.
فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى يأتيك أمري.
ولا يحملنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم.
بيان: قال ابن ميثم [روي أنه] (عليه السلام): بعثه من المدائن وقال له: امض على الموصل حتى توافيني بالرقة ثم أوصاه بذلك.
والبردان: الغداة والعشي. وقال الجوهري: التغوير: القيلولة. يقول:
غوروا أي أنزلوا للقائلة. قال أبو عبيد: يقال للقائلة: الغائرة. والترفيه:
الإراحة. والسكن: ما يسكن إليه. والظعن: الارتحال.
و [قال ابن الأثير] في النهاية: الظهر الإبل الذي يحمل عليها ويركب.
قوله (عليه السلام): " فإذا وقفت " قال ابن أبي الحديد أي إذا وقفت ثقلك وجملك لتسير فليكن ذلك " حين ينبطح السحر " أي حين يتسع ويمتد أي لا يكون السحر الأول بل ما بين السحر الأول وبين الفجر الأول. وأصل الانبطاح: السعة ومنه الأبطح بمكة.
وقال الجوهري: نشب الشئ في الشئ بالكسر نشوبا أي علق فيه.
وأنشبته أنا فيه. ويقال: نشب الحرب بينهم: [ثارت]. والشنآن: البغض.
وفي بعض النسخ " شبابكم ". " قبل دعائهم " أي إلى الاسلام. ويقال:
أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر.
368 - نهج البلاغة: [و] قال (عليه السلام) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه: وما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا فقال (عليه السلام): والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم وإنكم لتشقون به على أنفسكم وتشقون به في آخرتكم وما أخسر المشقة وراءها العقاب وأربح الدعة معها الأمان من النار.
بيان: الدهقان بكسر الدال وضمها: رئيس القرية. والشد العدو، واشتد: عدا. " وتشقون به " لعله لكون غرضهم التسلط على الناس والجور عليهم للتقرب عند الامام وإظهاره عند الناس أو يكون غرضه (عليه السلام) تعليمهم ونهيهم عن فعل ذلك مع غيره (عليه السلام) من أئمة الجور.
369 - 373 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم روى عن عبد الرحمان بن عبيد الله قال: لما أراد علي (عليه السلام) المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار فجمعهم ثم حمد الله وأثنى عليه وقال:
أما بعد فإنكم ميامين الرأي مراجيح الحلم [الحكم " خ ل "] مباركوا الامر مقاويل بالحق وقد عزمنا على المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم.
فقام هاشم بن عتبة وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن حنيف فصوبوا رأيه وبذلوا إليه نصرته.
أقول: وتركنا كلامهم مخافة التطويل والاسهاب.
ثم روى نصر عن معبد قال: قام علي (عليه السلام) على منبره خطيبا فكنت تحت المنبر أسمع تحريضه الناس وأمره لهم بالمسير إلى صفين فسمعته يقول: سيروا إلى أعداء الله سيروا إلى أعداء القرآن والسنن، سيروا إلى بقية الأحزاب وقتلة المهاجرين والأنصار.
فعارضه رجل من بني فزارة ووطأه الناس بأرجلهم وضربوه بنعالهم حتى مات فوداه أمير المؤمنين من بيت المال.
فقام الأشتر وقال: يا أمير المؤمنين لا يهدنك ما رأيت ولا يؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن إلى آخر ما قال:
[رفع الله مقامه] وبالغ في إظهاره الثبات على الحق وبذل النصرة.
فقال (عليه السلام): الطريق مشترك والناس في الحق سواء ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى ما عليه.
ثم نزل [عليه السلام عن المنبر] فدخل منزله.
فدخل عليه عبد الله بن المعتم العبسي وحنظلة بن الربيع التميمي والتمسا منه (عليه السلام) أن يستأني بالامر ويكاتب معاوية ولا يعجل في القتال فتكلم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: بعد حمد الله والثناء عليه:
أما بعد فإن الله وارث العباد والبلاد ورب السماوات السبع والأرضين السبع وإليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء أما الدبرة فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم.
وأيم الله إني لاسمع كلام قوم ما يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا.
فقال الحاضرون: هما من أصحاب معاوية ويكاتبانه وكثر الكلام بين أصحابه في ذلك.
وروى نصر عن عبد الله بن شريك قال: خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة من أهل الشام فأرسل علي (عليه السلام) إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا:
فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتبرؤن ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر و [لو] قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم أحقن دماءهم ودماءنا وأصلح ذات بينهم وبيننا واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لج به لكان أحب إلي وخيرا لكم.
فقالا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ونتأدب بأدبك.
قال نصر: وقال له عمرو بن الحمق يومئذ: والله يا أمير المؤمنين إني ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ولا إرادة ما تؤتينيه ولا إرادة سلطان ترفع به ذكري ولكني أجبتك بخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وأول من آمن به وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد ووصيه وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله وأسبق الناس إلى الاسلام وأعظم المهاجرين سهما في الجهاد فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي حتى يأتي على يومي في أمر أقوي به وليك وأهين به عدوك ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك.
فقال علي (عليه السلام): اللهم نور قلبه بالتقى واهده إلى صراطك المستقيم ليت أن في جندي مائة مثلك!! فقال حجر: إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك وقل فيهم من يغشك.
قال: وكتب علي (عليه السلام) إلى عماله حينئذ يستنفرهم فكتب إلى مخنف بن سليم.
سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن جهاد
من صدف عن الحق رغبة عنه وهب في نعاس العمى والضلال اختيارا له فريضة على العارفين إن الله يرضى عمن أرضاه ويسخط على من عصاه وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله [في كتاب الله " خ ل "] بغير ما أنزل الله واستأثروا بالفئ وعطلوا الحدود وأماتوا الحق وأظهروا في الأرض الفساد واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين فإذا ولي الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه!!! فقد أصروا على الظلم وأجمعوا على الخلاف وقديما ما صدوا عن الحق وتعاونوا على الاثم وكانوا ظالمين.
فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك وأقبل إلينا لعلك تلقى معنا هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتجامع المحق وتباين المبطل فإنه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكتب عبيد الله بن أبي رافع في سنة سبع وثلاثين.
قال فاستعمل مخنف على إصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع واستعمل على همدان سعيد بن وهب وأقبل حتى شهد مع علي (عليه السلام) صفين.
قال وكتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى علي يذكر له اختلاف أهل البصرة فكتب [علي] (عليه السلام) إليه:
أما بعد فقد قدم علي رسولك وقرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة واختلافهم بعد انصرافي عنهم وسأخبرك عن القوم: هم بين مقيم لرغبة يرجوها أو خائف من عقوبة يخشاها فارغب راغبهم بالعدل عليه والانصاف له والاحسان إليه واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم وانته إلى أمري وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة وكل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت إنشاء الله.
قال نصر: وكتب إلى الأسود بن قصبة:
أما بعد فإنه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر، ومن أعجبته الدنيا رضي بها وليست بثقة فاعتبر بما مضى تحذر ما بقي واطبخ للمسلمين قبلك من الطلا ما يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
وأكثر لنا من لطف الجند واجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند فإن للولدان علينا حقا وفي الذرية من يخاف دعاؤه وهو لهم صالح والسلام.
وكتب [إلى بعض ولاته]:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر.
أما بعد فإن خير الناس عند الله عز وجل أقومهم لله بالطاعة فيما له وعليه وأقولهم بالحق ولو كان مرا فإن الحق به قامت السماوات والأرض ولتكن سريرتك كعلانيتك، وليكن حكمك واحدا وطريقتك مستقيمة فإن البصرة مهبط الشيطان فلا تفتحن على يد أحد منهم بابا لا نطيق سده نحن ولا أنت والسلام.
وكتب [عليه السلام إلى عبد الله بن العباس]:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن -
عباس أما بعد فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم فاقسمه على من قبلك حتى تغنيهم وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا والسلام .
و [أيضا] كتب [عليه السلام إلى عبد الله بن عباس]:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس أما بعد فإن الانسان قد يسره [درك] ما لم يكن ليفوته، ويسؤه فوت ما لم يكن ليدركه وان جهد، فليكن سرورك فيما قدمت من حكم أو منطق أو سيرة وليكن أسفك على ما فرطت لله من ذلك ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزنا وما أصابك فيها فلا تبغ به سرورا وليكن همك فيما بعد الموت والسلام.
أقول: ثم ذكر كتابه عليه السلام إلى معاوية وجوابه كما سيأتي ثم قال:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.