بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۵۰–۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۲۱
ودفع الحق عنهما أعم من أن يصير إليه (عليه السلام) أو إلى غيره أو لم يصر إلى أحد بل بقي بحاله في بيت المال، والاستيثار عليهما به هو أن يأخذ حقهما لنفسه. وجهل الحكم أن يكون الله قد حكم بحرمة شئ فأحله الامام، وجهل الباب أن يصيب في الحكم ويخطئ في الاستدلال أو يكون جهل الحكم بمعنى التحير فيه وأن لا يعلم كيف يحكم والخطأ في الباب أن يحكم بخلاف الواقع. والإربة بالكسر: الحاجة. والأسوة بالضم والكسر: القدوة أي أسوتكما بغيركما في العطاء. ويقال للامر الذي لا يحتاج إلى تكميل مفروغ منه.
والعتبى: الرجوع من الذنب والإساءة.
35 - نهج البلاغة: [و] من كلام له (عليه السلام) في وصف بيعته بالخلافة وبسطتم يدي فكففتها ومددتموها فقبضتها ثم تداككتم على تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء، ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب.
بيان تداككتم أي ازدحمتم ازدحاما شديدا يدك بعضكم بعضا والدك:
الدق. والهيم: العطاش. وقال الجوهري: الهدجان: مشية الشيخ. وهدج الظليم إذا مشى في ارتعاش. وحسرت أي كشفت عن وجهها حرصا على حضور البيعة. والكعاب - بالفتح - المرأة حين تبدو ثديها للنهود هي الكاعب وجمعها كواعب ذكره [ابن الأثير] في [كتاب] النهاية.
36 - نهج البلاغة: ومن كلام له [عليه السلام] يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك: يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه فقد أقر بالبيعة وادعى الوليجة فليأت عليها بأمر يعرف وإلا فليدخل فيما خرج منه.
بيان الوليجة: البطانة. والامر يسر ويكتم. قال ابن أبي الحديد: كان الزبير يقول: بايعت بيدي لا بقلبي وكان يدعي تارة أنه أكره عليها و [تارة] يدعي أنه ورى في البيعة تورية!! فقال عليه السلام: بعد الاقرار لا يسمع دعوى بلا بينة ولا برهان.
37 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام): وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الامرين الفشل ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر.
بيان يقال: أرعد الرجل وأبرق إذا توعد وتهدد. قوله (عليه السلام):
" حتى نوقع " لعل المعنى لسنا نهدد حتى نعلم أنا سنوقع. قوله عليه السلام " حتى نمطر " أي إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالايقاع غيره من خصومنا.
38 - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام): ألا وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله ورجله وإن معي لبصيرتي ما لبست على نفسي ولا لبس علي وأيم الله لأفرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه.
بيان قال ابن ميثم: هذا الفصل ملتقط [و] ملفق من خطبة له (عليه السلام) لما بلغه أن طلحة والزبير خلعا بيعته وهو غير منتظم. والرجل: جمع راجل.
وقال ابن أبي الحديد في قوله: " لأفرطن لهم " من رواها بفتح الهمزة فأصله: فرط ثلاثي يقال فرط القوم: سبقهم ورجل فرط يسبق القوم إلى البئر فيهئ لهم الأرشية والدلاء ومنه قوله: " أنا فرطكم على الحوض " ويكون التقدير: لأفرطن لهم إلى حوض فحذف الجار وعدى الفعل بنفسه كقوله تعالى: " واختار موسى قومه " ويكون اللام في " لهم " إما للتقوية كقوله:
" يؤمن للمؤمنين " أي يؤمن المؤمنين أو يكون اللام للتعليل أي لأجلهم.
ومن رواها " لأفرطن " بضم الهمزة فهو من [قولهم]: أفرط المزادة:
ملاها. " والماتح " [بالتاء]: المستقي [من قولهم]: " متح يمتح " بالفتح " والمايح " بالياء الذي ينزل إلى البئر فيملا الدلو. وقال: [معنى قوله]: " أنا ماتحه " أي أنا خبير به كما يقول من يدعي معرفة الدار: أنا باني هذه الدار وحاصل المعنى لأملأن لهم حياض حرب [هي من دربتي وعادتي] أو لأسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب بها مجرب لها إذا وردوها لا يصدرون عنها يعني قتلهم [وإزهاق أنفسهم] ومن فر منها لا يعود إليها.
39 - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام: ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه واستجلب جلبه ليعود الجور إلى أوطانه ويرجع الباطل في نصابه.
والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون
حقا هم تركوه ودما هم سفكوه فلئن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه.
ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعة إلا عندهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم يرتضعون أما قد فطمت ويحيون بدعة قد أميتت يا خيبة الداعي من دعا وإلى ما أجيب وإني لراض بحجة الله تعالى عليهم وعلمه فيهم فإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق.
ومن العجب بعثهم إلي أن أبرز للطعان وأن أصبر للجلاد؟! هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وإني لعلى يقين من ربي وغير شبهة من ديني.
بيان: قوله [عليه السلام]: " قد ذمر " يروى بالتخفيف والتشديد، وأصله الحث والترغيب. و " الجلب ": الجماعة من الناس وغيرهم يجمع ويؤلف.
قوله عليه السلام: " [ليعود الجور] إلى أوطانه " يروى " ليعود الجور إلى قطابه " والقطاب: مزاج الخمر بالماء أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان. ويجوز أن يعني بالقطاب قطاب الجيب وهو مدخل الرأس فيه أي ليعود الجور إلى لباسه وثوبة. والنصاب: الأصل. والذي أنكروه قتل عثمان. والنصف بالكسر الاسم من الانصاف.
قوله عليه السلام: " يرتضعون أما " أي يطلبون الشئ بعد فواته لان الام إذا فطمت ولدها فقد انقضى رضاعها ولعل المراد به أن طلبهم لدم عثمان لغو لا فائدة فيه.
وقال ابن ميثم: استعار لفظة الام للخلافة فبيت المال لبنها والمسلمون أولادها المرتضعون وكنى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه (عليه السلام) من الصلاة والتفضيلات مثل ما كان عثمان يصلهم. وكونها قد فطمت عن منعه (عليه السلام). وقوله: " يحيون بدعة قد أميتت " إشارة إلى ذلك التفضيل فيكون بمنزلة التأكيد للقرينة السابقة.
ويحتمل أن يكون المراد بالام التي قد فطمت ما كان عادتهم في الجاهلية من الحمية والغضب وإثارة الفتن. وبفطامها اندراسها بالاسلام فيكون ما بعده كالتفسير له.
والنداء في قوله: " يا خيبة الداعي " كالنداء في قوله تعالى: * (يا حسرة على العباد) * أي يا خيبة أحضري فهذا أوانك " والداعي " هو أحد الثلاثة طلحة والزبير وعائشة ثم قال على سبيل الاستحقار لهم: " من دعا وإلى ما أجيب " أي أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي وأقبح بالامر الذي أجابوه إليه فما أفحشه وأرذله.
وقال الجوهري: هبلته أمه بكسر الباء أي ثكلته. والهبول من النساء:
الثكول.
قوله عليه السلام: " لقد كنت " قال ابن أبي الحديد: أي ما زلت لا أهدد بالحرب والواو زائدة وهذه كلمة فصيحة كثيرا ما يستعملها العرب وقد ورد في القرآن العزيز كان بمعنى ما زال في قوله: " وكان الله عليما حكيما ".
40 - أقول: قال ابن ميثم رحمه الله بعد إيراد تلك الفقرات: أكثر هذا الفصل من الخطبة التي ذكرنا أنه عليه السلام خطبها حين بلغه أن طلحة والزبير خلعا
بيعته وفيه زيادة ونقصان ونحن نوردها بتمامها وهي بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله:
أيها الناس إن الله افترض الجهاد فعظمه وجعله نصرته وناصره، والله ما صلحت دين ولا دنيا إلا به، وقد جمع الشيطان حزبه واستجلب خيله ومن أطاعه ليعود له دينه وسنته [وخدعه] وقد رأيت أمورا قد تمخضت.
والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه ودما سفكوه فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه، وإن كانوا لولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم وإن أول عدلهم لعلى أنفسهم ولا اعتذر مما فعلت ولا أتبرء مما صنعت إن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي وإنها للفئة الباغية فيها الحم والحمة طالت جلبتها وانكفت جونتها ليعودن الباطل إلى نصابه.
يا خيبة الداعي لو قيل ما أنكر من ذلك وما إمامه وفيمن سننه [وفيما سنته " خ ل "] والله إذا لزاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه وما أظن الطريق له فيه واضح حيث نهج.
والله ما تاب من قتلوه قبل موته ولا تنصل عن خطيئته وما اعتذر إليهم فعذروه ولا دعا فنصروه.
وأيم الله لأفرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري ولا يعبون حسوة أبدا وإنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم وعلمه فيهم وإني داعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وقبلوا وأجابوا وأنابوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس علي كفيل وإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من باطل وناصرا لمؤمن، ومع كل صحيفة شاهدها وكاتبها.
والله إن الزبير وطلحة وعائشة ليعلمون أني على الحق وهم مبطلون.
وقال رحمه الله: تمخضت: تحركت. والتبعة: ما يلحق الانسان من درك.
والحم فتح الحاء وتشديد الميم: بقية الالية التي أذيبت وأخذ دهنها. والحمة:
السواد. وهما استعارتان لأراذل الناس وعوامهم لمشابهتهم حم الالية وما اسود منها في قلة المنفعة والخير. والجلبة: الأصوات. وجونتها بالضم: سوادها.
وانكفت واستكفت أي استدارت. وزاح وانزاح: تنحى. وتنصل من الذنب:
تبرأ منه. والعب: الشرب من غير مص. والحسوة بضم الحاء: قدر ما يحسى مرة واحدة. والجلاد: المضاربة بالسيف. والهبول: الثكلى. والهبل: الثكل.
واعلم أنه عليه السلام نبه أولا على فضل الجهاد لان غرضه استنفارهم لقتال: أهل البصرة وقوله: " وقد رأيت أمورا " إشارة إلى تعيين ما يستنفرهم إليه وهو ما يحس به من مخالفة القوم وأهبتهم لقتاله، وقوله: " والله ما أنكروا " إشارة إلى بطلان ما ادعوه منكرا ونسبوه إليه من قتل عثمان والسكوت عن النكير على قاتليه، فأنكر أولا إنكارهم عليه تخلفه عن عثمان الذي زعموا أنه منكر ولما لم يكن منكرا كان ذلك الانكار عليه هو المنكر.
وقوله: " وإنهم ليطلبون " إشارة إلى طلبهم لدم عثمان مع كونهم شركاء فيه.
روى الضبري في تاريخه أن عليا كان في ماله بخيبر لما أراد الناس حصر عثمان فقدم المدينة والناس مجتمعون على طلحة في داره فبعث عثمان إليه يشكو أمر طلحة فقال: أما أكفيكه فانطلق إلى دار طلحة وهي مملوءة بالناس فقال له: يا طلحة ما هذا الامر الذي صنعت بعثمان؟ فقال طلحة: يا أبا الحسن أبعد أن مس الحزام الطبيين.
فانصرف علي عليه السلام إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح فكسر الباب وفرق ما فيه على الناس فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده فسر عثمان بذلك وجاء طلحة إلى عثمان فقال له: يا أمير المؤمنين إني أردت
أمرا فحال الله بيني وبينه وقد جئتك تائبا! فقال: والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا الله حسيبك يا طلحة.
وروى الطبري أيضا أنه كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا فقال له طلحة يوما: قد تهيأ مالك فاقبضه. فقال: هو لك معونة على مروتك فلما حصر عثمان قال علي (عليه السلام) لطلحة: أنشدك الله إلا كففت عن عثمان فقال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها فكان علي بعد ذلك يقول: لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان مثل ما أعطاه وفعل به ما فعل.
وروي أن الزبير لما برز لعلي عليه السلام يوم الجمل قال له: ما حملك يا أبا عبد الله على ما صنعت؟ قال: أطلب بدم عثمان. فقال له: أنت وطلحة وليتماه، وإنما توبتك من ذلك أن تقدم نفسك وتسلمها إلى ورثته .
وبالجملة فدخولهم في قتل عثمان ظاهر.
قوله (عليه السلام): " وإن أول عدلهم " أي إن العدل الذي يزعمون أنهم يقيمونه في الدم المطلوب ينبغي أن يصنعوه أولا على أنفسهم.
قوله: " ولا أعتذر " أي الاعتذار الذي فعلته في وقت قتل عثمان لم يكن على وجه تقصير في الذي يوجب الاعتذار والتبرء منه.
وقوله (عليه السلام): " طالت جلبتها " كناية عما ظهر من القوم من تهديدهم وتوعدهم بالقتال: " وانكفت جونتها " أي استدار سوادها واجتمع كناية عن تجمع جماعتهم لما يقصدون.
وقوله (عليه السلام): " ليعودن " توعد لهم بعود ما كانوا عليه من الباطل في الجاهلية واستنفار إلى القتال.
وقوله (عليه السلام): " يا خيبة الداعي " خرج مخرج التعجب من عظم خيبة الدعاء إلى قتاله. " ومن دعا وإلى ما أجيب " استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوين لقتاله والمناصرين إذ كانوا عوام الناس ورعاعهم وللمدعو إليه وهو الباطل الذي دعوا لنصرته.
وقوله: " لو قيل " إلى قوله " وانقطع لسانه " متصلة معناه ولو سأل سائل مجادلا لهؤلاء الدعاة إلى الباطل عما أنكروه من أمري وعن إمامهم الذي به يقتدون وفيمن سنتهم التي إليها يرجعون لشهد لسان حالهم بأني أنا إمامه.
وفي سنتهم فانزاح باطلهم الذي أتوا به " وانقطع لسانه " على الاستعارة أو بحذف المضاف أي لسان صاحبه.
وقوله " وما أظن " عطف على قوله: " وانقطع لسانه " و " واضح " مبتدأ " وفيه " خبره والجملة في محل النصب مفعول ثان لأظن أي ما أظن لو سأل السائل عن ذاك أن الطريق الذي يرتكبه المجيب له فيه مجال بين ومسلك واضح حيث سلك بل كيف توجه في الجواب انقطع. وقوله: " والله ما تاب " إلى قوله: " فنصروه " إشارة إلى عثمان وذم لهم من جهة طلبهم بدم من اعتذر إليهم قبل موته فلم يعذروه ودعاهم إلى نصرته في حصاره فلم ينصروه مع تمكنهم من ذلك.
وقوله: " ولا يعبون حسوة " كناية عن عدم تمكينه لهم من هذا الامر أو شئ منه.
وقوله: " وإنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم " نفسي منصوب بدلا من الضمير المتصل بأن أو بإضمار فعل تفسير له " وحجة الله " إشارة إلى الأوامر الصادرة بقتل الفئة الباغية كقوله تعالى: " فقاتلوا التي تبغي " أي أني راض بقيام حجة الله عليهم وعلمه بما يصنعون.
وقوله " وليس علي كفيل " أي لا أحتاج فيما أبذله لهم من الصفح والأمان على تقدير إنابتهم إلى ضامن " وشافيا وناصرا " منصوبان على التميز.
وقوله: " ومع كل صحيفة " الواو للحال أي إنهم إن لم يرجعوا أعطيتهم حد السيف والملائكة الكرام والكاتبون يكتب كل منهم أعمال من وكل به في صحيفته ويشهد بها في محفل القيامة انتهى.
قوله [أي ابن ميثم رحمه الله]: " من اعتذر إليهم " الظاهر أنه حمل الكلام على الاستفهام الانكاري ويحتمل وجها آخر بأن يكون المراد نفى توبته وتنصله واعتذاره ودعوته فيستحق النصرة لكن ما ذكره أوفق بالاخبار والضمير في أنها يحتمل أن يكون للقصة.
41 - 44 - أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو مخنف عن مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس قال: لما رجعت رسل علي (عليه السلام) من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا ووبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فلم يستجيبوا، وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان واصبر للجلاد إنما تمنيك نفسك أماني الباطل وتعدك الغرور.
ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب ولقد أنصف القارة من راماها فليرعدوا وليبرقوا فقد رأوني قديما وعرفوا نكايتي فقد رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد وعلى يقين من أمري وفي غير شبهة من ديني.
أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد
ولا محيص من لم يقتل مات [و] إن أفضل الموت القتل والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش.
اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني اللهم فلا تمهله.
اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر علي عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت.
قال: وروى أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن جنادة قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أول إمارة علي فمررت بمكة فاعتمرت ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه فشخصت الابصار نحوه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه قلنا نحن أهل وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذا تنزى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا فصارت الامرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ويتعزز علينا الذليل فبكت الأعين منا لذلك وخشنت الصدور وجزعت النفوس.
وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شنأ مني لامركم وفراسة تصدقني عما في قلوب كثير منكم وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم.
اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية ولا تنعش لهما صرعة ولا تقلهما عثرة ولا تمهلهما فواقا فإنهما يطلبان حقا تركاه ودما سفكاه.
اللهم إني اقتضيتك وعدك فإنك قلت وقولك الحق لمن بغي عليه لينصرنه الله اللهم فأنجز لي موعدي ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شئ قدير. ثم نزل.
وروى الكلبي قال: لما أراد علي عليه السلام المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله:
إن الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالامر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثوا عهد بالاسلام والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن ويعكسه أقل خلق.
فولي الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله ولي تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الامر بسبيل لم يصبرا علي حولا ولا شهرا حتى وثبا ومرقا ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أما قد فطمت ويحييان بدعة قد أميتت أدم عثمان زعما [يطالبان]؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم فأن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا وأنفسهما غنما وأعظم بها غنيمة وإن أبيا أعطيتهما حد السيف وكفى به ناصرا لحق وشافيا من باطل.
ثم نزل.
وروى أبو مخنف عن زيد بن صوحان قال: شهدت عليا (عليه السلام) بذيقار وهو معتم بعمامة سوداء ملتف بساج يخطب فقال في خطبته:
الحمد لله على كل أمر وحال في الغدو والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ابتعثه رحمة للعباد وحياة للبلاد حين امتلأت الأرض فتنة واضطرب حبلها وعبد الشيطان في أكنافها واشتمل عدو الله إبليس على عقايد أهلها فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأها الله به نيرانها
وأخمد به شرارها ونزع به أوتادها وأقام به ميلها إمام الهدى والنبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) فلقد صدع بما أمره به وبلغ رسالات به فأصلح الله به ذات البين وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين ثم قبضه الله إليه حميدا.
ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني فقلت: لا حاجة في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولا جذل وقد علم الله سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وآله ولقد سمعته صلى الله عليه وآله يقول: " ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤوس الخلائق ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا وإن كان جائرا هوى " حتى اجتمع علي ملاؤكم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما والنكث في أعينهما ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليسا العمرة يريدان فسارا إلى مكة واستخفا عايشة وخدعاها وشخص معهما أبناء الطلقاء فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر.
ويا عجبا لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت.
ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عني وخرجا يوهمان الطغام والاعراب أنهما يطلبان بدم عثمان.
والله ما أنكرا علي منكرا ولا جعلا بيني وبينهم نصفا إن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما.
يا خيبة الداعي إلى م دعا؟ وبماذا أجيب؟ والله إنهما لعلى ضلالة صماء وجهالة عمياء وإن الشيطان قد ذمر لهما حزبه واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه ويرد الباطل إلى نصابه.
ثم رفع يديه فقال: اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني والبا علي ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا وانكث ما أبرما ولا تغفر لهما أبدا وأرهما المساءة فيما عملا وأملا.
قال أبو مخنف فقام إليه الأشتر فقال: الحمد لله الذي من علينا فأفضل وأحسن إلينا فأجمل قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين ولقد أصبت ووفقت وأنت ابن عم نبينا وصهره ووصيه وأول مصدق به ومصل معه شهدت مشاهده كلها فكان لك الفضل فيها على جميع الأمة فمن اتبعك أصاب حظه واستبشر بفلجه ومن عصاك ورغب عنك فإلى أمه الهاوية، لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعايشة علينا بمخيل ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولاجور صنعت فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه وأشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان فإن سيوفنا في عوائقنا وقلوبنا في صدورنا ونحن اليوم كما كنا أمس ثم قعد.
توضيح: إرعوي عن القبيح أي كف. وقال الجوهري: القارة قبيلة سموا قارة لاجتماعهم والتقافهم لما أراد ابن الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة وهم رماة وفي المثل: أنصف القارة من راماها. وقال الجوهري: نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت. وقال: عضهه عضها: رماه بالبهتان.
وقال: التنزي: التوثب والتسرع. وفي بعض النسخ: " إذا انبرى " - [أي] اعترض - وهو أصوب. والسوقة: خلاف الملك. قوله (عليه السلام): " لم يألوا الناس خيرا " فيه تقية ومصلحة قال الجوهري: ألا يألوا [من باب " دعا "] أي قصر. وفلان لا يألوك نصحا [أي لا يقصر في نصحك].
وقال: قال الفراء في قوله تعالى: * (آخذة رابية) * أي زائدة كقولك:
أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. وقال: الفواق ما بين الحلبتين من الوقت لأنهما تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال: ما أقام عنده إلا فواقا. قوله (عليه السلام): " لمن بغي عليه " أي قال في حق من بغي عليه والمقول " لينصرنه الله " والآية هكذا: * (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم
بغي عليه لينصرنه الله " والوطب بالفتح: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن.
والمراد بالخلق إما قدم اللبن ومضي زمان عليه أو خلق الزق فإنه يفسد اللبن " وأعظم " بها للتعجب أي ما أعظمها " والجذل " بالتحريك: الفرح " لمعصوب بهما " أي مشدود عليهما.
45 - نهج البلاغة: ومن كتاب له [عليه السلام] إلى أبي موسى الأشعري وهو عامله على الكوفة وقد بلغه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك فإذا قدم عليك رسولي فارفع ذيلك واشدد مئزرك وأخرج من جحرك واندب من معك فإن حققت فانفذ وإن تفشلت فأبعد وأيم الله لتؤتين حيث أنت ولا تترك حتى تخلط زبدك بخاثرك وذائبك بجامدك وحتى تعجل عن قعدتك وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك وما هي بالهوينا التي ترجو ولكنها الداهية الكبرى يركب جملها ويذل صعبها ويسهل جبلها فاعقل عقلك واملك أمرك وخذ نصيبك وحظك فإن كرهت فتنح إلى غير رحب ولا في نجاة فبالحري لتكفين وأنت نائم حتى لا يقال: أين فلان والله إنه لحق مع محق وما يبالي ما صنع الملحدون والسلام.
بيان: هو لك وعليك قال ابن أبي الحديد: فإن أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة: إن عليا إمام هدى وبيعته صحيحة إلا أنه لا يجوز القتال معه لأهل القبلة انتهى.
وأقول كون هذا الكلام له وعليه لاشتماله على الحق والباطل والحق ينفعه والباطل يضره أو ظاهر الكلام له تستحسنه العوام وباطنه حجة عليه إذ بعد
الاقرار بصحة البيعة لا مجال للامر بالمخالفة أو ظن أن هذا الكلام ينفعه وفي الواقع يضره أو ينفعه في الدنيا ويضره في العقبى.
والامر برفع الذيل وشد المئزر كنايتان عن الاهتمام في الامر والخروج من الجحر استهانة به حيث جعله ثعلبا أو ضبعا. والجحر بالضم كل شئ تحفره السباع والهوام لانفسها. قوله (عليه السلام): " فإن حققت " أي أمرك مبني على الشك فإن حققت لزوم طاعتي فأنفذ أي فسر حتى تقدم علي وإن أقمت على الشك فاعتزل العمل أو إن أنكرت الطاعة فأظهر إنكارك واعمل بمقتضاه.
" والخاثر " اللبن الغليظ " والزبد " خلاصة اللبن وصفوته يقال للرجل إذا ضرب حتى أثخن: " ضرب حتى خلط زبده بخاثره وذائبه بجامده " كأنه خلط مارق ولطف من أخلاطه بما كثف وغلظ منها وهذا مثل ومعناه ليفسدن حالك وليضطربن ما هو الآن منتظم من أمرك. والقعدة بالكسر هيئة القعود كالحلبة والركبة.
قوله: " وتحذر من أمامك " قيل كناية عن غاية الخوف. وإنما جعل عليه السلم الحذر من خلف أصلا في التشبيه لكون الانسان من وراءه أشد خوفا.
وقيل حتى تخاف من الدنيا كما تخاف من الآخرة. ويحتمل أن يكون المعنى حتى تحذر من هذا الامر الذي أقبلت إليه وأقدمت عليه - وهو تثبيط الناس عن الجهاد - كما تحذر مما خلفته وراء ظهرك ولم تقدم عليه وهو الجهاد.
وقال ابن أبي الحديد: أي يأتيكم أهل البصرة مع طلحة ونأتيكم بأهل المدينة والحجاز فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم ومن خلفكم.
وقال في قوله (عليه السلام): " وما بالهوينا " أي ليست هذه الداهية بالشئ الهين الذي ترجو اندفاعه بسهولة فإن قصد الجيوش الكوفة من كلا الجانبين أمر صعب المرام فإنه ليركبن أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الامر المستصعب لأنا نحن نطلب أن نملك الكوفة وأهل البصرة كذلك فيجتمع عليها الفريقان.
وقال [ابن الأثير] في النهاية: الهون: الرفق واللين والتثبت " والهوينا " تصغير الهونى تأنيث الأهون.
وقوله: " فاعقل عقلك " يحتمل المصدر. وقيل هو مفعول به " وخذ نصيبك وحظك " أي من طاعة الامام وثواب الله وقيل أي لا تتجاوز إلى ما ليس لك. " فإن كرهت فتنح " أي عن العمل فإني قد عزلتك. " إلى غير رحب " أي سعة بل يضيق عليك الامر بعده. وقال في النهاية: بالحري أن يكون كذا أي جدير.
وقال ابن أبي الحديد: أي جدير أن تكفي هذه المؤونة التي دعيت إليها " وأنت نائم " أي لست معدودا عندنا وعند الناس من الرجال الذين يفتقر الحرب والتدبيرات إليهم فسيغني الله عنك ولا يقال: أين فلان.
46 - نهج البلاغة: ومن كتاب له [عليه السلام] إلى بعض أمراء جيشه:
فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب، وإن توافت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك، فإن المتكاره مغيبه خير من شهوده وقعوده أغنى من نهوضه.
توضيح: قال ابن ميثم: روي أن الأمير الذي كتب إليه عثمان بن حنيف عامله على البصرة وذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها وعزموا على الحرب فكتب عثمان إليه يخبره بحالهم فكتب (عليه السلام) إليه كتابا فيه الفصل المذكور.
" وإن توافت الأمور " أي تتابعت بهم المقادير وأسباب الشقاق والعصيان إليهما ويقال: نهد القوم إلى عدوهم إذا صمدوا له وشرعوا في قتالهم
" وتقاعس ": أبطأ وتأخر. و " المتكاره " من يظهر الكراهة ولا يطيع بقلبه.
" والنهوض ": القيام.
47 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة:
أما بعد فإني خرجت من حيي هذا إما ظالما وإما مظلوما وإما باغيا وإما مبغيا عليه، وأنا أذكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلي فإن كنت محسنا أعانني وإن كنت مسيئا استعتبني.
بيان " لما نفر " بالتشديد بمعنى إلا أي أذكره في كل وقت إلا وقت النفور كقولهم: سألتك لما فعلت.
وفي بعض النسخ بالتخفيف فكلمة وما زائدة كما قيل في قوله تعالى: * (لما عليها حافظ) * فإنه قرء بالتخفيف والتشديد معا والاستعتاب طلب العتبى وهو الرجوع.
48 - أمالي الطوسي: أحمد بن محمد بن الصلت عن ابن عقدة عن جعفر بن عبد الله العلوي عن عمه القاسم بن جعفر عن عبد الله بن محمد العلوي عن أبيه عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلم قال:
حدثني عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري قال: سماني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الرحمان قال: لما بلغ عليا مسير طلحة والزبير خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:
أما بعد فقد بلغني مسير هذين الرجلين واستخفافهما حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله واستفزازهما أبناء الطلقاء وتلبيسهما على الناس بدم عثمان وهما ألبا عليه وفعلا به الأفاعيل وخرجا ليضربا الناس بعضهم ببعض اللهم فأكف المسلمين مؤنتهما واجزهما الجوازي.
وحض الناس على الخروج في طلبهما فقام إليه أبو مسعود عقبة بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومجلسك فيما بين قبره ومنبره أعظم مما ترجو من الشام والعراق فإن كنت إنما تسير لحرب فقد أقام عمر وكفاه سعد زحف القادسية وكفاه حذيفة بن اليمان زحف نهاوند وكفاه أبو موسى زحف تستر وكفاه خالد بن الوليد زحف الشام فإن كنت سائرا فخلف عندنا شقة منك نرعاه فيك ونذكرك به ثم قال أبو مسعود:
بكت الأرض والسماء على الشاخص * منا يريد أهل العراق يا وزير النبي قد عظم الخطب * وطعم الفراق مر المذاق وإذا القوم خاصموك فقوم * ناكسو الطرف خاضعو الأعناق لا يقولون إذ تقول وإن * قلت فقول المبرز السباق فعيون الحجار تذرف بالدمع * وتلك القلوب عند التراقي فعليك السلام ما ذرت به الشمس * ولاح السراب بالرقراق فقال قيس بن سعد: يا أمير المؤمنين ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك لأنك نجمنا الذي نهتدي به ومفزعنا الذي نصير إليه وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرومن مصر وليفسدن اليمن وليطمعن في العراق ومعه قوم يمانيون قد أشربوا قتل عثمان وقد اكتفوا بالظن عن العلم وبالشك عن اليقين وبالهوى عن الخير فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه ويقصر له من نفسه.
فقال: أحسنت والله يا قيس وأجملت.
وكتبت أم الفضل بنت الحارث إلى علي (عليه السلام) تخبره بمسير عائشة
وطلحة والزبير فأزمع المسير فبلغه تثاقل سعد وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة فقال سعد: لا أشهر سيفا حتى يعرف المؤمن من الكافر.
وقال أسامة: لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله ولو كنت في زبية الأسد لدخلت فيه معك.
وقال محمد بن مسلمة: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله سيفا وقال:
إذا اختلف المسلمون فاضرب به عرض أحد والزم بيتك.
وتخلف عنه عبد الله بن عمر.
فقال عمار بن ياسر: دع القوم أما عبد الله فضعيف، وأما سعد فحسود، وأما محمد بن مسلمة فذنبك إليه أنك قتلت بأخيه مرحبا.
ثم قال عمار لمحمد بن مسلمة: أما تقاتل المحاربين فوالله لو مال علي جانبا لملت مع علي.
وقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين إنه بلغك عنا معشر الأنصار ما لو كان غيرنا لم يقم معك؟ والله ما كل ما رأينا حلالا حلال ولا كل ما رأينا حراما حرام وفي الناس من هو أعلم بعذر عثمان ممن قتله وأنت أعلم بحالنا منا فإن كان قتل ظالما قبلنا [قولك] وإن كان قتل مظلوما فاقبل قولنا فإن وكلتنا فيه إلى شبهة فعجب ليقيننا وشكك وقد قلت لنا: عندي نقض ما اجتمعوا عليه، وفصل ما اختلفوا فيه وقال:
كان أولى أهل المدينة بالنصر * علي وال عبد مناف للذي في يديه من حرم الله * وقرب الولاء بعد التصافي
[وكان كعب بن مالك من شيعة عثمان] وقال الأشتر إلى علي (عليه السلام) فكلمه بكلام يحضه على أهل الوقوف فكره ذلك علي عليه السلام حتى شكاه وكان من رأي علي (عليه السلام) أن لا يذكرهم بشئ فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين إنا وإن لم نكن من المهاجرين والأنصار فإنا فيهم وهذه بيعة عامة والخارج منها عاص والمبطئ عنها مقصر وإن أدبهم اليوم باللسان وغدا بالسيف وما من ثقل عنك كمن خف معك وإنما أرادك القوم لأنفسهم فأردهم لنفسك. فقال علي عليه السلام: يا مالك دعي.
وأقبل علي عليه السلام عليهم فقال: أرأيتم لو أن من بايع أبا بكر أو عمر أو عثمان ثم نكث بيعته أكنتم تستحلون قتالهم؟ قالوا: نعم. قال:
وكيف تحرجون من القتال معي وقد بايعتموني؟ قالوا: إنا لا نزعم أنك مخطئ وأنه لا يحل لك قتال من بايعك ثم نكث بيعتك ولكن نشك في قتال أهل الصلاة.
فقال الأشتر: دعني يا أمير المؤمنين أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك فقال له: كف عني فانصرف الأشتر وهو مغضب!!
ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا الأشتر في نفر من المهاجرين والأنصار فقال قيس للأشتر: يا مالك كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته؟ وكلما استبطأت أمرا استعجلته إن أدب الصبر التسليم وأدب العجلة الأناة وإن شر القول ما ضاهى العيب وشر الرأي ما ضاهى التهمة فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع ولا تسأل قبل البلاء ولا تكلف قبل أن ينز؟ الامر فإن في أنفسنا ما في نفسك فلا تشق على صاحبك فغضب؟ الأشتر ثم أن الأنصار مشوا إلى الأشتر في ذلك فرضوه من غضبه فرضي.
فلما هم علي (عليه السلام) بالشخوص قام أبو أيوب خالد بن زيد صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أمير المؤمنين إن أقمت بهذه البلدة فإنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وبها قبره ومنبره فإن
استقامت لك العرب كنت كمن كان قبلك، وإن وكلت إلى المسير فقد أعذرت.
فأجابه (عليه السلام) بعذره في المسير ثم خرج لما سمع توجه طلحة والزبير إلى البصرة وتمكث حتى عظم جيشه وأغد السير في طلبهم فجعلوا لا يرتحلون من منزل إلا نزله حتى نزل بذي قار فقال: والله إنه ليحزنني أن أدخل على هؤلاء في قلة من معي فأرسل إلى الكوفة الحسن بن علي (عليه السلام) وعمار بن ياسر وقيس بن سعد وكتب إليهم كتابا.
فقدموا الكوفة فخطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وذكر عليا وسابقته في الاسلام وبيعة الناس له وخلاف من خالفه ثم أمر بكتاب علي عليه السلام فقرئ عليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه عيانه إن الناس طعنوا عليه وكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عيبه، وكان هذان الرجلان أهون سيرهما فيه الوجيف وقد كان من أمر عائشة فلتة على غضب فأتيح له قوم فقتلوه.
ثم إن الناس بايعوني غير مستكرهين وكان هذان الرجلان أول من فعل على ما بويع عليه من كان قبلي.
ثم إنهما استأذناني في العمرة وليسا يريدانها فنقضا العهد وآذنا بحرب وأخرجا عائشة من بيتها ليتخذانها فئة وقد سارا إلى البصرة اختيارا لها وقد سرت إليكم اختيارا لكم ولعمري ما إياي تجيبون ما تجيبون إلا الله ورسوله ولن أقاتلهم وفي نفسي منهم حاجة.
وقد بعثت إليكم بالحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد
مستنفرين فكونوا عند ظني بكم ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فلما قرء الكتاب على الناس قام خطباء الكوفة شريح بن هاني وغيره فقالوا: والله لقد أردنا أن نركب إلى المدينة حتى نعلم علم عثمان فقد أنبأنا الله به في بيوتنا ثم بذلوا السمع والطاعة وقالوا: رضينا بأمير المؤمنين ونطيع أمره ولا نتخلف عن دعوته والله لو لم يستنصرنا لنصرناه سمعا وطاعة.
فلما سمع الحسن بن علي عليهما السلام ذلك قام خطيبا فقال: أيها الناس إنه قد كان من أمير المؤمنين علي ما تكفيكم جملته وقد أتيناكم مستنفرين لكم لأنكم جبهة الأمصار ورؤساء العرب وقد كان من نقض طلحة والزبير بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم وهو ضعف النساء وضعف رأيهن وقد قال الله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * [34 / النساء] وأيم الله لو لم ينصره أحد لرجوت أن يكون له فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار ومن يبعث الله له من نجباء الناس كفاية فانصروا الله ينصركم.
ثم جلس. وقام عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة إن كانت غابت عنكم أبداننا فقد انتهت إليكم أمورنا إن قاتلي عثمان لا يعتذرون إلى الناس وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم أحيى من أحيى وقتل من قتل وإن طلحة والزبير أول من طعن وآخر من أمر ثم بايعا أول من بايع فلما أخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما على غير حدث كان وهذا ابن الرسول يستنفركم في المهاجرين والأنصار فانصروا ينصركم الله.
وقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن هذا الامر لو استقبلنا به الشورى لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتال من أبى ذلك حلالا وكيف والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه وخلعاه حسدا.
فقام خطباؤهم فأسرعوا الرد بالإجابة فقال النجاشي في ذلك:
رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * علي وأبناء النبي محمد وقلنا له أهل وسهلا ومرحبا * نقبل يديه من هوى وتودد فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند وتسويد من سودت غير مدافع * وإن كان من سودت غير مسود فإن نلت ما تهوى فذاك نريده * وإن تخط ما تهوى فغير تعمد وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة:
جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة * أجابوا ولم يأتوا بخذلان من خذل وقالوا: علي خير حاف وناعل * رضينا به من ناقض العهد من بدل هما أبرزا زوج النبي تعمدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل فما هكذا كانت وصاة نبيكم * وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل فهل بعد هذا من مقال لقائل * ألا قبح الله الأماني والعلل فلما فرغ الخطباء وأجاب الناس قام أبو موسى فخطب الناس وأمرهم بوضع السلاح والكف عن القتال ثم قال: أما بعد فإن الله حرم علينا دماءنا وأموالنا فقال: * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) * [29 / النساء: 4] وقال: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * [93 / النساء: 4] يا أهل الكوفة.
[هذا] تمام الحديث.
بيان شقة الثوب والعصا بالكسر: ما شق منه مستطيلا ولعلها كناية استعيرت هنا للأولاد. وترقرق: تحرك. والشئ: لمع. والشمس: صارت كأنها تدور.
قوله (عليه السلام): " في نفسي منهم حاجة " أي لا أعلمهم مسلمين ولا أنتظر رجوعهم. وعالية الرمح: ما دخل في السنان إلى ثلثه. والصفيحة:
السيف العريض. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
49 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) قال لعبد الله بن العباس لما أنفذه إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل:
لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه يركب الصعب ويقول هو الذلول ولكن ألق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا.
قال السيد رضي الله عنه: هو أول من سمعت منه هذه الكلمة أعني:
فما عدا مما بدا.
بيان يستفيئه أي يسترجعه. " إن تلقه تجده " [و] في رواية: " إن تلفه " تلفه بالفاء أي تجده " عاقصا " أي عاطفا قد التوى قرناه على أذنيه يقال:
عقص شعره أي ضفره وفتله والأعقص من التيوس وغيرها: ما التوى قرناه على أذنيه من خلفه. " وعاقصا " إما مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور. " يركب الصعب " أي يستهين المستصعب من الأمور. والعريكة: والطبيعة.
والتعبير بابن الخال كقول هارون لموسى: " يا بن أم " للاستمالة بالأذكار بالنسب والرحم.
قوله (عليه السلام): " فما عدا مما بدا " قال ابن أبي الحديد: معنى الكلام: فما صرفك عما بدا منك أي ظهر أي ما الذي صدك عن طاعتي بعد إظهارك لها " ومن " ها هنا بمعنى " عن " وقد جاءت في كثير من كلامهم وحذف ضمير المفعول كثير جدا.
وقال الراوندي له: معنيان: أحدهما: ما الذي منعك مما كان قد بدا منك من البيعة قبل هذه الحالة. الثاني: ما الذي عاقك من البداء الذي يبدو
للانسان ويكون المفعول الأول لعدا محذوفا يدل عليه الكلام أي ما عداك يريد ما منعك عما كان بدا لك من نصرتي.
وقال ابن ميثم: أقول هذه الوجوه وإن احتملت أن تكون تفسيرا إلا أن في كل منها عدولا عن الظاهر والحق أن يقال: إن " عدا " بمعنى جاوز و " من " لبيان الجنس والمراد ما الذي جاوز لك عن بيعتي مما بدا لك بعدها من الأمور التي ظهرت لك وتبقى الألفاظ على أوضاعها الأصلية مع استقامة المعنى وحسنه.
وروي عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال:
سألت ابن عباس عن تلك الرسالة؟ فقال: بعثني فأتيت الزبير فقلت له فقال: إني أريد ما تريد. كأنه يقول: الملك ولم يزدني على ذلك فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته.
50 - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة قال عبد الله بن العباس دخلت على أمير المؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت لا قيمة لها. قال: والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا ثم خرج فخطب الناس فقال:
إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس حتى بوأهم محلتهم وبلغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم واطمأنت صفاتهم.
أما والله إن كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها ما عجزت ولا جبنت وإن مسيري هذا لمثلها فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه.
ما لي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم.
بيان: ذو قار موضع قريب من البصرة. " حتى بوأهم " أي أسكنهم محلتهم أي ضرب الناس بسيفه على الاسلام حتى أوصلهم إليه.
وقال ابن ميثم: المراد بالقناة القوة والغلبة والدولة التي حصلت لهم مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب فإن الرمح أو الظهر سبب للقوة والغلبة.
والصفاة: الحجارة الملساء أي كانوا قبل الاسلام متزلزلين في أحوالهم بالنهب والغارة وأمثالها.
" إن كنت لفي ساقتها " هي جمع سائق كحائك وحاكة ثم استعملت للأخير لان السائق إنما يكون في آخر الركب والجيش وشبه أمر الجاهلية إما بعجاجة ثائرة أو بكتيبة مقبلة للحرب فقال: إني طردتها فولت بين يدي أطردها حق لم يبق منها شئ. " لمثلها " أي لمثل تلك الحالة التي كنت عليها معهم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله. " فلأنقبن " [و] في بعض النسخ: " لابقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته " شبه عليه السلام الباطل بحيوان ابتلع جوهرا ثمينا أعن منه فاحتيج إلى شق بطنه في استخلاص ما ابتلع.
وفي نسخة ابن أبي الحديد بعد قوله (عليه السلام) صاحبهم اليوم:
والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا كما قال الأول:
أدمت لعمري شربك المحض صابحا * وأكلك بالزبد المقشرة البجرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا أقول: المقشرة: التمرة التي أخرج منها نواتها. والبجر بالضم: الامر العظيم والعجب ولعله هنا كناية عن الكثرة أو الحسن أو اللطافة. ويحتمل أن يكون مكان المفعول المطلق يقال: بجر كفرح - فهو بجر -: امتلأ بطنه من اللبن والماء ولم يرو. وتبجر النبيذ: ألح في شربه. وكثير بجير اتباع. والجرد بالضم: جمع الأجرد وهو الفرس الذي رقت شعرته وقصرت وهو مدح.
والسمر جمع الأسمر وهو الرمح.
51 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) في معنى طلحة والزبير: والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه ودما سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم.
وإن معي لبصيرتي والله ما لبست ولا لبس علي وإنها للفئة الباغية فيها الحماء والحمة والشبهة المغدفة وإن الامر لواضح وقد زاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه عن شغبه.
وأيم الله لأفرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري ولا يعبون بعده في حسي.
[و] منها:
فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون: البيعة البيعة قبضت كفي فبسطتموها ونازعتكم يدي فجاذبتموها اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي فاحلل ما عقدا ولا تحكم لهما ما أبرما وأرهما المساءة فيما أملا وعملا ولقد استثبتهما قبل القتال واستأنيت بهما أمام الوقاع فغمطا النعمة وردا العافية.
تبيين النصف بالكسر والتحريك: الانصاف والعدل أي إنصافا أو حكما ذا إنصاف ويقال: ولي أمرا أي قام به. " والطلبة " بكسر اللام: ما طلبته من شئ. وقال في النهاية: لبست الامر بالفتح إذا خلطت بعضه ببعض وربما شدد للتكثير.
وقال ابن أبي الحديد: الحماء: الطين الأسود. وحمة العقرب: سمها أي في هذه الفئة الضلال والفساد. ويروى " الحما " بألف مقصورة وهو كناية عن الزبير
لان كل من كان نسيب الرجل فهم الأحماء وأحدهم حما مثل قفا وأقفاء وما كان نسيب المرأة فهم الاحمأة فأما الاصهار فيجمع الجهتين وكان الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كان النبي صلى الله عليه وآله أعلم عليا بأن فئة تبغي عليه في أيام خلافته فيها بعض زوجاته وبعض أحمائه. فكنى (عليه السلام) عن الزوجة بالحمة وهي سم للعقرب " والحماء " يضرب مثلا لغير الطيب الغير الصافي.
وقال ابن ميثم: المغدفة: الخفية وأصله المرأة تغدف وجهها أي تستره وروي " المغذفة " بكسر الذال من أغذف أي أظلم وهي إشارة إلى شبهتهم في الطلب بدم عثمان. " وقد زاح الباطل " أي بعد وذهب " عن نصابه " أي مركزه ومقره. " والشغب " بالتسكين: تهييج الشر وقد يحرك. " والعب ":
الشرب بلا مص " والحسي " ماء كامن في رمل يحفر عنه فيستخرج ويكون باردا عذبا وهذه كناية عن الحرب والهيجاء وتهديد بهما وما يتعقبهما من القتل والهلاك.
وقال الجوهري: العوذ: حديثات النتايج من الظباء والخيل والإبل واحدها: عائد مثل حائل وحول وذلك إذا ولدت عشرة أيام أو خمسة عشر يوما ثم هي مطفل.
وفي القاموس المطفل كمحسن: ذات الطفل من الانس والوحش والجمع مطافيل.
وقيل: إن في الجمع بين الوصفين تجوز. وعلى ما في القاموس لا يحتاج إلى ذلك. " والبا " بتشديد اللام من التأليب وهو التحريص " قوله واستثبتهما " استفعال من ثاب يثوب إذا رجع أي طلبت منهما أن يرجعا وروي بالتاء المثناة من التوبة. " واستأنيت " أي انتظرت من الاناءة " فغمطا " بالكسر أي حقرا.
52 - نهج البلاغة: [و] من خطبة له عليه السلام في ذكر أهل البصرة:
كل واحد منهما يرجو الامر له ويعطفه عليه دون صاحبه لا يمتان بحبل ولا يمدان إليه بسبب كل واحد منهما صاحب حامل [" خ "] ضب لصاحبه وعما قليل يكشف قناعه به.
والله لئن أصابوا الذي يريدون لينتزعن هذا نفس هذا وليأتين هذا على هذا.
قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون وقد سنت لهم السنن وقدم لهم الخبر ولكل ضلة علة ولكل ناكث شبهة والله لا أكون كمستمع اللدم يسمع الناعي ويحضر الباكي ثم لا يعتبر.
إيضاح: [قوله عليه السلام]: " كل واحد منهما " أي طلحة والزبير " لا يمتان " قال في النهاية: المت: التوسل والتوصل بحرمة أو قرابة أو غير ذلك.
وقال: السبب في الأصل: الحبل الذي يتوصل به إلى ماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ كقوله تعالى: * (وتقطعت بهم الأسباب) * أي الوصل والمودات. وقال: الضب: الغضب والحقد. والظاهر أن الضمير المجرور في " قناعه " راجع إلى كل واحد منهما والباء في " به " للسببية، والضمير للضب " يكشف قناعه " الذي استتر به ويظهر حاله بسبب حقده وبغضه. " فأين المحتسبون " أي العاملون لله والطالبون للاجر ويقال أيضا: احتسب عليه أي أنكر. وتقديم الخبر: هو إخبار النبي صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وضمير [في قوله] " لهم " في الموضعين للمحتسبين أو للفئة الباغية وعلة ضلتهم هي البغي والحسد وشبهتهم في نكث البيعة الطلب بدم
عثمان كما قيل أو المعنى أن لكل ضلالة غالبا علة ولكل ناكث شبهة بخلاف هؤلاء فإنهم يعدلون عن الحق مع وضوحه بغير عذر وشبهة.
" ومستمع اللدم " الضبع و [اللدم] هو صوت الحجر يضرب به الأرض أو حيلة يفعلها الصائد عند باب جحرها فتنام ولا تتحرك حتى يجعل الحبل في عرقوبها فيخرجها والمعنى لا أغتر ولا أغفل عن كيد الأعداء فاستمع الناعي بقتل طائفة من المسلمين ويحضر الباكي على قتلاهم فلا أحاربهم حتى يحيطوا بي.
وقيل: لا أكون كمن يسمع الضرب والبكاء ثم لا يصدق حتى يجئ لمشاهدة الحال.
[و] قال الجوهري: اللدم: ضرب المرأة صدرها وعضديها في النياحة.
53 - نهج البلاغة: ومن كلام له (عليه السلام) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة:
إن الله بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق وأمر قائم لا يهلك عنه إلا هالك وإن المبتدعات المشبهات هن من المهلكات إلا ما حفظ الله منها [كذا] وإن في سلطان الله عصمة لامركم فأعطوه طاعتكم غير ملومة ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الاسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الامر إلى غيركم.
إن هؤلاء قد تمالؤا على سخطة إمارتي وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم فإنهم إن تمموا على فيالة هذا الرأي انقطع نظام المسلمين وإنما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن أفاءها الله عليه فأرادوا رد الأمور على أدبارها.
ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام بحقه والنعش لسنته.
بيان وأمر قائم أي باق وحكمه غير منسوخ. وقيل: أي مستقيم ليس بذي عوج " لا يهلك عنه " أي معرضا وعادلا عنه " الا هالك " أي من بلغ الغاية في الهلاك " والمشبهات " بالفتح أي التي اشبهت؟ سنن وليست منها أو بالكسر أي التي تشبه الامر على الناس.
وقوله (عليه السلام): " إلا ما حفظ الله " استثناء من بعض متعلقات المهلكات أي أنها مهلكة في جميع الأحوال إلا حال حفظ الله بالعصمة عن ارتكابها أو كل أحد إلا من حفظه الله فما بمعنى " من ".
قوله (عليه السلام): " وإن في سلطان الله " أو دين الله أو حجة الله أو الامام أي في طاعته.
قوله (عليه السلام): " غير ملومة " أي مخلصين غير ملوم صاحبها بأن ينسب إلى النفاق والرياء.
وفي بعض النسخ على التفعيل للمبالغة، ويروى " غير ملوية " أي غير معوجة من لويت العود إذا عطفته.
قوله " حتى يارز " أي ينقبض وينضم ويجتمع.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.