بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۵۴۰–۵۷۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۸ از ۲۱
وجاء الأحنف بن قيس عليا عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الأرض ومن حارب الله ورسوله أنف الاسلام وإني قد عجمت هذا الرجل يعني أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر كليل المدية وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم ويتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم فإن شئت أن تجعلني حكما فاجعلني وإن شئت أن تجعلني ثانيا أو ثالثا فإن عمروا لا يعقد عقدة إلا عقدت لك أشد منها.
فعرض علي عليه السلام ذلك على الناس فأبوه وقالوا: لا يكون إلا أبو موسى.
فبعث أيمن بن خريم الأسدي وكان معتزلا لمعاوية بأبيات تدل على أن صلاحهم في اختيار ابن عباس وترك أبي موسى فطارت أهواء قوم من أولياء علي عليه السلام وشيعته إلى ابن عباس وأبت القراء إلا أبا موسى.
قال نصر: فلما رضي أهل الشام بعمرو وأهل العراق بأبي موسى أخذوا في سطر كتاب الموادعة وكانت صورته:
هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان.
فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته! وقال عمرو: لا بل نكتب اسمه واسم أبيه إنما هو أميركم فأما أميرنا فلا. فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه فقال الأحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك فإني أتخوف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا فلا تمحها.
فقال علي عليه السلام: إن هذا اليوم كيوم الحديبية حين كتبت الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو أعلم أنك لرسول الله لم أقاتلك ولم أخالفك، إني لظالم لك إن منعتك أن تطوف بيت الله وأنت رسوله ولكن اكتب من محمد بن عبد الله.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إني لرسول الله وأنا محمد بن عبد الله ولن يمحوا عني الرسالة كتابي لهم من محمد بن عبد الله فاكتبها فامح ما أراد محوه أما إن لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد.
453 - قال نصر: وروي أن عمروا عاد بالكتاب إليه عليه السلام وطلب أن يمحو اسمه من إمرة المؤمنين فقص علي عليه وعلى من حضر قصة صلح الحديبية وقال: إن ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا وبني المشركين واليوم أكتبه إلى أبنائهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله كتبه إلى آبائهم شبها ومثلا فقال عمرو:
سبحان الله أتشبهنا بالكفار ونحن مسلمون؟ فقال علي عليه السلام: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للكافرين وليا وللمسلمين عدوا؟ فقام عمرو وقال: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم. فقال علي عليه السلام أما والله إني لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك. وجاءت عصابة قد وضعت سيوفها على عواتقها فقالوا: يا أمير المؤمنين مرنا بما شئت فقال لهم سهل بن حنيف: أيها الناس اتهموا رأيكم فلقد شهدنا صلح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا.
454 - وروى أبو إسحاق الشيباني أنه قيل لعلي عليه السلام - حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام -: أتقر أنهم مؤمنون مسلمون؟
فقال علي عليه السلام: ما أقر لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون ولكن يكتب معاوية ما شاء ويقر بما شاء لنفسه ولأصحابه ويسمي نفسه بما شاء وأصحابه.
فكتبوا: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي بن أبي طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين وقاضي معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين أنا ننزل عند حكم الله وكتابه ولا يجمع بيننا إلا إياه وأن كتاب الله سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن فإن وجد الحكمان أن ذلك في كتاب الله اتبعناه وإن لم يجداه أخذا بالسنة العادلة غير المفرقة والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص.
وقد أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين أنهما آمنان على أنفسهما وأموالهما وأهلهما والأمة لهما أنصار وعلى الذي يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين عهد الله أن يعملوا بما يقضيان عليه مما وافق الكتاب والسنة وأن الامن والموادعة ووضع السلاح متفق عليه بين الطائفتين إلى أن يقع الحكم.
وعلى كل واحد من الحكمين عهد الله ليحكمن بين الأمة بالحق لا بالهوى.
وأجل الموادعة سنة كاملة فإن أحب الحكمان أن يعجلا الحكم عجلاه وإن توفي أحدهما فلأمير شيعته أن يختار معه رجلا لا يألوا الحق والعدل وإن توفي أحد الأميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممن يرتضون أمره ويحمدون
طريقة اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحادا أو ظلما.
455 - قال نصر: هذه رواية محمد بن علي بن الحسين عليه السلام والشعبي وروى جابر عن زيد بن الحسن بن الحسن زيادات على هذه النسخة.
أقول: وذكر تلك الرواية وساقها إلى أن قال: وشهد فيه من أصحاب علي عليه السلام عشرة ومن أصحاب معاوية عشرة وتاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين.
قال: ولما كتبت الصحيفة دعي لها الأشتر ليشهد مع الشهود عليه فقال:
لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة أو لست على بينة من أمري ويقين من ضلال عدوي؟ أو لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور؟!
وجرى بينه وبين الأشعث كلام ثم قال: ولكني قد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين ودخلت فيما دخل فيه وخرجت مما خرج منه فإنه لا يدخل إلا في الهدى والصواب.
قال: فلما تم الكتاب خرج الأشعث ومعه ناس بنسخة الكتاب يقرأها على الناس ويعرضها عليهم فمر به على صفوف من أهل الشام وهم على راياتهم فأسمعهم إياه فرضوا به ثم مر على صفوف من أهل العراق وهم على راياتهم فاسمعهم إياه فرضوا به حتى مر برايات عنزة وكان معه عليه السلام [منهم] أربعة آلاف فقال: فتيان منهم: لا حكم إلا لله ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما حتى قتلا ثم مر به على مراد فقال صالح بن شقيق وكان من رؤوسهم: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون.
ثم مر على رايات بني راسب فقرأ عليهم فقالوا: لا حكم إلا لله لا نرضى ولا نحكم الرجال في دين الله. ثم مر على رايات تميم فقارأه عليهم فقال رجل منهم:
لا حكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين. فشد عليه رجل بسيفه فرجع إلى
علي عليه السلام فأخبره بما جرى فقال عليه السلام: هل هي غير راية أو رايتين أو نبذ من الناس؟ قال: لا. قال: فدعهم فظن عليه السلام أنهم قليلون فما راعه إلا نداء الناس من كل ناحية: لا حكم إلا لله الحكم لله يا علي لا لك لا نرضى بأن نحكم الرجال في دين الله إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا تحت حكمنا عليهم وقد كنا زللنا حين رضينا بالحكمين وقد بان لنا زللنا وخطأنا فرجعنا إلى الله وتبنا فارجع أنت يا علي كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا وإلا برأنا منك.
فقال عليه السلام: ويحكم أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع؟ أليس الله تعالى قد قال: * (أوفوا بالعقود) * [1 / المائدة] وقال: * (أوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) * [91 / النحل] فأبى أن يرجع وأبت الخوارج إلا تضليل التحكيم والطعن فيه فبرؤا من علي وبرئ منهم علي.
456 - وعن عمر بن سعد بإسناده قال: أتى سليمان بن صرد عليا أمير المؤمنين عليه السلام بعد كتاب الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف فلما نظر إليه علي عليه السلام قال: * (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) * وأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل فقال: يا أمير المؤمنين أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة أبدا أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأول فما وجدت أحدا عنده خيرا إلا قليلا.
وقال محرز بن حويش فقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام أما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل فوالله إني لأخاف أن يورث ذلا. فقال عليه السلام: أبعد أن كتبناه ننقضه، إن هذا لا يحل.
457 - قال نصر: وحدثني عمرو بن نمير عن أبي الوداك قال: لما كتبت صحيفة الصلح والتحكيم قال علي عليه السلام إنما فعلت ما فعلت لما بدا فيكم من الخور والفشل عن الحرب فجاءت إليه همدان كأنها ركن حصير فيهم سعيد بن قيس وابنه عبد الرحمن فقال سعيد: ها أنا ذا وقومي لا نرد أمرك فقل ما شئت نعمله فقال: أما لو كان هذا قبل سطر الصحيفة لأزلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتي ولكن انصرفوا راشدين فلعمري ما كنت لاعرض قبيلة واحدة للناس.
458 - قال نصر: وروى الشعبي أن عليا عليه السلام قال يوم صفين حين أقر الناس بالصلح:
إن هؤلاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحق ولا ليجيبوا إلى كلمة سواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب وحتى تجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس وحتى تدعق الخيول في نواحي أرضهم وبأعنان مساربهم ومسارحهم وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج وحتى تتلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله وحرصا على لقاء الله.
ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وأخوالنا وأعمامنا لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على أمض الألم وجدا على جهاد العدو والاستقلال بمبارزة الاقران ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا
يتصاولان تصاول الفحلين ويتخالسان أنفسهما أيهما يسقى صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا فلما رآنا الله صدقا صبرا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر ولعمري لو كنا نأتي مثل هذا الذي أتيتم ما قام الدين ولا عز الاسلام وأيم الله لتحلبنها دما فاحفظوا ما أقول لكم يعني الخوارج.
459 - وروى نصر عن عمرو بن شمر عن فضيل بن خديج قال: قيل لعلي عليه السلام لما كتب الصحيفة: إن الأشتر لم يرض بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم فقال علي عليه السلام: بلى إن الأشتر ليرضى إذا رضيت ورضيتم ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار إلا أن يعصى الله ويتعدى ما في كتابه.
وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك ولا أعرفه على ذلك وليت فيكم مثله اثنان بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي مثل رأيه إذا لخفت مؤونتكم علي ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم.
وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها وقد طمعت أن لا تضلوا إنشاء الله رب العالمين.
وكان الكتاب في صفر والأجل في شهر رمضان لثمانية أشهر يلتقي الحكمان.
ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم.
إيضاح: الوطيس: شبه التنور. أو الضراب في الحرب. أو حجارة مدورة حيث لم يقدر أحد يطؤها عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق وقد مر مرارا. والقتام: الغبار: والمران كعثمان: رماح القنا. والغمغمة:
أصوات الابطال عند القتال والكلام الذي لا يبين. والنقع والقسطل: الغبار والمجنبة بفتح النون: المقدمة والمجنبتان بالكسر الميمنة والميسرة.
وقال الجوهري صل المسمار وغيره يصل صليلا أي صوت. وقال الكدم:
العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار. وأصحرته الشمس: المت دماغه.
وفي القاموس: لزه لزا ولززا: شده وألصقه كألزه. واللز: الطعن ولزوم الشئ بالشئ والزامه به.
و [قال:] في النهاية: فيه " وعجمتك الأمور " أي جربتك من العجم:
العض. يقال: عجمت العود إذا عضضته لتنظر أصلب هو أم رخو.
وقال وفي حديث الأحنف: إني قد عجمت الرجل وحلبت أشطره. الأشطر جمع شطر وهو خلف الناقة. وقيل للناقة أربعة أخلاف كل خلفين منها شطر وجعل الأشطر موضع الشطرين كما تجعل الحواجب موضع الحاجبين يقال:
حلب فلان الدهر أشطره أي اختبر ضروبه من خيره وشره تشبها بحلب جميع أخلاف الناقة ما كان منها حفلا وغير حفل ودارا وغير دار. والمدية: السكين.
وقال [و] في حديث الحديبية: " لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي " هي صفحة العنق ومجمعها وهما سالفتان من جانبيه وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عن ما يليها إلا بالموت. وقيل: أراد حتى يفرق بين رأسي وجسدي.
460 - الإرشاد: ومن كلامه عليه السلام [إن هؤلاء القوم] لم يكونوا لينيبوا إلى الحق. إلى آخر ما مر برواية ابن أبي الحديد وزاد في آخره: " وأيم الله لتحتلبنها دما عبيطا فاحفظوا ما أقول ".
بيان: السواء: العدل والوسط والمعنى إلى كلمة حق نساوي نحن وهم فيه كما قال تعالى: * (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) * والمنسر: قطعة من الجيش يكون أمام الجيش الأعظم. والكتيبة: طائفة من الجيش. واجلبوا: إذا جاؤوا من كل أوب للنصرة. والأعناق النواحي. وأحناء الوادي: جمع حنو بالكسر وهو منعطفه. والمسارب: المراعي. والمسرح أيضا المرعى. والفرق بينهما أن السروح إنما يكون في أول النهار وليس ذلك بشرط في السروب.
461 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام: ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم وصبرا على مضض الألم وجدا في جهاد العدو ولقد كان الرجل منا [والآخر من عدونا. يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا] فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه ومتبوأ أوطانه ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضر للايمان عود وأيم الله لتحتلبنها دما ولتتبعنها ندما.
توضيح: اللقم: منهج الطريق. والمضض: حرقة الألم. يتصاولان أي يحمل كل من القرنين على صاحبه. والتخالس: التسالب. " أنفسهما " أي كل منهما يختلس نفسه صاحبه أو نفسه من يد صاحبه والأول أظهر. والمنون: الموت والكبت: الاذلال والصرف. والجران: مقدم عنق البعير من منحره إلى مذبحه.
وإلقاؤه كناية عن استقراره في قلوب عباد الله كالبعير الذي أخذ مكانه واستقر فيه. وتبوأ وطنه: سكن فيه. ولعله شبه الاسلام بالرجل الخائف المتزلزل الذي استقر في وطنه بعد خوفه. " لتحتلبنها " الضمير المؤنث مبهم يرجع في المعنى إلى أفعالهم وكذا في قوله " لتتبعنها " شبهها بالناقة التي أصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها والمقصود عدم انتفاعهم بتلك الافعال عاجلا وآجلا.
462 - كتاب الصفين قال نصر: حدثني عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن جندب قال: لما أقبل علي عليه السلام من صفين أقبلنا معه فقال علي عليه السلام: آئبون عائدون لربنا حامدون اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في المال والاهل.
قال: ثم أخذ بنا طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى " هيت " وأخذنا على " صندودا " فخرج الأنماريون بنو سعد بن حزيم واستقبلوا عليا
فعرضوا عليه النزل فلم يقبل، فبات بها ثم غدا وأقبلنا معه حتى جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة فإذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه علي عليه السلام ونحن معه حتى سلم وسلمنا عليه قال: فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه فقال له علي: ما لي أرى وجهك منكفئا أمن مرض؟ قال نعم قال فلعلك كرهته؟ فقال: ما أحب أنه بغيري!! قال: أليس احتسابا للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى قال: أبشر برحمة ربك وغفران ذنبك فمن أنت يا عبد الله؟ قال: أنا صالح بن سليم. قال: أنت ممن؟ قال: أما الأصل فمن سلامان بن طئ وأما الجوار والدعوة فمن بني سليم بن منصور. قال:
سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى في من لجب الحمى خذلني عنها قال علي عليه السلام: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) * [91 / التوبة: 9] أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: منهم المسرور فيما كان بينك وبينهم وأولئك أغشاء الناس ومنهم المكبوت الآسف لما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك. فذهب لينصرف فقال: صدقت
جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فإن المرض لا أجر فيه ولكن لا يدع للعبد ذنبا إلا حطه إنما الاجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله عز وجل يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة [عالما جما] من عباده الجنة.
ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري فدنا منه وسأله فقال له: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا هذا؟ قال: منهم المعجب به ومنهم المكاره له والناس كما قال الله تعالى: * (ولا يزالون مختلفين) * [118 / هود 11] فقال له: فما يقول ذوو الرأي؟ قال: يقولون: إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه وحصن حصين فهدمه فحتى متى يبني مثل ما هدم وحتى متى يجمع مثل ما قد فرق؟! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظهره الله أو يهلك إذا كان ذلك هو الحزم. فقال عليه السلام: أنا هدمت أم هم هدموا؟ أم أنا فرقت أم هم تفرقوا؟ وأما قولهم: لو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك هو الحزم. فوالله ما غبي عني ذلك الرأي وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالاقدام فنظرت إلى هذين قد استقدماني فعلمت إن هذين إن هلكا انقطع نسب محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا ولقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما يعني بذلك ابنيه الحسن والحسين وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومي لألقينهم وليس هما معي في عسكر ولا دار.
قال: ثم مضى حتى جزنا دور بني عوف فإذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذه القبور؟ فقال له: قدامة بن العجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك فأوصى أن يدفن في الظهر وكان الناس يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه. فقال: رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسده أحوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
فجاء حتى وقف عليهم ثم قال: عليكم السلام يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف وفرط ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم. ثم قال: الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا الحمد لله الذي جعل منها خلقنا وفيها يعيدنا وعليها يحشرنا طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله بذلك.
ثم أقبل حتى دخل سكة الثوريين فقال: خشوا [بين] هذه الأبيات.
وعن عمر بن سعد بن عبد الله بن العاصم الفائشي قال: لما مر علي عليه السلام بالثوريين يعني ثور همدان سمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات؟
قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين قال: أما إني شهيد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة.
ثم مر بالفائشيين فسمع الأصوات فقال ذلك.
ثم مر بالشاميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشامي فقال علي عليه السلام: أتغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين؟ قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثة قدرنا على ذلك ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل فليس من دار إلا وفيها بكاء أما نحن معاشر الرجال فإنا لا نبكي ولكن نفرح لهم بالشهادة فقال علي عليه السلام: رحم الله قتلاكم وموتاكم وأقبل يمشي معه وعلي راكب فقال له علي عليه السلام: ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن.
ثم مضى حتى مر بالناعطيين فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن مرثد فقال: ما صنع علي والله شيئا ذهب ثم انصرف في غير شئ فلما نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام أبلس فقال عليه السلام لأصحابه: قوم فارقتهم آنفا خير من هؤلاء ثم قال:
أخوك الذي إن أجهضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما وليس أخوك بالذي إن تشعبت * عليك أمور ظل يلحاك لائما ثم مضى فلم يزل يذكر الله حتى دخل الكوفة.
بيان: قال في النهاية فيه: إنه انكفئ لونه عام الرمادة أي تغير عن حاله ومنه حديث الأنصار: مالي أرى لونك منكفئا ؟ قال: من الجوع انتهى والاجهاض: الغلبة. ولم يبرح أي لم يزل.
والواجم: الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام. والتشعب: التفرق.
463 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام فتداكوا علي تداك الإبل الهيم يوم ورودها قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها حتى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي وقد قلبت هذا الامر بطنه وظهره حتى منعني النوم فما وجدتني يسعني إلا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فكانت معالجة القتال أهون علي من معالجة العقاب وموتات الدنيا أهون علي من موتات الآخرة.
بيان: قال ابن ميثم: " هذا إشارة إلى صفة أصحابه بصفين لما طال منعه لهم من قتال أهل الشام " كما هو الظاهر من آخر الكلام لكن كثير من الشواهد تدل على أنه لبيان حالة البيعة [بعد هلاك عثمان] كما سيأتي بعضها لا سيما ما كان في نسخة ابن أبي الحديد فإنه ذكر العنوان هكذا: " من كلام له عليه السلام في ذكر البيعة ".
قوله عليه السلام " تداكوا " أي دك بعضهم بعضا. والدك هو الدق. وقيل:
أصله الكسر. والهيم: العطاش. والورد بالكسر: النصيب من الماء والاشراف عليه. وفي بعض النسخ " ورودها " وهو حضورها لشرب الماء. و " أرسلها " أي أهملها وأطلقها. والمثاني جمع مثناة بفتح الميم وكسرها وهي حبل من صوف أو شعر أو غيره تثنى ويعقل بها البعير و " قاتلي " على صيغة الجمع مضافة إلى ياء المتكلم. وجملة: " يسعني " مفعول ثان والضمير في " قتالهم " يعود إلى معاوية وأصحابه على الأول وإلى الناكثين على الثاني.
والمعالجة: المزاولة. وموتات الدنيا: شدائدها وأهوالها ومتاعبها بقرينة موتات الآخرة.
ويحتمل أن يراد بالأولى أنواع الموت وبالثانية الشدائد التي هي أشد من الموت.
464 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين:
أما قولكم: كل ذلك كراهية الموت فوالله ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إلي.
وأما قولكم: شكا في أهل الشام فوالله ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشوا إلى ضوئي وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها.
توضيح: استبطأه أي عده بطيئا وزعم أن المصلحة في التعجيل.
روى ابن ميثم أنه عليه السلام لما ملك الماء بصفين وسمح بأهل الشام في المشاركة كما سبق مكث أياما لا يرسل إلى معاوية أحدا ولا يأتيه من عنده أحد قال له أهل العراق: يا أمير المؤمنين خلفنا نساءنا وذرارينا بالكوفة وجئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطنا فأذن لنا في القتال فإن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية الموت ومنهم من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام!!
فأجابهم عليه السلام بذلك.
و " كل " مرفوع و " كراهيته " منصوب في أكثر النسخ وروي " كل ذلك " بالنصب وهو مفعول فعل مقدر أي تفعل كل ذلك و " كراهية " منصوب بأنه مفعول لأجله. ومن رواه بالرفع أجاز في " كراهية " الرفع والنصب أما الرفع فبالخبرية وأما النصب فلكونه مفعولا له للخبر المحذوف.
وعشى النار وإليها عشوا وعشوا: رآها ليلا من بعيد ببصر ضعيف فقصدها
ويقال لكل قاصد: عاش وفيه تعريض بضعف بصائر أهل الشام.
" وتبوء بآثامها " أي ترجع إلى ربها متلبسة بمعاصيها.
465 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام في بعض أيام صفين:
معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللامة وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها والحظوا الخزر، وأطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى، واعلموا أنكم بعين الله مع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله فعاودوا الكر واستحيوا من الفر فإنه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت مشيا سجحا وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان كامن في كسره قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
إيضاح: قال بعض الشارحين: هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين عليه وفي رواية نصر بن مزاحم أنه خطب به أول أيام الحرب بصفين وذلك في صفر من سنة سبع وثلاثين.
والمعشر: الجماعة. واستشعار الخشية أن يجعلوا الخوف من الله عز وجل ملازما لهم كالشعار وهو من اللباس ما يلي شعر الجسد. ويحتمل على بعد أن يراد به إخفاء الخوف عن العدو إذا لم يمكن سلبه عن النفس. والجلباب بالكسر:
القميص أو ثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو الملحفة أو الخمار أو ثوب كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها. وتجلبب أي اتخذه [جلبابا] والسكينة: الوقار والتأني في الحركة والسير. والنواجذ: أقاصي الأضراس وهي
أربعة بعد الارحاء. وقيل: هي الضواحك التي تبدوا عند الضحك. وقيل الأنياب. وقيل: التي تليها. وقيل: الأضراس كلها.
ونبا السيف عن الضريبة إذا لم يعمل فيها. والهام: جمع هامة وهي رأس كل شئ.
والامر إما محمول على الحقيقة لان هذا العض يصلب الأعصاب والعضلات فيكون تأثير السيف في الرأس أقل أو كناية عن شدة الاهتمام بأمر الحرب أو الصبر وتسكين القلب وترك الاضطراب فإنه أشد إبعادا لسيف العدو عن الرأس وأقرب إلى النصر.
والضمير في قوله: " فإنه " يعود إلى المصدر الذي دل عليه " عضوا " كقولك: من أحسن كان خيرا له. واللامة بفتح اللام والهمزة الساكنة:
الدرع. وقيل: جميع آلات الحرب والسلاح. وإكمال اللامة على الأول أن يزاد البيضة والسواعد ونحوهما أو اتخاذها كاملة شاملة للجسد. والقلقلة:
التحريك. والغمد بالكسر: جفن السيف. وسل السيف: إخراجه من الغمد وقيل سلها أي قبل وقت الحاجة إلى سلها. واللحظ: النظر بمؤخر العين.
والخزر بسكون الزاي: النظر بلحظ العين. والشزر بالفتح: الطعن عن اليمين والشمال. وقيل: أكثر ما يستعمل في الطعن عن اليمين خاصة.
وقال ابن الأثير في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " الخطوا الشزر وطعنوا اليسر " والشزر: النظر بمؤخر العين وهو نظر الغضبان: واليسر بالفتح الطعن حذاء الوجه. والخزر والشزر صفتان لمصدرين محذوفين أي الحظوا لحظا خزرا واطعنوا طعنا شزرا. واللام للعهد.
وفائدة الأمر الأول واضحة فإن النظر بمؤخر العين يهيج الحمية والغضب ويدفع طمع العدو ويغفله عن التعرض وبملاء العين يورث الجبن وعلامة له عند العدو ويصير سببا لتحرزه وأخذ أهبته والتوجه إلى القرن.
وأما الأمر الثاني فقيل إنه يوسع المجال على الطاعن وأكثر المناقشة للخصم في الحرب تكون عن يمينه وعن شماله ويمكن أن تكون الفائدة أن احتراز العدو عن الطعن حذاء الوجه أسهل والغفلة عنه أقل هذا على ما في الأصل وما في النهاية يخالفه.
والمنافحة: المضاربة والمدافعة. والظبي جمع ظبة بالضم فيهما وهي طرف السيف وحده ويطلق على حد السيف والسنان. قيل: المعنى قاتلوا بالسيوف وأصله أن يقرب أحد المتقاتلين إلى الآخر بحيث يصل نفح كل منهما أي ريحه ونفسه إلى صاحبه. وقيل: أي ضاربوا بأطراف السيوف وفائدته أن مخالطة العدو والقرب الكثير منه يشغل عن التمكن من حربه وأيضا لا يؤثر الضرب كما ينبغي مع القرب المفرط قوله عليه السلام: " وصلوا السيوف بالخطى " وصل الشئ بالشئ جعله متصلا به. والخطى جمع خطوة بالضم فيهما والمعنى إذا قصرت السيوف عن الضريبة فتقدموا تلحقوا ولا تصبروا حتى يلحقكم العدو وهذا التقدم يورث إلقاء الرعب في قلب العدو.
وروى أنه قيل له عليه السلام في بعض الغزوات: ما أقصر سيفك فقال: أطوله بخطوة.
وفي رواية ابن الأثير: " صلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبل " أي إذا لم تلحقهم بالرماح فارموهم بالسهام.
والمراد بكونهم بعين الله أنه سبحانه يراهم ويعمل أعمالهم والباء مثلها في قولك: " أنت بمرأى مني ومسمع " أي بحيث أراك وأسمع كلامك. فيكون تمهيدا للنهي عن الفرار وأنه سبحانه يحفظهم وينصرهم لكونهم على الحق كما يناسب كونهم مع ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله.
والكر: الرجوع والحملة ومعاودته عند التحرف للقتال: أو التحيز إلى فئة أو عند الفرار جبنا لو كان أو المراد لا تقصروا على حملة لليأس عن حصول الغرض بل عاودوا واحملوا كرة بعد أخرى.
والأعقاب: جمع عقب بالضم وبضمتين أي العاقبة والمعنى أن الفرار عار في عاقبة أمركم وما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان على ما قيل. أو جمع عقب ككتف أو عقب بالفتح أي الولد وولد الولد والمعنى إن الفرار ما يعير به أولادكم.
وطاب نفسي بالشئ وطيب به نفسا. إذا لم يكرهك عليه أحد والتعدية ب " عن " لتضمين معنى التجافي والتجاوز. و " نفسا " منصوب على التميز وإفراده مع عدم اللبس أولى ولعل المعنى وطنوا أنفسكم على بذلها في سبيل الله وارضوا به للحياة الباقية واللذات الدائمة.
والسجح بضمتين: السهل. وسواد الناس: عامتهم والمراد معظم القوم المجتمعين على معاوية.
والرواق ككتاب: الفسطاط والقبة. وقيل: هو ما بين يدي البيت.
والمطنب: المشدود بالاطناب والمراد مضرب معاوية وكان في قبة عالية وحوله صناديد أهل الشام.
وثبج الشئ بالتحريك: وسطه ومعظمه " وكمن " كنصر وسمع أي استخفى. وكسر الخباء بالكسر: الشقة السفلى يرفع أحيانا ويرخى أخرى والوثبة: الطفرة. ونكص كنصر وضرب أي رجع. والشيطان: هو " إبليس " لا معاوية كما قيل لأنه كان بارزا في الصدر لا كامنا في الكسر إلا أن يكون ذلك لبيان جبنه. وتقديم اليد للوثبة وتأخير الرجل للنكوص لا ينافي إرادة إبليس فإنه كان من رفقاء معاوية وأصحابه يثب بوثوبهم ويرجع برجوعهم.
ويمكن أن يراد بوثبته طمعه في غلبة أصحاب معاوية وتحريضهم على القتال وبالنكوص ما يقابله.
ويحتمل أن يراد بالشيطان عمرو بن العاص والأول أظهر. وحمله على القوة الوهمية كما قيل من الأوهام الفاسدة.
" والصمد " بالفتح القصد وناصبه محذوف والتأكيد للتحريص على قصد العدو والصبر على الجهاد أو التقرب إلى الله تعالى وإخلاص النية في الأعمال التي من جملتها الجهاد.
وانجلى الشئ وتجلى أي انكشف وظهر و " عمود الحق " لعله للتشبيه بالفجر الأول وفيه إشعار بعدم الظهور لأكثر القوم كما ينبغي " وأنتم الأعلون " الواو للحال أي الغالبون على الأعداء بالظفر أو بأنكم على الحق والله معكم أي بالنصر والحياطة أو لأنكم أنصاره " ولن يتركم " أي لا ينقصكم الله جزاء أعمالكم بل يوفيكم أجوركم. وقيل أي لا يضيع أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له حميما ولعل حاصل المعنى: اقصدوا ربكم بأعمالكم التي منها جهاد أعدائكم وأخلصوا نياتكم حتى ينجلي لكم أنكم على الحق كما قال تعالى:
* (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) * والجملة الحالية تفيد أنهم على الحق ومن أنصار الله وحزبه.
أو اقصدوا أعداءكم بتصميم العرم حتى يظهر آية النصر وينجز الله لكم ما وعد من الظفر ووعده الحق.
ويمكن أن يراد بالحق الطريقة المستقيمة وأن يكون الظفر سببا لظهوره للقوم.
466 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين:
إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر فقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به.
بيان: قوله عليه السلام: وأبلغ في العذر أي العذر في القتال معهم أو في إتمام الحجة عليهم وإبداء عذر الله تعالى في عقابهم.
وفي النهاية: حقنت له دمه إذا منعت من قتله. وإراقته أي جمعته له وحبسته عليه و " يرعوي " أي يرجع ويكف. واللهج بالشئ: الولع به. وقد لهج بالكسر: أغرى به.
467 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن يتسرع إلى الحرب: أملكوا عني هذا الغلام لا يهذني فإني أنفس بهذين يعني - الحسن والحسين عليهما السلام - على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال السيد الرضي: وقوله عليه السلام: أملكوا عني هذا الغلام. من أعلى الكلام وأفصحه.
بيان:
في أكثر النسخ " املكوا " بفتح الهمزة وقال ابن أبي الحديد: الألف في " أملكوا " ألف وصل لان الماضي ثلاثي من ملكت الفرس والدار أملك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه و " عن " متعلقة بمحذوف وتقديره استولوا عليه وأبعدوه عني ولما كان الملك سبب الحجر عبر بالسبب عن المسبب.
ووجه علو هذا الكلام وفصاحته أنه لما كان في " أملكوا " معنى البعد أعقبه بعن وذلك أنهم لا يملكونه دونه إلا وقد أبعدوه عنه. قوله: " لا يهدني " أي لئلا يهدني وهد البناء: كسره. ونفست به بالكسر أي بخلت به.
468 - الكافي: في حديث مالك بن أعين قال: حرض أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين فقال: إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من
عذاب أليم وتشفي بكم على الخير والايمان بالله والجهاد في سبيل الله وجعل ثوابه مغفرة للذنب ومساكن طيبة في جنات عدن وقال جل وعز: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * [4 / الصف: 61] فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على النواجذ فإنه أنبأ للسيوف عن الهام والتووا على أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ولا تميلوا براياتكم ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا مع شجعانكم فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ ولا تمثلوا بقتيل.
وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعير بها وعقبه من بعده.
واعلموا أن أهل الحفاظ هم الذين يحفون براياتكم ويكتنفونها ويصبرون حفافيها وورائها وأمامها ولا يضيعونها لا يتأخرون عنها فيسلموها ولا يتقدمون عليها فيفردوها.
رحم الله امرءا واسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة ويأتي بدناءة وكيف لا يكون كذلك وهو يقاتل الاثنين وهذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هاربا ينظر إليه وهذا فمن يفعله يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله عز وجل فإنما ممركم إلى الله وقد قال الله عز وجل * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * [16 / الأحزاب: 33] وأيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيوف الآجلة فاستعينوا بالصبر والصدق فإنما ينزل النصر بعد الصبر فجاهدوا في الله حق جهاده ولا قوة إلا بالله.
469 - وفي كلام آخر له [قال عليه السلام:] وإذا لقيتم هؤلاء القوم غدا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا بدأوا بكم فانهدوا إليهم وعليكم السكينة والوقار وعضوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام وغضوا الابصار ومدوا جباه الخيول ووجوه الرجال وأقلوا الكلام فإنه أطرد للفشل وأذهب بالوهل ووطنوا أنفسكم على المبارزة والمنازلة والمجادلة واثبتوا واذكروا الله عز وجل كثيرا فإن المانع للذمار عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويضربون حافتيها وأمامها وإذا حملتم فافعلوا فعل رجل واحد وعليكم بالتحامي فإن الحرب سجال لا يشتدن عليكم كرة بعد فرة ولا حملة بعد جولة ومن ألقى إليكم السلام فاقبلوا منه واستعينوا بالصبر فإن بعد الصبر النصر من الله عز وجل إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
بيان: قال الجوهري: رصصت الشئ رصا: ألصقت بعضه ببعض ومنه " بنيان مرصوص " والدارع: لابس الدرع. والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع.
[قوله عليه السلام:] " والتووا على أطراف الرماح " في القاموس: تلوى:
انعطف كالتوى. والمور: التحرك والاضطراب أي إذا وصلت إليكم أطراف الرماح فانعطفوا ليزلق ويتحرك فلا ينفذ.
وحمله ابن ميثم على الالتواء عند إرسال الرمح ورميه إلى العدو بأن يميل صدره ويده فإن ذلك أنفذ. وفيه بعد.
وقال الجوهري: الجاش جأش القلب وهو رواعه إذا اضطرب عند الفزع يقال فلان رابط الجأش أي ربط نفسه عن الفرار لشجاعته.
و [مثله] في القاموس [وزاد:] ونفس الانسان، وقد لا يهمز [وجمعه جؤش].
وإنما أمرهم عليه السلام بغض الابصار لئلا يروا ما يهولهم لئلا يرى العدو منهم جبنا وكذا قلة الكلام وترك رفع الأصوات علامة الشجاعة فإن الجبان يصيح ويرعد ويبرق.
وقال الجوهري قولهم: فلان حامي الذمار أي إذا زمر وغضب وحمى ويقال: الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه لأنهم قالوا: حامي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة وسمي ذمارا لأنه يحق على أهله الدفع عنها.
فالأظهر أن الحقائق هنا جمع الحقيقة بمعنى ما يحق للرجل أن يحميه والمراد بنزول الحقائق نزولها به أو نزوله بها وما يعرض للانسان في الحرب هي حالة تحق أن يحمي عنها.
ويحتمل أن يكون جمع الحقيقة بمعنى الراية كما ذكره الجوهري والفيروز آبادي.
وقال ابن ميثم: أي الشدائد الحقة المتيقنة وأما ما ذكره ابن أبي الحديد وتبعه غيره من أن الحقائق جمع حاقة وهي الامر الصعب الشديد ففي كونه جمعا لها نظر. والحفاظ بالكسر: الذب عن المحارم. وقوله عليه السلام " حفافيها " متعلق بقوله " يكتنفونها " أو بقوله: " يصبرون " أيضا على التنازع. والحفافان: اليمين واليسار.
وفي بعض النسخ " ورائها " بدون العطف فهما الامام والوراء.
قوله عليه السلام: " من سيوف الآجلة " سمي عقاب الله على فرارهم وتخاذلهم سيفا على الاستعارة أو مجاز المشاكلة. وفي القاموس: نهدا الرجل:
نهض. ولعدوه: صمد لهم.
قوله عليه السلام: " ومدوا جباه الخيول ووجوه الرجال " لعل المراد بهما تسوية الصفوف وإقامتها راكبين وراجلين أو كناية عن تحريكها وتوجيههما إلى جانب العدو.
والوهن: الضعف والفزع. وفي النهاية فيه: " والحرب بيننا سجال " أي مرة لنا ومرة علينا وأصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل والسجل: الدلو الملاى ماءا.
والسلام: الاستسلام. وقد مر شرح بعض أجزاء الخبرين وسيأتي بعضها.
470 - الإرشاد من كلامه عليه السلام في تحضيضه على القتال يوم صفين بعد حمد الله والثناء عليه:
عباد الله اتقوا الله وغضوا الابصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجادلة والمبارزة والمبالطة والمبالدة والمعانقة والمكادمة واثبتوا * (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) * [45 - 46 / الأنفال: 8] اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الاجر.
إيضاح:
[قال الفيروزآبادي:] في القاموس: بالط القوم تجالدوا بالسيف كتبالطوا.
وبني فلان: نازلوهم بالأرض وقال: المبالدة: المبالطة بالسيوف والعصي.
كدمه يكدمه ويكدمه [كضرب ونصر]: عضه بأدنى فمه أو أثر فيه بحديدة وكمعظم المعضض. واكدم الأسير بالضم: استوثق منه. وقال:
الريح: الغلبة والقوة والرحمة والنصرة والدولة.
471 - الإرشاد [و] من كلامه عليه السلام أيضا في هذا المعنى:
معشر الناس إن الله قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفي بكم على الخير العظيم الايمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله والجهاد في سبيله وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه * (يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * [4 / الصف: 61] فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنه أنبا
للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة، وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ورأيتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ولا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم فإن المانعين للذمار الصابرين على نزول الحقائق [هم] أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم و يكتنفونها.
رحم الله امرءا منكم آسا أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه فتكتسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة فلا تعرضوا لمقت الله ولا تفروا من الموت فإن الله تعالى يقول: * (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * [86 / الأحزاب: 33] وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآجلة، فاستعينوا بالصبر والصلاة والصدق في النية فإن الله تعالى بعد الصبر ينزل النصر.
بيان: في رواية ابن أبي الحديد: " في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ثم أخبركم بالذي يحب فقال: إن الله يحب " وفيه " إلا بأيدي شجعانكم المانعي الذمار والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفون برايتكم ويكتنفونها يضربون خلفها وأمامها، وهلا أجزأ كل امرئ منكم قرنه واسى أخاه " إلي قوله: " ويأتي دنائة أني هذا وكيف يكون هذا [و] هذا يقاتل اثنين وهذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنما مردكم إلى الله قال الله تعالى لقوم عابهم: * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * إلى قوله: * (استعينوا بالصدق والصبر فإنه بعد الصبر ينزل النصر) *.
وسيأتي شرحه في رواية السيد رضي الله عنه.
472 - مناقب ابن شهرآشوب: تفسير الحسن والسدي ووكيع والثعلبي ومسند أحمد أنه قال الزبير في قوله " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " لقد لبثنا أزمانا ولا نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون.
قال السدي في قوله: " فلا عدوان إلا على الظالمين " نزلت في حربين في يوم صفين ويوم الجمل فسمى الله أصحاب الجمل وصفين ظالمين ثم قال " واعلموا أن الله مع المتقين " بالنصر والحق مع أمير المؤمنين وأصحابه.
بعض المفسرين في قوله: " قل للمخلفين من الاعراب ستدعون " أي فيما بعد " إلى قوم أولي بأس شديد " أنهم أهل صفين وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال للأعراب الذين تخلفوا عنه بالحديبية وعزموا على خيبر: " قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ".
أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر قالا في قوله تعالى: * (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " كنا نقول: ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان حرب صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا:
نعم هو هذا.
قال الباقر عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقاتل معاوية: " قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " الآيات هم هؤلاء ورب الكعبة.
ابن مسعود قال: [قال:] النبي صلى الله عليه وآله: أئمة الكفر معاوية وعمرو.
ولما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من [حرب] الجمل نزل في الرحبة السادس من رجب وخطب فقال:
الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق وأذل الناكث المبطل.
ثم إنه دعا الأشعث بن قيس من ثغر آذربيجان والأحنف بن قيس من البصرة وجرير بن عبد الله البجلي من همدان فأتوه إلى الكوفة فوجه جريرا إلى معاوية يدعوه إلى طاعته فلما بلغها توقف معاوية في ذلك حتى قدم [بطلب منه] شرحبيل الكندي ثم خطب فقال: أيها الناس قد علمتم أني خليفة عمر وخليفة عثمان وقد قتل عثمان مظلوما وأنا وليه وابن عمه وأولى الناس بطلب دمه فماذا رأيكم؟ فقالوا: نحن طالبون بدمه.
فدعا عمرو بن العاص على أن يطعمه مصر فكان عمرو يأمر بالحمل والحط مرارا فقال له غلامه وردان: تفكر أن الآخرة مع علي عليه السلام والدنيا مع معاوية فقال عمرو:
لا قاتل الله وردانا وفطنته * أبدى لعمري ما في الصدر وردان فلما ارتحل قال ابن عمرو له:
ألا يا عمرو ما أحرزت نصرا * ولا أنت الغداة إلى رشاد أبعت الدين بالدنيا خسارا * وأنت بذاك من شر العباد فانصرف جرير فكتب معاوية إلى أهل المدينة أن عثمان قتل مظلوما وعلي آوى قتلته فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلنا هذا الامر شورى بين المسلمين كما جعله عمر عند وفاته فانهضوا رحمكم الله معنا إلى حربه فأجابوه بكتاب فيه:
معاوي إن الحق أبلج واضح * وليس كما ربصت أنت ولا عمرو نصبت لنا اليوم ابن عفان خدعة * كما نصب الشيخان إذ زخرف الامر رميتم عليا بالذي لم يضره * وليس له في ذاك نهي ولا أمر وما ذنبه إن نال عثمان معشر * أتوه من الاحياء تجمعهم مصر وكان علي لازما قعر بيته * وهمته التسبيح والحمد والذكر فما أنتما لا دردر أبيكما * وذكركم الشورى وقد وضح الامر فما أنتما والنصر منا وأنتما * طليقا أسارى ما تبوح بها الخمر وجاء أبو مسلم الخولاني بكتاب من عنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام يذكر فيه: وكان أنصحهم لله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت.
إلى آخر ما سيأتي.
فلما وصل الخولاني وقرأ على الناس [كتاب معاوية] قالوا: كلنا [له] قاتلون ولأفعاله منكرون.
فكان جواب أمير المؤمنين:
وبعد فإني رأيت قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي ثم حاكم القوم إلي أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله.
وأما الذي تريدها فإنها خدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك لعلمت أني من أبرأ الناس من دم عثمان وقد علمت أنك من أبناء الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة.
وأجمع عليه السلام على المسير وحض الناس على ذلك.
قال ابن مردويه: قال ابن أبي حازم التميمي وأبو وائل: قال أمير المؤمنين عليه السلام: انفروا إلى بقية الأحزاب أولياء الشيطان انفروا إلى من يقول:
كذب الله ورسوله.
وجاء رجل من عبس إلى أمير المؤمنين عليه السلام [بكتاب من معاوية] فسأل: ما الخبر؟ فقال: إن في الشام يلعنون قاتلي عثمان ويبكون على قميصه. فقال أمير المؤمنين: ما قميص عثمان بقميص يوسف ولا بكاؤهم إلا كبكاء أولاد يعقوب فلما فتح الكتاب وجده بياضا فحولق.
فقال قيس بن سعد:
ولست بناج من علي وصحبه * وإن تك في جابلق لم تك ناجيا وكتب [معاوية] إلى أمير المؤمنين عليه السلام: ليت القيامة قد قامت فترى المحق من المبطل!!
فقال أمير المؤمنين عليه السلام [في جوابه:] * (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) * الآية [18 / الشورى: 42].
فقال لعبد الله بن أبي رافع اكتب:
إن بيعتي شملت الخاص والعام وإنما الشورى للمؤمنين من المهاجرين الأولين السابقين بالاحسان من البدريين وإنما أنت طليق بن طليق لعين بن لعين وثن بن وثن ليست لك هجرة ولا سابقة ولا منقبة ولا فضيلة وكان أبوك من الأحزاب الذين حاربوا الله ورسوله فنصر الله عبده وصدق وعده وهزم الأحزاب ثم وقع في آخر الكلام:
ألم تر قومي إذ دعاهم أخوهم * أجابوا وإن يغضب على القوم يغضب وكتب معاوية اتق الله يا علي وذر الحسد فطالما لم ينتفع به أهله إلى آخر كتابه اللعين.
فأجابه عليه السلام بعد كلام طويل: عظتي لا تنفع من حقت عليه كلمة العذاب ولم يخف العقاب ولا يرجو لله وقارا ولم يخف [له] حذارا فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة تجد الله عز وجل في ذلك بالمرصاد.
ثم قال في آخره:
فأنا أبو الحسن قاتل جدك عتبة وعمك شيبة وأخيك حنظلة الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوي فنهاه عمرو عن مكاتبته ولم يكتب إلا بيتا:
ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب قال أمير المؤمنين عليه السلام: قاتلت الناكثين وهؤلاء القاسطين وسأقاتل المارقين. ثم ركب فرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقصده في تسعين ألفا.
قال سعيد بن جبير: منها تسعة مائة رجل من الأنصار وثمانمائة من المهاجرين.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: سبعون رجلا من أهل بدر. ويقال: مائة وثلاثون رجلا.
وخرج معاوية في مائة وعشرين ألفا يتقدمهم مروان وقد تقلد بسيف عثمان فنزل صفين في المحرم على شريعة الفرات وقال:
أتاكم الكاشر عن أنيابه * ليث العرين جاء في أصحابه ومنعوا عليا عليه السلام وأصحابه الماء.
فأنفذ علي عليه السلام شبث بن ربعي الرياحي وصعصعة بن صوحان فقالا في ذلك لطفا وعنفا فقال: أنتم قتلتم عثمان عطشا.
فقال [علي] عليه السلام: رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء إلى آخر ما مر
[فرجز الأشتر والأشعث] وحملا في سبعة عشر ألفا رجل حملة رجل واحد؟؟؟؟؟
بعضهم وانهزم الباقون فأمر علي عليه السلام أن لا يمنعوهم الماء.
وكان نزوله عليه السلام بصفين لليالي بقين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين.
وأنفذ سعيد بن قيس الهمداني وبشر بن عمرو الأنصاري [إلى معاوية] ليدعوه إلى الحق فانصرفا بعدما احتجا عليه.
ثم أنفذ شبث بن ربعي الرياحي وعدي بن حاتم الطائي ويزيد بن قيس الأرحبي وزياد بن حفص بمثل ذلك.
فكان معاوية يقول: سلموا [إلي] قتلة عثمان لأقتلنهم به ثم نعتزل الامر حتى يكون شورى.
فتقاتلوا في ذي الحجة وأمسكوا في المحرم فلما استهل صفر سنة سبع وثلاثين أمر علي عليه السلام فنودي. في أهل الشام بالاعمار والانذار ثم؟؟
عسكره فجعل على ميمنته الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل.
وعلى ميسرته محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال.
وعلى القلب عبد الله بن العباس وعباس بن ربيعة بن الحارث والأشتر والأشعث.
وعلى الجناح سعيد بن قيس الهمداني وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ورفاعة بن شداد البجلي وعدي بن حاتم.
وعلى الكمين عمار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعامر بن واثلة الكناني وقبيصة بن جابر الأسدي.
وجعل معاوية على ميمنته ذا الكلاع الحميري وحوشب ذا الظليم وعلى الميسرة عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وعلى القلب الضحاك بن قيس الفهري وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعلى الساقة بسر بن أرطأة الفهري وعلى الجناح عبد الله بن مسعدة الفزاري وهمام بن قبيصة النمري وعلى الكمين أبا الأعور السلمي وحابس بن سعد الطائي.
فبعث علي عليه السلام إلى معاوية أن أخرج إلي أبارزك فلم يفعل.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.