پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

93 باب 113

ج ۳۲، ص ۱۱۵–۱۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۶ از ۲۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

93 - الإرشاد من كلامه (عليه السلام) وقد نفر من ذي قار متوجها إلى البصرة بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله:

أما بعد فإن الله تعالى فرض الجهاد وعظمه وجعله نصرة له، والله ما صلحت دنيا قط ولا دين إلا به وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله وشبه في ذلك وخدع وقد بانت الأمور وتمحضت.

والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا وإنهم ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولئن كنت شركتهم فيه إن لهم نصيبهم منه، ولئن كانوا ولوه دوني فما تبعته إلا قبلهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وإني لعلى بصيرتي ما التبست علي، وإنها للفئة الباغية فيها اللحم واللحمة قد طالت هينتها وأمكنت درتها يرضعون أما فطمت ويحيون بيعة تركت ليعود الضلال إلى نصابه ما اعتذر مما فعلت ولا أتبرأ مما صنعت.

فيا خيبة للداعي ومن دعا لو قيل له إلى من دعوتك وإلى من أجبت ومن إمامك وما سنته إذا لزاح الباطل عن مقامه ولصمت لسانه فما نطق.

وأيم الله لأفرطن لهم حوضا أنا ماتحه ولا يصدرون عنه ولا يلقون بعده ريا أبدا وإني لراض بحجة الله عليهم وعذره فيهم إذ أنا داعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وأقبلوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس على الله كفران، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف فكفا به شافيا من باطل وناصرا لمؤمن.

بيان [قوله عليه السلام:] " فيها اللحم واللحمة " لحم كل شئ: لبه واللحمة بالضم: القرابة أي فيها من يظن الناس أنهم لب الصحابة وفيهم من يدعى قرابة الرسول كالزبير. وفي بعض النسخ " الحمأ والحمة " كما مر " قد طالت هينتها " الهينة: الرفق والسكون شبه (عليه السلام) تلك الفئة وفتنتها بناقة طال سكونها وأمكنت من حلبها كناية عن استمرار الفتنة وتمكنها في أهل الجهل وفي بعض النسخ: " هلبتها " قال الجوهري: الهلبة ما غلظت من شعر الذنب وهلبة الزمان: شدته.

94 - مناقب ابن شهرآشوب: بلغ عايشة قتل عثمان وبيعة علي ب‍ " سرف " فانصرفت إلى مكة تنتظر الامر فتوجه طلحة والزبير وعبد الله بن عامر بن كريز فعزموا على قتال علي واختاروا عبد الله بن عمر للإمامة فقال: أتلقونني بين مخالب علي وأنيابه ثم أدركهم يعلى بن منبه [قادما] من اليمن وأقرضهم ستين ألف دينار والتمست عايشة من أم سلمة الخروج فأبت، وسألت حفصة فأجابت ثم خرجت عايشة في أول نفر.

فكتب الوليد بن عتبة.

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم * ولا تهبوه لا تحل مواهبه و [أيضا] أنشأ [الوليد] لما ظفر علي أمير المؤمنين عليه السلام:

ألا أيها الناس عندي الخبر * بأن الزبير أخاكم غدر وطلحة أيضا حذا فعله * ويعلى بن منبه فيمن نفر فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام أبياتا منها:

فتن تحل بهم وهن شوارع * تسقى أواخرها بكأس الأول فتن إذا نزلت بساحة أمة * أذنت بعدل بينهم متنفل فقدمت عائشة إلى الحوأب وهو ماء نسب إلى الحوأب بنت كليب بن وبرة فصاحت كلابها فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ردوني.

[و] ذكر الأعثم في الفتوح والماوردي في أعلام النبوة وشيرويه في الفردوس وأبو يعلى في المسند وابن مردويه في فضائل أمير المؤمنين والموفق في الأربعين وشعبة والشعبي وسالم بن أبي الجعد في أحاديثهم والبلاذري والطبري في تاريخيهما أن عائشة لما سمعت نباح الكلاب قالت: أي ماء هذا؟ فقالوا:

الحوأب قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهية قد سمعت رسول الله وعنده نساؤه يقول: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب.

وفي رواية الماوردي: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يقتل من يمينها ويسارها قتلى كثيرة تنجو بعدما كادت تقتل.

فلما نزلت الخريبة قصدهم عثمان بن حنيف وحاربهم فتداعوا إلى الصلح فكتبوا بينهم كتابا أن لعثمان دار الامارة وبيت المال والمسجد إلى أن يصل إليهم علي فقال طلحة لأصحابه في السر: والله لئن قدم علي البصرة لنؤخذن بأعناقنا فأتوا على عثمان بياتا في ليلة ظلماء وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة وقتلوا منهم خمسين رجلا واستأسروه ونتفوا شعره وحلقوا رأسه وحبسوه.

فبلغ ذلك سهل بن حنيف فكتب إليهما: أعطي الله عهدا لئن لم تخلوا سبيله لأبلغن من أقرب الناس إليكما فأطلقوه.

ثم بعثا عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال فقتل أبا سالمة الزطي في خمسين رجلا: وبعثت عائشة إلى أحنف تدعوه فأبى واعتزل بالجلحاء من البصرة في فرسخين وهو في ستة آلاف.

فأمر علي سهل بن حنيف على المدينة وقثم بن العباس على مكة وخرج في ستة آلاف إلى الربذة ومنها إلى ذي قار وأرسل الحسن وعمارا إلى الكوفة وكتب [إليهم]:

من عبد الله ووليه علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار وسنام العرب.

ثم ذكر فيه قتل عثمان وفعل طلحة والزبير وعائشة ثم قال:

إن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم وبادروا عدوكم.

فلما بلغا الكوفة قال أبو موسى الأشعري: يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية.

فسكنه عمار فقال أبو موسى هذا كتاب عائشة تأمرني أن تكف أهل الكوفة فلا تكونن لنا ولا علينا ليصل إليهم صلاحهم.

فقال عمار: إن الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت وأمرنا بالقيام لندفع الفتنة فنجلس؟.

فقام زيد بن صوحان ومالك الأشتر في أصحابهما وتهددوه فلما أصبحوا قام زيد بن صوحان وقرأ " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " الآيات ثم قال: يا أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين وانفروا إليه أجمعين تصببوا الحق راشدين.

ثم قال عمار: هذا ابن عم رسول الله يستنفركم فأطيعوه في كلام له.

وقال الحسن بن علي: عليهما السلام أجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما بلينا به في كلام له.

فخرج قعقاع بن عمرو وهند بن عمرو وهيثم بن شهاب وزيد بن صوحان والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وحجر بن عدي وابن مخدوج والأشتر يوم الثالث في تسعة آلاف فاستقبلهم علي على فرسخ وقال: مرحبا بكم أهل الكوفة وفئة الاسلام ومركز الدين.

في كلام له.

وخرج إلى علي من شيعته من أهل البصرة من ربيعته ثلاثة آلاف رجل وبعث الأحنف إليه إن شئت أتيتك في مأتي فارس فكنت معك وإن شئت اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستة آلاف سيف فاختار عليه السلام اعتزاله.

الأعثم في الفتوح أنه كتب أمير المؤمنين إليهما:

أما بعد فإني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى أكرهوني وأنتما ممن أراد بيعتي.

ثم قال (عليه السلام) بعد كلام: ودفعكما هذا الامر قيل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما.

البلاذري: لما بلغ عليا قولهما: ما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف. قال:

أبعدهما الله أقصى دار وأحر نار.

الأعثم: وكتب إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله عز وجل ولرسوله محمد تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين فخبريني ما للنساء وقود العساكر والاصلاح بين الناس؟

وطلبت كما زعمت بدم عثمان؟ وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم ابن مرة.

ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على العصبية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان!! وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك سترك. وقالت عائشة: قد جل الامر عن الخطاب احكم كما تريد فلن ندخل في طاعتك!!!

فأنشأ حبيب بن يساف الأنصاري:

أبا حسن أيقظت من كان نائما * وما كان من يدعى إلى الحق يتبع وإن رجالا بايعوك وخالفوا * هواك وأجروا في الضلال وضيعوا وطلحة فيها والزبير قرينه * وليس لما لا يدفع الله مدفع وذكرهم قتل ابن عفان خدعة * هم قتلوه والمخادع يخدع وسأل ابن الكواء وقيس بن عباد أمير المؤمنين عن قتال طلحة والزبير فقال: إنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق فاستحللت قتالهما لنكثهما بيعتي.

تاريخي الطبري والبلاذري أنه ذكر مجئ طلحة والزبير إلى البصرة قبل الحسن فقال: يا سبحان الله [أ] ما كان للقوم عقول أن يقولوا: والله ما قتله غيركم!!.

تاريخ الطبري قال يونس النحوي: فكرت في أمر علي وطلحة والزبير إن كانا صادقين أن عليا قتل عثمان فعثمان هالك، وإن كذبا عليه فهما هالكان!!.

تاريخ الطبري قال رجل من بني سعد:

صنتم حلائلكم وقدتم أمكم * هذا لعمرك قلة الانصاف أمرت بجر ذيولها في بيتها * فهوت تشق البيد بالايجاف عرضا يقاتل دونها أبناؤها * بالنبل والخطي والأسياف وانفذ أمير المؤمنين زيد بن صوحان وعبد الله بن عباس فوعظاها وخوفاها.

وفي [كتاب] رامش أفزاي: أنها قلت: لا طاقة لي بحجج علي فقال ابن عباس: لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق.

95 - تفسير العياشي: عن جعفر بن مروان قال: إن الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: لا أغمده حتى أبايع لعلي ثم اخترط سيفه فضارب عليا (عليه السلام) وكان ممن أعير الايمان فمشى في ضوء نوره ثم سلبه الله إياه.

96 - تفسير العياشي: عن سعيد بن أبي الأصبغ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يسئل عن مستقر ومستودع قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب وقد يكون مستودع الايمان ثم ينزع منه ولقد مشى الزبير في ضوء الايمان ونوره حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى مشى بالسيف وهو يقول لا نبايع إلا عليا.

97 - مناقب ابن شهرآشوب: عمار وابن عباس أنه لما صعد علي (عليه السلام) المنبر قال لنا: قوموا فتخللوا الصفوف ونادوا هل من كاره فتصارخ الناس من كل جانب اللهم قد رضينا وسلمنا وأطعنا رسولك وابن عمه.

فقال: يا عمار قم إلى بيت المال فأعط الناس ثلاثة دنانير لكل انسان وارفع لي ثلاثة دنانير فمضى عمار وأبو الهيثم مع جماعة من المسلمين إلى بيت المال ومضى أمير المؤمنين إلى مسجد قبا يصلى فيه فوجدوا فيه ثلاث مائة ألف دينار ووجدوا الناس مائة ألف فقال عمار: جاء والله الحق من ربكم والله ما علم بالمال ولا بالناس وإن هذه لآية وجبت عليكم بها طاعة هذا الرجل.

فأبى طلحة والزبير وعقيل أن يقبلوها القصة.

98 - تفسير العياشي: عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: الزبير شهد بدرا؟ قال: نعم ولكنه فر يوم الجمل فإن كان قاتل المؤمنين فقد هلك بقتاله إياهم وإن كان قاتل كفارا فقد باء بغضب من الله حين ولاهم دبره.

99 - تفسير العياشي: عن إسماعيل بن السري عن قوله: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * قال أخبرت أنهم أصحاب الجمل.

100 - مجالس المفيد علي بن خالد المراغي عن الحسن بن علي الكوفي عن جعفر بن محمد بن مروان عن إسحاق بن يزيد عن سليمان بن قرم عن أبي الجحاف عن عمار الدهني:

عن أبي عثمان مؤذن بني أفصى قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين خرج طلحة والزبير لقتاله يقول: عذيري من طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث ثم تلا هذه الآية * (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) *.

101 - مجالس المفيد محمد بن داود الحتمي عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث عن أحمد بن محمد بن عبد الله [عبدان " خ "] عن إبراهيم الخولي عن سعيد بن داود بن الزبير عن مالك بن أنس:

عن أبي سهل بن مالك عن أبيه قال: إني لواقف مع المغيرة بن شعبة عند نهوض علي بن أبي طالب (عليه السلام) من المدينة إلى البصرة إذ أقبل عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال له: هل لك في الله عز وجل يا مغيرة.

فقال: وأين هو يا عمار؟ قال: تدخل في هذه الدعوة فتلحق بمن سبقك وتسود من خلفك.

فقال له المغيرة: أو خير من ذلك يا أبا اليقظان!! قال عمار: وما هو؟

قال: ندخل بيوتنا ونغلق علينا أبوابنا حتى يضئ لنا الامر فنخرج ونحن مبصرون ولا نكون كقاطع السلسلة فر من الضحل فوقع في الغمر.

فقال له عمار: هيهات هيهات أجهل بعد علم وعمي بعد استبصار؟

ولكن اسمع لقولي فوالله لن تراني إلا في الرعيل الأول.

قال فطلع عليهما أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا اليقظان ما يقول لك الأعور فإنه والله دائما يلبس الحق بالباطل ويموه فيه ولن يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا ويحك يا مغيرة إنها دعوة تسوق من يدخل فيها إلى الجنة.

فقال له المغيرة: صدقت يا أمير المؤمنين إن لم أكن معك فلن أكون عليك.

102 - رجال الكشي: روي أن عائشة كتبت من البصرة إلى زيد بن صوحان إلى الكوفة: من عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ابنها زيد بن صوحان الخالص أما بعد إذا أتاك كتابي هذا فاجلس في بيتك وخذل الناس عن علي بن أبي طالب حتى يأتيك أمري.

فلما قرأ [زيد] كتابها قال: أمرت بأمر وأمرنا بغيره فركبت ما أمرنا به وأمرتنا نركب ما أمرت هي به أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة والسلام.

103 - كشف الغمة: من غزواته صلوات الله عليه وقعة الجمل والمجتمعون لها لما

رفضوا عليا ونقضوا بيعته ونكثوا عهده وغدروا به وخرجوا عليه وجمعوا الناس لقتاله مستخفين بعقد بيعته التي لزمهم فرض حكمها مسفين إلى إثارة فتنة عامة باءوا بإثمها لم ير إلا مقاتلتهم على مسارعتهم إلى نكث بيعته ومقاتلتهم عن الخروج عن حكم الله ولزوم طاعته وكان من الداخلين في البيعة أولا والملتزمين لها ثم من المحرضين ثانيا على نكثها ونقضها طلحة والزبير فأخرجا عائشة وجمعا من استجاب لهما وخرجوا إلى البصرة ونصبوا لعلي عليه السلام حبائل الغوائل وألبوا عليه مطيعهم من الرامح والنابل مظهرين المطالبة بدم عثمان مع علمهم في الباطن أن عليا عليه السلام ليس بالآمر ولا القاتل.

ومن العجب أن عائشة حرضت الناس على قتل عثمان بالمدينة وقالت:

اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا فلقد أبلى سنة رسول الله وهذه ثيابه لم تبل.

وخرجت إلى مكة وقتل عثمان وعادت إلى بعض الطريق فسمعت بقتله وأنهم بايعوا عليا فورم أنفها وعادت وقالت: لأطالبن بدمه.

فقيل لها: يا أم المؤمنين أنت أمرت بقتله وتقولين هذا؟ قالت: لم يقتلوه حيث قلت وتركوه حتى تاب وعاد كالسبيكة من الفضة وقتلوه.

وخرج طلحة والزبير من المدينة على خفية ووصلا إليها بمكة وأخرجاها إلى البصرة.

ورحل علي عليه السلام من المدينة يطلبهم فلما قرب من البصرة كتب إلى طلحة والزبير:

أما بعد فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى أكرهوني وأنتما ممن أرادوا بيعتي وبايعوا ولم تبايعا لسلطان غالب ولا لعرض [غرض " خ "] حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله عز وجل عما أنتما عليه، وأن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية.

وأنت يا زبير فارس قريش وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ودفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما به.

وأما قولكما: إني قتلت عثمان بن عفان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل.

وهؤلاء بنو عثمان - إن قتل مظلوما كما تقولان - أولياؤه وأنتما رجلان من المهاجرين وقد بايعتماني ونقضتما بيعتي وأخرجتما أمكما من بيتها الذي أمر الله أن تقر فيه والله حسيبكما والسلام.

وكتب إلى عائشة:

أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين الناس فخبريني ما للنساء وقود العساكر؟

وزعمت أنك طالبة بدم عثمان وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك سترك والسلام.

فجاء الجواب إليه: يا ابن أبي طالب جل الامر عن العتاب ولن ندخل في طاعتك أبدا فاقض ما أنت قاض والسلام.

104 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسن بن محمد معنعنا عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال:

سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: علم المحفوظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.

105 - الكافي: علي عن أبيه عن ابن محبوب عن سلام بن عبد الله.

ومحمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل بن زياد.

وأبو علي الأشعري عن محمد بن حسان جميعا عن محمد بن علي عن علي بن أسباط عن سلام بن عبد الله الهاشمي قال محمد بن علي وقد سمعته عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

بعث طلحة والزبير رجلا من عبد القيس يقال له خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقالا له: إنا نبعثك إلى رجل طال ما كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك منه، وأن تحاجه لنا حتى تقفه [تفقه " خ ل "] على أمر معلوم وإعلم أنه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه ومن الأبواب التي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدهن وأن يخالى الرجل فلا تأكل له طعاما ولا تشرب له شرابا ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه واحذر هذا كله منه وانطلق على بركة الله فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة وتعوذ بالله من كيده وكيد الشيطان فإذا جلست إليه فلا تمكنه من بصرك كله ولا تستأنس به ثم قل له:

إن أخويك في الدين وابني عميك يناشدانك القطيعة ويقولان لك: أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عز وجل محمدا (صلى الله عليه وآله) فلما نلت أدنى منال ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا ثم قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك وسعة البلاد دونك وأن من كان يصرفك عنا وعن صلتنا كان أقل لك نفعا وأضعف عنك دفعا منا وقد وضح الصبح لذي عينين وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا فما الذي يحملك على ذلك فقد كنا نرى أنك أشجع فرسان العرب أتتخذ اللعن لنا دينا وترى أن ذلك يكسرنا عنك.

فلما أتى خداش أمير المؤمنين صلوات الله عليه صنع ما أمراه فلما نظر إليه علي عليه السلام وهو يناجي نفسه ضحك وقال: ها هنا يا أبا عبد قيس وأشار له إلى مجلس قريب منه فقال: ما أوسع المكان أريد أن أؤدي إليك رسالة. قال: بل تطعم وتشرب وتخلي ثيابك وتدهن ثم تؤدي رسالتك قم يا قنبر فأنزله. قال: ما بي إلى شئ مما ذكرت حاجة. قال: فأخلو بك. قال: كل سر لي علانية. قال: فأنشدك الله الذي هو أقرب إليك من نفسك الحائل بينك وبين قلبك الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور أتقدم لك الزبير بما عرضت عليك؟ قال: اللهم نعم. قال: لو كتمت بعدما سألتك ما ارتد إليك طرفك فأنشدك الله هل علمك كلاما تقوله إذا أتيتني؟ قال: اللهم نعم. قال علي عليه السلام آية السخرة؟ قال: نعم. قال: فاقرأها فقرأها وجعل علي عليه السلام يكررها عليه ويرددها ويفتح عليه إذا أخطأ حتى إذا قرأها سبعين مرة قال الرجل: ما يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرة؟ قال له : أتجد قلبك اطمأن؟ قال إي والذي نفسي بيده. قال: فما قالا لك؟ فأخبره فقال: قل لهما: كفى بمنطقكما حجة عليكما ولكن الله لا يهدي القوم الظالمين زعمتما أنكما أخواي في الدين وابنا عمي في النسب أما النسب فلا أنكره وإن كان النسب مقطوعا إلا ما وصله الله بالاسلام.

وأما قولكما إنكما أخواي فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عز وجل وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين وإلا فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنكما أخواي في الدين.

وأما مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمدا فإن كنتما فارقتماهم بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إياي أخيرا وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما مع أن صفقتكما بمفارقتكما الناس لم يكن إلا لطمع الدنيا زعمتما وذلك قولكما: " قطعت رجاءنا " لا تعيبان بحمد الله علي من ديني شيئا.

وأما الذي صرفني عن صلتكما فالذي صرفكما عن الحق وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه، وهو الله ربي لا أشرك به شيئا فلا تقولا: " [هو] أقل نفعا وأضعف دفعا " فتستحقا اسم الشرك مع النفاق.

وأما قولكما: " إني أشجع فرسان العرب وهربكما من لعني ودعائي فإن لكل موقف عملا إذا اختلفت الأسنة وماجت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما فثم يكفيني الله بكمال القلب.

وأما إذا أبيتما بأني أدعو الله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما.

[ثم قال] اللهم اقعص الزبير شر قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرف طلحة المذلة وادخر لهما في الآخرة شرا من ذلك إن كانا ظلماني وافتريا علي وكتما شهادتهما وعصياني وعصيا رسولك في قل آمين.

قال خداش آمين ثم قال خداش لنفسه والله ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك حامل حجة ينقض بعضها بعضا لم يجعل الله لها سماكا أنا أبرأ إلى الله منهما.

[ثم] قال علي عليه السلام: ارجع إليهما وأعلمهما ما قلت: قال: لا والله حتى تسأل الله أن يردني إليك عاجلا وأن يوفقني لرضاه فيك!! ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله.

توضيح: خداش بكسر الخاء وتخفيف الدال [وقول]: " من أنفسنا " بيان لمن أي من الذين هم منا وفي بعض النسخ " في أنفسنا " وهو أظهر. وقوله:

" من أن تمتنع " متعلق ب‍ [قوله] " أوثق " ومن تعليلية " وأن تحاجه " معطوف على " أن تمتنع " حتى تفقه أي تتفقه بحذف إحدى التائين وتضمين معنى الاطلاع والأظهر " تقفه " من وقفته بمعنى أطلعته " وأن يخالى الرجل " أي يخلو به " فلا تمكنه من بصرك " أي لا تنظر إليه كثيرا. وإنما نهياه عن ذلك لئلا

يرى محاسن أخلاقه وآدابه فيميل إلى الحق " وابني عمك " إنما قالا ذلك لكونهما من قريش. " يناشدانك القطيعة " أي يقسمان عليك أن لا تقطع الرحم. " فلما نلت أدنى منال " أي أصبت أدنى مقدرة وجاه. " أتتخذ اللعن لنا دينا " عرضهما أن اللعن دأب العاجزين وكنا نظن أنك أشجع الفرسان. " وتخلى ثيابك " أي من القمل والأدناس وفي بعض النسخ: " وتحل " ولعله أظهر " الحائل بينك وبين قلبك " أي يعلم من قلبك ما تغفل عنه أو هو أملك لقلبك منك " وخائنة الأعين ": نظرها إلى ما لا ينبغي ومسارقة النظر وتحريك الجفون للغمز ونحوه " ما ارتد إليك طرفك " كناية عن الموت " قال الرجل " أي في نفسه متعجبا من أمره بتكريره الآية وكان ذلك لرفع سحرهما وشبههما عن قلبه وتنوير قلبه بالايمان " مع الحدث الذي أحدثتما " أي من إبراز زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) من بيتها وإحداث الفتنة بين المسلمين.

أو المعنى إنكم تعلمون أني على الحق وأن ما أردتم بي باطل فلزمكم الاثم من جهتين متناقضتين.

أو المراد نصرتهما له مع علمهما بكونه على الباطل ولعل الأول أظهر.

" زعمتما " أي أنكما تصيبانها.

وقال الجوهري: فرس حرون: لا ينقاد وإذا اشتد به الجري وقف.

" وهو الله ربي " أي الذي صرفني عن صلتكما هو الله تعالى فلا تقولا [هو] أقل نفعا وأضعف دفعا فتكفرا.

أو صارفهما عن الحق أيضا هو الله مجازا لسلب توفيقه عنهما.

أو المراد أن صارفي عن الصلة هو سوء عقيدتكم وسريرتكم الذي حملكم على نقض البيعة والصارف عن الصلة حقيقة هو الله تعالى لأنه نهى عن صلة الكافرين.

وقيل الضمير للشأن. ولا يخفى ما فيه. " وهربكما " في بعض النسخ:

" وهزؤكما " وهو أظهر. واللبود جمع اللبد وهو الشعر المتراكم بين كتفي الفرس.

والسحر بالضم والتحريك: الرئة ويقال للجبان: قد انتفخ سحره ذكره الجوهري وقال: ضربه فاقعصه أي قتله مكانه. " ما رأيت لحية " أي ذا لحية أو المراد بقوله: " منك " من لحيتك.

106 - الكافي: علي عن أبيه عن بعض أصحابه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

لما خرج أمير المؤمنين عليه السلام يريد البصرة نزل بالربذة فأتاه رجل من محارب فقال: يا أمير المؤمنين إني تحملت في قومي حمالة وإني سألت في طوائف منهم المواساة والمعونة فسبقت إلي ألسنتهم بالنكد فمرهم يا أمير المؤمنين بمعونتي وحثهم على مواساتي.

فقال: أين هم؟ فقال: هؤلاء فريق منهم حيث ترى. قال: فنص راحلته فأدلفت كأنها ظليم فأدلف بعض أصحابه في طلبها فلا يا بلاي ما لحقت فانتهى إلى القوم فسلم عليهم وسألهم ما يمنعهم من مواساة صاحبهم؟ فشكوه وشكاهم.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وصل امرء عشيرته فإنهم أولى ببره وذات يده ووصلت العشيرة أخاها إن عثر به دهر وأدبرت عنه دنيا فإن المتواصلين المتباذلين مأجورون وإن المتقاطعين المتدابرين موزورون.

قال: ثم بعث راحلته وقال حل [خل " خ ل "].

بيان: الربذة قرية معروفة قرب المدينة. ومحارب اسم قبيلة. والحمالة بالفتح ما يتحمله الانسان من غيره من دية أو غرامة. والنكد: الشدة والعسر.

" ونص راحلته ": استخرج أقصى ما عندها من السير ذكره الجوهري وقال:

الدلف: المشي الرويد يقال: دلف الشئ إذا مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة في الحرب إذا تقدمت.

وقال [الفيروزآبادي] في القاموس: اندلف علي: انصب. وتدلف إليه:

تمشى ودنا انتهى.

والمراد هنا الركض والتقدم. والظليم: ذكر النعامة. والضمير في " طلبها " راجع إلى الراحلة.

وقال الجوهري: يقال: فعل كذا بعد لأي أي بعد شدة وإبطاء . ولآى لايا أي أبطأ.

وقال في النهاية: في حديث أم أيمن " فبلاي ما استغفر لهم " أي بعد مشقة وجهد وإبطاء انتهى.

وما زائدة للابهام والمبالغة أي فلحقت راحلة بعض الأصحاب راحلته عليه السلام بعد إبطاء مع إبطاء وشدة " فلايا " إما حال أو مفعول مطلق من غير اللفظ ويمكن أن يقرأ " لحقت " على بناء المفعول. " وصل امرؤ " أمر في صورة الخبر والنكرة للعموم كقولهم: " أنجز حر ما وعد ". " وذات يده " أي ما في يده من الأموال وقال: " حل " بالحاء المهملة وتخفيف اللام وهو زجر للناقة كما ذكره الجوهري. وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة وتشديد اللام فكأن الرجل كان آخذا بزمام الناقة أو بغرزها فلما فرغ [أمير المؤمنين] من وعظهم قال [للرجل]: خل سبيل الناقة.

107 - الكافي: العدة عن سهل عن ابن يزيد عن محمد بن جعفر العقبى رفعه قال: خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار ولكن الله خول بعضكم بعضا فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله جل وعز ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر.

فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما. قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير وجاء بعد [ه] غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإياه سواءا؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا.

108 - العمدة: بإسناده إلى مسند عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه عن أبيه عن وكيع عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: حدثني ابن عباس قال: أرسلني علي إلى طلحة والزبير يوم الجمل قال: فقلت لهما إن أخاكما يقرئكما السلام ويقول لكما: هل وجدتما علي حيفا في حكم أو في استئثار في فئ؟ أو وفي كذا؟ قال: فقال الزبير: لا ولا في واحدة منهما ولكن مع الخوف شدة المطامع.

109 - العمدة: من الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من موطئ

مالك بإسناده عن أبي وائل قال: دخل أبو وائل وابن مسعود على عمار حين بعثه [علي مع الحسن ابنه] إلى الكوفة يستنفرهم فقالا له: ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الامر منذ أسلمت!! فقال لهما عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندي من إبطائكما [عن هذا الامر].

وكساهما ابن مسعود حلة حلة.

110 - نهج البلاغة: [و] من كلام له (عليه السلام) لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد [يصدر " خ ل "] لهما القتال:

والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها ولكن اضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا حتى يأتي علي يومي فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس هذا.

بيان اللدم [على زنة اللطم والشتم]: صوت الحجر أو العصاء أو غيرهما يضرب بها الأرض ضربا ليس بشديد يحكى أن الضبع يستغفل في جحرها بمثل ذلك فيسكن حتى يصاد. ويضرب بها المثل في الحمق.

111 - نهج البلاغة: ومن كتاب له (عليه السلام) إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي ذكره أبو جعفر الإسكافي في كتاب المقامات:

أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أن لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني وإنكما ممن أرادني وبايعني وأن العامة لم تبايعني لسلطان غاصب

ولا لحرص حاضر فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة واسراركما المعصية ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان وإن دفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به.

وقد زعمتما أني قتلت عثمان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل.

فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام.

بيان قوله (عليه السلام): " من قبل " متعلق بقوله فارجعا.

112 - أقول قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال كل من صنف من أهل السير والاخبار: أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يبل وعثمان قد أبلى سنته.

[و] قالوا: أول من سمى عثمان نعثلا عائشة. والنعثل: الكثير شعر اللحية والجسد. وكانت تقول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا.

وروى المدائني في كتاب الجمل قال: لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف فلم تشك في أن طلحة صاحب الامر وقالت:

بعدا لنعثل وسحقا إيه ذا الإصبع إيه أبا شبل ايه يا ابن عم لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له حنوها لا بل وذعذعوها.

قال وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثم فسد أمره [فدفعها] إلى علي عليه السلام.

وقال أبو مخنف في كتابه: إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول: إيه ذا الإصبع لله أبوك أما إنهم وجدوا طلحة والزبير لها كفوا فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة فقالت له: ما عندك؟

قال: قتل عثمان. قالت: ثم ماذا؟ قال: ثم جارت بهم الأمور إلى خير مجار بايعوا عليا. فقالت: لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن تم هذا انظر ما تقول؟ قال: هو ما قلت لك يا أم المؤمنين فولولت!! فقال لها: ما شأنك يا أم المؤمنين والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته فلماذا تكرهين ولايته؟ قال: فما ردت جوابا.

وفي رواية قيس بن أبي حازم ثم ردت ركائبها إلى مكة فرأيتها في مسيرها تخاطب نفسها قتلوا ابن عفان مظلوما!! فقلت لها: يا أم المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا؟!

فقالت: لقد كان ذلك ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه.

قال: وكتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتابا أن خذلي الناس عن

بيعة علي وأظهري الطلب بدم عثمان. وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان.

قال: ولما عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا أيدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن أمية [منية " خ "] ببعير يسمى عسكرا وكان عظيم الخلق شديدا فلما رأته أعجبها وأنشأ الجمال يحدثها بقوته وشدته ويقول في أثناء كلامه " عسكر " فلما سمعت هذه اللفظة استرجعت وقالت: ردوه لا حاجة لي فيه وذكرت حيث سئلت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغير لها بجلال غير جلاله وقيل لها: قد أصبنا لك أعظم منه خلقا وأشد منه قوة وأتيت به فرضيت!!!

قال أبو مخنف: وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فأتى أخته فعزم عليها فأقامت وحطت الرحال بعدما همت.

وكتب الأشتر من المدينة إلى عائشة وهي بمكة: أما بعد فإنك ظعينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أمرك أن تقري في بيتك فإن فعلت فهو خير لك وإن أبيت إلا أن تأخذي منسأتك وتلقي جلبابك وتبدي للناس شعيراتك قاتلتك حتى أردك إلى بيتك والموضع الذي يرضاه لك ربك.

فكتبت إليه في الجواب: أما بعد فإنك أول العرب شب الفتنة ودعا إلى الفرقة وخالف الأئمة وسعى في قتل الخليفة وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم وقد جاءني كتابك

وفهمت ما فيه وسنكفيك وكل من أصبح مماثلا لك في غيك وضلالك إنشاء الله.

قال أبو مخنف: لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحوأب وهو ماء لبني عامر بن صعصعة نبحتها الكلاب حتى نفرت صعاب إبلها فقال: قائل من أصحابها: ألا ترون ما أكثر كلاب الحوأب وما أشد نباحها؟ فأمسكت زمام بعيرها وقالت: وإنها لكلاب الحوأب؟ ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله يقول وذكرت الخبر.

فقال لها قائل: مهلا يرحمك الله فقد جزنا ماء الحوأب. فقالت: فهل من شاهد؟ فلفقوا لها خمسين أعرابيا جعلوا لهم جعلا فحلفوا لها أن هذا ليس بماء الحوأب فسارت لوجهها.

ولما انتهوا إلى حفر أبي موسى قريبا من البصرة أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل علي عليه السلام على البصرة إلى القوم أبا الأسود الدئلي يعلم له علمهم فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها؟ فقالت: أطلب بدم عثمان. قال: إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد. قالت: صدقت ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله!! أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟؟ فقال لها: ما أنت من السوط والسيف؟ إنما أنت حبيس رسول الله أمرك أن تقري في بيتك وتتلي كتاب ربك ليس على النساء قتال ولا لهن الطلب بالدماء وإن عليا لاولى بعثمان منك وأمس رحما فإنهما ابنا عبد مناف. فقالت: لست بمنصرفة حتى أمضى لما قدمت له أفتظن يا أبا الأسود أن أحدا يقدم على قتالي؟ فقال: أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد.

ثم قام فأتى الزبير فقال: يا أبا عبد الله عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول: لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك؟! فذكر له دم عثمان قال: أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغناه. قال: فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول. فذهب إلى طلحة فوجده

مصرا على الحرب والفتنة فرجع إلى عثمان بن حنيف فقال: إنها الحرب فتأهب لها.

قال: ولما نزل علي (عليه السلام) البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي: من عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد فأقم في بيتك وخذل عن علي وليبلغني عنك ما أحب فإنك أوثق أهلي عندي والسلام.

فكتب إليها: من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر أما بعد فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر، أمرك أن تقري في بيتك وأمرنا أن نجاهد، وقد أتاني كتابك فأمرتني أن أصنع خلاف ما أمرني الله فأكون قد صنعت ما أمرك الله به، وصنعت ما أمرني الله به، فأمرك عندي غير مطاع وكتابك غير مجاب والسلام.

بيان " حنوها " أي جعلوا إصبعه منحنية للبيعة " لا بل وذعذعوها " أي كسروها وبددوها لهجومهم على البيعة. و " الظعينة " الامرأة في الهودج و " المنسأة ": العصا تهمز ولا تهمز.

113 - 115 - الكافية في إبطال توبة الخاطئة عن نوح بن دراج عن إسحاق قال: دعا عثمان بن حنيف عمران بن الحصين الخزاعي وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبعثه وبعث معه أبا الأسود الدئلي إلى طلحة والزبير وعائشة فقال: انطلقا فاعلما ما أقدم علينا هؤلاء القوم وما يريدون؟.

قال أبو الأسود: فدخلنا على عائشة فقال لها عمران بن الحصين: يا أم المؤمنين ما أقدمك بلدنا ولم تركت بيت رسول الله الذي فارقك فيه؟ وقد أمرك

أن تقري في بيتك وقد علمت أنك إنما أصبت الفضيلة والكرامة والشرف وسميت أم المؤمنين وضرب عليك الحجاب ببني هاشم فهم أعظم الناس عليك منة وأحسنهم عندك يدا ولست من اختلاف الناس في شئ لولا لك من الامر شئ وعلي أولى بدم عثمان فاتقي الله واحفظي قرابته وسابقته فقد علمت أن الناس بايعوا أباك فما أظهر عليه خلافا وبايع أبوك عمر وجعل الامر له دونه فصبر وسلم ولم يزل بهما برا ثم كان من أمرك وأمر الناس وعثمان ما قد علمت ثم بايعتم عليا (عليه السلام) فغبنا عنكم فأتتنا رسلكم بالبيعة فبايعنا وسلمنا.

فلما قضى كلامه قالت عائشة: يا أبا عبد الله ألقيت أخاك أبا محمد يعني طلحة؟ فقال لها: ما لقيته بعد وما كنت لآتي أحدا ولا أبدأ به قبلك. قالت:

فأته فانظر ماذا يقول.

قال: فأتيناه فكلمه عمران فلم يجد عنده شيئا مما يحب فخرجنا من عنده فأتينا الزبير وهو متكئ وقد بلغه كلام عمران وما قال لعائشة فلما رآنا قعد وقال: أيحسب ابن أبي طالب أنه حين ملك ليس لأحد معه أمر فلما رأى ذلك عمران لم يكلمه فأتى عمران عثمان فأخبره.

وعن أسوس [أشرس " خ "] العبدي عن عبد الجليل بن إبراهيم أن الأحنف بن قيس أقبل حين نزلت عائشة أول مرحلة من البصرة فدخل عليها فقال: يا أم المؤمنين وما الذي أقدمك وما أشخصك وما تريدين؟ قالت: يا أحنف قتلوا عثمان فقال: يا أم المؤمنين مررت بك عام أول بالمدينة وأنا أريد مكة وقد أجمع الناس على قتل عثمان ورمي بالحجارة وحيل بينه وبين الماء فقلت لك: يا أم المؤمنين اعلمي أن هذا الرجل مقتول ولو شئت لتردين عنه وقلت: فإن قتل فإلى من؟ فقلت: إلى علي بن أبي طالب. قالت: يا أحنف صفوه حتى إذا جعلوه مثل الزجاجة قتلوه. فقال: لها أقبل قولك في الرضا ولا أقبل قولك في الغضب.

ثم أتى طلحة فقال: يا أبا محمد ما الذي أقدمك وما الذي أشخصك وما تريد؟ فقال: قتلوا عثمان. قال: مررت بك عاما أول بالمدينة وأنا أريد العمرة وقد أجمع الناس على قتل عثمان ورمي بالحجارة وحيل بينه وبين الماء فقلت لكم: إنكم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) لو تشاؤن أن تردوا عنه فعلتم فقلت: دبر فأدبر. فقلت لك: فإن قتل فإلى من؟ فقلت: إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ما كنا نرى أن أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله) يرى أن يأكل الامر وحده.

وعن حريز بن حازم عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن رجل من ضبيعة قال: لما قدم طلحة والزبير ونزلا طاحية ركبت فرسي فأتيتهما فقلت لهما: إنكما رجلان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أصدقكما وأثق بكما خبراني عن مسيركما هذا شئ عهده إليكما رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ أما طلحة فنكس رأسه وأما الزبير فقال: حدثنا أن ها هنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها.

وعن أشعث عن ابن سيرين عن أبي الجليل وكان من خيار المسلمين قال: دخلنا على طلحة والزبير حين قدما البصرة فقلنا: أرأيتما مقدمكما هذا شئ عهد إليكما رسول الله أم رأي رأيتماه؟ فقالا: لا ولكنا أردنا أن نصيب من دنياكم.

116 - أقول: وروى أحمد بن أعثم الكوفي أنه لما قضت عائشة حجها وتوجهت إلى المدينة استقبلها عبيد بن سلمة الليثي وكان يسمى ابن أم كلاب فسألته عائشة عن المدينة وأهلها؟ فقال: قتل عثمان. قالت: فما فعلوا؟ قال:

بايعوا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالت: ليت السماء سقطت على

الأرض ولم أسمع ذلك منك والله لقد قتل عثمان مظلوما ولأطلبن بثاره ووالله إن يوما من عمر عثمان أفضل من حياة علي!!!

فقال عبيد: أما كنت تثنين على علي (عليه السلام) وتقولين: ما على وجه الأرض أحد أكرم على الله من علي بن أبي طالب (عليه السلام) فما بدا لك إذ لم ترضى بإمامته؟ وأما كنت تحرضين الناس على قتل [عثمان] وتقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. فقالت عائشة: قد كنت قلته ولكني علمته خيرا فرجعت عن قولي وقد استتابوه فتاب وغفر له!!!

فرجعت عائشة إلى مكة وكان من أمرها ما ستر.

117 - وروى ابن الأثير في الكامل أنه لما أخبرها عبيد بن سلمة بقتل عثمان واجتماع الناس على بيعة أمير المؤمنين قالت: أيتم الامر لصاحبك؟

ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه!! فقال لها: لقد كانت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر!! فقالت:

إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أم الكلاب:

فمنك البداة ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت لنا: إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر ولم يسقط السقف من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذا بدرة * يزيل الشبا ويقيم الصغر وتلبس للحرب أثوابها * وما من وفا مثل من قد غدر فانصرفت [عائشة] إلى مكة فقصدت الحجر فاجتمع الناس إليها فقالت:

أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ونقموا عليه استعمال من حدث سنه - وقد استعمل أمثالهم من قبله - ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام، والله لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم!! ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه والثوب من ذرنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء.

فقال عبد الله بن عامر الحضرمي وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا أول طالب بدمه - فكان أول مجيب - وتبعه بنو أمية وكانوا هربوا من المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة فرفعوا رؤوسهم وكان أول ما تكلموا بالحجاز وتبعهم سعيد بن العاص والوليد بن عتبة [و] سائر بني أمية.

وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى بن منية من اليمن ومعه ست مائة بعير وستة آلاف دينار فأناخ بالأبطح.

وقدم طلحة والزبير من المدينة ولقيا عائشة فقالت: ما وراؤكما؟ قالا: إنا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم.

فقالت: انهضوا إلى هذه الغوغاء. فقالوا: نأتي الشام. فقال ابن عامر:

كفاكم الشام معاوية فأتوا البصرة. فاستقام الرأي على البصرة.

وكانت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم معها على قصد المدينة فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم فمنعها أخوها عبد الله.

وجهزهم يعلى بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم وجهزهم ابن عامر بمال كثير ونادى مناديها إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن أراد إعزاز الاسلام وقتال المستحلين والطلب بثار عثمان وليس له مركب فليأت فحملوا على ستمائة بعير وساروا في ألف.

وقيل في تسعمائة من أهل المدينة ومكة ولحقهم الناس فكانوا في ثلاثة آلاف رجل.

فلما بلغوا ذات عرق بكوا على الاسلام فلم ير يوم كان أكثر باكيا من ذلك اليوم يسمى يوم النحيب فمضوا ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان.

وأعطى يعلى بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمأتي دينار ويقال:

اشتراه بثمانين دينارا فركبته وقيل كان جملها لرجل من عرينة قال العرني: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: أتبيع جملك؟ قلت: نعم. قال:

بكم قلت: بألف درهم. قال: أمجنون أنت؟ قلت: ولم والله ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته قال: لو تعلم لمن نريده؟

إنما نريده لام المؤمنين عائشة. فقلت: خذه بغير ثمن قال: بل ارجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة ودراهم قال: فرجعت وأعطوني ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة وقالوا لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق؟ قلت: أنا من أدل الناس قالوا: فسر معنا فسرت معهم فلا أمر علي واد إلا سألوني عنه حتى طرقنا الحوأب وهو ماء فنبحتها كلابه فقالوا: أي ماء هذا؟ فقلت: هذا

ماء الحوأب فصرخت عائشة بأعلا صوتها فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهية سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟ ثم ضربت عضد بعيرها وأناخته وقالت:

ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب فأناخوا حولها يوما وليلة.

فقال عبد الله بن الزبير: إنه كذب ولم يزل بها وهي تمتنع فقال لها: النجا النجا قد أدرككم علي بن أبي طالب فارتحلوا نحو البصرة انتهى كلام ابن الأثير.

118 - وقال الدميري في حياة الحيوان: روى الحاكم عن قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس أن النبي قال لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تسير أو تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب.

[قال:] والحوأب نهر بقرب البصرة والأدبب: الأدب وهو الكثير شعر الوجه.

قال ابن دحية: والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب العواصم والقواصم له وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح.

وروي أن عائشة لما خرجت مرت بماء يقال له: الحوأب فنبحتها الكلاب فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب انتهى كلام الدميري.

119 - وقال السيد علم الهدى في شرح قصيدة السيد الحميري رضي الله عنهما: روي أن عائشة لما نبحتها كلاب الحوأب وأرادت الرجوع قالوا لها:

ليس هذا ماء الحوأب فأبت أن تصدقهم فجاؤوا بخمسين شاهدا من العرب فشهدوا أنه ليس بماء الحوأب وحلفوا لها فكسوهم أكسية. وأعطوهم دراهم.

قال السيد: وقيل: كانت هذه أول شهادة زور في الاسلام.

120 - وروى الصدوق قدس الله روحه في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال: أول شهادة شهد بها بالزور في الاسلام شهادة سبعين رجلا حين انتهوا إلى ماء الحوأب فنبحتهم كلابها فأرادت صاحبتهم الرجوع وقالت:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأزواجه: إن إحداكن تنبحها كلاب الحوأب في التوجه إلى قتال وصيي علي بن أبي طالب فشهد عندها سبعون رجلا أن ذلك ليس بماء الحوأب فكانت أول شهادة شهد بها في الاسلام بالزور.

121 - 122 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد عن الحسن بن خرزاد عن ابن مهران عن أبان بن جناح عن الحسن بن حماد بلغ به قال: كان سلمان إذا رأى الجمل الذي يقال له عسكر يضربه فيقال: يا أبا عبد الله ما تريد من هذه البهيمة؟ فيقول: ما هذا ببهيمة ولكن هذا عسكر بن كنعان الجني يا أعرابي لا ينفق جملك ها هنا ولكن اذهب به إلى الحوأب فإنك تعطى به ما تريد!!

وبهذا الاسناد عن ابن مهران عن البطائني عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: اشتروا عسكرا بسبعمائة درهما وكان شيطانا.

123 - نهج البلاغة: [و] من خطبة له عليه السلام خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل:

فصدع بما أمر به وبلغ رسالة ربه فلم الله به الصدع ورتق به الفتق وألف به بين ذوي الأرحام بعد العداوة الواغرة في الصدور والضغائن الفادحة في القلوب.

[الباب الثاني] باب احتجاج أم سلمة رضي الله عنها على عائشة ومنعها عن الخروج 124 - الإحتجاج: روى الشعبي عن عبد الرحمان بن مسعود العبدي قال: كنت بمكة مع عبد الله بن الزبير وطلحة والزبير فأرسلا إلى عبد الله بن الزبير فأتاهما وأنا معه فقالا له: إن عثمان قتل مظلوما وإنا نخاف أن ينقض أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن رأت عائشة أن تخرج معنا لعل الله أن يرتق بها فتقا ويشعب بها صدعا!! قال: فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها فدخل عبد الله بن الزبير معها في سترها فجلست على الباب فأبلغها ما أرسلا [ه به] فقالت:

سبحان الله والله ما أمرت بالخروج وما يحضرني من أمهات المؤمنين إلا أم سلمة فإن خرجت خرجت معها. فرجع إليهما فبلغهما ذلك فقالا: ارجع إليها فلتأتها فهي أثقل عليها منا فرجع إليها فبلغها فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة.

فقالت لها أم سلمة: مرحبا بعائشة والله ما كنت لي بزوارة فما بدا لك؟

قالت: قدم طلحة والزبير فخبرا أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما؟! قال:

فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار فقالت: يا عائشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر وهو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما فما تريدين؟!

قالت: تخرجين معنا فلعل الله أن يصلح بخروجنا أمر أمة محمد صلى الله عليه

وسلم. قالت: يا عائشة أتخرجين وقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعنا؟ نشدتك بالله يا عائشة الذي يعلم صدقك إن صدقت أتذكرين يوما كان يومك من رسول الله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو عليه وآله السلام يقول: " والله لا تذهب الليالي والأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له " الحوأب " امرأة من نسائي في فئة باغية " فسقط الاناء من يدي فرفع رأسه إلي وقال: ما لك يا أم سلمة؟ فقلت: يا رسول الله ألا يسقط الاناء من يدي وأنت تقول ما تقول ما يؤمنني أن يكون أنا هي؟!

فضحكت أنت فالتفت إليك فقال: بما تضحكين يا حمراء الساقين إني أحسبك هي.

ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكان كذا وكذا وهو بيني وبين علي بن أبي طالب عليه السلام يحدثنا فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي بن أبي طالب فرفع مقرعة كانت عنده يضرب بها وجه جملك وقال: أما والله ما يومه منك بواحد ولا بليته منك بواحدة أما إنه لا يبغضه إلا منافق كذاب.

وأنشدك بالله أتذكرين مرض رسول الله الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده ومعه عمر - وقد كان علي بن أبي طالب عليه السلام يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونعله وخفه ويصلح ما وهي منها فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول الله وهي حضرمية وهو يخصفها خلف البيت - فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا: يا رسول الله كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أحمد الله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.