بحارالانوار · المجلد الثامن
93 باب 113
ج ۳۲، ص ۴۰۱–۴۳۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۴ از ۲۱
وكتب إلى عمرو بن العاص:
أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها وصاحبها مقهور فيها لم يصب منها شيئا قط إلا فتحت له حرصا وأدخلت عليه مؤنة تزيده رغبة فيها ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغه، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ولا تجارين معاوية في باطله فإن معاوية غمص الناس وسفه الحق.
فكتب إليه عمرو بن العاص: من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تنيب إلى الحق وأن تجيب إلى ما تدعون إليه من شورى فصبر الرجل منا نفسه على الحق وعذره الناس بالمحاجزة والسلام.
فجاء الكتاب إلى علي (عليه السلام) قبل أن يرتحل من النخيلة.
قال نصر: روى عمر بن سعد عن أبي روق قال: قال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بديل بن ورقاء: إن يومنا ويومهم ليوم عصيب ما يصبر عليه إلا كل قوي القلب صادق النية رابط الجأش وأيم الله ما أظن ذلك اليوم يبقى منا ومنهم إلا رذالا. قال عبد الله بن بديل: وأنا والله أظن ذلك.
فقال علي (عليه السلام) ليكن هذا الكلام [مخزونا] في صدوركما لا تظهراه ولا يسمعه منكم سامع إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين وكل آتية منيته كما كتب الله لكم فطوبى للمجاهدين في سبيل الله والمقتولين في طاعته.
فلما سمع هاشم بن عتبة مقالتهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: سر بنا إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وعملوا في عباد الله بغير رضاء الله فأحلوا حرامه وحرموا حلاله واستهواهم الشيطان ووعدهم الأباطيل ومناهم الأماني حتى أزاغهم عن الهدى وقصد بهم قصد الردى وحبب إليهم الدنيا فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة إنجازنا موعود ربنا وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله رحما وأفضل الناس سابقة وقدما وهم يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي علمنا ولكن كتب عليهم الشقاء ومالت بهم الأهواء وكانوا ظالمين فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة وأنفسنا
بنورك جذلة على من خالفك وتولى الامر دونك والله ما أحب أن لي ما على الأرض مما أقلت وما تحت السماء مما أظلت وإني واليت عدوا لك أو عاديت وليا لك.
فقال علي (عليه السلام): اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك والمرافقة لنبيك.
ثم إن عليا صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد فبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم قال:
إن الله قد أكرمكم بدينه وخلقكم لعبادته فانصبوا أنفسكم في أدائها وتنجزوا موعوده واعلموا أن الله جعل أمراس الاسلام متينة وعراه وثيقة ثم جعل الطاعة حظ الأنفس ورضا الرب وغنيمة الأكياس عند تفريط العجزة، وقد حملت أمر أسودها وأحمرها ولا قوة إلا بالله.
ونحن سائرون إنشاء الله إلى من سفه نفسه وتناول ما ليس له وما لا يدركه معاوية وجنده الفئة الطاغية الباغية يقودهم إبليس ويبرق لهم بيارق تسويفه ويدليهم بغروره.
وأنتم أعلم الناس بالحلال والحرام فاستغنوا بما علمتم واحذروا ما حذركم [الله] من الشيطان وارغبوا فيما هيأ لكم عنده من الاجر والكرامة واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته والمغرور من آثر الضلالة على الهدى فلا أعرفن أحدا منكم تقاعس عني وقال في غيري كفاية فإن الذود إلى الذود إبل من لا يذد عن حوضه يهدم.
ثم إني آمركم بالشدة في الامر والجهاد في سبيل الله وأن لا تغتابوا مسلما وانتظروا النصر العاجل من الله إنشاء الله.
ثم قام ابنه الحسن [عليه السلام] فقال: الحمد لله لا إله غيره وحده لا شريك له.
ثم إن مما عظم الله عليكم من حقه وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره ولا يؤدى شكره ولا يبلغه قول ولا صفة ونحن إنما غضبنا لله ولكم فإنه من علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قول يصعد إلى الله فيه الرضا وتنتشر فيه عارفة الصدق يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربنا، قولا يزيد ولا يبيد فإنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم واستحكمت عقدتهم.
فاحتشدوا في قتال عدوكم معاوية وجنوده فإنه قد حضر ولا تخاذلوا فإن الخذلان يقطع نياط القلوب وإن الاقدام على الأسنة نجدة وعصمة لأنه لم يمتنع قوم قط إلا دفع الله عنهم العلة وكفاهم جوائح الذلة وهداهم إلى معالم الملة.
ثم أنشد:
والصلح تأخذ منه ما رضيت به * والحرب بكفيك من أنفاسها جرع ثم قام الحسين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وقال:
يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء والشعار دون الدثار فجدوا في إحياء ما دثر بينكم وتسهيل ما توعر عليكم.
ألا إن الحرب شرها ذريع وطعمها فظيع وهي جرع مستحساة فمن أخذ لها أهبتها واستعد لها عدتها ولم يألم كلومها عند حلولها فذاك صاحبها ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن أن لا ينفع قومه
وأن يهلك نفسه نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفئة ثم نزل.
قال نصر: فأجاب عليا (عليه السلام) إلى المسير جل الناس إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه وفيهم عبيدة السلماني وأصحابه فقالوا له:
إنا نخرج معكم ولا ننزل عسكركم ونعسكر علا حدة حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام فمن رأيناه أراد ما لا يحل له أو بدا لنا منه بغي كنا عليه.
فقال لهم علي (عليه السلام): مرحبا وأهلا هذا هو الفقه في الدين والعلم بالسنة من لم يرض فهو خائن جائر.
وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود فيهم ربيع بن خثيم وهم يومئذ أربعمائة رجل فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك ولا غناء بنا ولا بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل العدو فولنا بعض هذه الثغور نكون به نقاتل عن أهله.
فوجهه علي عليه السلام إلى ثغر الري فكان أول لواء عقده بالكوفة لواء ربيع بن خثيم.
[نصر، عن عمر بن سعد] عن ليث بن أبي سليم قال: دعا علي (عليه السلام) باهلة فقال: يا معشر باهلة أشهد الله أنكم تبغضوني وأبغضكم فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم وكانوا قد كرهوا أن يخرجوا معه إلى صفين.
وعن عبد الله بن عوف قال: إن عليا (عليه السلام) لم يبرح النخيلة حتى
قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة قال: وكان كتب علي (عليه السلام) إلى ابن عباس:
أما بعد فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين وذكرهم بلائي عندهم وعفوي عنهم واستبقائي لهم ورغبهم في الجهاد وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل والسلام.
قال فلما وصل كتابه إلى ابن عباس بالبصرة قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب وحمد الله وأثنى عليه وقال:
يا أيها الناس استعدوا للشخوص إلى إمامكم وانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين الذين لا يقرأون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب ولا يدينون دين الحق مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والصادع بالحق والقيم وبالهدى والحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم ولا يداهن الفجار ولا تأخذه في الله لومة لائم.
فقام إليه الأحنف بن قيس فقال: نعم والله لنجيبنك ولنخرجن معك على العسر واليسر والرضا والكره نحتسب في ذلك الخير ونأمل به من الله العظيم من الاجر.
وقام إليه خالد بن المعمر السدوسي فقال: سمعنا وأطعنا فمتى استنفرتنا نفرنا ومتى دعوتنا أجبنا.
وقام إليه عمرو بن مرحوم العبدي فقال: وفق الله أمير المؤمنين وجمع له أمر المسلمين ولعن المحلين القاسطين الذين لا يقرؤن القرآن نحن والله عليهم حنقون ولهم في الله مفارقون فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا إنشاء الله.
فأجاب الناس إلى المسير ونشطوا وخفوا واستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدئلي وخرج حتى قدم على علي (عليه السلام) بالنخيلة.
وأمر علي الاسباع من أهل الكوفة [فأمر] سعد بن مسعود الثقفي على قيس وعبد القيس، ومعقل بن قيس اليربوعي على تميم وضبة والرباب وقريش وكنانة والأسد، ومخنف بن سليم على الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة، وحجر بن عدي الكندي على كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة، وزياد بن النضر على مذحج والأشعريين وسعيد بن قيس بن مرة على همدان ومن معهم من حمير، وعدي بن حاتم على طئ.
قال نصر: وأمر علي (عليه السلام) الحارث الأعور أن ينادي في الناس:
أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة فنادى بذلك واستخلف عقبة بن عمرو الأنصاري على الكوفة ثم خرج وخرج الناس.
بيان: " بقية الأحزاب " أي أحزاب الشرك الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). [وقوله عليه السلام:] " الطريق مشترك " أي طريق الحق مشترك بيني وبينكم يجب عليكم سلوكه كما يجب علي " والدبرة " بالتحريك: الهزيمة في القتال أي هم المنهزمون عن الحق والمدبرون عنه وإن ظفروا أو يلحقهم ضررها وعقابها.
و " طمأ البحر ": ارتفع بأمواجه " والهب " الانتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته، وهب يفعل كذا: طفق ذكرها الفيروزآبادي وقال: رجل " محل " أي منتهك للحرام أو لا يرى للشهر الحرام حرمة.
" وأكثر لنا من لطف الجند " أي ابعث " الطلا إلينا كثيرا من جملة لطف الجند أي طعامهم قال في القاموس: اللطف بالتحريك: اليسير من الطعام وغيره وبهاء الهدية انتهى.
ويمكن أن يقرأ " لنأمن " على الفعل من الامن أي إذا علم الجند أن أرزاق أولادهم موفرة لا يخونوننا في لطفهم وعطفهم " وهم لهم صالح " أي الطلا صالح للذرية والأطفال.
" غمص الناس " أي احتقرهم ولم يرهم شيئا " وسفه الحق " أي جهله أو عده سفها " ويوم " عصيب وعصبصب: شديد وفلان رابط الجأش: شجاع " وهو جذل " بالذال أي فرح. وبالرأي أي صاحب رأي جيد وشديد.
والأمراس: الحبال " إلى من سفه نفسه " أي جعلها سفيهة استعمل استعمال المتعدي فهو في قوة سفه نفسا.
" وما لا يدركه " أي الخلافة الواقعية " وبرقت السماء ": لمعت أو جاءت تبرق والبارق: سحاب ذو برق.
وقال الجوهري: الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها والكثير أذواد وفي المثل: الذود إلى الذود إبل. قولهم " إلى " بمعنى مع أي إذا جمعت القليل مع القليل صار كثيرا.
وقال الزمخشري في المستقصى: " من لا يزد عن حوضه يهدم " من قول زهير:
ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه * يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم يضرب [مثلا] في تهضم غير المدافع عن نفسه انتهى.
وقال أبو عبيد أي من لا يدفع الضيم عن نفسه يركب بالظلم.
أقول: روى ابن أبي الحديد أكثر ما رويناه عن نصر فجمعنا بين الروايتين.
ثم قال نصر وابن أبي الحديد: ودعا [علي عليه السلام] زياد بن النضر وشريح بن هانئ وكانا على مذحج والأشعريين فقال:
يا زياد اتق الله في كل ممسى ومصبح وخف على نفسك الدنيا الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنك إن لم تزعها عن كثير مما تحب مخافة مكروهه سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر فكن لنفسك مانعا وازعا من البغي والظلم والعدوان فإني قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلن عليهم إن خيركم عند الله أتقاكم وتعلم من عالمهم وعلم جاهلهم واحلم عن سفيههم فإنك إنما تدرك الخير بالحلم وكف الأذى والجهل.
فقال: زياد أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك مؤدبا بأدبك يرى الرشد في نفاذ أمرك والغي في تضييع عهدك.
فأمرهما أن يأخذا على طريق واحد ولا يختلفا، وبعثهما في اثني عشر ألفا على مقدمته وكل منهما على جماعة من هذا الجيش.
فلما سارا اختلفا وكتب كل منهما إليه يشكو من صاحبه فكتب (عليه السلام) إليهما:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ سلام عليكما فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد فإني وليت زياد بن النضر مقدمتي وأمرته عليها وشريح على طائفة منها أمير فإن جمعكما بأس فزياد على الناس كلهم وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير على الطائفة التي وليته عليها.
واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم وإذا أنتما خرجتما من بلادكما ودنوتما من بلاد عدوكما فلا تسأما من توجيه الطائع ومن نفض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب كيلا يعتريكما عدو أو يكون لهم
كمين.
ولا تسيرن الكتائب من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبئة فإن دهمكم دهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبئة.
فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم [عدو] فليكن معسكركم في قبل الاشراف أو سفاح الجبال أو أثناء الأنهار كيما يكون لكم ردءا ودونكم مردا، ولتكن مقاتلتكم من وجه [واحد] أو اثنين.
واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعا وإذا رحلتم فارحلوا جميعا.
وإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والترسة ولتكن رماتكم من وراء ترستكم ورماحكم يلونهم وما أقمتم فكذلكم فافعلوا كيلا تصاب لكم غفلة ولا تلفى لكم غرة فما من قوم يحفون عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون.
واحرسا عسكركما بأنفسكما وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو مضمضة ثم ليكن ذلك شأنكما ورأيكما إلى أن تنتهيا إلى عدوكما وليكن عندي كل يوم خبركما ورسول من قبلكما فإنني - ولا شئ إلا ما شاء الله - حثيث السير في آثاركما.
وعليكما في حربكما بالتوأدة وإياكما والعجا؟ إلا أن يمكنكما فرصة بعد الاعذار والحجة.
وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلا أن تبدئا أو يأتيكما أمري إنشاء الله.
أقول: أورد ابن ميثم هذا المكتوب في شرحه وأورد السيد [الرضي] رضي الله عنه في النهج بعض هذا المكتوب على خلاف الترتيب وآخره:
وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة.
وقال ابن ميثم: العين: الجاسوس. وطليعة الجيش: الذي يبعث ليطلع على حال العدو ونفض الشعاب: استقراؤها.
أقول: قال في النهاية: فيه أنا أنفض لك ما حولك أي أحرسك وأطوف هل أرى طلبا يقال: نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا أظهرت [نظرت] جميع ما فيه والنفضة والنفيضة قوم يبعثون متجسسين هل يرون عدوا أو خوفا.
وقال ابن ميثم: الخمر ما واراك من شجر أو جبل ونحوهما. والكمين:
الواحد أو الجمع يستخفون في الحرب حيلة للايقاع بالعدو. والكتيبة: الجيش وتعبئته: جمعه وإعداده.
وتكرير الاستثناء في عقيب النهي عن تسيير الكتائب للحصر أما الأولى:
فيفيد حصر التسيير في الوقت المشار إليه وأما الثانية فيفيد حصره في حال التعبئة.
ودهمه الامر كمنع وسمع: غشيه. والدهم: العدد الكثير. والمعسكر بفتح الكاف: موضع العسكر.
وقال الجوهري: الاشراف: الأماكن العالية. وقال: القبل والقبل نقيض الدبر والدبر يقال: أنزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه ولي قبل فلان حق أي عنده. وسفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء. والثنى من الوادي والجبل:
منعطفه ذكره الجوهري والردء: العون في المقاتلة. قوله (عليه السلام): مردا أي حاجزا بينكم وبين العدو أي تكون تلك الأماكن حافظة لكم من ورائكم مانعة من العدو أن يأتيكم من تلك الجهة وبذلك كانت معينة [لهم].
ثم وصاهم بأن يكون مقاتلتهم من وجه واحد فإن لم يكن فمن وجهين حيث يحفظ بعضهم ظهر بعض وأما المقاتلة من وجوه كثيرة فتستلزم التفرق والضعف.
والرقباء: الحفظة. و [قال الفيروزآبادي] في القاموس: الرقيب: الحافظ والمنتظر والحارس. واصل الصياصي القرون ثم استعير للحصون لأنه يمتنع بها كما يمتنع ذو القرن بقرنه.
وقال ابن ميثم: صياصي الجبال: أعاليها وأطرافها. ومناكب الهضاب.
أعاليها.
وقال الجوهري: الهضبة الجبل المنبسط على وجه الأرض والجمع هضب وهضاب.
قوله (عليه السلام): " كفة " قال ابن أبي الحديد: أي مستديرة حولكم وكل ما استدار فهو كفة بالكسر نحو كفة الميزان، وكل ما استطال فهو كفة [بالضم] نحو كفة الثوب [وهي حاشيته وكفة الرمل وهي ما كان منه كالحبل].
وقال في النهاية: غرار النوم: قلته وقال في [مادة " مضمض " نقلا عن
الهروي] في حديث علي: " لا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة " لما جعل النوم ذوقا أمرهم أن لا ينالوا منه إلا بألسنتهم ولا يسيغوه لشبهه بالمضمضة بالماء والقائه من الفم من غير ابتلاع انتهى.
والترسة: جمع الترس وقوله (عليه السلام): " ولا شئ إلا ما شاء الله " جملة معترضة بين اسم إن وخبره قوله (عليه السلام): " إلا أن تبدأ " على بناء المجهول أي يبدؤكم العدو بالقتال.
374 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له (عليه السلام) إلى أميرين من أمراء جيشه:
وقد أمرت عليكما وعلى من في حيزكما مالك بن الحارث الأشتر فاسمعا له وأطيعا [ه] واجعلاه درعا ومجنا فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل.
بيان: قال ابن ميثم: الأميران هما زياد بن النضر وشريح بن هانئ وذلك إنه حين بعثهما مقدمة له في اثني عشر ألفا لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام فكتبا إليه يعلمانه بذلك، فأرسل إلى الأشتر فقال له: يا مالك إن زياد بن النضر وشريحا أرسلا إلي يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجا إلى أصحابك النجا فإذا أتيتهم فأنت عليهم وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤك حتى تلقاهم وتسمع منهم.
ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم مرة بعد مرة.
واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا وقف من أصحابك وسطا
ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم إليك فإني حثيث السير إليك إنشاء الله.
وكتب إليهما: " أما بعد فإني أمرت عليكما " إلى آخر الكتاب.
والحيز: الناحية. والسقطة: الزلة. والأمثل: الأفضل.
375 - 385 وقال ابن أبي الحديد: قال نصر بن مزاحم: وكتب عليه السلام إلى أمراء الأجناد - وكان قد قسم عسكره أسباعا فجعل على كل سبع أميرا -:
أما بعد فإني أبرأ إليكم من معرة الجنود فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان وخذوا على أيدي سفهائكم واحرسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد بها علينا وعليكم دعاءنا فإنه تعالى يقول: * (ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم) * [77 / الفرقان: 25] وإن الله إذا أمقت قوما من السماء هلكوا في الأرض.
فلا تألوا أنفسكم خيرا، ولا الجند حسن سيرة ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة، وابلوه في سبيله ما استوجب عليكم فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ما يجب علينا أن نشكره بجهدنا وأن ننصره ما بلغت قوتنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: وكتب (عليه السلام) إلى جنوده يخبرهم بالذي لهم وعليهم:
أما بعد فإن الله جعلكم في الحق جميعا سواءا أسودكم وأحمركم وجعلكم من الوالي وجعل الوالي منكم بمنزلة الولد من الوالد والوالد من الولد، فجعل لكم عليه إنصافكم والتعديل بينكم والكف عن فيئكم فإذا فعل معكم ذلك وجبت عليكم طاعته فيما وافق الحق ونصرته والدفع عن سلطان الله فإنكم وزعة الله في الأرض فكونوا له أعوانا ولدينه أنصارا ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها إن الله لا يحب المفسدين.
قال نصر: وروى عن ابن نباتة قال: قال علي (عليه السلام): ما يقول الناس في هذا القبر بالنخيلة؟ - وبالنخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله - فقال الحسن بن علي عليهما السلام: يقولون: هذا قبر هود لما عصاه قومه جاء فمات ها هنا. فقال: كذبوا لأنا أعلم به منهم هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بكر يعقوب.
ثم قال: أها هنا أحد من مهرة؟ فأتي بشيخ فقال أين منزلك؟ قال: على شاطئ البحر. قال: أين أنت من الجبل [الأحمر؟] قال : أنا قريب منه.
قال: فما يقول قومك فيه؟ قال: يقولون: إن فيه قبر ساحر. قال: كذبوا ذاك قبر هود النبي (عليه السلام) وهذا قبر يهودا بن يعقوب [بكره].
ثم قال: يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفا على غرة الشمس يدخلون الجنة بلا حساب.
قال نصر: فلما نزل علي النخيلة متوجها إلى الشام وبلغ معاوية خبره وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مختضبا بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله فخطبهم وحثهم على القتال فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي (عليه السلام).
بيان: وجدت [الحديث] في كتاب صفين مثله.
وقال في النهاية: فيه: " اللهم إني أبرء إليك من معرة الجيش " هو أن
ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم بغير علم.
وقيل هو قتال الجيش بدون إذن الأمير. والمعرة: الامر القبيح المكروه والأذى إنتهى.
والتعميم أولى أي [إني] أبرء إليكم من كل ما فعلتموه وفعل جنودكم من الظلم والعدوان فإني أنهاكم عنه وأعلمكم آداب السير والنزول " فلا تألوا أنفسكم خيرا " أي لا تقصروا في كسب الخير لأنفسكم ولا في أمر الجند بحسن السيرة ولا في إعانة الرعية ولا في تقوية الدين " وأبلوه " أي أعطوه.
وفي النهاية: " فيه أقيد من وزعة الله؟ " الوزعة: جمع وازع وهو الذي يكف الناس ويحبس أولهم على آخرهم أراد أقيد من الذين يكفون الناس عن الاقدام على الشر؟ ومنه حديث الحسن لما ولي القضاء قال: " لابد للناس من وزعة " أي من يكف بعضهم عن بعض يعني السلطان وأصحابه.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين - ووجدته في أصل كتابه أيضا - قال: لما وضع علي (عليه السلام) رجله في ركاب دابته يوم خرج من الكوفة إلى صفين قال: بسم الله، فلما جلس على ظهرها قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، ومن الحيرة بعد اليقين.
اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل، ولا يجمعهما غيرك، لان المستخلف لا يكون مستصحبا والمستصحب لا يكون مستخلفا.
قال: فخرج (عليه السلام) حتى إذا جاز حد الكوفة صلى ركعتين.
وروي عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام أن عليا (عليه السلام) خرج وهو يريد صفين حتى إذا قطع النهر أمر مناديه فنادى بالصلاة فتقدم فصلى ركعتين حتى إذا قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال: أيها الناس
ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة فإنا قوم سفر ألا ومن صحبنا فلا يصومن المفروض والصلاة المفروضة ركعتان.
قال نصر: ثم خرج حتى أتى دير أبي موسى وهو من الكوفة على فرسخين فلما انصرف من الصلاة قال: سبحان الله ذي الطول والنعم سبحان الله ذي القدرة والافضال أسأله الرضا بقضائه والعمل بطاعته والإنابة إلى أمره إنه سميع الدعاء.
ثم خرج (عليه السلام) حتى نزل على شاطئ نرس بين مسجد حمام أبي بردة وحمام عمر فصلى بالناس المغرب فلما انصرف قال:
الحمد لله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل والحمد لله كلما وقب ليل وغسق، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق.
ثم أقام حتى صلى الغداة ثم شخص حتى بلغ إلى بيعة إلى جانبها نخل طوال فلما رآها قال: " والنخل باسقات لها طلع نضيد " فنزلها ومكث بها قدر الغذاء.
قال نصر: [و] روي عن محمد بن مخنف أنه قال: إني لأنظر إلى أبي وهو يسائر عليا (عليه السلام) وهو يقول: إن بابل أرض قد خسف بها فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر.
قال: وحدثني عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن عبد خير قال: كنت مع علي (عليه السلام) أسير في أرض بابل قال: وحضرت
الصلاة: صلاة العصر قال: فجعلنا لا نأتي مكانا إلا رأيناه أفيح من الآخر قال: حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا وقد كادت الشمس أن تغيب قال:
ونزل علي (عليه السلام) ونزلت معه قال: فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر قال: فصلينا العصر ثم غابت الشمس.
ثم خرج حتى أتى دير كعب ثم خرج منه فبات بساباط فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل والطعام فقال: لا ليس ذلك لنا عليكم فلما أصبح وهو بمظلم ساباط قال: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون " [128 / الشعراء: 26].
قال نصر: وحدثنا منصور بن سلام عن حيان التيمي عن أبي عبيدة عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع علي (عليه السلام) صفين فلما نزل بكربلاء صلى بنا فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واها لك يا تربة ليحشرن معك قوم يدخلون الجنة بغير حساب.
قال: فلما رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير وكانت من شيعة علي (عليه السلام) حدثها هرثمة فيما حدث فقال لها: ألا أعجبك من صديقك أبي حسن؟ قال: لما نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من تربتها فشمها وقال: " واها لك أيتها التربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب " وما علمه بالغيب؟ فقالت المرأة له: دعنا منك أيها الرجل فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا.
قال: فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عليه السلام) كنت في الخيل التي بعث إليهم فلما انتهيت إلى الحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع علي والبقعة التي رفع من تربتها والقول الذي قاله فكرهت مسيري فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين (عليه السلام) فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل فقال الحسين (عليه السلام): أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا ابن رسول الله لا معك ولا عليك تركت ولدي وعيالي وأخاف عليهم من ابن زياد. فقال (عليه السلام):
اذهب حتى لا ترى مقتلنا فوالذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم أحد مقتلنا
ثم لا يعيننا إلا دخل النار. قال: فأقبلت في الأرض اشتد هربا حتى خفي علي مقتلهم.
وروي أيضا عن سعيد وهب قال: بعثني مخنف بن سليم إلى علي (عليه السلام) عند توجهه إلى صفين فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ويقول: ها - هنا ها هنا فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ثقل لآل محمد ينزل ها هنا فويل لهم منكم وويل لكم منهم.
فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: ويل لهم منكم تقتلونهم وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم إلى النار.
قال نصر:
وقد روي هذا الكلام على وجه آخر: قال: فويل لكم منهم وويل لكم عليهم.
فقال الرجل: أما ويل لنا منهم فقد عرفناه فويل لنا عليهم ما معناه؟
فقال: ترونهم يقتلون لا تستطيعون نصرتهم.
قال نصر: وحدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه أن عليا (عليه السلام) أتى كربلاء فوقف بها فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء؟ فقال: نعم ذات كرب وبلاء ثم أومئ بيده إلى مكان آخر فقال: ها - هنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم ثم أومى بيده إلى مكان آخر ثم قال: ها هنا مراق دمائهم!!
ثم مضى إلى ساباط حتى إنتهى إلى مدينة بهرسير.
386 - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام) عند المسير إلى الشام:
الحمد لله كلما وقب ليل وغسق، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق، والحمد لله غير مفقود الانعام ولا مكافأ الافضال.
أما بعد فقد بعثت مقدمتي وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط حتى يأتيهم أمري وقد رأيت أن أقطع هذه النطفة إلى شرذمة منكم موطنين أكناف دجلة فأنهضهم معكم إلى عدوكم وأجعلهم من أمداد القوة لكم.
قال السيد رضي الله عنه: يعني بالملطاط السمت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطئ الفرات ويقال ذلك أيضا لشاطئ البحر وأصله ما استوى من الأرض ويعني بالنطفة ماء الفرات وهو من غريب العبارات وعجيبها.
بيان:
قال ابن ميثم روي أنه (عليه السلام) خطب بها وهو بالنخيلة خارجا من الكوفة متوجها إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة سبع وثلاثين.
ووقب الليل: أي دخل. وغسق أي أظلم. ولاح أي ظهر. وخفق النجم وأخفق إذا انحط في الغرب أو غاب. وكافأته مكافأة وكفاءا أي جازيته وكل شئ ساوى شيئا فهو مكافئ له. والافضال: الاحسان. ومقدمة الجيش - بالكسر وقد يفتح -: أوله ومتقدموه " والنطفة " بالضم الماء الصافي قل أو كثر. والشرذمة بالكسر: القليل من الناس. والجار متعلق بمحذوف أي متوجها إليهم. وأوطن المكان ووطنه واستوطنه: اتخذه وطنا. والمراد قوم من أهل المدائن روي أنهم كانوا ثمانمائة رجل. والكنف بالتحريك: الجانب والناحية. ونهض كمنع: قام. وأنهضه غيره: أقامه. والامداد: جمع مدد بالتحريك وهو المعين والناصر.
وقال ابن الحديد: وزاد أصحاب السير في هذه الخطبة: " وقد أمرت
على المصر عقبة بن عمرو ولم الكم ولا نفسي [نصحا] فإياكم والتخلف والتربص فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي وأمرته أن لا يترك متخلفا إلا ألحقه بكم عاجلا إنشاء الله.
وروى نصر بن مزاحم عوض قوله: " إلى عدوكم " إلى عدو الله.
387 - 394 - أقول: وجدت في كتاب صفين زيادة وهي: " الحمد لله غير مفقود النعم ولا مكافأ الافضال، وأشهد أن لا إله إلا الله ونحن على ذلكم من الشاهدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد.. ".
وقال نصر: فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: يا أمير المؤمنين والله ما يتخلف عنك إلا ظنين ولا بتربص بك إلا منافق فمر مالك بن حبيب فيضرب أعناق المتخلفين.
فقال: قد أمرته بأمري وليس بمقصر إنشاء الله.
قال وقال مالك بن حبيب - وهو آخذ بعنان دابته (عليه السلام) -: يا أمير المؤمنين أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد والقتال وتخلفني في حشر الرجال؟ فقال له علي (عليه السلام): إنهم لن يصيبوا من الاجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه وأنت ها هنا أعظم غناء؟؟ منك عنهم لو كنت معهم. قال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين.
قال نصر: ثم سار عليه السلام حتى انتهى إلى مدينة " بهرسير " وإذا رجل
من أصحابه يقال له جرير بن سهم ينظر إلى آثار كسرى ويتمثل بقول الأسود بن يعفر:
جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد فقال (عليه السلام): ألا قلت * (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) * [24 - 29 / الدخان].
إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم.
[ثم قال:] أنزلوا بهذه الفجوة.
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن مسلم الأعور عن حبة العرني قال:
أمر على (عليه السلام) الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر فوافوه في الساعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها الهالك أكثر ساكنيها لا معروف تأمرون به ولا منكر تنهون عنه.
قالوا: يا أمير المؤمنين كنا ننتظر أمرك مرنا بما أحببت.
فسار وخلف عليهم عدي بن حاتم فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج في ثمانمائة رجل منهم وخلف ابنه زيدا بعده فلحقه في أربعمائة رجل منهم.
وجاء علي (عليه السلام) حتى مر بالأنبار فاستقبله بنو خشنوشك [دهاقنتها] قال نصر: الكلمة فارسية أصلها خش أي الطيب [و " نوشك ":
راض يعني بني الطيب الراضي بالفارسية] قال: فلما استقبلوه نزلوا عن خيولهم ثم جاؤوا يشتدون معه وبين يديه ومعهم براذين قد أوقفوها في طريقه.
فقال: ما هذه الدواب التي معكم وما أردتم بهذا الذي صنعتم؟ قالوا:
أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الامراء وأما هذه البراذين فهدية لك وقد صنعنا للمسلمين طعاما وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا.
فقال (عليه السلام): أما هذا الذي زعمتم أنه فيكم خلق تعظمون به الامراء فوالله ما ينفع ذلك الامراء وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم فلا تعودوا له.
وأما دوابكم هذه فإن أحببتم أن آخذها منكم وأحسبها لكم من خراجكم أخذناها منكم.
وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم إلا بثمن!!
قالوا: يا أمير المؤمنين نحن نقومه ثم نقبل ثمنه. قال : إذا لا تقومونه قيمته نحن نكتفي بما هو دونه قالوا: يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالي ومعارف أتمنعنا أن نهدي لهم أو تمنعهم أن تقبلوا منا؟ فقال: كل العرب لكم موال وليس لاحد من المسلمين أن يقبل هديتكم وإن غصبكم أحد فأعلمونا
قالوا: يا أمير المؤمنين إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا قال: ويحكم فنحن أغنى منكم.
فتركهم وسار.
قال نصر: وحدثنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال: كنا مع علي (عليه السلام) في مسيره إلى الشام حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا إلى الماء فانطلق بنا علي (عليه السلام) حتى أتى إلى صخرة مضرس في الأرض كأنها ربضة عنز فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا تحتها ماء فشرب الناس منه حتى ارتووا ثم أمرنا فأكفأناها عليه.
وسار الناس حتى إذا مضى قليلا قال (عليه السلام): أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناه فلم نقدر على شئ إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم؟ قالوا:
ليس قربنا ماء فقلنا: بلى إنا شربنا منه قالوا: أنتم شربتم منه؟ قلنا: نعم.
فقال صاحب الدير: والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي.
قال: ثم مضى (عليه السلام) حتى نزل بأرض الجزيرة فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بجزر فقال (عليه السلام) ليزيد بن قيس الأرحبي:
يا يزيد. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: هؤلاء قومك من طعامهم فأطعم ومن شرابهم فاشرب. قال: نعم.
ثم سار حتى أتى الرقة وجل أهلها عثمانية فروا من الكوفة إلى معاوية فأغلقوا أبوابها دونه فتحصنوا وكان رئيسهم سماك بن مخرمة الأسدي بالرقة في طاعة معاوية وقد كان فارق عليا في نخو من مائة رجل من بني أسد ثم كاتب معاوية وأقام بالرقة حتى لحق به منهم سبعمائة رجل.
قال نصر: فروى حبة أن عليا (عليه السلام) لما نزل على الرقة نزل على موضع يقال له: البليخ على جانب الفرات فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي (عليه السلام) إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم أعرضه عليك؟ قال: نعم فقرأ الراهب الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويدلهم على سبيل الله لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشر وفي كل صعود وهبوط تذل ألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح وينصره الله على من ناواه.
فإذا توفاه الله اختلفت أمته من بعده ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله ثم اختلفت فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقضي بالحق، ولا يركس في الحكم الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمآن.
يخاف الله في السر وينصح له في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم ثم فمن أدرك ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضوانه والجنة.
ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة.
ثم قال: أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك.
فبكى [علي] عليه السلام ثم قال: الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا، الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار.
فمضى الراهب معه فكان فيما ذكروا يتغدى مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ويتعشى حتى أصيب يوم صفين فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال (عليه السلام): أطلبوه فلما وجده صلى عليه ودفنه وقال: هذا منا أهل البيت واستغفر له مرارا.
روى هذا الخبر نصر في [أواسط الجزء الثالث من ] كتاب صفين عن عمر بن سعد عن مسلم الأعور عن حبة العرني.
ورواه أيضا إبراهيم ابن ديزيل الهمداني بهذا الاسناد عن حبة أيضا في كتاب صفين.
قال نصر: وحدثني عمر بن سعد [الأسدي] عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك أن عليا (عليه السلام) بعث من المدائن معقل بن قيس الرياحي في ثلاثة آلاف وقال له: خذ على الموصل ثم نصيبين ثم القني بالرقة فإني موافيها وسكن الناس وآمنهم ولا تقاتل إلا من قاتلك وسر البردين وغور بالناس أقم الليل ورفه في السير ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، أرح فيه نفسك وجندك وظهرك فإذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر فسر [على بركة الله].
فسار [معقل] حتى أتى " الحديثة " وهي إذ ذاك منزل الناس إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان فإذا بكبشين ينتطحان ومع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة فأخذ يقول: إيه إيه فقال معقل:
ما تقول؟ فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا فانصرفا فقال الخثعمي: لا تغلبون ولا تغلبون قال معقل: من أين علمت؟ قال: أبصرت الكبشين أحدهما مشرق والآخر مغرب التقيا فاقتتلا وانتطحا فلم يزل كل واحد من صاحبه منتصفا حتى أتى كل واحد منهما صاحبه فانطلق به فقال معقل: أو يكون خيرا مما تقول: يا أخا خثعم.
ثم مضى [معقل] حتى وافى عليا (عليه السلام) بالرقة.
قال نصر: وقالت طائفة من أصحاب علي (عليه السلام) له: يا أمير المؤمنين اكتب إلى معاوية ومن قبله من قومك فإن الحجة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظما فكتب (عليه السلام) إليهم:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية ومن قبله من قريش سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل وعرفوا التأويل وفقهوا في الدين وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول (صلى الله عليه وآله) مكذبون بالكتاب مجمعون على حرب المسلمين من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه وقتلتموه، حتى أراد الله تعالى إعزاز دينه وإظهار أمره فدخلت العرب في الدين أفواجا وأسلمت هذه الأمة طوعا وكرها.
فكنتم فيمن دخل هذا الدين إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم وفاز المهاجرون والأنصار بفضلهم ولا ينبغي لمن ليست لهم مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الاسلام أن ينازعهم الامر الذي هم أهله وأولى به فيحوب ويظلم.
ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره ولا يعدو طوره ويشقى نفسه بالتماس ما ليس بأهله فإن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما وحديثا أقربها من الرسول وأعلمها بالكتاب وأفقهها في الدين أولهم إسلاما وأفضلهم جهادا وأشدهم بما تحمله الرعية من أمر الله اضطلاعا فاتقوا الله الذي إليه ترجعون " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ".
واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون وأن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم فإن للعالم بعلمه فضلا وإن الجاهل لا يزداد
بمنازعته العالم إلا جهلا.
ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله [وسلم]) وحقن دماء هذه الأمة فإن قبلتم أصبتم رشدكم واهتديتم لحظكم وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الأمة لن تزدادوا من الله إلا بعدا ولن يزداد الرب عليكم إلا سخطا والسلام.
فكتب إليه معاوية جواب هذا الكتاب سطرا واحدا وهو أما بعد فإنه:
ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب فقال علي (عليه السلام) لما أتاه هذا الجواب: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين.
قال نصر: أخبرني عمر بن سعد عن الحجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث أن عليا (عليه السلام) قال لأهل الرقة: جسروا لي جسرا أعبر عليه من هذا المكان إلى الشام فأبوا وقد كانوا ضموا السفن إليهم.
فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج وخلف عليهم الأشتر فناداهم فقال: يا أهل هذا الحصن: إني أقسم بالله إن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لأجردن فيكم السيف فلأقتلن مقاتلتكم ولأخربن أرضكم ولآخذن أموالكم.
فلقي بعضهم بعضا فقالوا: إن الأشتر يفي بما يحلف عليه وإنما خلفه علي عندنا ليأتينا بشر فبعثوا إليه إنا ناصبون لك جسرا فأقبلوا.
فأرسل الأشتر إلى علي (عليه السلام) فجاء ونصبوا له الجسر فعبروا
الأثقال والرجال وأمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر ثم عبر آخر الناس.
قال الحجاج: وازدحمت الخيل حين عبرت فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين فنزل فأخذها فركب ثم سقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب فقال لصاحبه:
فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا * كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل فقال [عبد الله بن أبي الحصين]: ما شئ أحب إلي مما ذكرت فقتلا معا يوم صفين.
قال نصر: فلما قطع علي الفرات دعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ فسرحهما أمامه نحو معاوية في اثني عشر ألفا وقد كانا حين سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات فبلغهما أخذ علي عليه السلام طريق الجزيرة وعلما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله فقالا: والله ما هذا برأي أن نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر وما لنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلة من العدد منقطعين عن المدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهلها وحبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ولحقوا عليا (عليه السلام) بقرية دون قرقيسيا فلما لحقوا عليا (عليه السلام) عجب وقال مقدمتي يأتي من ورائي؟ فأخبره زياد وشريح بالرأي الذي رأيا فقال: قد أصبتما رشدكما.
فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية فلما انتهيا إلى معاوية لقيهما أبو
الأعور السلمي في جنود من الشام وهو على مقدمة معاوية فدعواه إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبى فبعثوا إلى علي (عليه السلام) إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه وأصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبى علينا فمرنا بأمرك.
فأرسل علي (عليه السلام) إلى الأشتر فقال: يا مالك إن زيادا وشريحا أرسلا إلي.
إلى آخر ما مر برواية ابن ميثم.
قال: وكتب علي (عليه السلام) إليهما - وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي -: أما بعد فإني قد أمرت عليكما مالكا فاستمعا له وأطيعا أمره فإنه من لا يخاف رهقه ولا سقاطه ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما أن لا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم ويدعوهم ويعذر إليهم.
فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به علي (عليه السلام) وكف عن القتال ولم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور فثبتوا له واضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا.
ثم خرج [إليهم] هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها فخرج إليهم أبو الأعور فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال وصبر بعضهم لبعض ثم انصرفوا.
وبكر عليهم الأشتر فقتل من أهل الشام عبد الله بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن وإن كان
الشامي: لفارس أهل الشام وأخذ الأشتر يقول: ويحكم أروني أبا الأعور.
ثم إن أبا الأعور دعا الناس فرجعوا نحوه فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة وجاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أول مرة فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة. فقال، إلى مبارزتي أو مبارزتك؟ فقال الأشتر: أولو أمرتك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم والذي لا إله إلا هو تعالى لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي فعلته حتى أضربه بالسيف فقال: يا ابن أخي أطال الله بقاءك قد والله ازددت فيك رغبة لا ما أمرتك بمبارزته إنما أمرتك أن تدعوه لمبارزتي فإنه لا يبارز إن كان ذلك من شأنه إلا ذوي الأسنان والكفاءة والشرف وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف ولكنك حديث السن وليس يبارز الاحداث فاذهب فادعه إلى مبارزتي.
فأتاهم فقال: أنا رسول فأمنوني. فأمنوه فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور فقال له: إن الأشتر يدعوك إلى المبارزة قال فسكت عني طويلا ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه هو الذي دعاه إلى إجلاء عمال عثمان وافترائه عليه يقبح محاسنه ويجهل حقه ويظهر عداوته ومن خفة الأشتر أنه سار إلى عثمان في داره وقراره فقتله فيمن قتله وأصبح متبعا بدمه لا حاجة لي في مبارزته!!
فقلت: إنك قد تكلمت فاسمع حتى أجيبك فقال: لا حاجة لي في جوابك ولا الاستماع منك اذهب عني وصاح بي أصحابه فانصرفت عنه ولو سمع لأسمعته عذر صاحبي وحجته فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة فقال: لنفسه نظر.
قال: فتواقفنا حتى حجز بيننا وبينهم الليل وبتنا متحارسين فلما أن أصبحنا نظرنا فإذا هم انصرفوا.
قال: وصبحنا علي عليه السلام غدوة سائرا نحو معاوية فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الأرض وسعة المنزل وشريعة الماء مكان أفيح وكان أبو الأعور على مقدمة معاوية واسمه سفيان بن عمرو.
وكان وصول علي (عليه السلام) إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين.
قال نصر: فلما انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعا سبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناصرين إلى جانب صفين وساق الأشتر يتبعه فوجده غالبا على الماء وكان في أربعة آلاف من مستبصري أهل العراق فصدموا أبا الأعور وأزالوه عن الماء فأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه وقضيضه فلما رآهم الأشتر انحاز إلى علي (عليه السلام) وغلب معاوية وأهل الشام على الماء وحالوا بين أهل العراق وبينه.
وأقبل علي (عليه السلام) في جموعه فطلب موضعا لعسكره وأمر الناس أن يضعوا أثقالهم وهم أكثر من مائة ألف فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علي (عليه السلام) على خيولهم إلى جهة معاوية يطعنون ويرمون بالسهام ومعاوية بعد لم ينزل فناوشهم أهل الشام القتال فاقتتلوا هويا.
قال نصر فحدثني عمر بن سعد عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: فكتب معاوية إلى علي (عليه السلام): عافانا الله وإياك ما أحسن العدل
والانصاف بمن عمل وأقبح الطيش ثم النفش في الرجل وكتب بعده:
اربط حمارك لا تنزع سويته * إذا يرد وقيد العير مكروب ليست ترى السيد زيدا في نفوسهم * كما تراه بنو كوز ومرهوب إن تسألوا الحق يعط الحق سائله * والدرع محقبة والسيف مقروب أو تأنفون فإنا معشر أنف * لا نطعم الضيم إن السم مشروب فأمر علي (عليه السلام) أن يوزع الناس عن القتال حتى أخذ أهل الشام مصافهم ثم قال: أيها الناس إن هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة ومن فلج فيه فلج يوم القيامة.
ثم قال لما رأى نزول معاوية بصفين:
لقد أتانا كاشرا عن نابه * يهمط الناس على اعتزا به فليأتنا الدهر بما أتى به قال نصر: وكتب علي إلى معاوية جواب كتابه أما بعد:
فإن للحرب عراما شررا * إن عليها قائدا عشنزرا ينصف من أحجر أو تنمرا * على نواحيها مزجا زمجرا إذا ونين ساعة تغشمرا
وكتب بعده:
ألم تر قومي إذ دعاهم أخوهم * أجابوا وإن يغضب على القوم يغضبوا هم حفظوا غيبي كما كنت حافظا * لقومي أخرى مثلها إذ تغيبوا بنو الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم * وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا قال: فتراجع الناس كل من الفريقين إلى معسكره وذهب شباب من الناس إلى الماء ليستقوا فمنعهم أهل الشام.
قال ابن أبي الحديد: قلت في هذه الألفاظ ما ينبغي أن يشرح قوله:
" فاقتتلوا هويا " بفتح الهاء أي قطعة من الزمان، وذهب هوي من الليل أي هزيع منه " والنفش ": كثرة الكلام. والدعاوى وأصله من نفش الصوف.
" والسوية ": كساء محشو بثمام ونحوه كالبرزعة. وكربت القيد إذا ضيقته على المقيد، وقيد مكروب أي ضيق يقول: لا تنزع برزعة حمارك عنه واربطه وقيده وإلا أعيد إليك وقيده ضيق.
وهذا مثل ضربه لعلي (عليه السلام) يأمره فيه بأن يردع جيشه عن التسرع والعجلة عند الحرب.
وزيد المذكور في الشعر هو زيد بن حصين بن ضرار [بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن ادبن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان] من بني ضبة وهو المعروف بزيد الخيل وكان فارسهم.
وبنو السيد من ضبة أيضا [وهم بنو السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة - إلى آخر النسب -] وبنو السيد بنو عم زيد الفوارس
[لأنه من بني دهل بن مالك] وهؤلاء بنو السيد بن مالك وبينهم عداوة النسب يقول: إن بني السيد لا يرون زيدا في نفوسهم كما يراه أهله الأدنون منه نسبا وهم بنو كوز وبنو مرهوب يقول: نحن لا نعظم زيدا ولا نعتقد فيه من الفضيلة ما يعتقده أهله وبنو عمه الأدنون.
والمثل لعلي (عليه السلام) أي نحن لا نرى في علي ما يراه أهل العراق من تعظيمه وتبجيله.
والدرع محقبة أي بحالها في حقابها وهو ما يشد به في غلافها والسيف بحاله في قرابه وهو جفنه يقال: حقبت الدرع وقربت السيف كلاهما ثلاثيان يقول: إن سألتم الحق أعطيناكموه من غير حاجة إلى الحرب بل نجيبكم إليه والدروع بحالها لم تلبس والسيوف في أجفانها لم تشهر.
وأما إثبات النون في " تأنفون " فللشعر يقول: وإن أنفتم وأبيتم إلا الحرب فإنا نأنف مثلكم [أيضا] لا نطعم الضيم ولا نقبله ثم قال: إن السم مشروب أي إن السم قد نشربه ولا نشرب الضيم أي نختار الموت على الذلة.
والشعر لعبد الله بن غنم الضبي من بني السيد.
فأما قوله (عليه السلام): " هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة "
أي من تلطخ فيه بعيب من فرار أو نكول عن العدو. يقال: نطف فلان - بالكسر - إذا تدنس بعيب ونطف أيضا إذا أفسد يقول: من فسدت حاله اليوم في هذا الجهاد فسدت حاله غدا عند الله.
قوله: " من فلج فيه " بفتح اللام أي من ظهر وفاز يقال: فلج على خصمه كنصر أي ظهرت حجته عليه.
قوله (عليه السلام) " يهمط الناس " أي يقهرهم ويخبطهم وأصله الاخذ بغير تقدير.
وقوله (عليه السلام): " على اعتزا به " أي على بعده عن الامارة والولاية على الناس.
والعرام بالضم: الشراسة والهوج. والعشنزر: الشديد القوي ينصف من يظلم الناس. وأحجر: ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا حجرهم أي بيوتهم. وتنمر أي تنكر حتى صار كالنمر يقول: هذا القائد الشديد القوي ينصف من يظلم الناس ويتنكر لهم أي ينصف منه فحذف حرف الجر كقوله تعالى: * (واختار موسى قومه) * أي من قومه.
والمزج بكسر الميم: السريع النفوذ وأصله الرمح القصير كالمزراق ورجل زمجر أي مانع حوزته والميم زايدة. ومن رواها زمخرا بالخاء عنى به المرتفع العالي الشأن وجعل الميم زائدة أيضا من زخر الوادي أي علا وارتفع. وغشمر السيل: أقبل. والغشمرة: إتيان الامر بغير تثبت يقول: إذا أبطأن ساقهن سوقا عنيفا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.