پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري

ج ۳۳، ص ۳۸–۷۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۱۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن حبيب بن الجهم قال:

لما دخل بنا علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بلاد صفين نزل بقرية يقال لها " صندودا " ثم أمرنا فعبرنا عنها ثم عرس بنا في أرض بلقع فقام إليه مالك بن الحارث الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين: أتنزل الناس على غير ماء؟ فقال: يا مالك إن الله عز وجل سيسقينا في هذا المكان ماء أعذب من الشهد وألين من الزبد الزلال وأبرد من الثلج وأصفى من الياقوت فتعجبنا ولا عجب من قول أمير المؤمنين عليه السلام ثم أقبل يجر رداءه وبيده سيفه حتى وقف على أرض بلقع فقال: يا مالك احتفر أنت وأصحابك فقال: مالك فاحتفرنا فإذا نحن بصخرة سوداء عظيمة فيها حلقة تبرق كاللجين فقال لنا روموها فرمناها بأجمعنا ونحن مائة رجل فلم نستطع أن نزيلها عن موضعها فدنا أمير المؤمنين عليه السلام رافعا يده إلى السماء يدعو وهو يقول:

" طاب طاب مربا بما لم طبيوثا بوثة شتميا كوبا جاحا نوثا توديثا برحوثا 1 آمين آمين رب العالمين رب موسى وهارون " ثم اجتذبها فرماها عن العين أربعين ذراعا.

قال مالك بن الحارث الأشتر: فظهر لنا ماء أعذب من الشهد وأبرد من الثلج وأصفى من الياقوت فشربنا وسقينا ثم رد الصخرة وأمرنا أن نحثو عليها التراب.

ثم ارتحل وسرنا فما سرنا إلا غير بعيد قال: من منكم يعرف موضع العين؟

فقلنا: كلنا يا أمير المؤمنين فرجعنا فطلبنا العين فخفي مكانها علينا أشد خفاء فظننا أن أمير المؤمنين عليه السلام قد رهقه العطش فأومأنا بأطرافنا فإذا نحن بصومعة راهب فدنونا منها فإذا نحن براهب قد سقطت حاجباه على عينيه من الكبر فقلنا: يا راهب أعندك ماء نسقي منه صاحبنا؟ قال: عندي ماء قد استعذبته منذ يومين فأنزل إلينا ماءا مرا خشنا فقلنا: هذا قد استعذبته منذ يومين؟ فكيف ولو شربت من الماء الذي سقانا منه صاحبنا وحدثناه بالامر فقال: صاحبكم هذا نبي؟ قلنا: لا ولكنه وصي نبي. فنزل إلينا بعد وحشته منا وقال: انطلقوا بي إلى صاحبكم فانطلقنا به فلما بصر به أمير المؤمنين عليه السلام قال: شمعون قال الراهب: نعم شمعون هذا اسم سمتني به أمي ما اطلع عليه أحد إلا الله تبارك وتعالى ثم أنت فكيف عرفته فأتم حتى أتمه لك. قال: وما تشاء يا شمعون؟ قال: هذا العين واسمه قال: هذا العين " راحوما " وهو من الجنة شرب منه ثلاثمائة وثلاثة عشر وصيا وأنا آخر الوصيين شربت منه قال الراهب: هكذا وجدت في جميع كتب الإنجيل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي محمد صلى الله عليه وآله ثم رحل أمير المؤمنين عليه السلام والراهب يقدمه حتى نزل بصفين ونزل معه بعابدين والتقا الصفان فكان أول من أصابته الشهادة الراهب فنزل أمير المؤمنين عليه السلام وعيناه تهملان وهو يقول: المرء مع من أحب الراهب معنا يوم القيامة رفيقي في الجنة.

بيان:

البلقع والبلقعة: الأرض القفر التي لا ماء بها.

382 - الخرائج: روي عن زاذان وجماعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: كنا معه بصفين فلما أن صاف معاوية أتاه رجل من ميمنته فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل فقال: ارجع إلى مقامك فرجع ثم أقبل ثانية فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل فقال: ارجع إلى مقامك فرجع ثم أتاه ثالثة كأن الأرض لا تحمله فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل فقال عليه السلام: قف فوقف فقال عليه السلام: علي بمالك الأشتر [فأتاه مالك] فقال عليه السلام: يا مالك قال لبيك يا أمير المؤمنين قال: ترى ميسرة معاوية قال: نعم. قال: ترى صاحب الفرس المعلم. قال: نعم. قال: الذي عليه [القباء] الأحمر. قال: نعم. قال: انطلق فأتني برأسه فخرج مالك فدنا منه وضربه فسقط رأسه ثم تناوله فأقبل به إلى أمير المؤمنين فألقاه بين يديه فأقبل علي عليه السلام على الرجل فقال: نشدتك الله هل كنت إذ نظرت إلى هذا فرأيته وحليه وهو ملا قلبك فرأيت الخلل في أصحابك؟ قال: اللهم نعم فأقبل علي علينا ونحن حوله فقال: أخبرني بهذا والله رسول الله أفترونه بقي بعد هذا شئ؟ ثم قال للرجل: ارجع إلى مقامك.

383 - الخرائج: روي عن أبي سعيد عقيصا قال: خرجنا مع علي عليه السلام نريد صفين فمررننا بكربلاء فقال: هذا موضع الحسين عليه السلام وأصحابه ثم سرنا حتى انتهينا إلى راهب في صومعته وتقطع الناس من العطش وشكوا إلى علي عليه السلام ذلك وأنه قد أخذ بهم طريقا لا ماء فيه من البر

وترك طريق الفرات فدنا من الراهب فهتف به وأشرف إليه قال: أقرب صومعتك ماء؟ قال: لا فثنى رأس بغلته فنزل في موضع فيه رمل وأمر الناس أن يحفروا الرمل فحفروا فأصابوا تحته صخرة بيضاء فاجتمع ثلاثمائة رجل فلم يحركوها فقال عليه السلام: تنحوا فإني صاحبها ثم أدخل يده اليمنى تحت الصخرة فقلعها من موضعها حتى رآها الناس على كفه فوضعها ناحية فإذا تحتها عين ماء أرق من الزلال وأعذب من الفرات فشرب الناس واستقوا وتزودوا ثم رد الصخرة إلى موضعها وجعل الرمل كما كان وجاء الراهب فأسلم وقال: إن أبي أخبرني عن جده وكان من حواري عيسى أن تحت هذا الرمل عين ماء وأنه لا يستنبطها إلا نبي أو وصي نبي وقال لعلي عليه السلام: أتأذن لي أن أصحبك في وجهك هذا قال عليه السلام: ألزمني ودعا له ففعل فلما كان ليلة الهرير قتل الراهب فدفنه بيده وقال عليه السلام لكأني أنظر إليه وإلى منزله في الجنة ودرجته التي أكرمه الله بها.

384 - الخرائج: روي أنه لما طال المقام بصفين شكوا إليه نفاد الزاد والعلف بحيث لم يجد أحد من أصحابه شيئا يؤكل فقال عليه السلام طيبوا نفسا فإن غدا يصل إليكم ما يكفيكم فلما أصبحوا وتقاضوه صعد عليه السلام على تل كان هناك ودعا بدعاء سأل الله أن يطعمهم ويعلف دوابهم ثم نزل ورجع إلى مكانه فما استقر إلا وقد أقبلت العير بعد العير عليها اللحمان والتمر والدقيق والمير بحيث امتلأت بها البراري وفرغ أصحاب الجمال جميع الأحمال من الأطعمة وجميع ما معهم من علف الدواب وغيرها من الثياب وجلال الدواب وجميع ما يحتاجون إليه حتى الخيط والمخيط ثم انصرفوا ولم يدر أحد من أي البقاع وردوا من الانس أم من الجن وتعجب الناس من ذلك.

385 - الخرائج: روى علي بن حسان عن عبد الرحمان بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام يريد صفين فلما عبر الفرات وقرب من الجبل وحضر وقت صلاة العصر أمعن بعيدا ثم توضأ فأذن فلما فرغ من الاذان انفلق الجبل عن هامة بيضاء ولحية ووجه أبيض فقال:

السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته مرحبا بوصي خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين فقال علي عليه السلام: وعليك السلام يا أخي شمعون بن حمون الصفا وصي روح القدس عيسى بن مريم كيف حالك؟ قال: بخير يرحمك الله انا منتظر نزول روح القدس فاصبر يا أخي على ما أنت عليه من الأذى فاصبر يا أخي حتى تلقى الحبيب غدا فلم أعلم أحدا أحسن بلاء في الله منكم ولا أعظم ثوابا ولا أرفع مكانا وقد رأيت ما لقي أصحابك بالأمس من بني إسرائيل فإنهم نشروا بالمناشير وصلبوا على الخشب فلو تعلم تلك الوجوه المارقة المفارقة لك ما أعد الله لها من عذاب النار والسخط والنكال لاقصرت، ولو تعلم هذه الوجوه المتمنية بك ما لها من الثواب في طاعتك لتمنت أن تقرض بالمقاريض وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته قال: والتأم عليه الجبل وخرج [علي عليه السلام] إلى القتال.

فسأله عمار بن ياسر ومالك الأشتر وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وأبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد الأنصاري وعمرو بن الحمق الخزاعي وعبادة بن الصامت عن الرجل فأخبرهم أنه شمعون بن حمون الصفا وكانوا قد سمعوا كلامهما فازدادوا بصيرة في المجاهدة معه.

وقال عبادة بن الصامت وأبو أيوب: بأمهاتنا وآبائنا نفديك يا أمير المؤمنين فوالله لننصرنك كما نصرنا أخاك رسول الله والله ما تأخر عنك من المهاجرين والأنصار إلا شقي. فدعا لهما بالخير.

386 - مجالس المفيد: علي بن بلال عن علي بن عبد الله الأصفهاني عن الثقفي عن إسماعيل يسار عن عبد الله بن ملح عن عبد الوهاب بن إبراهيم عن أبي صادق عن مزاحم بن عبد الوارث عن محمد بن زكريا عن شعيب بن واقد عن محمد بن سهل [عن أبيه] عن قيس مولى علي بن أبي طالب عليه السلام مثله.

387 - تفسير العياشي: عن عبد الرحمن بن جندب [ظ] قال: لما أقبل الناس مع أمير

المؤمنين عليه السلام من صفين أقبلنا معه فأخذ طريقا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه حتى إذا جزنا النخيلة ورأينا أبيات الكوفة إذا شيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض فأقبل إليه أمير المؤمنين ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه فرد ردا حسنا فظننا أنه قد عرفه فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما لي أرى وجهك منكسرا مصفارا فمم ذاك أمن مرض؟ فقال:

نعم. فقال: لعلك كرهته؟ فقال: ما أحب أنه يعتريني ولكن احتسب الخير فيما أصابني قال: فأبشر برحمة الله وغفران ذنبك فمن أنت يا عبد الله؟ قال: أنا صالح بن سليم. قال: ممن؟ قال: أما الأصل فمن سلامان بن طي وأما الجوار والدعوة فمن بني سليم بن منصور فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أجدادك واسم من اعتزيت إليه فهل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ فقال: لا ولقد أردتها ولكن ما ترى في من لجب الحمى خذلني عنها. فقال أمير المؤمنين: * (ليس على الضعفاء ولا على

المرضى ولا على الذين لا يجدون) * إلى آخر الآية [91 / من سورة البراءة] [ثم قال: فخبرني] ما قول الناس فيما بيننا وبين أهل الشام؟ قال: منهم المسرور والمحبور فيما كان بينك وبينهم وهم أغش الناس لك. فقال له: صدقت قال:

ومنهم الكاسف: لآسف لما كان من ذلك وأولئك نصحاء الناس لك فقال له: صدقت جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فإن المرض لا أجر فيه ولكن لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه وإنما الاجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة [عالما] جما من عباده الجنة.

بيان: قال الجوهري: حبرني هذا الامر أي سرني وقال: رجل كاسف البال أي سئ الحال وكاسف الوجه أي عابس. والجم: الكثير.

388 - الفضائل، الروضة: بالاسناد يرفعه إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: لما سار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى صفين وقف بالفرات وقال لأصحابه: أين المخاض. فقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين فقال لبعض أصحابه: امض إلى هذا التل وناد يا جلند أين المخاض؟ قال: فصار حتى وصلت تل ونادى يا جلند فأجابه من تحت الأرض خلق كثير!! قال فبهت ولم يعلم ما يصنع فأتى إلى الامام وقال: يا مولاي جاوبني خلق كثير فقال: يا قنبر امض وقل: يا جلند بن كركر أين المخاض؟ قال: فكلمه واحد وقال: ويلكم من عرف اسمي واسم أبي وأنا في هذا المكان وقد بقي قحف رأسي عظم نخر رميم ولي ثلاث آلاف سنة ما يعلم المخاض هو والله أعلم مني يا ويلكم ما أعمى قلوبكم وأضعف نفوسكم ويلكم امضوا إليه واتبعوه فأين خاض خوضوا معه فإنه أشرف الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

بيان: مخاض الماء: الموضع الذي يجوز الناس فيه مشاة وركبانا.

389 - الفضائل، الروضة: بالاسناد يرفعه إلى ابن عباس قال: أقبلنا مع علي بن أبي طالب عليه السلام من صفين فعطش الجيش ولم يكن بتلك الأرض ماء فشكوا ذلك إلى وارث علم النبوة فجعل يدور في تلك الأرض إلى أن استبطن البر فرأى صخرة عظيمة فوقف عليها وقال: السلام عليك أيتها الصخرة فقالت: السلام عليك يا وارث علم النبوة فقال لها: أين الماء؟ قال: تحتي يا وصي محمد صلى الله عليه وآله قال: فأخبر الناس بما قالت الصخرة له قال: فانكبوا إليها بمائة نفر فعجزوا أن يحركوها فعند ذلك قال عليه السلام: إليكم عنها ثم أنه عليه السلام وقف عليها وحرك شفتيه ودفعها بيده فانقلبت كلمح البصر وإذا تحتها عين ماء أحلى من العسل وأبرد من الثلج فسقوا المسلمين وسقوا خيولهم وأكثروا من الماء ثم إنه عليه السلام أقبل إلى الصخرة وقال لها: عودي إلى موضعك قال ابن عباس: فجعلت تدور على وجه الأرض كالكرة في الميدان حتى أطبقت على العين ثم رجعوا ورحلوا عنها.

390 - الخرائج: عن أبي هاشم الجعفري عن أبيه عن الصادق عليه السلام قال: لما فرغ علي عليه السلام من صفين وقف على شاطئ الفرات وقال:

أيها الوادي من أنا فاضطرب وتشققت أمواجه وقد نظر الناس فسمعوا من الفرات صوتا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا أمير المؤمنين حجة الله على خلقه.

391 - الخرائج: عن عبد الله بن السكسكي عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام لما قدم من صفين وقف على شاطئ الفرات ثم انتزع سهما من كنانته ثم أخرج منها قضيبا أصفر فضرب به الفرات وقال:

انفجري فانفجرت اثنتا عشرة عينا كل عين كالطود والناس ينظرون إليه ثم تكلم بكلام لم يفهموه فأقبلت الحيتان رافعة رؤسها بالتهليل والتكبير وقالت:

السلام عليك يا حجة الله على خلقه في أرضه ويا عين الله في عباده خذلك قومك بصفين كما خذل هارون [موسى " خ ل "] بن عمران قومه. فقال لهم:

أسمعتم؟ قالوا: نعم قال: فهذه آية لي عليكم وقد أشهدتكم عليه.

392 - الخرائج: عن عبد الواحد بن زيد قال: كنت حاجا إلى بيت الله فبينا أنا في الطواف إذ رأيت جاريتين عند الركن اليماني تقول إحداهما للأخرى: لا وحق المنتجب للوصية والقاسم بالسوية والعادل في القضية بعل فاطمة الزكية الرضية المرضية ما كان كذا. فقلت من هذا المنعوت؟ فقالت: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام علم الاعلام وباب الاحكام قسيم الجنة والنار رباني الأمة. قلت: من أين تعرفينه؟ قالت: كيف لا أعرفه وقد قتل أبي بين يديه بصفين ولقد دخل على أمي لما رجع فقال يا أم الأيتام كيف أصبحت؟ قالت: بخير ثم أخرجتني وأختي هذه إليه وكان قد ركبتني من الجدري ما ذهب به بصري فلما نظر عليه السلام إلى تأوه وقال:

ما إن تأوهت من شئ رزئت به * كما تأوهت للأطفال في الصغر قد مات والدهم من كان يكفلهم * في النائبات وفي الاسفار والحضر ثم أمر يده المباركة على وجهي فانفتحت عيني لوقتي وساعتي فوالله إني لأنظر إلى الجمل الشارد في الليلة المظلمة ببركته عليه السلام.

[الباب الخامس عشر] باب ما جرى بين معاوية وعمرو بن العاص في [التحامل على] علي عليه السلام 393 - أمالي الصدوق: القطان عن ابن زكريا عن ابن حبيب عن علي بن زياد عن الهيثم بن عدي عن الأعمش عن يونس بن أبي إسحاق قال: حدثنا أبو الصفر عن عدي بن أرطأة قال: قال معاوية يوما لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله أينا أدهى؟ قال عمرو: أنا للبديهة وأنت للروية قال معاوية: قضيت لي على نفسك وأنا أدهى منك في البديهة قال عمرو: فأين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف؟ قال: بها غلبتني يا أبا عبد الله أفلا أسألك عن شئ تصدقني فيه؟

قال: والله إن الكذب لقبيح فاسأل عما بدا لك أصدقك فقال: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا. قال: بلى والله لقد غششتني أما إني لا أقول في كل المواطن ولكن في موطن واحد قال: وأي موطن؟ قال: يوم دعاني علي بن أبي طالب للمبارزة فاستشرتك فقلت: ما ترى يا أبا عبد الله فقلت: كفو كريم فأشرت علي بمبارزته وأنت تعلم من هو فعلمت أنك غششتني قال: يا أمير المؤمنين دعاك رجل إلى مبارزة عظيم الشرف جليل الخطر وكنت من مبارزته

على إحدى الحسنين إما أن تقتله فتكون قد قتلت قتال الاقران وتزداد به شرفا إلى شرفك وتخلو بملكك وإما أن تعجل إلى مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا قال معاوية: هذه شر من الأولى والله إني لاعلم أني لو قتلته دخلت النار ولو قتلني دخلت النار قال له عمرو: فما حملك على قتاله؟ قال:

الملك عقيم ولن يسمعها منى أحد بعدك.

394 - أمالي الطوسي: المفيد عن محمد بن عمران عن محمد بن إسحاق عن الوليد بن محمد بن إسحاق عن أبيه قال:

استأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان فلما دخل عليه استضحك معاوية فقال له عمرو: ما أضحكك يا أمير المؤمنين أدام الله سرورك؟ قال: ذكرت ابن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت فقال:

أتشمت بي يا معاوية فأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك وأطت أضلاعك وانتفخ سحرك والله لو بارزته لأوجع قذالك وأيتم عيالك وبزك سلطانك وأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا تشمت بفارس بهمة * لقى فارسا لا تعتليه الفوارس معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلا * أبا حسن تهوي عليك الوساوس وأيقنت أن الموت حق وأنه * لنفسك إن لم تمعن الركض خالس دعاك فصمت دونه الاذن إذ دعا * ونفسك قد ضاقت عليها الأمالس أتشمت بي أن نالني حد رمحه * وعضضني ناب من الحرب ناهس فأي امرئ لاقاه لم يلق شلوه * بمعترك تسفى عليه الروامس أبى الله إلا أنه ليث غابة * أبو أشبل تهدى إليه الفرائس فإن كنت في شك فأرهج عجاجة * وإلا فتلك الترهات البسابس فقال معاوية مهلا يا أبا عبد الله ولا كل هذا قال: أنت استدعيته.

بيان: استضحك لعله مبالغة في الضحل أو أراد أن يضحك عمروا.

والتمع لونه: ذهب وتغير. وأط الرجل ونحوه يئط أطيطا: صوت. ويقال للجبان: انتفخ سحرك أي رئتك. وبزه: سلبه.

وقال الجوهري: البهمة بالضم: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه ويقال أيضا للجيش بهمة ومنه قولهم: فلان فارس بهمة وليث غابة.

وفي القاموس: الأمليس وبهاء: الفلات ليس بها نبات والجمع أماليس، وأمالس شاذ. وقال: نهس اللحم كمنع وسمع: أخذ بمقدم أسنانه ونتفه وقال: الشلو بالكسر: العضو والجسد من كل شئ كالشلا. وكل مسلوح أكل منه شئ وبقيت منه بقية وقال: الروامس: الرياح الدوافن للآبار وقال:

أرهج: أثار الغبار. وقال: العجاج: الغبار وقال: الترهة كقبرة: الباطل. وقال:

الترهات البسابس وبالإضافة: الباطل.

395 - كشف الغمة: لما عزم معاوية على قتال علي عليه السلام شاور فيه ثقاته وأهل وده فقالوا: هذا أمر عظيم لا يتم إلا بعمرو بن العاص فإنه قريع زمانه في الدهاء والمكر وقلوب أهل الشام مائلة إليه وهو يخدع ولا يخدع فقال: صدقتم ولكنه يحب عليا فأخاف أن يمتنع فقالوا: رغبه بالمال واعطه مصر فكتب إليه من معاوية بن أبي سفيان خليفة عثمان بن عفان إمام المسلمين وخليفة رسول رب العالمين ذي النورين ختن المصطفى على ابنتيه وصاحب جيش العسرة وبئر رومة المعدوم الناصر الكثير الخاذل المحصور في منزله المقتول عطشا وظلما في محرابه المعذب بأسياف لفسقة إلى عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وثقته وأمير عسكره بذات السلاسل المعظم رأيه المفخم تدبيره أما بعد فلن يخفى عليك احتراق قلوب المؤمنين وفجعتهم بقتل عثمان وما ارتكبه جاره بغيا وحسدا وامتناعه عن نصرته وخذلانه إياه حتى قتل في محرابه فيا لها

مصيبة عمت الناس وفرضت عليهم طلب دمه من قتلته وأنا أدعوك إلى الحظ الأجزل من الثواب والنصيب الأوفر من حسن المآب بقتال من آوى قتلة عثمان.

فكتب إليه عمرو بن العاص: من عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد وصل كتابك فقرأته وفهمته فأما ما دعوتني إليه من قتال علي فقد دعوتني والله إلى خلع ربقة الاسلام من عنقي والتهور في الضلالة معك وإعانتي إياك على الباطل واختراط السيف في وجه علي بن أبي طالب عليه السلام وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه ووارثه وقاضي دينه ومنجز وعده وزوج ابنته سيدة نساء العالمين وأبو السبطين سيدي شباب أهل الجنة.

وأما قولك: إنك خليفة عثمان فقد صدقت ولكن تبين اليوم عزلك من خلافته وقد بويع لغيره فزالت خلافتك.

وأما ما عظمتني به ونسبتني إليه من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وأني صاحب جيشه فلا أعتر بالتزكية ولا أميل بها عن الملة.

وأما ما نسبت أبا الحسن أخا رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه إلى البغي والحسد لعثمان وسميت الصحابة فسقة وزعمت أنه أشلاهم على قتله فهذا كذب وغواية ويحك يا معاوية أما علمت أن أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وبات على فراشه وهو صاحب السبق إلى الاسلام والهجرة وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: هو مني وأنا منه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

وقال فيه يوم الغدير: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.

وقال فيه يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

وقال فيه يوم الطير: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك فلما دخل قال:

وإلي وإلي.

وقال فيه يوم النضير: علي إمام البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله.

وقال فيه: علي وليكم بعدي. وأكد القول علي وعليك وعلى جميع المسلمين وقال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي.

وقال أنا مدينة العلم وعلي بابها.

وقد علمت يا معاوية ما أنزل الله من الآيات المتلوات في فضائله التي لا يشركه فيها أحد، كقوله تعالى: " يوفون بالنذر " [7 / الدهر، وكقوله]: " إنما وليكم الله ورسوله " [55 / المائدة، وكقوله]: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه " [17 / هود، وكقوله]: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " [23 / الأحزاب، وكقوله]:

" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " [23 / الشورى].

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن يكون سلمك سلمي وحربك حربي وتكون أخي ووليي في الدنيا والآخرة يا أبا الحسن من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أحبك أدخله الله الجنة ومن أبغضك أدخله الله النار.

وكتابك يا معاوية الذي هذا جوابه ليس مما ينخدع به من له عقل ودين والسلام.

فكتب إليه معاوية يعرض عليه الأموال والولايات وكتب في آخر كتابه:

جهلت ولم تعلم محلك عندنا * فأرسلت شيئا من خطاب وما تدري فثق بالذي عندي لك اليوم آنفا * من العز والاكرام والجاه والنصر فاكتب عهدا ترتضيه مؤكدا * وأشفعه بالبذل مني وبالبر فكتب إليه عمرو بأبيات - ليس بالشعر الجيد - يطلب فيها مصر [وأولها:]

أبى القلب مني أن أخادع بالمكر * بقتل ابن عفان اجر إلى الكفر فكتب له معاوية بذلك وأنفذه إليه ففكر عمرو ولم يدر ما يصنع وذهب عنه النوم فقال:

تطاول ليلي بالهموم الطوارق * وصافحت من دهري وجوه البوائق أأخدعه والخدع مني سجية * أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق فلما أصبح دعا مولاه وردان وكان عاقلا فشاوره في ذلك فقال وردان: إن مع علي آخرة ولا دنيا معه وهي التي تبقى لك وتبقى فيها وإن مع معاوية دنيا ولا آخرة معه وهي التي لا تبقى على أحد فاختر ما شئت فتبسم عمرو وقال:

يا قاتل الله وردانا وفطنته * لقد أصاب الذي في القلب وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الاطباع ادهان نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها * والمرء يأكل نتنا وهو غرثان أما علي فدين ليس بشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا على بصري * وما معي بالذي اختار برهان إني لأعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش إنسان ثم إن عمرا رحل إلى معاوية فمنعه ابنه عبد الله ووردان فلم يمتنع فلما بلغ مفرق الطريقين الشام والعراق قال له وردان: طريق العراق طريق الآخرة وطريق الشام طريق الدنيا فأيهما تسلك؟ قال: طريق الشام!!

توضيح: قال الجوهري: القريع: الفحل والسيد، يقال: فلان قريع دهره وقريعك الذي يقارعك.

وقال في النهاية: فيه ذكر بئر رومة هي بضم الراء اسم بئر بالمدينة اشتراها عثمان وسبلها. وفي القاموس: أشلا دابته: أراها المخلاة لتأتيه. والناقة: دعاها للحلب. والوامق: المحب. والشارق: الشمس. وشرقت الشمس: طلعت والغرثان: الجائع.

396 - نهج البلاغة: ولم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا فلا ظفرت يد المبايع وخزيت أمانة المبتاع فخذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها فقد شب لظاها وعلا سناها [واستشعروا الصبر فإنه أدعى إلى النصر].

بيان:

قوله عليه السلام: " ولم يبايع " قال الشارحون: إشارة إلى ما اشتهر من أن أمير المؤمنين عليه السلام لما نزل بالكوفة بعد فراغه من البصرة كتب إلى معاوية كتابا يدعوه إلى البيعة فدعا قوما من أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان فأجابوه وأشار إليه أخوه بالاستعانة بعمرو بن العاص فلما قدم عليه وعرف حاجته إليه تباعد عنه وجعل يمدح عليا عليه السلام في وجهه حتى رضي معاوية أن يعطيه المصر فبايعه فذلك معنى قوله عليه السلام " أن يؤتيه على البيعة ثمنا " ثم أردف ذلك بالدعاء على البائع لدينه وهو عمرو بعدم الظفر في الحرب أو بالثمن أو بشئ مما يأمله وألحقه بالتوبيخ للمبتاع وهو معاوية بذكر هوان أمانته عليه وهي بلاد المسلمين وأموالهم.

ويحتمل أن يكون إسناد الخزي إلى الأمانة إسنادا مجازيا.

وذهب بعض الشارحين إلى أن المراد بالبائع معاوية وبالمبتاع عمرو. وهو ضعيف لان الثمن إذا كان مصرا فالمبتاع هو معاوية كذا ذكره ابن ميثم.

وقال ابن أبي الحديد في أكثر النسخ " فلا ظفرت يد المبايع " بميم المفاعلة. والظاهر ما رويناه.

قوله عليه السلام: " فقد شب لظاها " أي أوقدت نارها وأثيرت وروي بالبناء للفاعل أي ارتفع لهبها. والسنا - بالقصر -: الضوء.

أقول: قال ابن أبي الحديد: روى ابن قتيبة في [كتاب] عيون الأخبار قال: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما فضحك فقال: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك حين إبدائك سوأتك يوم ابن أبي طالب عليه السلام والله لقد وجدته منانا ولو شاء أن يقتلك لقتلك فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وانتفخ سحرك وبدا منك ما أكره ذكره فمن نفسك أضحك أو فدع

[الباب السادس عشر] باب كتبه عليه السلام إلى معاوية واحتجاجاته عليه ومراسلاته إليه وإلى أصحابه 398 - نهج البلاغة، الإحتجاج: احتجاجه عليه السلام على معاوية في جواب كتاب كتبه إليه - وفي غيره من المواضع - وهو من أحسن الحجاج وأصوبه:

أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر اصطفاء الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر أو داعي مسدده إلى النضال.

وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حن قدح ليس منها فطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها.

ألا تربع أيها الانسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك وتتأخر حيث أخرك القدر؟ فما عليك غلبة - المغلوب ولا لك ظفر الظافر وإنك لذهاب في التيه رواغ عن القصد.

ألا ترى - غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث - أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: سيد الشهداء وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه.

أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل حتى إذا فعل بواحدنا كما فعل بواحدهم قيل: الطيار في الجنة وذو الجناحين.

ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين فدع عنك من مالت به الرمية فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا لم يمنعنا قديم عزنا وعادى طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك.

وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب ومنا أسد الله ومنكم أسد الاحلاف ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب في كثير مما لنا وعليكم.

فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتكم مالا تدفع وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله [تعالى] * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * [75 /

الأنفال: 8] وقوله تعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) * [68 / آل عمران: 3] فنحن مرة أولى بالقرابة وتارة أولى بالطاعة.

ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.

وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك.

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقلت " إني كنت أقادكما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع " ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها.

ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه أم من استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أتى قدره عليه كلا والله " لقد علم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا " وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لا ذنب له.

وقد يستفيد الظنة المتنصح " وما أردت إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ".

اقتباس من الآية من سورة الأحزاب، وفيها: " قد يعلم الله المعوقين ". وما يأتي بعد سطرين اقتباس من الآية 88 / هود. (*)

وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف فلقد أضحكت بعد استعبار متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين وبالسيوف مخوفين.

فالبث قليلا يلحق الهيجا حمل فسيطلبك من تطلب ويقرب منك ما تستبعد وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان شديد زحامهم ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم قد صحبتهم ذرية بدرية وسيوف هاشمية قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك وما هي من الظالمين ببعيد.

بيان:

قال ابن أبي الحديد بعد إيراد هذا الكتاب: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد قلت أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي عليه السلام فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة وأورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذن غير صحيح وإن كان ذاك الجواب فهذا الجواب إذا غير صحيح ولا ثابت.

فقال لي: بل كلاهما ثابت مروي وكلاهما كلام أمير المؤمنين عليه السلام وألفاظه ثم أمرني أن أكتب ما يمليه علي فكتبته. قال رحمه الله:

كان معاوية يتسقط عليا عليه السلام ويبغي عليه ما عساه [أن] يذكره من حال أبي بكر وعمر وأنهما غصباه حقه ولا يزال يكيده بالكتاب يكتبه والرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر إما مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجة عليه عند أهل الشام ويضيفه إلى ما قدره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم فكان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان أو مالا على قتله وأنه قتل طلحة والزبير واسر عائشة وأراق دماء أهل البصرة

وبقيت خصلة واحدة وهو أن يثبت عندهم أنه يبرأ من أبي بكر وعمر وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة وأنهما وثبا عليها غلبة وغصباه إياها فكانت هذه تكون الطامة الكبرى وليست مقتصرة على إفساد أهل الشام عليه بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل الشاذ من خواص الشيعة.

فلما كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليا ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر وأنه أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر فكان الجواب مجمجما غير بين ليس فيه تصريح بالتظليم لهما ولا التصريح ببراءتهما وتارة يترحم عليهما وتارة يقول: أخذا حقي وقد تركته لهما.

فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأول ليستفزا فيه عليا عليه السلام ويستخفاه ويحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيح حاله وتهجين مذهبه وقال له عمرو: إن عليا عليه السلام رجل نزق تياه ما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر وعمر فاكتب [إليه ثانيا] فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي وهو من الصحابة بعد أن عزم على بعثه مع أبي الدرداء ونسخة الكتاب:

من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله لرسالته واختصه بوحيه وتأدية شريعته فأنقذ به من العماية وهدى به من الغواية ثم قبضه إليه رشيدا حميدا قد

بلغ الشرع ومحق الشرك وأخمد نار الإفك فأحسن الله جزاءه وضاعف عليه نعمه وآلاءه.

ثم إن الله سبحانه اختص محمدا صلى الله عليه وآله بأصحاب أيدوه وآزروه ونصروه وكانوا كما قال الله سبحانه لهم: * (أشداء على الكفار رحماء بينهم) * [29 / الفتح: 48] فكان أفضلهم مرتبة وأعلاهم عند الله والمسلمين منزلة الخليفة الأول الذي جمع الكلمة ولم الدعوة وقاتل أهل الردة ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ومصر الأمصار وأذل رقاب المشركين ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة وطبق الآفاق بالكلمة الحنيفية.

فلما استوثق الاسلام وضرب بجرانه عدوت عليه فبغيته الغوائل ونصبت له المكائد وضربت له بطن الامر وظهره ودسست عليه وأغريت به وقعدت حيث استنصرك عن نصرته وسألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته.

وما يوم المسلمين منك بواحد لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ورمت إفساد أمره وقعدت في بيتك عنه واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته.

ثم كرهت خلافة عمر وحسدته واستطلت مدته وسررت بقتله وأظهرت الشماتة بمصابه حتى أنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه.

ثم لم تكن أشد حسدا منك لابن عمك عثمان نشرت مقابحه وطويت محاسنه وطعنت في فقهه ثم في دينه ثم في سيرته ثم في عقله وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك حتى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد.

وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه وتلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش ثم نهضت الآن

تطلب الخلافة وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك والمحدقون بك وتلك من أماني النفوس وضلالات الأهواء.

فدع اللجاج والعنت جانبا وادفع إلينا قتلة عثمان وأعد الامر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا فلا بيعة لك في أعناقنا ولا طاعة لك علينا ولا عتبى لك عندنا وليس لك ولأصحابك عندي إلا السيف والذي لا إله إلا هو لأطلبن قتلة عثمان أين كانوا وحيث كانوا حتى أقتلهم أو تلحق روحي بالله.

فأما ما لا تزال تمت به من سابقتك وجهادك فإني وجدت الله سبحانه يقول: * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين) * [17 / الحجرات: 49]. ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة فالامتنان - على الله يبطل أجر الجهاد ويجعله " كصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ".

قال النقيب أبو جعفر: فلما وصل هذا الكتاب إلى علي عليه السلام مع أبي أمامة الباهلي كلم أبا أمامة بنحو مما كلم به أبا مسلم الخولاني وكتب معه هذا الجواب.

قال النقيب: وفي كتاب معاوية هذا ذكر لفظة الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم وليس في ذلك هذه اللفظة وإنما فيه " حسدت الخلفاء وبغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر وقولك

الهجر وتنفسك الصعداء وإبطاؤك عن الخلفاء " قال: وإنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين والمشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظة فيه والصحيح أنها في كتاب أبي إمامة ألا تراها عادت في الجواب؟ ولو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه.

انتهى كلام النقيب أبي جعفر أقول: إنما أوردت هذا الكتاب على كاتبه وممليه أشد العذاب ليتضح الجواب وليظهر لكل عاقل كفر هذا المنافق المرتاب.

قوله عليه السلام: " فلقد خبأ لنا الدهر " قال في النهاية: خبأت الشئ خبأ إذا أخفيته والخباء كل شئ غائب مستور. ولعل المعنى أن الدهر أخفى لنا من أحوالك شيئا عجبا لم نكن نظن ذلك حتى ظهر منك.

ويحتمل أن يكون على سبيل التجريد أي أنت أعجب الأشياء في الدهر كنت مخفيا فظهرت من قبيل لقيني منه أسد.

قال ابن ميثم: ووجه العجب أنه أخبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بحاله وما أنعم الله به عليه مع علمهم البالغ بحاله وكونهم أولى بالاخبار عنها وضرب له في ذلك مثلين وأصل المثل الأول أن رجلا قدم من هجر إلى البصرة بمال اشترى به شيئا للربح فلم يجد فيها أكسد من التمر فاشترى بماله تمرا وحمله إلى هجر وادخره في البيوت ينتظر به السعر فلم يزدد إلا رخصا حتى فسد جميعه وتلف ماله فضرب مثلا لمن يحمل الشئ إلى معدنه لينتفع به فيه وهجر معروفة بكثرة التمر حتى أنه ربما يبلغ سعر خمسين جلة بدينار ووزن الجلة مائة رطل فذلك خمسة آلاف رطل ولم يسمع ذلك في غيرها من البلاد.

والثاني أنه شبهه بداعي مسدده وأستاذه في الرمي إلى المراماة ومسدده أولى بأن يدعوه إلى ذلك.

قوله عليه السلام: " إن تم اعتزلك كله " أي تباعد عنك والمعنى ذكرت أمرا إن تم لم ينفعك وإن نقص لم يضرك بل لا تعلق له بك أصلا. والثلمة:

الخلل في الحائط وغيره. والسياسة: القيام على الشئ بما يصلحه وليس في هذا الكلام شهادة منه عليه السلام على فضل الخلفاء لما عرفت من المصلحة في هذا الاجمال.

وقال في النهاية: أصل الحنين: ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها ومنه كتاب علي عليه السلام إلى معاوية " [وأما قولك كيت وكيت فقد] حن قدح ليس منها " هو مثل يضرب لرجل ينتمي إلى نسب ليس منه أو يدعي ما ليس منه في شئ. والقدح بالكسر: أحد سهام الميسر فإذا كان من غير جوهر أخواته ثم حركها المفيض بها خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به.

قال الزمخشري في المستقصي: القداح: التي يضرب بها تكون من نبع فربما ضاع منها قدح فنحيت على مثاله من غرب أو غيره آخر بالعجلة فإذا احتك معها صوت صوتا لا يشابه أصواتها. فيقال ذلك ثم ضربه عمر لعقبة بن أبي معيط حين أمر النبي صلى الله عليه وآله بضرب عنقه يوم بدر فقال: " اقتل من بين قريش " أراد عمر أنك لست من قريش.

وقيل في بني الحنان وهم بطن من " بلحرث " أن جدهم ألقى قدحا في قداح قوم يضربون بالميسر وكان يضرب لهم رجل أعمى فلما وقع قدحه في يده قال: حن قدح ليس منها فلقب الحنان لذلك يضرب لمنتحل نسبا أو فضلا انتهى.

قوله عليه السلام " يحكم فيها " أي في هذه القصة أو القضية من كان الحكم لها عليه لا له.

ويجوز إرجاع الضمير إلى الطبقات.

وقال ابن ميثم: يضرب لمن يحكم على قوم وفيهم وهو من أراد لهم وليس للحكم بأهل بل هم أولى منه به.

وقال الجوهري يقال: إربع على نفسك وإربع على ظلعك أي ارفق بنفسك وكف يقال: ظلعت الأرض بأهلها أي ضاقت بهم من كثرتهم ويقال:

ارق على ظلعك أي أربع على نفسك ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق.

وقال في النهاية فيه: " إنه لا يربع على ظلعك " الظلع بالسكون: العرج والمعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك. وربع في المكان: إذا أقام به.

وفي الصحاح: أصل الذراع هو بسط اليد ويقال: ضقت بالامر ذرعا إذا لم تطقه ولم تقو عليه.

وقال ابن ميثم [قوله عليه السلام] " حيث أخره القدر " إشارة إلى مرتبته النازلة التي جرى القدر بها أن تكون نازلة عن مراتب السابقين وقد أمره بالتأخر فيها والوقوف عندها.

قوله عليه السلام " في التيه " أي في الضلال والتحير أو في التكبر.

قال في النهاية تاه يتيه تيها إذا تحير وضل وإذا تكبر. والرواغ: الميال.

والقصد: المعتدل الذي لا يميل إلى طرفي الافراط والتفريط.

قوله عليه السلام " غير مخبر " أي أتكلم بكلامي هذا لا لاخباري إياك بل للتحدث بنعمته سبحانه إما لان معاوية غير قابل للخطاب والاخبار بهذا الكلام والمقام مقام تحقيره أو لأنه كان عالما به أو لأنه يتراءى من مثل هذا الكلام وإخبار الخصم به المفاخرة بذكر تلك الفضائل فدفع ذلك التوهم بقول: " لكن بنعمة الله أحدث " وما بعد لكن بهذا الاحتمال أنسب وإن كان قوله عليه السلام: " لك " بالأول الصق.

قوله عليه السلام: " قيل سيد الشهداء " قال ابن أبي الحديد: أي في حياة النبي صلى الله عليه وآله لان عليا عليه السلام مات شهيدا ولا خلاف في أنه أفضل من حمزة وجعفر وغيرهما بل هو سيد المسلمين.

قوله " بسبعين تكبيرة " قال ابن ميثم أي في أربع عشرة صلاة وذلك أنه كلما كبر عليه خمسا حضرت جماعة أخرى من الملائكة فصلى بهم عليه أيضا وذلك من خصائص حمزة رضي الله عنه.

قوله عليه السلام: " لذكر ذاكر " يعني نفسه وإنما نكره ولم يأت بالألف واللام ولم ينسبه إلى نفسه لئلا يصرح بتزكية نفسه. واستعار لفظ " المج " لكراهية النفس لبعض ما يكرر سماعه وإعراضها عنه فإنها تصير كالقاذف له من الاذن كما يقذف الماج الماء من فيه. كذا قيل. والظاهر أنه كناية عن أنها لوضوحها لا يمكن لاحد إنكارها فغير المؤمنين وإن ثقل عليهم سماعها فلا يمكنهم إنكارها.

قوله عليه السلام " فدع عنك " الخ الرمية: الصيد يرمى يقال: بئس الرمية الأرنب أي بئس الشئ مما يرمي الأرنب والمعنى دع ذكر من مال إلى الدنيا وأمالته إليها وأمالته عن الطريق المستقيم فإن شأن الصيد الخروج عن الطريق وهي إشارة إلى الخلفاء والكلام في بيان التفاضل سابقا ولاحقا.

وقال ابن أبي الحديد: " هذه إشارة إلى عثمان لا إلى أبي بكر وعمر " وهذا مما لا يسمن ولا يغني من جوع مع أن المذكور في كتاب معاوية لم يكن عثمان وحده كما عرفت.

وقال ابن ميثم رحمه الله: أي فدع عنك أصحاب الأغراض الفاسدة ولا تلتفت إلى ما يقولون في حقنا كعمرو بن العاص ويحتمل أن يكون الإشارة إلى نفسه على طريقة قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.

واستعار لفظ " الرمية " وكنى بها عن الأمور التي تقصدها النفوس وترميها بقصودها انتهى.

ولا يخفى بعده وأبعد منه ما ذكره الكيدري حيث قال: أراد أنه مطعون في نسبه وحسبه وأنه أزاله عن مقام التفاخر والتنافر مطاعن شهرت فيه انتهى.

وكأنه حمل الرمية على السهام المرمية.

قوله عليه السلام " فإنا صنائع ربنا " هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول ولنتكلم على ما يمكننا إظهاره والخوض فيه فنقول:

صنيعة الملك من يصطنعه ويرفع قدره ومنه قوله تعالى: * (واصطنعتك لنفسي) * أي اخترتك وأخذتك صنيعتي لتنصرف عن إرادتي ومحبتي فالمعنى أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى أنعم علينا فليس بيننا وبينه واسطة والناس بأسرهم صنائعنا فنحن الوسائط بينهم وبين الله سبحانه.

ويحتمل أن يريد بالناس بعض الناس أي المختار من الناس نصطنعه ونرفع قدره.

وقال ابن أبي الحديد: هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت وباطنه أنهم عبيد الله والناس عبيدهم.

وقال ابن ميثم: لفظ الصنائع في الموضعين مجاز من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل والحال على المحل يقال: فلان صنيعة فلان إذا اختصه لموضع نعمته، والنعمة الجزيلة التي اختصهم الله بها هي نعمة الرسالة وما يستلزمه من الشرف والفضل حتى كأن الناس عيالاتهم فيها.

قوله عليه السلام: " وعادي طولنا " قال الجوهري: " عاد " قبيلة وهم قوم هود عليه السلام وشئ عادي أي قديم كأنه منسوب إلى عاد.

وقال ابن أبي الحديد: الطول: الفضل. وقال: الافعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدة تكون عادية بكثرة المناقب والماثر والمفاخر وإن كانت المدة قصيرة ولا يراد بالقديم قديم الزمان بل من قولهم لفلان قديم أثر أي سابقة حسنة. وإنما جعلنا اللفظ مجازا لان بني هاشم وبني أمية لم يفترقا في الشرف إلا منذ نشأ هاشم بن عبد مناف ثم لم تكن المدة بين نشأ هاشم وإظهار محمد صلى الله عليه وآله الدعوة إلا نحو تسعين سنة انتهى.

وأقول: قد ظهر لك مما سبق أن بني أمية لم يكن لهم نسب صحيح ليشاركوا في الحسب آباءه مع أن قديم عزهم لم ينحصر في النسب بل أنوارهم عليهم السلام أول المخلوقات ومن بدء خلق أنوارهم إلى خلق أجسادهم وظهور آثارهم كانوا معروفين بالعز والشرف والكمالات في الأرضين والسماوات يخبر بفضلهم كل سلف خلفا ورفع الله ذكرهم في كل أمة عزا وشرفا.

وقوله عليه السلام: " فعل الأكفاء " منصوب على المصدر بفعل مقدر " المكذب " أبو سفيان وقيل أبو جهل. " وأسد الله " حمزة رضي الله عنه وأرضاه " وأسد الاحلاف " هو أسد بن عبد العزى وقال في القاموس: الحلف بالكسر العهد بين القوم. والصداقة. والصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به والجمع: أحلاف. والاحلاف في قول زهير: أسد وغطفان لأنهم تحالفوا على

التناصر. والاحلاف قوم من ثقيف وفي قريش ست قبائل عبد الدار وكعب وجمح وسهم ومخزوم وعدي لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والسقاية وأبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملؤة طيبا فوضعتها لأحلافهم وهم أسد وزهرة وتيم عند الكعبة فغمسوا أيديهم فيها وتعاهدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفا آخر مؤكدا فسموا الاحلاف انتهى ونحوه قال في النهاية إلا أنه قال بعد قوله : " فغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا " فسموا المطيبين.

" وصبية النار " إشارة إلى الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وآله لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبرا يوم بدر وقال: كالمستعطف له صلى الله عليه وآله: من للصبية يا محمد؟ قال: النار.

و " حمالة الحطب " هي أم جميل بنت حرب بن أمية امرأة أبي لهب.

وقوله عليه السلام: " في كثير " متعلق بمحذوف أي هذا الذي ذكرنا داخل في كثير مما يتضمن ما ينفعنا ويضركم.

قوله عليه السلام: " وجاهليتنا " أي شرفنا وفضلنا في الجاهلية لا يدفعه أحد. وفي بعض النسخ: " وجاهليتكم " ولعله أظهر.

ووجه الاستدلال بالآية الأولى ظاهر لأنه عليه السلام كان أولى الأرحام برسول الله صلى الله عليه وآله وأقربهم إليه وكذا الثانية لأنه كان أقرب الخلق إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وأول من آمن به وصدقه.

وقال الجوهري: الفلج: الظفر والفوز وقد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجا والاسم الفلج بالضم.

قوله عليه السلام: " وتلك شكاة " قال الجوهري: يقال هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل قال الشاعر:

وعيرها الواشون أني أحبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

وقال: شكوت فلانا شكاة إذا أخبرت بسوء فعله.

وقال ابن ميثم: البيت لأبي ذويب وهو مثل يضرب لمن ينكر أمرا ليس منه في شئ ولا يلزمه دفعه.

والخشاش بالكسر الذي يدخل في عظم أنف البعير وخششت البعير إذا جعلت في أنفه الخشاش. والغضاضة بالفتح: المذلة والمنقصة.

قوله عليه السلام: " وهذه حجتي إلى غيرك " لعل المعنى لست أنت المقصود بها لحقارتك كقوله عليه السلام " غير مخبر لك " أو لعلمي بأنك لا تقبل حججي ولا تؤمن بها أو لأنك عالم بها ولا فائدة في إخبار العالم بل قصدي بذكرها إلى غيرك من السامعين لعله يؤمن بها من أنكرها ويطمئن بها قلب من آمن بها.

وقال ابن ميثم: أي لست أنت المقصود بها إذ لست من هذا الامر في شئ بل القصد منها غيرك أي الذين ظلموا وإنما ذكرت منها بقدر ما دعت الحاجة إليه وسنح لي أن أذكره في جوابك.

قوله عليه السلام: " فلك أن تجاب " أي هذه ليست مثل السابقة التي لم يكن لك السؤال فيها لأنك من بني أمية وبينك وبينه رحم.

وقوله عليه السلام " فأينا " ابتداء تقرير الجواب.

" والأعدى " من العداوة أو من العدوان والأول أصوب " وأهدى إلى مقاتله " أي لوجوه قتله ومواضعه من الآراء والحيل " أم من بذل " أراد به نفسه المقدسة فإنه لما اشتد الحاصر على عثمان بعث عليه السلام إليه وعرض عليه نصرته فقال عثمان: لا أحتاج إلى نصرتك ولكن اقعد وكف شرك وذلك لان عثمان كان متهما له عليه السلام بالدخول في أمره وأراد عليه السلام بقوله " من استنصره " معاوية وذلك أنه بعث عثمان حال حصاره إلى الشام مستصرخا بمعاوية فلم يزل يتراخى عنه ويؤخر الخروج إلى أن قتل لطمعه في الامر. وذكر " القدر " ونسبة القتل إليه هاهنا مناسب لتبريه من دمه. والبث:

النشر. والمنون: الدهر والمنية أي نشر إليه نوائب الدهر وأسباب المنية وقوله عليه السلام: " والله لقد علم الله " اقتباس من قوله تعالى: * (قد يعلم الله المعوقين منكم) * قال الطبرسي رحمه الله هم الذين [كانوا] يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله والتعويق: التثبيط " والقائلين لإخوانهم " يعني اليهود قالوا لإخوانهم المنافقين " هلم إلينا " أي تعالوا وأقبلوا إلينا ودعوا محمدا صلى الله عليه وآله. وقيل: القائلون هم المنافقون قالوا لإخوانهم من ضعفة المسلمين: لا تحاربوا وخلوا محمدا صلى الله عليه وآله فإنا نخاف عليكم الهلاك. " ولا يأتون البأس " أي لا يحضرون القتال. والبأس: الحرب وأصله الشدة " إلا قليلا " إلا كارهين يكون قلوبهم مع المشركين.

ولعل الغرض من الاقتباس أنه سبحانه عاب المعوقين والقائلين فالمتراخي مقصر على تقدير وجوب الحضور كما زعمته.

ويحتمل أن يكون غرضه واقعا تعويقه عن نصره عليه السلام وإن أوهم ظاهره نصر عثمان.

وقال الجوهري: نقمت على الرجل أنقم بالكسر إذا عتبت عليه.

وقال ابن ميثم في قوله عليه السلام " فرب ملوم لا ذنب له " وأنا ذلك الملوم وهو مثل لاكثم بن صيفي يضرب لمن قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون حجته وعذره فيه وقوله: " وقد يستفيد " الخ يضرب مثلا لمن يبالغ في النصيحة حتى يتهم أنه غاش وصدر البيت:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.