بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۳، ص ۵۳۰–۵۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۱۷
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
[الباب الثلاثون] باب الفتن الحادثة بمصر وشهادة محمد بن أبي بكر ومالك الأشتر رضي الله عنهما وبعض فضائلهما وأحوالهما وعهود أمير المؤمنين عليه السلام إليهما 720 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات ووافق ما رأيته في أصل كتابه روى بإسناده عن الكلبي أن محمد بن حذيفة هو الذي حرض المصريين على قتل عثمان وندبهم إليه وكان
حينئذ بمصر فلما ساروا إلى عثمان وحصروه وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح فطرده عنها وصلى بالناس فخرج ابن أبي سرح من مصر وقال به صر إلى مصر ونزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين وانتظر ما يكون من أمر عثمان فلما وصل إليه خبر قتله لحق بمعاوية.
وولى علي عليه السلام قيس بن سعد بن عبادة مصر وقال له: ضر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى ظاهر المدينة واجمع ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ولك جند فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن وشد على المريب وارفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن.
فقال قيس: رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت فأما لجند فإني أدعه لك فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا لك عدة ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك.
قال: فخرج قيس في سبعة نفر من أهل بيته حتى دخل مصر فصعد المنبر وأمر بكتاب معه يقرأ على الناس فيه:
من عبد الله علي أمير المؤمنين عليه السلام إلى من بلغه كتابي من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو.
أما بعد فإن الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره اختار الاسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله وبعث به أنبياءه إلى عباده فكان مما أكرم الله هذه الأمة وخصهم به من الفضل أن بعث محمدا صلى الله عليه وآله إليهم فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأدبهم لكيما يهتدوا وجمعهم لكيما لا يتفرقوا وزكاهم لكيما يتطهروا فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه.
ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين أحييا السيرة ولم يعدوا السنة ثم توفيا فولي بعدهما. من أحدث أحداثا فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا ثم نقموا عليه فغيروا ثم جاؤني فبايعوني وأنا أستهدي الله للهدى وأستعينه على التقوى.
ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله والقيام بحقه والنصح لكم بالغيب والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد بعثت لكم قيس بن سعد الأنصاري أميرا فوازروه وأعينوه على الحق وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم وهو ممن أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصحه نسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا وثوابا جزيلا ورحمة واسعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين.
فلما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال:
الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا صلى الله عليه وآله فقوموا وبايعوا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فإن نحن لم نعمل فيكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فلا بيعة لنا عليكم.
فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عما له إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث فبعث إلى قيس: إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.
ووثب مسلمة بن مخلد الأنصاري به فنعى ودعا إلى الطلب بدم عثمان فأرسل إليه قيس ويحك أعلي تثب والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإني قتلتك فاحقن دمك فأرسل إليه مسلمة أني كاف عنك ما دمت أنت والي
مصر.
وكان قيس ذا رأي وجزم فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكرهكم على البيعة ولكني أدعكم وأكف عنكم فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد وجبى الخراج وليس أحد ينازعه.
قال إبراهيم: وخرج علي عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر ورجع إلى الكوفة من البصرة وهو بمكانه وكان أثقل خلق الله على معاوية لقرب مصر وأعمالها من الشام فكتب معاوية إلى قيس وعلي عليه السلام يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين: من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد [فإنكم] إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط رأيتموه ضربها أو في شتمه أو تمييزه أحدا أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل لكم بذلك فقد ركبتم عظيما من الامر وجئتم شيئا إدا فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغني شيئا وأما صاحبك فقد استيقنا أنه أغرى الناس به وحملهم على قتله حتى قتلوه وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل وبايعنا على علي في أمرنا هذا ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان وسلني من غير هذا تجب مما تحب فإنك لا تسألني من شئ إلا أوتيته واكتب إلي برأيك فيما كتبت إليك والسلام.
فكتب إليه [قيس] أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت الذي ذكرت من أمر عثمان وذلك أمر لم أقاربه وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه وهذا أمر لم أطلع عليه وذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري أن أولى الناس كان في أمره عشيرتي.
وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه وما عرضته علي فقد فهمته
وهذا أمر لي فيه نظر وفكر وليس هذا مما يعجل إلى مثله وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شئ تكرهه حتى ترى ونرى إنشاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا ولم يأمن أن يكون مخادعا مكائدا فكتب إليه أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ولم أرك تتباعد فأعدك حربا أراك كخيل الحرون وليس مثلي من يصانع بالخدائع ولا يخدع بالمكائد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك وإن أنت لم تفعل ملأت مصر عليك خيلا ورجالا والسلام.
فلما قرأ قيس كتابه وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة أظهر له ما في نفسه.
فكتب إليه من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - الخروج من طاعة أولى الناس بالامر وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسيلة وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الامر وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا واتاءهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسيلة ولديك قوم ضالون مضلون طواغيت من طواغيت إبليس.
وأما قولك: إنك تملأ علي مصر خيلا ورجالا فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك ذو جد والسلام.
فلما أتى معاوية كتاب قيس آيس منه وثقل مكانه عليه وكان أن يكون مكانه غيره أعجب إليه لما يعلم من قوته وبأسه ونجدته فاشتد أمره على معاوية فأظهر للناس أن قيسا قد بايعكم فادعوا الله له وقرأ عليهم كتابه الذي لان
فيه وقاربه واختلق كتابا نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام.
فشاع في الشام كلها أن قيسا صالح معاوية وأتت عيون علي عليه السلام إليه بذلك فأعظمه وأكبره وتعجب له ودعا ابنيه حسنا وحسينا وابنه محمدا وعبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك وقال ما رأيكم فقال: عبد الله بن جعفر:
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيسا من مصر. قال علي عليه السلام:
والله إني غير مصدق بهذا على قيس فقال عبد الله: اعزله يا أمير المؤمنين فإن كان حقا ما قد قيل لا يعتزلك إن عزلته.
قال: فإنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد [وفيه]:
أما بعد فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أكرمك الله وأعزك أن قبلي رجالا معتزلين سألوني أن أكف عنهم وأدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس وترى ويرون وقد رأيت أن أكف عنهم ولا أعجل بحربهم وأن أتألفهم فيما بين ذلك لعل الله أن يقبل بقلوبهم ويفرقهم عن ضلالتهم إنشاء الله والسلام فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين إنك إن أطعته في تركهم واعتزالهم استسرى الامر وتفاقمت الفتنة وقعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها ولكن مره بقتالهم فكتب إليه:
أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجزهم والسلام.
فلما أتى هذا الكتاب قيسا فقرأه لم يتمالك أن كتب إليه:
أما بعد، يا أمير المؤمنين فالعجب لك تأمرني بقتال قوم كافين عنك لم يمدوا يدا للفتنة ولا أرصدوا لها فأطعني يا أمير المؤمنين وكف عنهم فإن الرأي تركهم والسلام.
فلما أتاه الكتاب قال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر واعزل قيسا فبلغني والله أن قيسا يقول: إن سلطانا لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء والله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر وأني قتلت ابن مخلد.
وكان عبد الله أخا محمد لامه وكان يحب أن يكون له إمرة وسلطان.
فاستعمل علي عليه السلام محمد بن أبي بكر على مصر لمحبته له ولهوى عبد الله بن جعفر أخيه فيه وكتب معه كتابا إلى أهل مصر.
فسار حتى قدمها فقال له قيس: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام ما غيره فغضب وخرج عنها مقبلا إلى المدينة ولم يمض إلى علي عليه السلام بالكوفة.
فلما قدم المدينة جاءه حسان بن ثابت شامتا به وكان عثمانيا فقال له:
نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الاثم ولم يحسن لك الشكر فزجره قيس وقال: يا أعمى القلب يا أعمى البصر والله لولا أن ألقى بيني وبين رهطك حربا لضربت عنقك ثم أخرجه من عنده ثم إن قيسا وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي عليه السلام الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر فصدقه وشهد مع علي عليه السلام بصفين هو وسهل بن حنيف وكان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة وكان سناطا أصلع شجاعا مجربا مناصحا لعلي عليه السلام ولولده ولم يزل على ذلك إلى أن مات.
أقول: هذه الأخبار مختصر مما وجدته في كتاب الغارات وقال فيه:
[و] كان قيس عاملا لعلي عليه السلام على مصر فجعل معاوية يقول: لا تسبوا قيسا فإنه معنا فبلغ ذلك عليا فعزله وأتى المدينة فجعل الناس يغرونه ويقولون له: نصحت فعزلك.
فلحق بعلي عليه السلام.
وبايعه إثنا عشر ألفا على الموت [بعدما] أصيب علي عليه السلام وصالح الحسن معاوية فقال لهم قيس إن شئتم دخلتم فيما دخل فيه الناس فبايعه من معه إلا خثيمة الضبي.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان قيس بن سعد بن عبادة مع علي بن أبي طالب عليه السلام على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم.
أقول: وجدت في بعض الكتب أن عزل قيس عن مصر مما غلب أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه واضطروه إلى ذلك ولم يكن هذا رأيه كالتحكيم ولعله أظهر وأصوب.
ثم قال إبراهيم: وكان عهد علي عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر:
هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى الله في السر والعلانية وخوف الله تعالى في المغيب والمشهد.
وأمره باللين على المسلم والغلظة على الفاجر وبالعدل على أهل الذمة وبالانصاف للمظلوم وبالشدة على الظالم وبالعفو عن الناس وبالاحسان ما استطاع والله يجزي المحسنين ويعذب المجرمين.
وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة فإن لهم في ذلك من العافية وعظم المثوبة ما لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل لا ينتقص ولا يبتدع ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل وإن لم تكن لهم حاجة.
وأمره أن يلين لهم جناحه وأن يواسي بينهم في مجلسه ووجهه ليكون القريب والبعيد عنده في الحق سواء وأمره أن يحكم بين الناس بالحق وأن يقوم بالقسط وأن لا يتبع الهوى وأن لا يخاف في الله لومة لائم فإن الله مع من
اتقاه وآثر طاعته وأمره على من سواه.
وكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله بغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين.
أقول: روى [الحسن بن علي بن شعبة] في تحف العقول هذا العهد نحوا مما ذكر.
ثم قال إبراهيم: ثم قام محمد بن أبي بكر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فالحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق وبصرنا وإياكم كثيرا مما عمي عنه الجاهلون ألا وإن أمير المؤمنين ولاني أموركم وعهد إلي بما سمعتم وأوصاني بكثير منه مشافهة ولن آلوكم جهدا ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فإن يكن ما ترون من آثاري وأعمالي طاعة لله وتقوى فاحمدوا الله على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي إليه وإن رأيتم من ذلك عملا بغير الحق فارفعوه إلي وعاتبوني عليه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك مأجورون وفقنا الله وإياكم لصالح العمل.
قال: وكتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو إذ ذاك بمصر عاملها يسأله جوامع من الحلال والحرام والسنن والمواعظ فكتب إليه:
لعبد الله أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن رأى أمير المؤمنين - أرانا الله وجماعة المسلمين فيه أفضل سرورنا وأملنا فيه - أن يكتب لنا كتابا فيه فرائض وأشياء مما يبتلى به مثلي من القضاء بين الناس فعل فإن الله يعظم لأمير المؤمنين الاجر ويحسن له الذخر.
فكتب إليه علي عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر سلام عليكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد فقد وصل إلي كتابك فقرأته وفهمت ما سألتني عنه فأعجبني اهتمامك بما لابد منه وما لا يصلح المؤمنين غيره، وظننت أن الذي دعاك إليه نية صالحة ورأي غير مدخول ولا خسيس وقد بعثت إليك أبواب الأقضية جامعا لك ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل وكتب إليه بما سأله عنه من القضاء وذكر الموت والحساب وصفة الجنة والنار وكتب في الإمامة وكتب في الوضوء وكتب إليه في مواقيت الصلاة وكتب إليه في الركوع والسجود وكتب إليه في الأدب وكتب إليه في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتب إليه في الاعتكاف وكتب إليه في الزنادقة وكتب إليه في نصراني فجر بمسلمة وكتب إليه في أشياء كثيرة لم نحفظ منها غير هذه الخصال وحدثنا ببعض ما كتب إليه.
قال إبراهيم وحدثني يحيى بن صالح عن مالك بن خالد الأسدي عن الحسن بن إبراهيم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن عن عباية قال: كتب علي صلوات الله عليه إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم كتابا يخاطبهم به ويخاطب محمدا أيضا فيه أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله في سر أمركم وعلانيته وعلى أي حال كنتم عليها وليعلم المرء منكم أن الدنيا دار بلاء وفناء والآخرة دار جزاء وبقاء فمن استطاع أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى فليفعل فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى رزقنا الله وإياكم تبصرا [بصرا] لما بصرنا وفهما لما فهمنا حتى لا نقصر فيما أمرنا ولا نتعدى إلى ما نهانا.
واعلم يا محمد أنك وإن كنت محتاجا إلى نصيبك من الدنيا إلا أنك إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن عرض لك أمران أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة ولتعظم رغبتك في الخير ولتحسن فيه نيتك فإن الله عز وجل يعطي العبد على قدر نيته وإذا أحب الخير وأهله ولم يعمله كان إنشاء
الله كمن عمله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حين رجع من تبوك " إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا هبطتم من واد إلا كانوا معكم ما حبسهم إلا المرض " يقول: كانت لهم نية.
ثم اعلم يا محمد أني وليتك أعظم أجنادي أهل مصر وإذ وليتك ما وليتك من أمر الناس فإنك محقوق أن تخاف فيه على نفسك وتحذر فيه على دينك ولو كان ساعة من نهار، فإن استطعت أن لا تسخط ربك لرضا أحد من خلقه فافعل فإن في الله خلفا من غيره وليس في شئ غيره خلف منه، فاشتد على الظالم ولن لأهل الخير وقربهم إليك واجعلهم بطانتك وإخوانك والسلام.
وبهذا الاسناد قال: كتب علي صلوات الله عليه إلى محمد وأهل مصر:
أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسؤولون فأنتم به رهن وأنتم إليه صائرون فإن الله عز وجل يقول: * (كل نفس بما كسبت رهينة) * [38 / المدثر:] وقال: * (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) * وقال:
* (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) * [92 - 93 / الحجر].
فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير فإن يعذب فنحن الظالمون وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين.
واعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حين ما يعمل بطاعة الله ومناصحته في التوبة فعليكم بتقوى الله عز وجل فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها خير الدنيا وخير الآخرة يقول الله سبحانه: * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) * [30 / النحل: 16] واعلموا عباد الله أن المؤمن يعمل لثلاث:
إما لخير الدنيا فإن الله يثيبه بعمله في الدنيا قال الله: * (وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) * [27 / العنكبوت] فمن عمل لله تعالى
أعطاه أجره في الدنيا والآخرة وكفاه المهم فيهما وقد قال الله تعالى: * (يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعه إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) * [10 / الزمر: 39] فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة قال الله تعالى: * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) * [26 / يونس: 10] فالحسنى الجنة والزيادة الدنيا.
وإما لخير الآخرة فإن الله يكفر عنه بكل حسنة سيئة يقول: * (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) * [114 / هود: 11] حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم وأعطوا بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فهو الذي يقول: * (جزاء من ربك عطاء حسابا) * [36 / النبأ: 78] ويقول عز وجل: * (أولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) * [37 / السبأ: 34] فارغبوا فيه واعملوا به وتحاضوا عليه.
واعلموا عباد الله أن المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير وآجله شركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم يقول الله عز وجل: * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) * [32 / الأعراف: 7] سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون وشربوا من أفضل ما يشربون ولبسوا من أفضل ما يلبسون وسكنوا بأفضل ما يسكنون وتزوجوا بأفضل ما يتزوجون وركبوا من أفضل ما يركبون أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا [وتيقنوا] أنهم غدا من جيران الله عز وجل ويتمنون عليه ما يرد لهم دعوة ولا ينقص لهم لذة أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واعلموا عباد الله أنكم إن اتقيتم ربكم وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وأخذتم بأفضل الصبر وجاهدتم بأفضل الجهاد وإن كان غيركم أطول صلاة
منكم وأكثر صياما إذا كنتم أتقى لله وأنصح لأولياء الله من آل محمد صلى الله عليه وآله وأخشع.
واحذروا عباد الله الموت ونزوله وخذوا له عدته فإنه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها.
وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير إلى الجنة أم إلى النار أعدو هو لله أم ولي له، فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة وشرع له طريقها ونظر إلى ما أعد الله عز وجل لأوليائه فيها [و] فرغ من كل شغل ووضع عنه كل ثقل.
وإن كان عدوا لله فتحت له أبواب النار وسهل له طريقها ونظر إلى ما أعد الله فيها لأهلها واستقبل كل مكروه وفارق كل سرور قال تعالى: * (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين " [28 - 29 / النحل 16].
واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت فاحذروه [قبل وقوعه] وأعدوا له عدته فإنكم طرداء الموت إن أقمتم أخذكم وإن هربتم أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات فإنه كفى بالموت واعظا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات.
واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت لمن لا يغفر الله له ويرحمه واحذروا القبر وضمته وضيقه وظلمته فإنه الذي يتكلم كل يوم يقول:
أنا بيت التراب وأنا بيت الغربة وأنا بيت الدود. والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
إن المسلم إذا مات قالت له الأرض: مرحبا وأهلا قد كنت ممن أحب أن
تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فيتسع له مد بصره.
وإذ دفن الكافر قالت له الأرض لا مرحبا ولا أهلا قد كنت ممن أبغض أن تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه.
واعلموا أن المعيشة الضنك التي قال الله سبحانه * (فإن له معيشة ضنكا) * [124 / طه] هي عذاب القبر وأنه يسلط على الكافر في قبره حياة تسعة وتسعين تنينا عظام تنهش لحمه حتى يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الأرض ما أنبتت الزرع ريعها أبدا.
واعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم عما لا طاقة لكم به ولا صبر عليه فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره فافعلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واعلموا عباد الله أن ما بعد القبر أشد من القبر يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ويسقط فيه الجنين وتذهل كل مرضعة عما أرضعت.
واحذروا يوما عبوسا قمطريرا كان شره مستطيرا أما إن شر ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب والسبع الشداد والجبال الأوتاد والأرضون المهاد وانشقت السماء فهي يومئذ واهية وتتغير فكانت وردة كالدهان وتكون الجبال سرابا مهيلا بعد ما كانت صما صلابا يقول الله سبحانه: * (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) * [68 / الزمر: 39] فكيف من يعصيه بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر الله ويرحم.
واعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى على من لم يغفر الله له من ذلك اليوم نار فعرها بعيد وحرها شديد وعذابها جديد ومقامعها حديد وشرابها صديد لا يفتر عذابها ولا يموت ساكنها دار ليست لله سبحانه فيها
رحمة ولا يسمع فيها دعوة.
واعلموا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي وسعت كل شئ لا تعجز عن العباد جنة عرضها كعرض السماوات والأرض خير لا يكون بعده شر أبدا وشهوة لا تنفد أبدا ولذة لا تفنى أبدا ومجمع لا يتفرق أبدا قوم قد جاوروا الرحمان وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان.
فقال رجل: يا رسول الله إني أحب الخيل [فهل] في الجنة خيل؟ قال:
نعم والذي نفسي بيده إن فيها خيلا من ياقوت أحمر عليها يركبون فتدف بهم خلال ورق الجنة [ف] قال رجل: يا رسول الله إني يعجبني الصوت الحسن أفي الجنة الصوت الحسن؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن الله ليأمر لمن أحب ذلك منهم بشجر يسمعه صوتا بالتسبيح ما سمعت الآذان بأحسن منه قط [ف] قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أحب الإبل أفي الجنة إبل؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إن فيها نجائب من ياقوت أحمر عليها رحال الذهب قد الحفت بنمارق الديباج يركبون فتزف بهم خلال ورق الجنة وإن فيها صور رجال ونساء يركبون مراكب أهل الجنة فإذا أعجب أحدهم الصورة قال: اجعل صورتي مثل هذه الصورة فيجعل صورته عليها وإذا أعجبته صورة المرأة قال: رب اجعل صورة فلانة زوجته مثل هذه الصورة فيرجع وقد صارت صورة زوجته على ما اشتهى وإن أهل الجنة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر من نور والذين يلونهم على منابر من ياقوت والذين يلونهم على منابر من زبرجد والذين يلونهم على منابر من مسك فبينا هم كذلك ينظرون إلى نور الله جل جلاله
وينظر الله في وجوههم إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة مالا يعلمه إلا الله سبحانه ومع هذا ما هو أفضل منه رضوان الله الأكبر.
أما إنا لو لم نخوف إلا ببعض ما خوفنا به لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة لنا به ولا صبر لقوتنا عليه وأن يشتد شوقنا إلى ما لا غناء لنا عنه ولا بد لنا منه.
وإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم ويحسن به ظنكم فافعلوه فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه وإن أحسن الناس لله طاعة أشدهم له خوفا.
وانظر يا محمد صلاتك كيف تصليها فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها وأن تخففها وأن نصليها لوقتها فإنه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئا.
واعلم أن كل شئ من عملك يتبع صلاتك فمن صيع الصلاة فهو لغيرها أشد تضييعا ووضؤك من تمام الصلاة فأت بها على وجهه فإن الوضوء نصف الايمان وانظر صلاة الظهر فصلها لوقتها لا تعجل بها عن الوقت لفراغ ولا تؤخرها عن الوقت لشغل فإن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن وقت الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وآله أتاني جبرئيل فأراني وقت الصلاة فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم صلى العصر وهي بيضاء نقية ثم صلى المغرب حين غابت الشمس ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الصبح فأغلس بها والنجوم مشتبكة كان النبي صلى الله عليه وآله كذا يصلي قبلك فإن استطعت - ولا قوة إلا بالله - أن تلتزم السنة المعروفة وتسلك الطريق الواضح الذي أخذه ولعلك تقدم عليهم غدا.
ثم انظر ركوعك وسجودك فإن النبي صلى الله عليه وآله كان أتم الناس صلاة وأحفظهم لها وكان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات وإذا رفع صلبه قال: سمع الله لمن حمده اللهم لك الحمد ملء سماواتك وملا أرضك وملء ما شئت من شئ فإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات.
أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الاعلى أن يجعلنا وإياك ممن يحبه الله ويرضاه حتى يبعثنا على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه وعلى كل شئ اختاره لنا في دنيانا وديننا وأولانا وأخرانا وأن يجعلنا من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فإن استطعتم يا أهل مصر ولا قوة إلا بالله أن تصدق أقوالكم أفعالكم وأن يتوافق سركم وعلانيتكم ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا عصمنا الله وإياكم بالهدى وسلك بنا وبكم المحجة العظمى.
وإياكم دعوة الكذاب ابن هند وتأملوا واعلموا أنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى ووصي النبي عليه السلام وعدو النبي جعلنا الله وإياكم ممن يحب ويرضى، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون.
[وقد] قال النبي صلى الله عليه وآله من سرته وساءته حسناته سيئاته فذلك المؤمن حقا وقد كان يقول خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت ولا فقه في سنة.
واعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع في دين الله والعمل بطاعته أعاننا
الله وإياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته فعليك بالتقوى في سر أمرك وعلانيته وعلى أي حال كنت عليها جعلنا الله وإياك من المتقين.
أوصيك بسبع هن جوامع الاسلام اخش الله ولا تخش الناس في الله وخير القول ما صدقه العمل ولا تقض في أمر واحد بقضائين مختلفين فيتناقض أمرك ويزيغ عن الحق وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك والزم الحجة عند الله فأصلح أحوال رعيتك وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم وانصح لمن استشارك واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم.
وعليك بالصوم وإن رسول الله صلى الله عليه وآله عكف عاما في العشر الأول من شهر رمضان وعكف العام المقبل في العشر الأوسط من شهر رمضان فلما كان العام الثالث رجع من بدر وقضى اعتكافه فنام فرأى في منامه ليلة القدر في العشر الأواخر كأنه يجد في ماء وطين فلما استيقظ رجع من ليلته إلى أزواجه وأناس معه من أصحابه ثم إنهم مطروا ليلة ثلاث وعشرين فصلى النبي صلى الله عليه وآله حين أصبح فرأى في وجه النبي صلى الله عليه وآله الطين فلم يزل يعتكف في العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله.
وقال النبي صلى الله عليه وآله من صام رمضان ثم صام ستة أيام من شوال فكأنما صام السنة جعل الله خلتنا وودنا خلة المتقين وود المخلصين وجمع ع بيننا وبينكم في دار الرضوان إخوانا على سرر متقابلين إنشاء الله.
قال: إبراهيم حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سيف عن أصحابه أن عليا لما كتب إلى محمد بن أبي بكر هذا الكتاب كان ينظر فيه ويتأدب به فلا ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجب منه.
فقال الوليد بن عقبة - وقد رأى إعجابه - به مر بهذه الأحاديث أن تحرق
فقال معاوية: مه فإنه لا رأي لك فقال الوليد: أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها؟ قال معاوية: ويحك أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله؟ فقال: لولا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لاخذنا عنه ثم سكت هنيئة ثم نظر إلى جلسائه فقال: ألا لا نقول: إن هذه من كتب علي بن أبي طالب ولكن نقول هذه من كتب أبي بكر كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها ونأخذ منها.
قال: فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال إبراهيم: فلما بلغ عليا [عليه السلام] أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد عليه حزنا.
وروى عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا علي صلوات الله عليه فلما انصرف قال:
لقد عثرت عثرة لا أعتذر * سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الامر الشتيت المنتشر فقلنا ما بالك يا أمير المؤمنين؟ قال: إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فكتب إلي أنه لا علم لي بالسنة فكتبت إليه كتابا فيه أدب وسنة فقتل وأخذ الكتاب.
قال إبراهيم فلم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد مرادعا لهم فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه اننا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس فلا تعجل علينا فأبى عليهم فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم ثم كانت وقعة صفين وهم لمحمد هائبون، فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام ثم صار الامر إلى الحكومة [و] أن عليا وأهل العراق قد قفلوا عن معاوية والشام إلى عراقهم اجترؤا على محمد وأظهروا المنابذة له فلما رأى محمد
ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوى ومعه يزيد بن الحرث الكناني فقاتلاهم فقتلوهما ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا.
وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان فأجابه القوم وأناس كثير آخرون وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر فبلغ عليا عليه السلام توثبهم عليه فقال: ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلناه بالأمس يعني قيس بن سعد أو مالك بن الحارث الأشتر وكان علي حين رجع عن صفين رد الأشتر إلى عمله بالجزيرة وقال لقيس بن سعد: أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم اخرج إلى آذربيجان فكان قيس مقيما على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب عليه السلام إلى الأشتر وهو يومئذ بنصيبين كتابا وطلبه.
أقول: لما روى المفيد رحمه الله في المجالس هذه القصة وهذا الكتاب قريبا مما أورده أخرجته منه لكونه أبسط وأوثق إلا أن في رواية الثقفي أن بعث الأشتر كان قبل شهادة محمد.
721 - قال المفيد: أخبرني الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن محمد بن زكريا عن عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد قال:
لما ورد الخبر على أمير المؤمنين عليه السلام بمقتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنه كتب إلى مالك بن الحارث الأشتر رحمه الله وكان مقيما بنصيبين:
أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين وأقمع به نخوة الأثيم وأسد به الثغر المخوف وقد كنت وليت محمد بن أبي بكر رحمه الله مصر فخرج عليه خوارج وكان حدثا لا علم له بالحروب فاستشهد رحمه الله فأقدم علي لننظر
في أمر مصر واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك.
فاستخلف مالك على عمله شبيب بن عامر الأزدي وأقبل حتى ورد على أمير المؤمنين عليه السلام فحدثه حديث مصر وأخبره عن أهلها وقال له ليس لهذا الوجه غيرك فأخرج فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم على الشدة متى لم يغن عنك إلا الشدة.
قال: فخرج مالك الأشتر فأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر وقدم أمير المؤمنين أمامه كتابا إلى أهل مصر:
بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأسأله الصلاة على نبيه محمد وآله وإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الأعداء حذر الدوائر من أشد عبيد الله بأسا وأكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار وأبعد الناس من دنس أو عار وهو مالك بن الحارث الأشتر لانابي الضريبة ولا كليل الحد حليم في الحذر رزين في الحرب ذو رأي أصيل وصبر جميل فاسمعوا له وأطيعوا أمره فإن أمركم بالنفير فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري فقد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم وشدة شكيمة على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم بالتقوى ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولما تهيأ مالك الأشتر للرحيل إلى مصر كتب عيون معاوية بالعراق إليه يرفعون خبره فعظم ذلك على معاوية وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر ان قدمها فاتته وكان أشد عليه من ابن أبي بكر فبعث إلى دهقان من أهل
الخراج بالقلزم أن عليا قد بعث بالأشتر إلى مصر وإن كفيتنيه سوغتك خراج ناحيتك ما بقيت فاحتل في قتله بما قدرت عليه.
ثم جمع معاوية أهل الشام وقال لهم: إن عليا قد بعث بالأشتر إلى مصر فهلموا ندعو الله عليه يكفينا أمره ثم دعا ودعوا معه.
وخرج الأشتر حتى أتى القلزم فاستقبله ذلك الدهقان فسلم عليه وقال:
أنا رجل من أهل الخراج ولك ولأصحابك علي حق في ارتفاع أرضى فأنزل علي أقم بأمرك وأمر أصحابك وعلف دوابكم واحتسب بذلك لي من الخراج فنزل عليه الأشتر فأقام له ولأصحابه بما احتاجوا إليه وحمل إليه طعاما دس في جملته عسلا جعل فيه سما فلما شربه الأشتر قتله ومات وبلغ معاوية خبره فجمع أهل الشام وقال لهم: أبشر فإن الله قد أجاب دعاءكم وكفاكم الأشتر وأماته فسروا بذلك واستبشروا به.
ولما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام وفاة الأشتر جعل يتلهف ويتأسف عليه ويقول: لله در مالك لو كان من جبل لكان أعظم أركانه ولو كان من حجر كان صلدا أما والله ليهدن موتك عالما فعلى مثلك فلتبك البواكي. ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر فرحم الله مالكا فقد وفى بعهده وقضى نحبه ولقي ربه مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله فإنها أعظم المصيبة.
أقول [و] في رواية الثقفي في كتابه عليه السلام إلى الأشتر: " وهو غلام حدث السن " وليس فيه ذكر شهادة محمد فلا ينافي ما يظهر من روايته أن بعث الأشتر كان قبل شهادته، وما أورده السيد من الاعتذار من محمد لبعث الأشتر يدل على ذلك أيضا وهو أشهر عند أرباب التواريخ ولكن رواية الاختصاص أيضا مؤيدة لهذه الرواية.
722 - رجعنا إلى رواية الثقفي روى بإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه أن معاوية لما بلغه خبر الأشتر بعث رسولا يتبعه إلى مصر وأمره باغتياله فحمل معه مزودين فيهما شراب فاستسقى الأشتر يوما فسقاه من أحدهما فاستسقى يوما آخر فسقاه من الآخر وفيه سم فشربه ومال عنقه فطلب الرجل ففاته.
وعن مغيرة الضبي أن معاوية دس للأشتر مولى لآل عمر فلم يزل المولى يذكر للأشتر فضل علي وبني هاشم حتى اطمأن إليه فقدم الأشتر يوما ثقله واستسقى ماء فسقاه المولى شربة سويق فيها سم فمات.
قال: وقد كان معاوية قال لأهل الشام لما دس له مولى عمر: ادعوا على الأشتر فدعوا عليه فلما بلغه موته قال: ألا ترون كيف استجيب لكم.
وقد روي من بعض الوجوه أن الأشتر قتل بمصر بعد قتال شديد والصحيح أنه سقي سما فمات قبل أن يبلغ مصر.
وعن علي بن محمد المدائني أن معاوية أقبل يقول لأهل الشام: أيها الناس ان عليا قد وجه الأشتر إلى مصر فدعوا الله أن يكفيكم فكانوا يدعون عليه في دبر كل صلاة وأقبل الذي سقاه السم إلى معاوية فأخبره بهلاك الأشتر فقام معاوية لعنه الله خطيبا فقال: أما بعد فإنه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان فقطعت إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر وقد قطعت الأخرى اليوم وهو مالك الأشتر.
وقال إبراهيم: فلما بلغ عليا عليه السلام موت الأشتر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين اللهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر .
ثم قال: رحم الله مالكا فلقد وفى بعهده وقضى نحبه ولقى ربه مع أنا
قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله فإنها من أعظم المصيبات.
وعن معاوية الضبي قال: لم يزل أمر علي عليه السلام شديدا حتى مات الأشتر وكان الأشتر بالكوفة أسود من الأحنف بالبصرة.
وعن جماعة من أشياخ النخع قالوا: دخلنا على أمير المؤمنين عليه السلام حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ثم قال: لله در مالك وما مالك لو كان من جبل لكان فندا ولو كان من حجر لكان صلدا أما والله ليهدن موتك عالما وليفرحن عالما!! على مثل مالك فلتبك البواكي وهل مرجو كمالك؟ وهل موجود كمالك؟
قال علقمة بن قيس النخعي: فما زال علي يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا وعرف ذلك في وجهه أياما.
قال إبراهيم: وحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني عن رجاله أن محمد بن أبي بكر لما بلغه أن عليا عليه السلام قد وجه الأشتر إلى مصر شق عليه فكتب علي عليه السلام إليه عند مهلك الأشتر:
أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك ولم أفعل ذلك استبطاء لك عن الجهاد ولا استزادة لك مني في الجد ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيس مؤنة عليك وأعجب ولاية إليك إلا أن الرجل الذي كنت وليته مصر كان رجلا لنا مناصحا وعلى عدونا شديدا فرحمة الله عليه فقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون فرضي الله عنه وضاعف له الثواب وأحسن له المآب.
فاصحر لعدوك وشمر للحرب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك أعاننا الله وإياك على ما لا ننال إلا برحمته والسلام.
فكتب محمد رحمه الله إلى عبد الله أمير المؤمنين عليه السلام من محمد بن أبي بكر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد، [فقد] انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين وفهمته وعرفت ما فيه وليس أحد من الناس أشد على عدو أمير المؤمنين ولا أرق خرجت فعسكرت وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا وأنا أتبع [متبع " خ ل "] أمر أمير المؤمنين وحافظه ولا جئ إليه وقائم به والله المستعان على كل حال والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
وعن أبي جهضم الأسدي قال: إن أهل الشام لما انصرفوا عن صفين وأتى بمعاوية خبر الحكمين وبايعه أهل الشام بالخلافة لم يزدد إلا قوة ولم يكن له هم إلا مصر فدعا عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد وشرحبيل بن السمط وأبا الأعور السلمي وحمزة بن مالك فاستشارهم في ذلك فقال عمرو بن العاص: نعم الرأي رأيت في افتتاحها عزك وعز أصحابك وذل عدوك وقال آخرون: نرى ما رأى عمرو.
فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية حديج الكندي وكانا قد خالفا عليا عليه السلام فدعاهما إلى الطلب بدم عثمان فأجابا وكتبا إليه عجل إلينا بخيلك ورجلك فإنا ننصرك ويفتح الله عليك.
فبعث معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف فسار عمرو في الجيش حتى دنا من مصر فاجتمعت إليه العثمانية فأقام وكتب إلى محمد بن أبي بكر:
أما بعد فتنح عني بد؟ ك يا ابن أخي فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر وإن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على
إتباعك وهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها إني لك من الناصحين والسلام.
قال: وبعث عمرو مع هذا الكتاب كتاب معاوية إليه وهو:
أما بعد فإن غب الظلم والبغي عظيم الوبال وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة وما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ولا أسوأ له عيبا ولا أشد عليه خلافا منك سعيت عليه في الساعين وساعدت عليه مع المساعدين وسفكت دمه مع السافكين ثم تظن أني نائم عنك فأتيت بلدة فتأمن فيها وجل أهلها أنصاري يرون رأيي ويرفعون قولك ويرقبون عليك وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك يستسفكون دمك ويتقربون إلى الله عز وجل بجهادك وقد أعطوا الله عهدا ليقتلنك ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه وأنا أحذرك وأنذرك فإن الله مقيد منك ومقتص لوليه وخليفته بظلمك له وبغيك عليه ووقيعتك فيه وعدوانك يوم الدار عليه تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه وأوداجه ومع هذا إني أكره قتلك ولا أحب أن أتولى ذلك منك ولن يسلمك الله من النقمة أين كنت أبدا فتنح وانج بنفسك والسلام.
قال: فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما وبعث بهما إلى علي عليه السلام وكتب إليه:
أما بعد يا أمير المؤمنين فإن العاصي ابن العاص قد نزل أداني مصر واجتمع عليه من أهل البلد كل من كان برى رأيهم وهو في جيش جرار وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمددني بالأموال والرجال والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه [أمير المؤمنين] رضي الله عنه أما بعد فقد أتاني رسولك بكتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل أداني مصر في جيش جرار وأن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من كان على رأيه خير لك من إقامته عندك.
وذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلا فلا تفشل وإن فشلوا حصن قريتك واضمم إليك شيعتك وأول الحرس في عسكرك واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والتجربة والبأس وأنا نادب إليك الناس على الصعب والذلول فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك وقاتلهم على نيتك وجاهدهم محتسبا لله سبحانه وإن كان فئتك أقل الفئتين فإن الله تعالى يعين القليل ويخذل الكثير.
وقد قرأت كتاب الفاجرين المتحابين على المعصية والمتلائمين على الضلالة والمرتبئين [المرتشين " خ ل "] في الحكومة والمتكبرين على أهل الدين الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلافهم فلا يضرنك إرعادهما وإبراقهما وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام.
قال: فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه:
أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح وتخوفني بالحرب كأنك علي شفيق وأنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم وأن يخذلكم الله في الوقعة وأن ينزل بكم الذل وأن تولوا الدبر فإن يكن لكم الامر في الدنيا فكم وكم لعمري من ظالم قد نصرتم وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به وإلى الله المصير وإليه ترد الأمور وهو أرحم الراحمين والله المستعان على ما تصفون.
قال: وكتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه:
أما بعد فقد فهمت كتابك وعلمت ما ذكرت وزعمت أنك لا تحب أن يصيبني منك ظفر فأشهد بالله أنك لمن المبطلين وزعمت أنك لي ناصح وأقسم أنك عندي ظنين وزعمت أن أهل البلد قد رفضوني وندموا على اتباعي فأولئك حزبك وحزب الشيطان الرجيم وحسبنا الله رب العالمين وتوكلت على
الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم.
قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال: فأقبل عمرو بن العاص يقصد قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد يا معاشر المسلمين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ويغشون أرض الضلالة قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر ومن يجيب معه من كندة.
ثم ندب معه ألفي رجل وتخلف محمد في ألفين واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد فلما دنا عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب كتيبة بعد كتيبة فلم تأته كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ففعل ذلك مرارا فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي فأتاه في مثل الدهم فلما رأى كنانة ذلك الجيش نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه وهو يقول: * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) * [145 / آل عمران: 3] فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استشهد رحمه الله.
فلما قتل كنانة أقبل ابن العاص نحو محمد وقد تفرق عنه أصحابه فخرج محمد فمضى في طريق حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط.
وخرج ابن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه قالوا: لا قال أحدهم إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل جالس قال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا على محمد فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو الفسطاط.
فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال: لا والله لا يقتل أخي صبرا ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه عن قتله.
فأرسل عمرو بن العاص إلى معاوية أن ائتني بمحمد فقال معاوية أقتلتم كنانة بن بشر ابن عمي وأخلي عن محمد هيهات " أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر " فقال لهم محمد: أسقوني قطرة من ماء فقال له ابن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فسقاه الله من الرحيق المختوم والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر وأنت ظمآن ويسقيك الله من الحميم والغسلين.
فقال محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليوم إليك ولا إلى عثمان إنما ذلك إلى الله يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه وهم أنت وقرنائك ومن تولاك وتوليته والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم.
فقال له معاوية بن حديج أتدري ما أصنع بك أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار.
قال: إن فعلتم ذلك بي فطال ما فعلتم ذلك بأولياء الله وأيم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي تخوفني بها بردا وسلاما كما جعلها الله على إبراهيم خليله وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وعلى أوليائه وإني لأرجو أن يحرقك الله وإمامك معاوية وهذا - أشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله عليكم سعيرا فقال معاوية بن حديج:
إني لا أقتلك ظلما إنما أقتلك بعثمان بن عفان!! قال محمد: وما أنت رجل عمل بالجور وبدل حكم الله والقرآن وقد قال الله عز وجل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون... وأولئك هم الظالمون... وأولئك هم الفاسقون " فنقمنا عليه أشياء عملها فأردناه أن يختلع من عملنا فلم يفعل فقتله من قتله من الناس فغضب ابن حديج فقدمه فضرب عنقه ثم ألقاه في جوف حمار وأحرقه بالنار.
فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها فكان القاسم بن محمد في حجرها.
قال: وكان ابن حديج ملعونا خبيثا يسب عليا عليه السلام فقد روي عن داود بن أبي عوف قال: دخل معاوية بن حديج عن الحسن بن علي عليهما السلام في مسجد المدينة فقال له الحسن: ويلك يا معاوية أنت الذي تسب أمير المؤمنين عليا؟! أما والله لئن رأيته يوم القيامة - ولا أظنك تراه - لترينه كاشفا عن ساق يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرايب الإبل.
وعن محمد بن عبد الله بن شداد قال: حلفت عائشة [أن] لا تأكل شواءا أبدا بعد قتل محمد فلم تأكل شواءا حتى لحقت بالله وما عثرت قط الا قالت:
تعس معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج.
ويروى عن كثير النوا: أن أبا بكر خرج في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله
في غزاة فرأت أسماء بنت عميس وهي تحته كأن أبا بكر متخضب بالحناء رأسه ولحيته وعليه ثياب بيض فجاءت إلى عائشة فأخبرتها فبكت عائشة وقالت: إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر، إن خضابه الدم وإن ثيابه أكفانه. فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهي كذلك فقال: ما أبكاها؟ فذكروا الرؤيا فقال عليه السلام: ليس كما عبرت عائشة ولكن يرجع أبو بكر صالحا فتحمل منه أسماء بغلام تسميه محمدا يجعله الله غيظا على الكافرين والمنافقين. قال: فكان كما أخبر عليه السلام.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.