بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۳، ص ۵۹۱–۶۲۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۱۷
737 - وقال عليه السلام وقد جاءه نعي الأشتر: مالك وما مالك؟ لو كان جبلا لكان فندا [ولو كان حجرا لكان صلدا] لا يرتقيه الحافر ولا يوفي عليه الطائر.
قوله عليه السلام " الفند " هو المنفرد من الجبال.
توضيح: قال في النهاية: الفند من الجبل أنفه الخارج منه ومنه حديث علي عليه السلام " لو كان جبلا لكان فندا " وقيل هو المنفرد من الجبال.
وقال ابن أبي الحديد: إنما قال عليه السلام " لو كان جبلا لكان فندا " لان الفند قطعة من الجبل طولا وليس الفند القطعة من الجبل كيف ما كانت ولذلك قال عليه السلام " لا يرتقيه الحافر " لان القطعة المأخوذة من الجبل طولا في دقة لا سبيل للحافر إلى صعودها ولو أخذت عرضا لأمكن صعودها ثم وصف عليه السلام تلك القطعة بالعلو العظيم فقال: " ولا يوفي عليه الطائر " أي لا يصعد عليه يقال أو في فلان على الجبل أي أشرف.
738 - رجال الكشي: ذكر أنه لما نعي الأشتر إلى أمير المؤمنين عليه السلام تأوه
حزنا ثم قال: رحم الله مالكا وما مالك؟ عز علي به هالكا لو كان صخرا لكان صلدا ولو كان جبلا لكان فندا وكأنه قدمني قدا.
739 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر ثم توفي الأشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها:
وقد بلغتني موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد ولا ازديادا لك في الجد ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤنة وأعجب إليك ولاية.
إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان رجلا لنا ناصحا وعلى عدونا شديدا ناقما فرحمه الله فلقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون أولاه الله رضوانه وضاعف الثواب له.
فاصحر لعدوك وامض على بصيرتك وشمر لحرب من حاربك وادع إلى سبيل ربك وأكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك ويعنك على ما ينزل بك إن شاء الله.
توضيح: التوجد: الحزن. والموجدة: الغضب ولعل المراد بها أيضا هنا الحزن. والتسريح: الارسال. والاستبطاء: عد الشئ بطيئا. والجهد بالضم:
الوسع والطاقة وبالفتح: المشقة. والمؤونة: الثقل. والاعجاب بالشئ: عده حسنا. والولاية بالكسر: السلطنة. وتقول نقمت عليه أمره ونقمت منه كضربت وعلمت إذا عبته وكرهته أشد الكراهة لسوء فعله. " واستكمل أيامه " أي أتم عمره. والحمام ككتاب: الموت وقيل قضاء الموت وقدره من قوله: حم كذا أي قدر " أولاه الله رضوانه " أي أوصله إليه وقربه منه وقيل: أي أعطاه.
قوله عليه السلام " فأصحر لعدوك " قال في النهاية أي كن من أمره على أمر واضح منكشف من أصحر الرجل إذا خرج إلى الصحراء.
وقال ابن أبي الحديد: أي أبرز له ولا تستتر عنه في المدينة التي أنت فيها.
وقال ابن ميثم: السبب في إرسال هذا الكتاب أن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه كان يضعف عن لقاء العدو ولم يكن في أصحاب علي عليه السلام أقوى بأسا في الحرب من الأشتر رحمه الله وكان معاوية بعد وقائع صفين قد تجرد للإغارة على أطراف بلاد المسلمين وقد كانت مصر جعلت طعمة لعمرو بن العاص وعلم عليه السلام أنها لا تتحفظ إلا بالأشتر فكتب له العهد الذي يأتي ذكره ووجهه إليها فبلغه أن محمدا تألم من ذلك ثم إن الأشتر مات قبل وصوله إليها فكتب عليه السلام إلى محمد هذا الكتاب وهو يؤذن بإقراره على عمله واسترضائه وتعريفه وجه عذره في تولية الأشتر لعمله وأنه لم يكن ذلك لموجدة عليه ولا تقصير منه.
740 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر بمصر: أما بعد فإن مصر قد افتتحت ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا وعاملا كادحا وسيفا قاطعا وركنا دافعا و [قد] كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا فمنهم الآتي كارها ومنهم المعتل كاذبا ومنهم القاعد خاذلا اسأل الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا التقي [بهم] أبدا.
إيضاح: أستشهد على بناء المجهول: أي قتل في سبيل الله. وقال في النهاية: الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه لان له حينئذ أن يعتد بعمله فجعل في حال مباشرة الفعل
كأنه معتد به والاحتساب في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الاجر وتحصيله بالصبر والتسليم أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها ومنه الحديث: " من مات له ولد فاحتسبه " أي احتسب الاجر بصبره على مصيبته يقال: احتسب فلان ابنا له إذا مات كبيرا وافترطه إذا مات صغيرا ومعناه اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها انتهى. والكدح: العمل والسعي قاله الجوهري وقال : ركن الشئ: جانبه الأقوى وهو يأوي إلى ركن شديد أي عز ومنعة وقال: لحقه ولحق به لحاقا بالفتح: أي أدركه. وقال: استغاثني فأغثته والاسم الغياث: صارت الواو ياءا لكسرة ما قبلها.
قوله عليه السلام: " ومنهم المعتل " أي قعد واعتل بعلة كاذبة قوله عليه السلام: " ولا التقي " معطوف على [قوله] " لأحببت أن أبقى " كما أن في بعض النسخ بالنصب وفي بعضها بالرفع.
741 - نهج البلاغة: ومن كتاب له [عليه السلام] إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر رحمه الله:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه فضرب لجور سرادقه على البر والفاجر والمقيم والظاعن فلا معروف يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه.
أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروح أشد على الفجار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاستمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله لا كليل الظبة ولا نابي الضريبة فإن أمركم أن تنفروا فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن
أمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم.
742 كتاب الغارات عن فضيل بن خديج عن مولى الأشتر قال: لما هلك الأشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر وذكر نحوه وزاد في آخره عصمكم الله بالحق وثبتكم باليقين والسلام عليكم.
بيان: قوله عليه السلام " إلى القوم الذين غضبوا لله " قال ابن أبي الحديد: هذا الفصل يشكل تأويله علي لان أهل مصرهم الذين قتلوا عثمان بالعصيان وإذا شهد أمير المؤمنين عليه السلام بأنهم غضبوا لله حين عصي الله في أرضه فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر.
ثم أجاب بتأويلات ركيكة لا تقبل الجواب. وقال الجوهري: كل بيت من كرسف فهو سرادق. وفي القاموس: استراح إليه: سكن واطمأن. وفي النهاية: ضبة السيف حده وطرفه. وفي القاموس: الضريبة: السيف وحده.
وفي الصحاح: نبا السيف إذا لم يعمل في الضريبة وقال: فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد النفس انفا أبيا وفلان ذو شكيمة إذا كان لا ينقاد.
743 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى [أهل] مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها.
أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله نذيرا للعالمين ومهيمنا على المرسلين فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الامر من بعده فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تزعج هذا الامر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله
فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه.
ومنه: إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت وإني من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي وإني إلى لقاء الله لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر راج ولكني آسى أن يلي هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولا والصالحين حربا والفاسقين حزبا فإن منهم الذي شرب فيكم الحرام وجلد حدا في الاسلام وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضايخ فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم وجمعكم وتحريضكم ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم.
ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقضت وإلى أمصاركم قد افتتحت وإلى مماللكم تزوى وإلى بلادكم تغزى انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف وتبوؤا بالذل ويكون نصيبكم الاخس إن أخا الحرب الارق، ومن نام لم ينم عنه [والسلام].
توضيح: [قوله عليه السلام:] ومهيمنا: أي شاهدا على المرسلين يشهد لهم في الآخرة وأصله من آمن غيره من الخوف لان الشاهد يؤمن غيره من الخوف بشهادته. وقيل: هو الرقيب. وقيل: المؤتمن وقيل: القائم بأمور الخلق. وقيل: أصله المؤيمن فأبدلت الهاء من الهمزة وهو مفيعل من الأمانة والمراد بالامر الخلافة.
والروع بالضم القلب أو سواده. وقيل: الذهن والعقل. وأزعجه: قلعه عن مكانه. ونحاه أي أزاله ولعل الغرض إظهار شناعة هذا الامر وأنه مما لم يكن يخطر ببال بظاهر الحال فلا ينافي علمه بذلك بإخبار الرسول صلى الله عليه وآله.
[قوله عليه السلام]: " فما راعني " قال ابن أبي الحديد: تقول للشئ يفجوك بغتة: ما راعني إلا كذا. والروع بالفتح الفزع كأنه يقول: ما أفزعني شئ بعد ذلك السكون الذي كان عندي والثقة التي اطمأننت إليها إلا وقوع ما وقع من انثيال الناس أي انصبابهم من كل وجه - كما ينثال التراب - على أبي بكر والاسم كان مذكورا في كتاب الأشتر صريحا وإنما الناس يكتبونه على فلان تذمما من ذكر الاسم.
[قوله عليه السلام:] " حتى رأيت راجعة الناس " أي الطائفة الراجعة من الناس التي قد رجعت عن الاسلام يعني أهل الردة كمسيلمة وسجاح وطليحة بن خويلد.
ويحتمل أن يكون المراد بهم المنافقين المجتمعين على أبي بكر فإنهم كانوا يغتنمون فتنة تصير سببا لارتدادهم عن الدين رأسا [قوله عليه السلام]: " كما يتقشع " أي يتفرق وينكشف.
وتنهنه أي انزجر عن الاضطراب والحركة وقال الجوهري: نهنهت الرجل عن الشئ فتنهنه أي كففته وزجرته فكف. وفي النهاية: طلاع الأرض ذهبا أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل. والاستيحاش: ضد الاستيناس وهنا كناية عن الخوف. آسى: أي أحزن " مال الله دولا " في الصحاح أن دولا جمع دولة بالضم فيهما وفي القاموس الدولة: انقلاب الزمان والعقبة في المال ويضم أو الضم فيه والفتح في الحرب أو هما سواء أو الضم في الآخرة والفتح في الدنيا والجمع دول مثلثة. وفي النهاية: كان عباد الله خولا أي خدما وعبيدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم.
[قوله عليه السلام:] " والصالحين حربا " أي عدوا و " الفاسقين حزبا " أي ناصرا وجندا.
وقال ابن أبي الحديد: المراد بمن شرب الخمر الوليد بن عقبة وأما الذي رضخت له على الاسلام الرضائخ فمعاوية وأبوه وأخوه وحكيم بن حزام
وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وغيرهم وهم قوم معروفون لأنهم من المؤلفة قلوبهم الذين رغبوا في الاسلام والطاعة بجمال وشاء دفعت إليهم للأغراض الدنياوية والطمع ولم يكن إسلامهم عن أصل ويقين.
وقال القطب الراوندي " يعني عمرو بن العاص " وليس بصحيح لان عمرا لم يسلم بعد الفتح وأصحاب الرضائخ كلهم صونعوا عن الاسلام بغنائم حنين ولعمري إن إسلام عمرو كان مدخولا أيضا إلا أنه لم يكن عن رضيخة وإنما كان لمعنى آخر والرضيخة شئ قليل يعطاه الانسان يصانع به عن أمر يطلب منه كالأجرة انتهى. والتأليب: التحريض. والتأنيب: أشد اللوم.
والونى الضعف والفتور. وإلى ممالككم تزوى أي تفيض " ولا تثاقلوا " بالتشديد والتخفيف معا إشارة إلى قوله تعالى: * (مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) * الآية وقال الفيروزآبادي: تثاقل عنه: تباطأ.
والقوم: لم ينهضوا للنجدة وقد استنهضوا لها. وقال في النهاية: الخسف:
النقصان والهوان. وقال: أصل البواء: اللزوم، وأبوء أي أقر والتزم وارجع.
وقال: الارق هو السهر ورجل أرق إذا سهر لعلة فإن كان السهر من عادته قيل: أرق بضم الهمزة والراء. وأخو الحرب: ملازمه " ومن نام لم ينم عنه " لان العدو لا يغفل عن عدوه.
744 - نهج البلاغة: من عهد له عليه السلام كتبه للأشتر النخعي رحمه الله [لما ولاه] على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر رحمه الله وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن:
هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها.
أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه
التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها وأن ينصر الله سبحانه بيده وقلبه ولسانه فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعز.
وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات ويزعها عند الجمحات فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.
ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل [الذي] ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الامر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم.
[و] لا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته.
ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير.
وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله سبحانه فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفئ إليك بما عزب عنك من عقلك.
إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال.
أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب.
وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله [سميع " خ "] يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة وأن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء وأكره للانصاف وأسأل بالالحاف وأقل شكرا عند الاعطاء وأبطأ عذرا عن المنع وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صغوك لهم وميلك معهم.
وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك.
أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لا يضح لك ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن
تشبه بالناصحين.
ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانا يضعفك عن الأمور ولا حريصا يزين لك الشره بالجور فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله.
[إن] شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأئمة وإخوان الظلمة وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم [وآثامهم] ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه أولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفا وأقل لغيرك ألفا فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعا ذاك من هواك حيث وقع.
والصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو وتدني من الغرة. ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيدا لأهل الاحسان في الاحسان وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة والزم كلا منهم ما ألزم نفسه.
واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤنات عنهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده.
ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة
وصلحت عليه الرعية ولا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن فيكون الاجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها.
وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك.
واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله.
ومنها كتاب العامة والخاصة.
ومنها قضاة العدل.
ومنها عمال الانصاف والرفق.
ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس.
ومنها التجار وأهل الصناعات.
ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكل قد سمى الله [له] سهمه ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله عهدا منه عندنا محفوظا.
فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الامن وليس تقوم الرعية إلا بهم.
ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على في جهادهم عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم.
ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم و
يقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم.
ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما أكرم الله تعالى من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل.
فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك أنقاهم جيبا وأفضلهم حلما ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرؤف بالضعفاء وينبو على الأقوياء وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم ألصق بذوي [المروءات و] الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف.
ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه.
وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء
انقطاع مدتهم فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى.
ثم اعرف لكل امرى منهم ما أبلى ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون غاية بلاءه ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما.
واردد إلى الله ورسوله ما يظلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * [59 / النساء: 4] فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.
ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا يمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه أوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشيف الأمور وأصرمهم عند إيضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء وأولئك قليل ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيح علته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظرا بليغا فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا.
ثم انظر في أمور عمالك واستعملهم اختيارا ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة. وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة فإنهم أكرم أخلاقا وأصح أعراضا وأقل في المطامع إشرافا وأبلغ في عواقب الأمور نظرا ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم
وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك.
ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية.
وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار النهمة.
وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله.
وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا فإن شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به فإن العمران محتمل ما حملته وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لاشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر.
ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملاء ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما
يأخذ لك ويعطي منك ولا يضعف عقدا اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.
ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شئ ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثرا وأعرفهم بالأمانة وجها فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره.
واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته.
ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترؤن عليها فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته.
وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف.
ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمني فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا احفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات
صوافي الاسلام في كل بلد فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل من قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييع التافه لاحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم.
وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله تعالى في تأدية حقه إليه.
وتعهد أهل اليتم وذي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم.
واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع [فيه] لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في غير موطن: " لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع " ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته وأعط ما أعطيت هنيئا وامنع في إجمال وإعذار.
ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها منها إجابة عمالك بما يعيا عنك كتابك.
ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك.
وامض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه واجعل لنفسك فيما بينك وبين
الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية.
وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ.
وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا فإن في الناس من به العلة وله الحاجة وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما.
وأما بعد هذا فلا تطولن احتجابك من رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل.
وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليست على الحق سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب.
وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه؟ أو فعل كريم تسديه؟ أو مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة.
ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استيثار وتطاول وقلة إنصاف [في معاملة] فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال.
ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة.
وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة.
وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك فإن في ذلك [رياضة منك لنفسك ورفقا برعيتك و] إعذارا تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق.
ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك لله فيه رضى فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن العدو ربما قارب ليتغفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن.
وإن عقدت بينك وبني عدو لك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله سبحانه شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتيت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه.
ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة.
ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله فيه طلبة لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك.
إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله.
ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن.
وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك ويدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم.
وإياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسن.
وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعودك بخلفك فإن المن يبطل الاحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلف يوجب المقت عند الله وعند الناس قال الله سبحانه: * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * [3 / الصف: 61] إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التساقط فيها عند إمكانها أو اللجاجة فيها إذا تنكرت أو الوهن عنها إذا استوضحت فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم.
أملك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار ولن
تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك.
والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكي لا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلا هواها.
ومن هذا العهد وهو آخره.
وأنا أسأل الله تعالى بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه مع حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد وإتمام النعمة وتضعيف الكرامة وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة إنا إليه راغبون والسلام على رسوله وآله كثيرا وسلم تسليما.
تبين: قال الجوهري: قال الكسائي: جببت الماء في الحوض وجبوته أي جمعته وجبيت الخراج جباية وجبوته جباوة ولا يهمز وأصله الهمز.
و [قال الفيروزآبادي] في القاموس: جبا [الخراج] كسعى ورمى جبوة وجباء وجباوة [جمعه] وجباية بكسرهن انتهى.
وقال الكيدري: الجبوة بالفتح للمرة وبالكسر للهيئة والنصب على البدلية أو على أنه مفعول ل [قوله:] " ولاه " ولعل المراد بالخراج هنا كل ما يأخذه الوالي.
[قوله عليه السلام:] وأن ينصر الله سبحانه بيده " كالجهاد بالسيف وضرب من احتاج إليه في النهي عن المنكر مثلا.
و [المراد من قوله: " ب] قلبه " في الاعتقادات والانكار القلبي للآتي بالمنكرات والعزم على إجراء الاحكام والعبادات.
وتكفله سبحانه بقوله: " ولينصرن الله من ينصره " وأمثالها.
والكسر من النفس كناية عن كفها عن بعض ما تشتهيه وقال الجوهري:
وزعته أزعه: كففته فاتزع هو أي كف. وقال: جمح الفرس إذا اعتز فارسه وغلبه والجموح من الرجال: الذي يركب هواه فلا يمكن رده. وجمح أي أسرع. قال أبو عبيد في قوله تعالى: * (لولوا إليه وهم يجمحون) * أي يسرعون. وقال الدولة بالفتح في الحرب يقال: كانت لنا عليهم الدولة وبالضم المال يقال: صار الفئ دولة بينهم: يتداولونه يكون مرة لهذا ومرة لهذا والجمع دولات ودول. وقال بعضهم: كلتاهما تكون في الحرب والمال.
قوله عليه السلام: " إن الناس ينظرون " أي كما كنت تمدح قوما من الولاة وتذم قوما كذلك من يسمع أخبارك يمدحك بأفعالك الحسنة ويذمك بأعمالك القبيحة فاحذر أن تكون ممن عاب ويذم.
[قوله عليه السلام:] " ذخيرة العمل الصالح " في بعض النسخ برفع " ذخيرة " والإضافة وفي بعضها بالنصب على التمييز ورفع " العمل الصالح ".
[قوله عليه السلام:] " فيما أحببت وكرهت " أي عند الشهوة والغضب أو في الافعال والتروك.
[قوله عليه السلام:] " وأشعر قلبك الرحمة " أي اجعلها شعاره " واللطف بهم " في بعض النسخ بالتحريك وهو الاسم من لطف كنصر لطفا بالضم إذا رفع ودنا. وقال الجوهري: ضري الكلب بالصيد ضراوة أي تعود وكلب ضار وكلبة ضارية وأضراه صاحبه أي عوده وأضراه به أيضا أي أغراه " وإما نظير لك " أي إنسان مثلك " يفرط منهم الزلل " أي ليسوا معصومين يقال:
فرط إليه منه قول أي سبق. والعلل الأمراض المعنوية أي أسباب المعاصي ودواعيها.
قوله عليه السلام " ويؤتى على أيديهم " قال ابن أبي الحديد: هذا مثل قولك يؤخذ على أيديهم أي يؤدبون ويمنعون يقال: خذ على يد هذا السفيه وقد حجر الحاكم على فلان وأخذ على يده.
وقال ابن ميثم كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممن يؤتون من قبل العمد والخطأ وتأتي على أيديهم أوامر الولاة والمؤاخذات فيما يقع منهم من عمد أو خطأ انتهى.
وأقول: [إن الفعل في قوله: " يؤتى "] في بعض النسخ بصيغة الخطاب، وفي بعضها بصيغة الغيبة فعلى الأول يحتمل أن يكون الغرض بيان احتياجه إليهم وتضرره من ناحيتهم أي تهلك بسبب ما يجري على أيديهم عمدا أو خطأ من قولهم: أتى عليه الدهر أي أهلكه. وقولهم: أتي من جهة كذا إذا أتاه الضرر من تلك الجهة.
وعلى الثاني الظرف قائم مقام الفاعل أي يهلك الحاكم والولاة أيديهم كناية عن منعهم عن التصرفات ومؤاخذتهم بما عملته أيديهم فيرجع إلى بعض ما مر ويمكن أن يكون القائم مقام الفاعل الضمير الراجع إلى الوالي بقرينة المقام فيؤول إلى ما أفادته النسخة الأخرى.
أو المعنى إنهم ربما صدر منهم بعض القبائح بإضلال غيرهم فكأنه جرى فعل المضل بأيديهم فهم مستحقون للصفح عنهم.
[قوله عليه السلام:] " وقد استكفاك " الضمير المرفوع راجع إلى الله أو إلى الموصول في " من ولاك " أي طلب منك كفاية أمورهم وامتحنك بهم.
ونصب النفس لحرب الله كناية عن مبارزته [إياه] بالمعاصي.
قوله عليه السلام: " لا يدي لك " قال ابن أبي الحديد: اللام مقحمة والمراد
الإضافة ونحوه قوله لا أبالك.
وقال ابن ميثم وحذف النون [من يدين] لمضارعته المضاف وقيل لكثرة الاستعمال.
وقال [ابن الأثير] في [حرف الياء في مادة " يد " من] النهاية فيه: " قد أخرجت عبادا لي لا يدان لاحد بقتالهم " أي لا قدرة ولا طاقة يقال مالي بهذا الامر يد ولا يدان لان المباشرة والدفاع إنما يكون باليد فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.
وفي بعض النسخ " لا يدا لك ".
وقال الجوهري: البجح: الفرح. وقال: البادرة: الحدة وبدرت منه بوادر غضب أي خطأ وسقطات عندما احتد. والبادرة: البديهة. والمندوحة: السعة.
والتأمير: تولية الامارة يقال: هو أمير مؤمر والأدغال: إدخال الفساد " ومنهكة " أي ضعف وسقم. وقال الجزري: فيه " من يكفر الله يلقى الغير " أي تغير الحال وانتقالها عن الصلاح إلى الفساد والغير الاسم من قولك غيرت الشئ فتغير وقال: الأبهة العظمة. والمخيلة: الكبر. وقال الفيروزآبادي: طامن الامر: سكن وقال الطماح ككتاب: النشوز والجماح و [قوله:] " إليك " متعلق [بقوله:] " يطامن " على تضمين معنى القبض أو الجذب و " من " للتبعيض.
وقال الكيدري: ضمن " يطامن " معنى يرد فلذا عداه بإلى أي يرد إليك سورة غضبك واعتلائك ولا يخليها تتجاوز عنك إلى غيرك وقيل: " إن " إلى " يتعلق " بطماحك " وهو من قولهم؟ مح بصره إلى الشئ أي ارتفع أي يسكن ذلك بعض نظرك نفسك بعين العجب والكبرياء والغرب بالفتح:
الحدة. وبالكسر: البعد " ويفئ إليك " أي يرجع إليك بما بعد عنك من عقلك " والمسامات " مفاعلة من السمو وهو العلو.
[قوله عليه السلام:] " أنصف الله " أي بالقيام بما فرض عليك " وأنصف الناس " بالقيام بحقوقهم ومعاملتهم بالعدل " دون عباده " أي فقط
أو كان الله هو الحقيق بأن يسمى خصما فإن مخاصمة العباد مضمحلة في جنب مخاصمته وانتقامه.
وقال الجوهري: دحضت حجته دحوضا: بطلت وأدحضه الله: [أبطله] وقال: أنا حرب لمن حاربني أي عدو. وقال: نزع عن الأمور نزوعا: انتهى عنها.
أقول: يحتمل أن يكون أداء حقوق الناس إليهم من التوبة أو يكون نزوعه عبارة عن أداء حقوقهم وتوبته عن ندمه فإنه ما دام حابسا لحقوقهم [فهو] ظالم فلم يكن تاركا للظلم منتهيا عنه " والمرصاد ": الطريق والموضع يرصد فيه العدو.
وقال في النهاية: كل خصلة محمودة فلها طرفان مذمومان فهي وسط بين.
الطرفين وفيه: الوالد أوسط أبواب الجنة أي خيرها.
قوله عليه السلام " لرضا الرعية " أي العامة " يجحف برضى الخاصة " أي يبطله ولا يجدي نفعا عند سخط العامة من قولهم: أجحف به أي ذهب به ولعل المراد بالخاصة أعيان أهل البلد وذوو المروءة منهم ومن يلازم الوالي وصار كالصديق له " يغتفر " أي يستر ولا يضر عند رضا العامة.
[قوله عليه السلام: " وليس أحد من الرعية] أثقل على الوالي مؤنة " لسؤال المطالب والشفاعات " وأقل معونة له في البلاء " كوقت الحاجة وعند العزل والنكبة لعدم حصول متمنياتهم. وألحف السائل: ألح. " وأقل شكرا عند الاعطاء " لاعتقادهم زيادة فضلهم على العامة " وأبطأ عذرا عند المنع " أي إن منعهم الوالي ولم يعطهم لم يقبلوا منه عذرا. و " ملمات الدهر ": نوازله ومصائبه.
[قوله عليه السلام:] " من أهل الخاصة " متعلق " بأثقل " وما عطف عليه وجماع الشئ: مجمعه ومظنته وقال الجوهري: يقال: صغوه معك وصغوه معك وصغاه معك أي ميله وفي بعض النسخ: [صفوه] بالفاء أي خالص
ودك. والشناءة مثل الشناعة: البغض. وإطلاق عقدة الحقد: إخراجه من القلب أي لا تحقد على أحد فتكون الجملة التالية كالتفسير لها.
ويحتمل أن يكون المراد إخراج الحقد على نفسه عن قلوب الناس بحسن الخلق أو حقد بعضهم على بعض بالموعظة ونحوها فتكون الجملة التالية مؤسسة.
وقال في النهاية: السبب في الأصل: الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ.
وفي الصحاح: الوتر بالكسر: الفرد وبالفتح: الذحل: أي الحقد والعداوة هذه لغة أهل العالية.
فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم.
وأما تميم فبالكسر فيهما. وقال: تغابى: تغافل. أي لا تتعرض لأمر لم يتضح لك من أمورهم التي توجب حدا أو تعزيرا أو عتابا وتعييرا " والساعي " من يسعى إلى الوالي بذم الناس وجرائمهم. والباء. [قوله:] " يعدل بك " للتعدية.
والفضل: الاحسان.
و " يعدك الفقر " أي يخوفك منه إشارة إلى قوله تعالى * (الشيطان يعدكم الفقر) *.
وقوله: " بالجور " متعلق بالشره فالجور جور المأمور أو بالتزيين فالمراد جور الآمر " والشره " غلبة الحرص. والجور: الميل عن القصد.
[قوله عليه السلام:] " يجمعها سوء الظن " أي هو ملزومها أو معنى مشترك بينها " وبطانة الرجل " بالكسر: صاحب سره ومحل مشورته. الواو في قوله: " وأنت واجد " يحتمل العطف والحيالة " ومنهم " متعلق باسم التفضيل مقدم عليه " وممن " بيان ل [قوله:] " خير الخلف " ويقال: رجل نافذ في أمره أي ماض. والآصار جمع " الاصر " بالكسر وهو الذنب والثقل. والحنو: العطف والشفقة " وحفلاتك " أي مجامعك ومحفل القوم:
مجتمعهم.
وقوله عليه السلام " واقعا " منصوب على الحالية أي في حال وقوع ذلك القول منه والنصيحة وقلة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان في هوى عظيم أو حقير أو حيث وقع هواك أي سواء كان ما تهواه عظيما أو ليس بعظيم.
ويحتمل أن يريد واقعا ذلك الناصح من هواك ومحبتك حيث وقع أي يجب أن يكون له من هواك موقعا كذا ذكره ابن ميثم.
وقيل: يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما يكون منك أي سواء كان ذلك الفعل الصادر عنك مما تهواه هوى عظيما أم لا.
والأظهر أن المعنى أن الناصح يقول وينصح ويمنع سواء كان علمه موافقا لهواك ورضاك أم لا فقوله: " حيث وقع " أي من الموافقة والمخالفة.
[قوله عليه السلام:] " والصق " على بناء المجرد وفي بعض النسخ على بناء الافعال أي الصق نفسك بهم وعلى التقديرين المعنى اجعلهم خاصتك وخلصائك " ثم رضهم " أي ربهم وعودهم أن لا يمدحوك في وجهك.
وقال الجوهري البجح: الفرح وبجحته أنا تبحيحا فتبجح أي أفرحته ففرح. والتوصيف بقوله: " لم تفعله " ليس للتخصيص بل المعنى لا يفرحوك بمدحك بما لم تفعله فإنه باطل كما قال سبحانه: * (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) * والزهو: الكبر والفخر. والعزة بالعين المهملة والزاي بمعنى القوة والغلبة والشدة أي يقربك إلى أن يقوى الشيطان ونفسك الامارة ويغلبا عليك أو إلى أن يقسو قلبك فتغلب الرعية وتظلمهم.
وفي بعض النسخ بالغين المعجمة والراء المهملة أي الغفلة عن الحق والاغترار بالباطل. والتزهيد: خلاف الترغيب. والتدريب: التعويد.
[قوله عليه السلام:] " والزم كلا منهم " أي فجاز المحسن بالاحسان
والمسئ بالإساءة. والنصب: التعب وهو هنا: اغتمامه حذرا من أن يصيبه منهم مكروه أو لا يطيعوه. والبلاء يطلق على الخير والشر كما قال تعالى:
* (ونبلوكم بالخير والشر فتنة) * والمراد هنا بالأول الأول وبالثاني الثاني.
وقال الجوهري: صدر كل شئ: أوله. والصلاح: ضد الفساد والفعل كدخل وحسن. والمنافثة: المحادثة. وفي الحديث: " إن الروح الأمين نفث في روعي " وفي بعض النسخ: " مثافنة الحكماء " بتقديم المثلثة على النون وهي المعاونة.
وقال الراوندي رحمه الله: اشتقاقه من ثفنة البعير وهي ما بقع على الأرض من أعضائه إذا استنيخ كأنك ألصقت ثفنة ركبتك ركبته. قوله عليه السلام:
" من أهل الذمة " قال ابن ميثم: لف ونشر ويحتمل أن يكون بيانا لأهل الخراج فإن للامام أن يقبل أرض الخراج من سائر المسلمين وأهل الذمة.
والتجار بالضم والتشديد وبالكسر والتخفيف جمع تاجر.
والصناعة بالكسر: حرفة الصانع والضميران في " حده " و " فريضته " إما راجعان إلى " الله " أو إلى " كل ".
والمراد " بالعهد " الحكم الخاص بكل منهم.
وقوام الشئ بالكسر: ما يقوم به وينتظم به أمره.
قوله عليه السلام " ويكون من وراء حاجتهم " أي فيما يحتاجون إليه " والوراء " إما بمعنى الخلف كأنه ظهر لحاجتهم ومحل لاعتمادهم أو بمعنى القدام كما قيل في قوله * (وكان وراءهم ملك) * [79 / الكهف : 18] فكأنه يسعى بين يدي حاجتهم لكفاية أمورهم والأول أظهر " ويحكمون " بصيغة الافعال.
قوله عليه السلام " من مرافقهم " أي مرافق الرعية أو التجار وذوي الصناعات أي المرافق الحاصلة بهم وكذلك الضمير في " أسواقهم " والمرفوع في " يكفونهم " راجع إلى التجار وما عطف عليه وكذا ضمير " بأيديهم " و " غيرهم ".
وقال الجوهري المرفق من الامر هو ما ارتفقت به وانتفعت به. وقال: حق الشئ يحق أي وجب وقال: الرفد: العطاء والصلة.
قوله عليه السلام " وفى الله " أي في جوده وعنايته فليعتمدوا على الله في تدبير أمورهم أو في حكمه وشريعته وما قرر لكل منهم في كتابه وسنة نبيه.
[قوله عليه السلام:] " بقدر ما يصلحه " الضمير راجع إلى الكل وقيل إلى الوالي وهو بعيد.
[قوله عليه السلام:] " فول من جنودك " أي اجعل الوالي على جندك من كان كذلك " أنقاهم جيبا " أي أطهرهم جيبا أي عفيفا أمينا ويكنى عن العفة والأمانة بطهارة الجيب لان الذي يسرق يجعل المسروق في جيبه وهذه الوصية في ولاة الجيش لأجل الغنائم كذا ذكره ابن أبي الحديد.
وقال ابن ميثم: ناصح الجيب كناية عن الأمين.
ولعله لم يكن في نسخته لفظة " أنقاهم " وقال الجوهري: رجل ناصح الجيب: أمين.
ويحتمل أن يكون المراد بطهارة جيبه أو نصحه كونه محبا للإمام عليه السلام غير مبطن لعداوة أو نفاق.
[قوله عليه السلام:] " ويستريح إلى العذر " أي يسكن عند العذر ويميل إليه فيقبله.
ويحتمل أن يكون من قولهم: عذرته عذرا فيما صنع فالعذر بمعنى قبول العذر.
[قوله عليه السلام] " وينبو على الأقوياء " كذا في أكثر النسخ المصححة أي يعلو على الأقوياء ويدفع ظلمهم عن الضعفاء من النباوة وهي الأرض المرتفعة.
وفي بعض النسخ: " عن الأقوياء " أي يتجافى ويبعد عنهم ولا يميل إليهم.
من قولهم: نبا بصره عن الشئ إذا تجافى عنه.
[قوله عليه السلام:] " وممن لا يثيره " عطف على قوله " ممن يبطي " أي لا يكون له عنف فيثيره ولو كان له عنف بمقتضى طبعه يطفيه بعقله أو إنه لو عنف به أحد تحلم وصبر.
ولعل المراد بالالصاق بذوي الأحساب تفويض الولايات والأمور إليهم أو تفقد أحوالهم وتربيتهم وحفظهم عن الضياع " والحسب " بالتحريك ما يعد من المآثر وقيل: الشرف الثابت له ولآبائه. والسوابق: الفضائل التي يسبق لها.
وقال الجوهري: النجدة: الشجاعة ولاقى فلان نجدة أي شدة.
والسماحة بالفتح: موافقة الرجل على ما أريد منه أو الجود والعطاء.
[قوله عليه السلام:] " فإنهم جماع من الكرم " أي مجمع من مجامع الكرم أو تلك الصفات من الصفات الجامعة من جملة صفات الكرم وفي اتيان ضمير ذوي العقول تجوز كقوله " فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " [77 / الشعراء: 26] وقال ابن أبي الحديد: أي مجمع الكرم ومنه الحديث: الخمر جماع الاثم " ومن " هاهنا زائدة وإن كان في الايجاب على مذهب الأخفش.
[قوله عليه السلام:] " وشعب من العرف " أي شعب العرف أي أقسامه وأجزاؤه أو من المعروف لان غيرها أيضا من الكرم والمعروف نحو العدل والفقه.
[قوله عليه السلام:] " ثم تفقد من أمورهم " أي أمور الجنود أو ذوي الأحساب ومن بعده أو الرعية مطلقا والتفقد: طلب الشئ عند غيبته.
وقال الجوهري: تفاقم الامر: عظم. والتاء في " داعية " للمبالغة.
[قوله عليه السلام:] " اتكالا على جسيمها " أي اعتمادا على تفقد عظيمها " ومن واساهم " أي الجنود " من جدته " أي غناه " ومن خلوف أهليهم " أي من يخلفونه من أولادهم وأهليهم " إلا بحيطتهم " في أكثر النسخ المصححة بفتح الحاء وتشديد الياء وليس موجودا فيما ظفرنا به من كتب اللغة بل فيها الحيطة بكسر الحاء وسكون الياء كما في بعض النسخ قال الجوهري: الحيطة بالكسر: الحياطة وهما من الواو وقد حاطه يحوطه حوطا وحياطة وحيطة: أي كلأه ووعاه. ومع فلان حيطة لك [ولا تقل عليك] أي تحنن ونعطف.
وقال ابن أبي الحديد: وأكثر الناس يروونها بتشديد الياء وكسرها والصحيح بكسر الحاء وتخفيف الياء.
[قوله عليه السلام:] " وقلة استثقال دولهم " أي بأن كانوا راضين بدولتهم ولا يعدوها ثقيلا ولا يتمنوا زوالها. والاستبطاء: عد الشئ بطيئا.
[قوله عليه السلام:] " وواصل في حسن الثناء عليهم " أي كرره حتى كأنك وصلت بعضه ببعض أو واصلهم وتحبب إليهم بذلك.
وفي بعض النسخ: " من حسن ". وتعديد البلاء: كثرة إظهاره وقال في النهاية فيه " عسى أن يؤتى هذا من لا يبلى بلائي " أي لا يعمل مثل عملي في الحرب كأنه يريد أفعل فعلا اختبر فيه ويظهر خيري وشري. " والهز ": التحريك.
والتحريض: الترغيب " ثم اعرف " أي اعلم مقدار بلاء كل امرئ منهم وجازه بذلك المقدار " ولا تقصرن به دون غاية بلائه " أي بأن تذكر بعضه أو تحقره ولا تجازيه بحسبه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.