بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۴، ص ۸۶–۱۲۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۷ از ۱۷
ومعونة الجند: شئ يسير من المال يعطيهم الوالي لترميم أسلحتهم وإصلاح دوابهم سوى العطاء المفروض في كل شهر كما قيل.
ومنشأ تعجبه عليه السلام أمور:
أحدها: أن الداعي لهم معاوية، ولهؤلاء أمير المؤمنين، وكيف يساوي
عاقل بينهما؟
وثانيها: أن المدعو هناك، الجفاة الطغام مع خلوهم غالبا عن الحمية والمروءة، وهاهنا أصحابه الذين هم تريكة الإسلام.
وثالثها: أن أصحاب معاوية يتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأصحابه عليه السلام لا يجيبونه إلى المعونة والعطاء، فإن معاوية إنما كان يعطي رؤساء القبائل الأموال الجليلة، ولا يعطي الجند على وجه العطاء والمعونة شيئا، وهم كانوا يطيعون الرؤساء للحمية أو العطايا من هؤلاء لهم.
والتريكة: بيضة النعامة تتركها في مجثمها، أي: أنتم خلف الإسلام وبقيته، كالبيضة التي تتركها النعامة.
وقوله [عليه السلام] " إلى المعونة " متعلق ب [قوله:] " أدعوكم ".
قوله عليه السلام: " لا يخرج إليكم " أي: إنكم لا تقبلون مما أقول لكم شيئا، سواء كان مما يرضيكم أو مما يسخطكم. " وإلى " متعلق بقوله: " أحب ".
ودرس الكتاب: - كنصر وضرب - أي قرأ فقوله: " دارستكم الكتاب ": أي قرأته عليكم للتعليم، وقرأتم علي للتعلم.
قوله عليه السلام: " وفاتحتكم " أي حاكمتكم بالمحاجة والمجادلة. وساغ الشراب في الحلق أي: دخل بسهولة. ومججته من فمي: أي رميت به أي بينت لكم الأمور الدينية ما كنتم تنكرونه بآرائكم، وأعطيتكم من العطايا ما كنتم محرومين منها.
وكلمة " لو " في قوله عليه السلام: " لو كان ": للتمني أو الجزاء محذوف.
وقوله عليه السلام: " وأقرب بقوم " بصيغة التعجب، أي ما أقربهم إلى الجهل. وقوله عليه السلام: " قائدهم معاوية ": صفة لقوم، فصل بين الصفة والموصوف بالجار والمجرور، وهو مجوز. وورد مثله في الكلام المجيد.
940 - نهج: من خطبة له عليه السلام: عباد الله، إنكم وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء مؤجلون، ومدينون مقتضون، أجل منقوص، وعمل محفوظ، فرب دائب مضيع ورب كادح خاسر.
وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، والشر فيه إلا إقبالا، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، فهذا أوان قويت عدته، وعمت مكيدته، وأمكنت فريسته.
إضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا!
أين خياركم وصلحاؤكم وأين أحراركم وسمحاؤكم؟ وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم؟ أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية والعاجلة المنغصة؟ وهل خلفتم إلا في حثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان استصغارا لقدرهم، وذهابا عن ذكرهم! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ظهر الفساد فلا منكر مغير، ولا زاجر مزدجر.
أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟! هيهات! لا يخدع الله عن جنته، ولا تنال مرضاته إلا بطاعته.
لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به.
بيان: الأثوياء: جمع ثوى وهو الضيف. [و] " مؤجلون ": أي مؤخرون إلى وقت معلوم. و " المدين ": المديون. و " المقتضون ". جمع مقتضى على بناء المفعول.
[قوله عليه السلام:] " أجل منقوص ": أي أجلكم أجل منقوص يوما بعد يوم، ولحظة فلحظة، وعملكم عمل محفوظ عند الله.
والدائب: المجتهد ذو الجد والتعب. و " الكادح ": الساعي. و " أمكنت ":
أي أمكنته، يقال: أمكنني الأمر أي سهل وتيسر. وكابده مكابدة: أي قاساه وتحمل المشاق فيه.
وذكره في هذا المقام، إما لأن الغرض بيان ما سبق من إدبار الخير وإقبال الشر وعموم الضلال ومقاسات الفقراء بيان للأولين، فالخير والشر يعمان الدنيويين والأخرويين. وإما لأن شيوع الفقر لمنع الحقوق الواجبة، أو المراد بمكابدة الفقر ترك الصبر عليه وهو أيضا من المنكرات .
[قوله عليه السلام:] " بدل نعمة الله ": أي الغنى. أو ولايته عليه السلام.
والتخصيص لشدة إنكارهم لقوتهم أو الأعم. والوفر: المال الكثير.
وقوله [عليه السلام]: " بحق الله " متعلق ب [قوله:] " البخل " أي يعد بخله بحق الله توفير المال والزيادة فيه. والوقر: ثقل الأذن.
" أين أحراركم ": أي الذين أعتقوا من رق الشهوات. والتورع. مبالغة في الورع. والتنزه: التباعد عن القبيح. وظعن - كمنع - أي سار وارتحل.
وأنغص الله عليه العيش ونغصه: كدره والحثالة: الردئ من كل شئ.
[قوله عليه السلام]: لا تلتقي بذمهم ": أي إنهم أحقر من أن يشتغل الإنسان بذمهم، لأنه لابد من الذم من إطباق إحدى الشفتين على الأخرى و " ذهابا " أي ترفعا يقال: فلان ذهب بنفسه عن كذا، أي رفعها عنه.
" ولا زاجر مزدجر ": أي من يزجر غيره عن القبائح وتمتنع نفسه أيضا عنها.
[قوله] " في دار قدسه " أي الجنة، لأن أهلها يقدسونه تعالى وهم منزهون
عن العيوب. ومجاورة الله: سكون تلك الدار المنسوبة إليه سبحانه تشريفا.
وقربه: مجاورة رحمته.
" هيهات ": أي بعد ما تريدون. " لا يخدع الله عن جنته " أي: لا يمكن أخذها منه تعالى بالخديعة. والمرضاة: الرضا.
وآخر الكلام يدل على اشتراط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعمل بهما، وسيأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله. ولعل غرضه عليه السلام التعريض بالسابقين الغاصبين.
941 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: أرسله داعيا إلى الحق، وشاهدا على الخلق فبلغ رسالات ربه غير وان ولا مقصر، وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا معذر، [فهو] إمام من اتقى، وبصر من اهتدى.
[و] منها:
ولو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه، إذا لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أعمالكم، وتلتدمون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها ولهمت كل امرئ منكم نفسه لا يلتفت إلى غيرها. ولكنكم نسيتم ما ذكرتم، وأمنتم ما حذرتم، فتاه عنكم رأيكم وتشتت عليكم أمركم.
لوددت أن الله فرق بيني وبينكم، وألحقني بمن هو أحق بي منكم، قوم - والله ميامين الرأي، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق، متاريك للبغي مضوا قدما على الطريقة، وأوجفوا على المحجة، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة.
أما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف، الذيال الميال، يأكل خضرتكم، ويذيب شحمتكم، إيه أبا وذحة!
قال السيد رحمه الله: الوذحة: الخنفساء، وهذا القول يومئ به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره.
توضيح: الواني: الفاتر الكال. والواهن: الضعيف. والمعذر: الذي يعتذر من تقصيره من غير عذر كما قال تعالى: " وجاء المعذرون من الأعراب " [90 - التوبة: 9].
[قوله عليه السلام:] " مما طوي عنكم " أي كتم وأخفي. وقال [ابن الأثير] في [مادة " صعد " من كتاب] النهاية: [و] فيه: " إياكم والقعود بالصعدات ": هي الطرق، وهي جمع صعد وصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات.
وقيل: جمع صعدة كظلمة، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه. ومنه الحديث: " ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ".
وقال ابن أبي الحديد: الصعيد: التراب. ويقال وجه الأرض. والجمع:
صعد وصعدات.
و [قال الفيروزآبادي] في القاموس: الصعيد: التراب أو وجه الأرض، والجمع: صعد وصعدات، والطريق، ومنه: " إياكم والقعود بالصعدات ". والقبر.
انتهى.
فالمعنى: خرجتم عن البيوت وتركتم الاستراحة والجلوس على الفرش، للقلق والانزعاج، وجلستم في الطريق أو على التراب أو لازمتم القبور.
والالتدام: ضرب النساء وجوههن في النياحة.
قوله عليه السلام: " ولا خالف ": أي ولا مستخلف عليها.
قوله عليه السلام: " ولهمت " قال ابن أبي الحديد: أي أذابته وأنحلته من [قولهم:] هممت الشحم أي أذبته.
ويروى " ولأهمت " وهو أصح من [قولهم:] أهمني الأمر: أي أحزنني.
وفيه نظر، لأن " هم " أيضا يكون بمعنى " أهم ". قال [الفيروزآبادي] في القاموس: همه الأمر هما: حزنه، كأهمه فاهتم انتهى. و [كلمة] " كل " منصوب على المفعولية والفاعل [لفظة]: " نفسه ". ويقال: تاه فلان يتيه، إذا تحير وضل.
وتاه يتوه أي هلك واضطرب عقله. وتشتت: أي تفرق.
والمراد بمن هو أحق به عليه السلام [هو] رسول الله صلى الله عليه وآله، وحمزة وجعفر، ومن لم يفارق الحق من الصحابة.
والمراجيح: الحكماء. وقال الجوهري: راجحته فرجحته: أي كنت أرزن منه، ومنه قوم مراجيح الحلم. انتهى.
والمقاويل: جمع مقوال: أي حسن القول أو كثيره. والمتاريك: جمع متراك أي كثير الترك.
قوله عليه السلام: " مضوا قدما " بالضم وبضمتين: أي متقدمين لا ينثنون. و " أوجفوا ": أي أسرعوا. و " الكرامة الباردة ": [هي] التي ليس فيها حر تعب، ولا مشقة حرب.
و " الذيال ": هو الذي يجر ذيله على الأرض تبخترا، يقال: ذال فلان وتذيل: أي تبختر. و " الميال ": الظالم.
قوله عليه السلام: " يأكل خضرتكم ": أي يستأصل أموالكم.
و " الخضرة " بفتح الخاء وكسر الضاد: الزرع والبقلة الخضراء والغصن. وإذابة الشحمة مثله كما قيل، والمراد تعذيب الأبدان.
قوله عليه السلام: " إيه أبا وذحة ": إيه: كلمة استزادة أي زد وهات.
وقال ابن أبي الحديد في قول السيد " الوذحة الخنفساء ":
أقول: لم أسمع هذا من شيخ من أهل اللغة، ولا وجدته في كتاب من كتب اللغة، والمشهور أن الوذح [هو] ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف.
ثم إن المفسرين بعد الرضي رضي الله عنه قالوا في قصة هذا الخنفساء وجوها:
منها أن الحجاج رأى خنفساء تدب إلى مصلاه فطردها، فعادت، ثم طردها فعادت، فأخذها بيده فقرصته قرصا، ورمت يده منه ورما كانت فيه حتفه. قتله الله تعالى بأهون خلقه، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة.
ومنها أن الحجاج كان إذا رآى خنفساء، يأمر بإبعادها ويقول: هذه وذحة من وذح الشيطان، تشبيها بالبعرة المعلقة بذنب الشاة.
ومنها أنه قد رأى خنفساوات مجتمعات، فقال: واعجبا! لمن يقول: إن الله خلق هذه. قيل: فمن خلقها أيها الأمير! قال: الشيطان، إن ربكم لأعظم شأنا من أن يخلق هذه الوذح. قالوا: فجمعها على " فعل " كبدنة وبدن، فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه.
ومنها: أن الحجاج كان مثفارا: أي ذا أبنة، وكان يمسك الخنفساء حية ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه. قالوا: ولا يكون صاحب هذا الداء إلا شانئا مبغضا لأهل البيت عليهم السلام. قالوا: ولسنا نقول كل مبغض فيه هذا الداء، بل [نقول:] كل من فيه هذا الداء فهو مبغض.
قالوا: وقد روى أبو عمر الزاهد - ولم يكن من رجال الشيعة - في أماليه وأحاديثه عن السياري، عن أبي خزيمة الكاتب قال: ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء، إلا وجدناه ناصبيا.
قال أبو عمر: وأخبرني العطافي عن رجاله، قالوا: سئل جعفر بن محمد
الصادق عليه السلام عن هذا الصنف من الناس، فقال لهم: رحم منكوسة، يؤتى ولا يأتي. وما كانت هذه الخصلة في ولي الله تعالى أبدا قط، ولا تكون أبدا وإنما كانت في الفساق والكفار والناصب للطاهرين.
وكان أبو جهل بن هشام المخزومي من القوم، وكان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله. قالوا: ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر:
يا مصفر أسته. [ثم قال ابن أبي الحديد:] ويغلب على ظني أنه [عليه السلام أراد] معنى آخر، وذلك أن عادة العرب أن تكني الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم، وإذا أرادت تحقيره [كنته] بما يستحقر ويستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية لعنه الله: أبو زنة، يعنون القرد. وكقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث: أبو الفار. وكقولهم للطفيلي: أبو لقمة. وكقولهم لعبد الملك: أبو الذبان لبخره. وكقول ابن بسام لبعض الرؤساء:
فأنت لعمري أبو جعفر * ولكننا نحذف الفاء منه وقال أيضا:
لئيم درن الثوب * نظيف القصب والقدر أبو النتن أبو الدفر * أبو البعر أبو الجعر فلنجاسته بالذنوب والمعاصي، كناه أمير المؤمنين عليه السلام أبا وذحة.
ويمكن أن يكنيه بذلك لدمامته في نفسه، وحقارة منظره، وتشويه خلقته، فإنه كان دميما قصيرا سخيفا، أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين، مجدور الوجه أصلع الرأس، فكناه بأحقر الأشياء وهو البعرة.
وقد روى قوم [هذه اللفظة بصيغة أخرى، قالوا]: " إيه أبا ودجة " قالوا:
[هي] واحدة الأوداج كناه بذلك، لأنه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف.
ورواه قوم " أبا وحرة " [بالراء المهملة] وهي دويبة تشبه الحرباء قصير الظهر، شبهه بها.
[ثم قال ابن أبي الحديد:] وهذا وما قبله ضعيف.
وأقول: الذبان - بكسر الذال وتشديد الباء - جمع الذباب، ومن عادته أن يجلس على المنتن . والقعب - بالفتح -: القدح الضخم. والدفر - بالمهملة ثم الفاء -: النتن والذل. وبالقاف مصدر دقر كفرح، إذا امتلأ من الطعام. والجعفر - بالفتح -: ما يبس من العذرة في المعجز: أي الدبر.
942 - نهج: [و] من كلام له عليه السلام وقد جمع الناس وحصنهم على الجهاد، فسكتوا مليا، فقال عليه السلام:
ما بالكم! أمخرسون أنتم!
فقال قوم منهم: يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك!
فقال [عليه السلام]: ما بالكم - لا سددتم لرشد ولا هديتم لقصد؟ أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج! وإنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الخراج والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المسلمين [المطالبين " خ ل "] ثم أخرج في كتيبة أتبع أخرى، أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحا تدور علي، وأنا بمكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، واضطرب ثفالها، هذا لعمر الله الرأي السوء.
والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو - لو قد حم لي لقاؤه - لقربت ركابي، ثم شخصت عنكم فلا أطلبكم ما اختلف جنوب وشمال. [طعانين عيابين حيادين رواغين]. إنه لا غناء في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم.
لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها إلا هالك، من استقام فإلى الجنة ومن زل فإلى النار.
بيان:
قال ابن أبي الحديد [وهذا كلام] قاله [أمير المؤمنين] عليه السلام، في بعض غارات أهل الشام على أطراف العراق، عند انقضاء أمر صفين والنهروان. قوله: " مليا ": أي ساعة طويلة. [و] قوله عليه السلام: " لا سددتم " بالتخفيف والتشديد: دعاء عليهم بعدم السداد والاستقامة لما فيه رشدهم وصلاحهم. والقصد من الأمور: المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط.
والشجعاء: جمع شجيع. وفي بعض النسخ: " شجعانكم " وهو بالضم والكسر: جمع شجاع. والبأس: الشجاعة. والكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش.
والتقلقل: التحرك. والقدح - بالكسر -: السهم. والجفير: الكنانة. وقيل: وعاء السهام أوسع من الكنانة.
والغرض [من هذا] التشبيه، في اضطراب الحال والانفصال عن الجنود والأعوان ، بالقدح الذي لا يكون حوله قداح تمنعه من التقلقل ولا يستقر في مكانه.
" واستحار مدارها ": أي اضطرب. والمدار هنا مصدر. كذا ذكره ابن أبي الحديد، ولم نجده بهذا المعنى في اللغة. [و] قال الجوهري: المستحير: سحاب ثقيل متردد ليس له ريح تسوقه. فالأنسب أن يكون [كلامه عليه السلام] كناية عن الوقوف عن الحركة.
والثفال: الجلد الذي يوضع عليه الرحى، ليسقط عليه الدقيق ويسمى
الحجر الأسفل من حجري الرحى أيضا ثفالا، ولعله أنسب.
قوله عليه السلام: " لو قد حم لي " على [بناء] المجهول: أي قضي وقدر.
والركاب: الإبل التي يسار عليها. وشخوص المسافر: خروجه. والاختلاف:
التردد. ويحتمل [أيضا] المخالفة. والغناء بالفتح والمد: النفع.
[قوله عليه السلام:] " لا يهلك عليها ": أي كائنا عليها أو بسببها.
والطريق يذكر ويؤنث. [وقوله] " من استقام ": أي اعتزل ولزم الطريق الواضح. " ومن زل ": أي زلق وعدل عن الطريق.
943 - نهج: من خطبة له عليه السلام:
أيها الناس! إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف:
منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض، إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره.
ومنهم المصلت بسيفه والمعلن بشره [بسره " خ "] والمجلب بخيله ورجله، قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه، ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا.
ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا.
قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية.
ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرته
الحال على [عن " خ "] حاله، فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى.
وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناد، وخائف مقموع، وساكت مكعوم، وداع مخلص، وثكلان موجع، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة. فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامزة وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا.
فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حثالة القرظ وقراضة الجلم، واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف به منكم.
بيان:
عند عن الطريق - كنصر -: عدل ومال. والعنود فعول بمعنى فاعل.
وقيل: مفاعل. والزمن اسم لقيل الوقت وكثيره. وقيل: الشديد بمعنى البخيل.
وفي بعض النسخ: " وزمن كنود ": وهو الكفور. وقيل: اللوام. ووصف الزمان بتلك الأوصاف توصيف لأهله.
وعد المحسن مسيئا، إما لعدم الإذعان بالحق، أو لحملهم الأفعال الجميلة على المحامل القبيحة، كزعم العابد مرائيا. والعتو: الاستكبار ومجاوزة الحد.
قوله عليه السلام: " لا ننتفع " التعبير بلفظ المتكلم مع الغير، من قبيل:
" إياك أعني واسمعي يا جارة " وعدم الانتفاع بالعلم لترك العمل، وعدم السؤال لعدم العلم بفضله مع عدم الرغبة في العمل به.
والقارعة: الخطب العظيم والداهية. ومهانة النفس: حقارتها. [مشتقة] من " مهن " أو " هان ". وكل حد السيف وغيره، إذا وقف عن القطع.
[قوله عليه السلام:] " ونضيض وفره ": أي قلة ماله. وهذا القسم هم المريدون للدنيا غير القادرين عليها.
والمجلب: اسم فاعل من أجلب عليهم: أي تجمع وتألب. وكذلك إذا صاح به واستحثه. وأجلبه: أي أعانه. والرجل: جمع راجل.
" قد أشرط نفسه ": أي هيأها وأعدها للفساد في الأرض. والحطام: المال وأصله ما تكسر من اليبس. والانتهاز: الاختلاس والاستلاب بقدر الإمكان.
والمقنب بكسر الميم وفتح النون -: الجمع من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين. [و] " يفرعه ": أي يعلوه.
وعمل الدنيا: ما يفعله المكلف فيها أو ما يصير بانضمام القربة والتوصل به إلى الطاعة طاعة.
" وقد طامن ": أي خفض. ويقال: طامن منه أي سكنه. " وقارب من خطوه ": أي لم يسرع ومشى رويدا. " وشمر " [من ثوبه] ": أي قصر ثوبه أو رفعه إظهارا لمتابعة السنة. " وزخرف ": أي زين [نفسه] للأمانة، أي لأن يجعلوه أمينا على أموالهم وأعراضهم ويحتمل تعلقه بالأخير وبالجميع.
[قوله عليه السلام:] " واتخذ ستر الله ": أي التقوى والعمل بشرائع الدين، فإن الله حرم تتبع عورات من ظاهره الصلاح وذكر عيوبه.
قال الكيدري في كتاب المضاف والمنسوب ستر الله الإسلام، والشيب، والكعبة، وضمائر صدور الناس. يعني جعل ظاهر الإسلام وما يجنه صدره، بحيث لا يطلع عليه مخلوق وسيلة وطريقا إلى معصية الله. انتهى.
وأقول: يحتمل أن يكون المراد أنه اتخذ ستر الله على عيوبه، حيث لم يفضحه ولم يطلع الناس على بواطنه، ذريعة إلى أن يخدع الناس.
والضئولة: الحقارة. والسبب: الحبل، وما يتوصل به إلى غيره. والمراح:
المكان الذي تأوي إليه الماشية في الليل. والمغدى: ما تأوي إليه بالغداة ولعل المعنى: ليس يومه كيومهم في الصوم وغيره، ولا ليله كليلهم في العبادات.
والمرجع - بكسر الجيم -: مصدر أو اسم مكان، والمراد به من إليه مصير العباد أو القيامة أو الرجوع إليهما.
[والمراد من قوله عليه السلام: " غض أبصارهم ذكر المرجع: هو] غض البصر عن المعاصي، أو الأعم لخشوعهم، أو للحياء، أو [غضهم] أبصار قلوبهم عما سوى الله.
والشريد: الطريد. والناد: المنفرد والمراد به المتوحش من الناس الذاهب في الأرض، إما لعدم صبره على رؤية المنكرات، أو لكثرة أذى الظالمين في الأوطان، لإنكاره المنكر وأشباه ذلك.
وقمعه: ضربه بالمقمعة وقهره وذلله. والمكعوم: الذي لا يمكنه الكلام، كأن شد فوه من التقية بالكعام الذي يجعل في فم البعير عند الهياج. والثكل:
الحزن على فقد الأقارب.
ولعل المعنى: أن بعضهم ترك الأوطان أو مجامع الناس لما ذكر، وبعضهم لم يترك ذلك، وينكر منكرا ثم يخاف مما يجري عليه بعد ذلك، ومنهم من هو بينهم ولا ينهاهم تقية ومعرض عنهم ومشتغل بالدعاء، ومنهم من هو بينهم بالضرورة ويرى أعمالهم ولا يؤثر نهيه فيهم، فهو كالثكلان الموجع.
وخمل ذكره وصوته خفي.
[قوله عليه السلام:] " فهم في بحر أجاج " كناية عن عدم استمتاعهم بالدنيا، كالسابح في ماء مالح، فإنه لا يمكنه التروي منه وشربه وإن بلغ غاية العطش.
[قوله عليه السلام] " أفواههم ضامزة " بالزاي المعجمة، أي ساكنة. أو
بالراء المهملة: كناية عن صومهم وعدم أكلهم من المحرمات والشبهات.
قال الكيدري:: أي ساترة خفية من الضمير. ويروى بالزاي: أي مشدودة بالسكوت.
" وقلوبهم قرحة ": لكثرة المنكرات مع عدم تمكنهم من إنكارها، أو لخوفهم من الله أو من الناس.
و " القرض ": ورق السلم يدبغ به. وحثالته: ما يسقط منه. و " الحلم ":
المقص يجز به أوبار الإبل. وقراضته: ما يسقط من قرضه وقطعه.
[قوله عليه السلام:] " وارفضوها ذميمة ": أي اتركوا ما حاله الحقارة.
والذمامة. والشغف: الحب الشديد.
944 - نهج: من خطبة له عليه السلام: إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، ولا يغدر من علم كيف المرجع.
ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة.
ما لهم قاتلهم الله! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.
بيان:
الوفاء: لزوم العهد والبقاء عليه كما ينبغي ويكون في الأفعال والأقوال.
والصدق يعم العهد وغيره فبينهما عموم من وجه.
وقد يقال: الوفاء في الإنشاء [خاصة] والصدق في الأخبار، ولا يجتمعان.
ويرده صادق الوعد وإن كان مجازا، والمراد تلازمهما غالبا مع تشاركهما في الفضل، وترتب الآثار الحسنة.
و " المرجع ": مصدر، أي الرجوع إلى الله. أو اسم مكان. والكيس:
الفطنة والذكاء. والضمير في " فيه " راجع إلى الزمان أو الغدر.
و " الحول القلب ": هو الذي كثر تحوله وتقلبه في الأمور وجربها وعرف وجوهها. والوجه: الجهة.
والضمير في [قوله:] " دونه " يعود إليه: في قبل الوصول إليه. أو إلى " الحول ": أي امامه. وفي بعض النسخ: " دونها " فيعود إلى الحيلة.
" رأي عين ": أي رؤية معاينة فهو منصوب على المصدر من [قوله:] " يدع " بتقدير موصوف: أي يتركها تركا معاينا غير ناش عن غفلة، أو [منصوب] على الحالية: أي حال كونها مرئية له.
وجوز بعضهم في قوله تعالى: " يرونهم مثليهم رأي العين " [13 / آل عمران 3] أن يكون ظرف مكان. والحريجة: التحرج ، وهو التحرز من الحرج والإثم. وقيل: الحريجة: التقوى.
945 - نهج: من كلام له عليه السلام في ذم أهل العراق:
أما بعد يا أهل العراق، فإنما أنتم كالمرأة الحامل، حملت فلما أتمت أملصت ومات قيمها، وطال تأيمها وورثها أبعدها.
أما والله ما أتيتكم اختيارا، ولكن جئت إليكم سوقا. ولقد بلغني أنكم تقولون: " علي يكذب "، قاتلكم الله فعلى من أكذب أعلى الله! فأنا أول من
آمن به! أم على نبيه فأنا أول من صدقه!
كلا والله، ولكنها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها، ويل أمه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء! ولتعلمن نبأه بعد حين.
توضيح:
" أملصت " ألقت ولدها ميتا. والمملاص: معتادته. وقيم المرأة: زوجها چ لأنه يقوم بأمرها. وتأيم المرأة خلوها من الزوج.
و [قوله عليه السلام:] " [وورثها] أبعدها ": أي من لم يكن له قرابة الولد ونحوه.
والتشبيه بالمرأة الموصوفة چ لأنهم تحملوا مشاق الحرب، فلما قرب الظفر رضوا بالتحكيم وحرموا الظفر، وصار بعضهم خوارج وبعضهم شكاكا.
والمراد بالسوق: الاضطراري، كأن القضاء ساقه عليه السلام إليهم، فإنه خرج لقتال أهل الجمل، واحتاج إلى الاستنصار بأهل الكوفة، واتصلت تلك الفتن بفتنة أهل الشام، فاضطر إلى المقام بينهم. وفي بعض النسخ: " ولا جئتكم شوقا ".
و " قاتلكم الله ": أي قتلكم الله أو لعنكم الله. " وكلا " للردع والإنكار.
أو بمعنى حقا.
واللهجة: اللسان، ويتجوز بها عن الكلام. والمراد إما لهجته عليه السلام ": أي [إن] ما أخبركم به أمور غابت عقولكم الضعيفة عن إدراكها ولستم أهلا لفهمها.
أو لهجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي سمعت كلامه صلى الله عليه وآله، ولم تسمعوه ولو سمعتموه لم تكونوا من أهله.
والويل: حلول الشر [أ] وكلمة عذاب، أو واد في جهنم. وإضافته إلى
الأم، دعاء عليها بأن تصاب بأولادها، من قبيل " ثكلته أمه ". والضمير [في " أمه "] راجع إلى المكذب. وقيل: [الضمير راجع] إلى ما دل عليه الكلام من العلم الذي خصه به الرسول صلى الله عليه وآله. ويقال: هذه الكلمة قد تطلق للتعجب والاستعظام، يقال : ويل أمه فارسا، ومرادهم التعظيم والمدح.
و " كيلا ": انتصب لأنه مصدر في موضع الحال أو تمييز: أي أنا أكيل لكم العلم والحكمة كيلا، ولا أطلب لذلك ثمنا لو وجدت حاملا للعلم.
وقيل: الكلمة تستعمل للترحم والتعجب، والضمير راجع إلى الجاهل المكذب، فالمفاد الترحم عليهم لجهلهم، أو التعجب من قوة جهلهم، أو من كثرة كيله للحكم عليهم مع إعراضهم عنها.
وقال [ابن الأثير في مادة " ويل " من كتاب] النهاية: قد يرد الويل بمعنى التعجب. ومنه الحديث: " ويل أمه مسعر حرب " تعجبا من شجاعته وجرأته وإقدامه، ومنه حديث علي عليه السلام: " ويلمه كيلا بغير ثمن لو أن له وعاء ": أي يكيل العلوم الجمة بلا عوض، إلا أنه لا يصادف واعيا.
وقيل: " وي ": كلمة مفردة. [" ولأمه " أيضا كلمة مفردة] وهي كلمة تفجع وتعجب، وحذفت الهمزة من " أمه " تخفيفا، وألقيت حركتها على اللام، وينصب ما بعدها على التمييز. انتهى.
والحين - بالكسر -: الدهر أو وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر، والمعنى لتعلمن ثمرة تكذبكم وإعراضكم عما أبين لكم، وأني صادق فيما أقول.
946 - نهج: من خطبة له عليه السلام:
أما بعد، فإن الله سبحانه لم يقصم جباري دهر قط، إلا بعد تمهيل
ورخاء. ولم يجبر عظم أحد من الأمم، إلا بعد أزل وبلاء. وفي دون ما استقبلتم من خطب [عتب " خ "] واستدبرتم من خطب [خصب " خ "] معتبر، وما كل ذي قلب بلبيب، ولا كل ذي سمع بسميع، ولا كل ذي ناظر ببصير.
فيا عجبا! وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب يعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات.
بيان:
القصم: الكسر. والتمهيل: التأخير وكذلك الإرجاء والرخاء: سعة العيش. والجبر: إصلاح الكسر [وهو هنا] كناية عن دفع الجبارين والظالمين.
[قوله:] " وفي دون ": أي [في] أقل من ذلك. والأزل - بالفتح -: الضيق والشدة.
[قوله:] " ما استقبلتم من خطب ": أي شأن وأمر وداهية. وروي " من عتب ": أي مشقة. قيل: يعني ما لاقوه في مستقبل زمانهم من الشيب وولاة السوء وتنكر الوقت.
" وما استدبرتم من خطب ": يعني ما تقدم من الحروب والوقائع التي قضوها. ويروى من " خصب " وهو رخاء العيش. فيمكن أن يراد بالأمور المستقبلة والمستدبرة جميعا المواضي بإعتبارين.
قوله عليه السلام: " لا يعفون " في النسخ بالتشديد: من العفة، فالمراد
بالعيب عيوب أنفسهم، وفي بعضها بالتخفيف فالمراد عيوب غيرهم.
[قوله عليه السلام: " يعملون "] في الشبهات ": [لفظة] " في " بمعنى الباء، أو فيه توسع.
قوله عليه السلام " [المعروف فيهم] ما عرفوا ": أي بعقولهم وأهوائهم.
[وقوله عليه السلام:] " قد أخذ منها ": الضمير راجع إلى النفس أو إلى المبهمات والمعضلات. 947 - نهج: من خطبة له عليه السلام في خطاب أصحابه:
وقد بلغتم من كرامة الله منزلة، تكرم بها إماؤكم، وتوصل بها جيرانكم، ويفضلكم من لا فضل لكم عليه ولا يدلكم عنده، ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة ولا لكم عليه إمرة، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون، وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون. وكانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع، فمكنتم الظلمة من منزلتكم وألقيتم إليهم أزمتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات.
وأيم الله لو فرقوكم تحت كل كوكب، لجمعكم الله لشر يوم لهم.
بيان:
الوصل: ضد القطع والهجران. [و المراد من قوله:] " جيرانكم ": أي أهل الذمة والمعاهدين، ويحتمل المجاورين في المسكن.
قوله عليه السلام: " من لا فضل لكم عليه ": كتعظيم الروم والحبشة مسلمي العرب.
قوله عليه السلام: " من لا يخاف لكم سطوة ": كالملوك في أقاصي البلاد، لما شاع وذاع من أنهم قوم صالحون، إذا دعوا الله استجاب لهم، وينصرهم بملائكته كما قيل.
قوله عليه السلام: و " أنتم " الواو للحال. والذمة: العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.
وأنف - كفرح -: استنكف. والغرض توبيخهم على تركهم إنكار المنكرات.
والمراد بنقض العهود ما ظهر من الناكثين والقاسطين والمارقين وغيرهم من نقض البيعة وقتل المسلمين والإغارة عليهم، ولا ريب أن السكوت عن إنكار تلك المنكرات مع الاستنكاف عن نقض ذمم الآباء، يدل على أن عهود الله أضعف عندهم من عهود آبائهم، وهو في حد الكفر.
[قوله عليه السلام:] " وكانت أمور الله عليكم ترد ": أي وأنتم المخاطبون بالأوامر والنواهي، أو كنتم قبل ذلك في أيام الرسول صلى الله عليه وآله، موارد أمور الله ومصادرها، مطيعين له منكرين للمنكرات.
وكأن المراد بالورود، السؤال. وبالصدور، الجواب، وبالرجوع، التحاكم.
ويمكن تعميم الورود والصدور، فالمراد بالرجوع. رجوع النفع والضر في الدارين. وقيل: أي كانت أمور الله عليكم ترد: أي بتعليمي لكم، وعنكم تصدر إلى من تعلمونه إياها، ثم إليكم ترجع بأن يتعلمها بنوكم وإخوتكم منهم.
[قوله عليه السلام:] " لشر يوم ": أي يوم ظهور المسودة، أو خروج المهدي عليه السلام. والجمع: في الرجعة، أو المراد جمع صنفهم.
948 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام:
ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، أني لم أرد على الله سبحانه ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته [آسيته " خ "] في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر الأقدام، نجدة أكرمني الله بها.
ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي. ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم، يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه.
فمن ذا أحق به مني حيا وميتا، فانفذوا على بصائركم، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم، فوالذي لا إله إلا هو، إني لعلى جادة الحق، وإنهم لعلى مزلة الباطل. أقول ما تسمعون وأستغفر الله [العظيم " خ "] لي ولكم.
بيان:
استحفظته الشئ أودعته عنده وسألته أن يحفظه. و " المستحفظون " - على بناء المفعول -: المطلعون على أسرار الرسول صلى الله عليه وآله وسيرته، الصادقون في الشهادة الذي لم يغيروا ولم يبدلوا للأغراض الدنيوية.
وقال ابن أبي الحديد: الظاهر أنه عليه السلام يومئ في قوله: " لم أرد على الله... " إلى أمور وقعت عن غيره.
ثم ذكر أمورا كثيرة من مخالفات عمر ومعارضاته لرسول الله صلى الله عليه وآله.
و [أيضا] قال [ابن أبي الحديد] في [شرح] قوله عليه السلام: " ولقد آسيته بنفسي ": يقال: واسيته، بالهمزة أفصح. وهذا مما اختص عليه السلام بفضيلته غير مدافع، ثبت معه يوم أحد. وفر الناس، وثبت معه يوم حنين وفر الناس، وثبت يوم خيبر حتى فتحها وفر من كان بعث بها قبله. انتهى.
وقال الجوهري: نكص ينكص [من باب ضرب] وينكص [من باب نصر] رجع. و " نجدة ": منصوب على المصدر لفعل محذوف وهي الشجاعة.
[قوله عليه السلام:] " وإن رأسه لعلى صدري ": قيل: لعله أسنده إلى صدره عند اشتداد علته، أو كان رأسه صلى الله عليه وآله على ركبته، فيكون رأسه في صدره عند إكبابه عليه.
وقد يقال: المراد بسيلان النفس، هبوب النفس عند انقطاع الأنفاس.
وقيل: أراد بنفسه دمه. يقال: إن رسول الله قاء عند وفاته دما يسيرا، وأن عليا مسح بذلك وجهه. ولا ينافي ذلك نجاسة الدم، لجواز أن يخصص دم الرسول صلى الله عليه وآله.
والضجيج: الصياح عند المكروه والجزع. والهيمنة: الكلام الخفي لا يفهم. والصلاة: تحتمل الحقيقة والدعاء.
وانتصاب قوله: " حيا وميتا " بالحالية عن الضمير المجرور في [قوله:] " به "، لا عن الضمير في " مني " كما لا يخفى.
قوله عليه السلام: " فانفذوا ": أي أسرعوا إلى الجهاد على بصيرة منكم.
والمزلة الموضع الذي يزل فيه الإنسان كالمزلقة.
949 - نهج: [و] من له كلام عليه عليه السلام:
أيها [أيتها " خ "] النفوس المختلفة، والقلوب المتشتتة الشاهدة أبدانهم، والغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد، هيهات! أن أطلع بكم سرار العدل، أو أقيم اعوجاج الحق.
اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك.
اللهم إني أول من أناب، وسمع وأجاب، لم يسبقني بالصلاة إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة.
بيان:
" الغائبة عنهم عقولهم ": غيبة العقول عن أربابها، أبلغ في الدلالة من غيبتها عمن اعتبر الشهود بالنسبة إليه.
" أظأركم ": أي أعطفكم. يقال: ظأرت الناقة إذا عطفت على ولد غيرها.
وقال الجوهري: المعز من الغنم: خلاف الضأن، وهو اسم جنس، وكذلك المعزى. والوعوعة: الصوت.
قوله عليه السلام: " هيهات ": قال ابن أبي الحديد: يفسره الناس بمعنى هيهات أن أطلعكم مضيئين ومنورين سرار العدل! والسرار آخر ليلة من الشهر، وتكون مظلمة، ويمكن أن يفسر بوجه آخر، وهو أن يكون السرار بمعنى السرور وهو خطوط مضيئة في الجبهة وهو نص أهل اللغة على أنه يجوز فيه السرار. قالوا: ويجمع السرار على أسرة. ويقولون: برقت أسرة وجهه،
فالمعنى: هيهات أن تلمع بكم لوامع العدل ويبرق وجهه!
ويمكن أن ينصب " سرار " على الظرفية، ويكون التقدير: هيهات أن أطلع بكم الحق زمان استسراره واستخفائه، فيكون قد حذف المفعول وحذفه كثير.
وقال الكيدري: سرار الشهر وسرره: آخر ليلة منه. والسرار: المسارة من السر. وجمع سرر: الكتف والجبهة: و " سرار العدل ": أي في سرار [العدل] فحذف حرف الجر ووصل الفعل.
وقيل: أي هيهات أن أظهر بمعونتكم ما خفي واستسر من أقمار العدل وأنواره! انتهى.
[أقول:] ولعل المراد ب " الذي كان ": [هو] الرغبة في الخلافة أو الحروب أو الجميع. و " لم يكن ": ناقصة، و " كان " تامة. والمنافسة: المغالبة في الشئ.
و " الحطام ": ما تكسر من اليبس، وهو كناية عن متاع الدنيا. والمراد بفضوله:
زخارفها وزينتها وما لا يحتاج إليه منها. ومعالم الدين: الآثار التي يهتدى بها.
والإنابة: الرجوع .
قوله عليه السلام: " نهمته ": أي حرصه وجشعه على أموال رعيته.
ومن رواه " نهمة " - بالتحريك - فهي إفراط الشهوة في الطعام. والجفاء:
خلاف البر والصلة، ورجل جافي الخلقة والخلق: أي منقبض غليظ.
[قوله عليه السلام:] " فيقطعهم ": أي عن الوصول إليه أو عن حاجاتهم أو بعضهم عن بعض لتفرقهم. والأول أظهر وإن لم يكن يذكره أحد.
قوله عليه السلام: " ولا الحائف " بالحاء المهملة: من الحيف وهو الظلم والجور.
والدول بضم الدال المهملة: جمع الدولة - بالضم - وهي اسم المال
المتداول، قال الله تعالى: (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [76 / الحشر: 59]: أي إذا لم يقسم الإمام بالسوية، ويخص بالمال بعضهم دون بعض، فيتخذ قوما دون قوم فيفرق المسلمين.
وروي " الخائف " بالمعجمة. والدول - بكسر الدال جمع دولة - بالفتح - وهي الغلبة: أي من يخاف دول الأيام وتقلب الدهور، فيتخذ قوما يتوقع نفعهم في دنياه، ويقويهم ويضعف آخرين.
قوله عليه السلام: " دون المقاطع ": أي يقف عند مقطع الحكم فلا يقطعه، بأن يحكم بالحق بل يحكم بالباطل، أو يسوف الحكم حتى يضطر المحق ويرضى بالصلح، فيذهب بعض حقه. ويحتمل أن يكون " دون " بمعنى غير ":
أي يقف في غير مقطعه.
وقال ابن أبي الحديد: فإن قلت: أفتراه عنى بهذا قوما بأعيانهم؟ قلت:
الإمامية تزعم أنه رمز بالجفاء والعصبية لقوم دون قوم إلى عمر. ورمز بالجهل إلى من كان قبله، ورمز بتعطيل السنة إلى عثمان ومعاوية. انتهى.
والأظهر أن المراد بالبخيل [هو] عثمان، لما هو المعلوم من أكله أموال المسلمين، ولما مر منه عليه السلام في [الخطبة] الشقشقية. و [المراد] ب " الجاهل " جميعهم. وب " الجافي " عمر كما مر [أيضا] في [الخطبة] الشقشقية.
وب " الحائف للدول " عمر وعثمان كما هو المعلوم من سيرتهما. وب " المعطل للسنة " أيضا جميعهم.
950 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام:
ليتأس صغيركم بكبيركم، وليرؤف كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية، لا في الدين يتفقهون، ولا عن الله يعقلون، كقيض بيض في أداح
يكون كسره وزرا، ويخرج حضانها شرا..
[و] منها: افترقوا بعد ألفتهم، وتشتتوا عن أصلهم، فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه، على أن الله تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية، كما تجتمع قزع الخريف، يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثم يفتح الله لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين، حيث لم تسلم عليه قارة، ولم تثبت له أكمة، ولم يرد سننه رص طود، ولا حداب أرض. يذعذعهم الله في بطون أوديته، ثم يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، ويمكن لقوم في ديارهم قوم.
وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين، كما تذوب الألية على النار.
أيها الناس! لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم، لكنكم تهتم متاه بني إسرائيل. ولعمري ليضعفن لكم التيه من بعدي أضعافا، بما خلفتم الحق وراء ظهوركم، وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد.
واعلموا أنكم إن اتبعتم الداعي لكم، سلك بكم منهاج الرسول، وكفيتم مؤنة الاعتساف، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق.
إيضاح:
[لزوم] تأسي الصغير بالكبير، لأنه أكثر تجربة وأحزم.
وقال الكيدري: أي ليتأس من صغر منزلته في العلم والعمل بمن له متانة فيهما، وليرحم كل من له جاه ومنزلة في الدنيا بالمال والقوة كل من دونه.
و " القيض " بالفتح قشرة البيض العليا اليابسة. وقيل: التي خرج ما فيها من فرخ أو ماء. وفي بعض النسخ: " كبيض هيض ": أي كسر. والأداحي:
جمع الأدحي بالضم، وقد يكسر وهو الموضع الذي تبيض فيه النعامة وتفرخ، وهو أفعول من دحوت، لأنها تدحوه برجلها: أي تبسطه، ثم تبيض فيه وليس للنعام عش.
وقال ابن أبي الحديد: وجه الشبه، أنه إن كسرها كاسر أثم، لأنه يظن بيض القطاة، وإن لم يكسر، يخرج حضانها شرا، إذ يخرج أفعى قاتلا. واستعار لفظ الأداحي للأعشاش مجازا، لأن الأداحي لا يكون إلا للنعام.
وقال ابن ميثم: نهاهم أن يشبهوا جفاة الجاهلية في عدم تفقههم في الدين، فيشبهون إذا بيض الأفاعي في أعشاشها. ووجه الشبه أنه إن كسره كاسر أثم، لتأذي الحيوان به، فكذلك هؤلاء إذا أشبهوا جفاة الجاهلية، لا يحل أذاهم لحرمة الإسلام، وإن أهملوا وتركوا على الجهل، خرجوا شياطين.
والحضان بالكسر: مصدر، حضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه، وهو مرفوع بالفاعلية.
قوله عليه السلام: " افترقوا... " يذكر حال أصحابه وشيعته.
وقال ابن أبي الحديد: الأخذ بالغصن من تمسك بعده عليه السلام بذرية الرسول صلى الله عليه وآله، وتقدير الكلام: ومنهم من لا يكون كذلك.
ثم ذكر عليه السلام أن الفريقين يجتمعان لشر يوم. و " القزع " جمع قزعة وهي سحب صغار تجتمع فتصير ركاما، والركام: ما كثف من السحاب.
و " مستثارهم " موضع ثورانهم وهيجانهم.
والجنتان هما اللتان ذكرهما الله في القرآن في قصة أهل سبأ. والقارة:
الجبل الصغير. والأكمة: الموضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا. و " سننه ": طريقه. وطود مرصوص: أي جبل شديد التصاق الأجزاء بعضها ببعض. والحداب: جمع حدبة وهي الروابي والنجاد. والذعذعة:
التفريق ولعلها كناية عن اختفائهم بين الناس، ثم إظهارهم بالإعانة والتأييد.
والمراد بالقوم ثانيا آل الرسول صلى الله عليه وآله، وهو إشارة إلى ظهور بني عباس وانقراض بني أمية.
وقوله عليه السلام: " وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم ": يحتمل أن يكون إشارة إلى ذهاب ملك بني أمية أو بني العباس.
وتاه في الأرض: ذهب متحيرا، والمتاه مصدر. والمراد بالأدنى نفسه عليه السلام، وبالأبعد من تقدم عليه. و [المراد ب] الداعي هو عليه السلام أو القائم عليه السلام. والاعتساف: سلوك غير الطريق. وفدحه الدين: أثقله.
والمراد بالثقل الفادح الاثم والعذاب في الآخرة أو الأعم.
951 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: أما بعد أيها الناس! فأنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها.
فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا ومن يموت منهم موتا!
ولو قد فقدتموني ونزلت [بكم " خ "] كرائه الأمور وحوازب الخطوب، لأطرق كثير من السائلين، وفشل كثير من المسؤولين، وذلك إذا قلصت حربكم، وشمرت عن ساق، وضاقت [و كانت " خ "] الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه أيام البلاء عليكم، حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم.
ألا إن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات، يحمن حوم الرياح يصبن بلدا ويخطئن بلدا.
ألا [و] إن أخوف الفتن عندي عليكم، فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها.
وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس، تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها. لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم، أو غير ضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، ولسنا فيها بدعاة.
ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم، بمن يسومهم خسفا، ويسوقهم عنفا، ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف، ولا يحلسهم إلا الخوف، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يروني [يرونني " خ "] مقاما واحدا، ولو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني.
إيضاح:
قال ابن أبي الحديد: هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة، وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه الله. ثم ذكر بعض الألفاظ المتروكة منها:
قوله عليه السلام: " ولم يكن ليجترئ عليها غيري، ولو لم أك فيكم ما قوتل أهل الجمل والنهروان. وأيم الله لولا أن تتكلوا فتدعوا العمل، لحدثتكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله، لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم، عارفا للهدى الذي نحن عليه .
سلوني قبل أن تفقدوني، فإني ميت عن قريب أو مقتول، بل قتلا. ما ينتظر أشقاها أن يخضب هده بدم هذه! وضرب [عليه السلام] بيده على لحيته.
ومنها في ذكر بني أمية: يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى يملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا، إلى أن يضع الله عز وجل جبروتها، ويكسر عمدها، وينزع أوتادها. ألا وإنكم مدركوها، فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤجروا، ولا تمالئوا عليهم عدوهم، فيصير عليهم البلية ويحل بكم النقمة. ومنها: إلا مثل انتصار العبد من مولاه، إذا رآه أطاعه، وإذا توارى عنه شتمه. وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم.
ومنها: فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله [الفتنة] برجل منا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الإماء، لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا، موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر، حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا. يغريه الله ببني أمية، حتى يجعلهم حطاما ورفاتا " ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ".
ثم قال [ابن أبي الحديد:] فإن قيل: فمن هذا الرجل الموعود به! قيل:
أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر، وأنه ابن أمة اسمها نرجس.
وأما أصحابنا، فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان، لأم ولد وليس بموجود الآن.
فإن قيل: فمن يكون من بني أمية في ذلك الوقت موجودا حتى ينتقم منهم؟
قيل: أما الإمامية فتقول بالرجعة، ويزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية وغيرهم، إذا ظهر إمامهم المنتظر، وأنه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم، ويسمل عيون بعضهم ويصلب قوما آخرين، وينتقم من أعداء آل محمد عليهم السلام المتقدمين [منهم] والمتأخرين.
وأما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة عليها السلام يستولي على السفياني وأشياعه من بني أمية.
ثم قال: فإن قيل: لماذا خص أهل الجمل وأهل النهروان بالذكر، ولم يذكر [أهل] صفين ؟ قيل: لأن الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس، أما أهل الجمل [ف] لحسن ظنهم بطلحة والزبير، وكون عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله معهم.
وأما أهل النهروان، فكانوا أهل قرآن وعبادة واجتهاد، وعزوف عن الدنيا، وهم كانوا قراء العراق وزهادها.
وأما معاوية، فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الإسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره، عمرو بن العاص ومن اتبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز قتالهم
ومحاربتهم. انتهى.
قوله عليه السلام: " فأنا فقأت " يقال: فقأت العين: أي شققتها أو قلعتها بشحمها، أو أدخلت الإصبع فيها. وفقأ عين الفتنة: كسر ثورانها. وحذف المضاف - أي عين أهلها - بعيد.
وعدم اجتراء غيره عليه السلام على إطفاء تلك الفتنة، لأن الناس كانوا يهابون قتال أهل القبلة، ويقولون: كيف نقاتل من يؤذن كأذاننا ويصلي بصلاتنا؟
والغيهيب: الظلمة وتموجها وعمومها وشمولها، تشبيها لها بالبحر.
والكلب - بالتحريك -: داء يعرض الإنسان من عض الكلب، والعطش. والمراد شرها وأذاها.
والفئة: الطائفة والجماعة [و] لا واحد لها من لفظها. وناعقها: الداعي لها، أو إليها. والمناخ - بضم الميم - موضع الإناخة. والركاب: الإبل التي يسار عليها. والواحدة: راحلة والرحل - بالفتح -: كل شئ يعد للرحيل. وحططت الرحل: أنزلته عن الإبل. والمحط: اسم مكان. وقيل: هو والمناخ مصدران.
والكريهة: النازلة: وكرائه الأمور: المصائب التي تكرهها النفوس. والحوازب:
جمع حازب. وهو الأمر الشديد، وحزبه أمر: اشتد عليه ودهمه. والخطب - بالفتح -: الشأن والحال والأمر الذي تقع فيه المخاطبة. والإطراق: السكوت، وإطراق السائل لصعوبة الأمر وشدته [عليه] حتى أنه يبهته عن السؤال ويتحير كيف يسأل. والفشل: الجبن والضعف.
قوله عليه السلام: " وذلك ": أي النزول والإطراق والفشل. و " قلصت " بالتشديد: أي اجتمعت وانضمت.. والحرب إذا كانت في موضع واحد يكون أشد وأصعب ويكون التشديد للمبالغة. وهي بالتخفيف بمعنى ارتفعت فالمراد شدتها وكثرتها.
ويقال: [هي] بالتشديد بمعنى استمرت في المضي. ويقال: قلص قميصه فقلص تقليصا: أي شمر. لازم [و] متعد.
وفي بعض النسخ: " قلصت حربكم عن ساق " بدون كلمة " شمرت ".
ويروى " إذا قلصت عن حربكم " بالتخفيف: أي إذا انكشفت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم.
و " شمرت عن ساق ": أي كشفت عن شدة ومشقة كما قيل في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) [42 / القلم: 68]. وقيل: كشف الساق مثل في اشتداد الأمر وصعوبة الخطب. وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب.
وقيل: يكشف عن ساق: أي عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا. ويحتمل أن يكون الغرض تشبيه الحرب بالمجد في أمر، فإن الإنسان إذا جد في السعي شمر عن ساقه ورفع ثوبه لئلا يمنعه.
واستطالة الأيام: عدها طويلة. ويوم البؤس والشدة يطول على الإنسان.
ولعل المراد ببقية الأبرار، أولادهم وإن لم يكونوا أبرارا في أنفسهم، إن كان [الكلام] إشارة إلى دولة بني العباس. والأظهر أنه [عليه السلام] أراد القائم عليه السلام.
قوله عليه السلام: " شبهت " على المعلوم: أي جعلت نفسها أو الأمور الباطلة شبيهة بالحق. أو على [بناء] المجهول أي أشكل أمرها والتبس على الناس.
قوله عليه السلام " نبهت ": أي أيقظت القوم من النوم، وأظهرت بطلانها عليهم.
" ينكرن ": أي لا يعرف حالهن. وحام الطائر حول الماء: إذا طاف ودار
لينزل عليه.
و [قوله عليه السلام] " حوم الرياح " أي كحومها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.