پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج

ج ۳۴، ص ۱۵۵–۱۹۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۹ از ۱۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

لقد دنا التمحيص للجزاء، وكشف الغطاء، وانقضت المدة، وأزف الوعد، وبدا لكم النجم من قبل المشرق، وأشرق لكم قمركم كملاء شهره، وكليلة تم، فإذا استبان ذلك، فراجعوا التوبة، وخالفوا الحوبة، واعلموا أنكم إن أطعتم طالع المشرق سلك بكم منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله، فتداويتم من الصمم، واستشفيتم من البكم، وكفيتم مؤنة التعسف والطلب، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق. فلا يبعد الله إلا من أبى الرحمة، وفارق العصمة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

968 - جا: الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن محمد بن إسماعيل، عن زيد ابن المعدل عن يحيى بن صالح عن الحارث بن حصيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله الأزدي قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [عليه السلام] يقول لأصحابه، وقد استنفرهم أياما إلى الجهاد فلم ينفروا: - أيها الناس! إني قد استنفرتكم فلم تنفروا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، فأنتم شهود كأغياب وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة الحسنة وأحثكم على جهاد عدوكم الباغين، فما آتي على آخر منطقي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ، فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين تضربون الأمثال وتتناشدون الأشعار وتسألون عن الأخبار، قد نسيتم الاستعداد للحرب وشغلتم قلوبكم بالأباطيل.

تربت أيديكم اغزوا القوم من قبل أن يغزوكم! فوالله ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلا ذلوا.

وأيم الله ما أراكم تفعلون حتى يفعلوا، ولوددت أني لقيتهم على نيتي

وبصيرتي فاسترحت من مقاساتكم، فما أنتم إلا كإبل جمة أضل راعيها، فكلما ضمت من جانب انتشرت من جانب آخر.

والله لكأني بكم لو حمس الوغا وأحم البأس، قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب انفراج الرأس، وانفراج المرأة عن قبلها.

فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال له: يا أمير المؤمنين! فهلا فعلت كما فعل ابن عفان؟

فقال له عليه السلام: يا عرف النار ويلك! إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له ولا حجة معه، فكيف وأنا على بينة من ربي [و] الحق في يدي؟!

والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه، يخذع لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده ويسفك دمه، لضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره أنت فكن كذلك إن أحببت، فأما أنا فدون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي، يطير منه فراش الهام، وتطيح منه الأكف والمعاصم، ويفعل الله بعد ما شاء.

فقام أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أيها الناس! إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حق قبولها، إنه نزل بين أظهركم ابن عم نبيكم وسيد المسلمين من بعده، يفقهكم في الدين، ويدعوكم إلى جهاد المحلين، فكأنكم صم لا تسمعون، أو على قلوبكم غلف، مطبوع عليها، فأنتم لا تعقلون.

أفلا تستحيون عباد الله! أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس! قد شمل البلاء وشاع في البلاد، فذو حق محروم وملطوم وجهه وموطأ بطنه، وملقى بالعراء تسفي عليه الأعاصير، لا يكنه من الحر والقر وصهر الشمس والضح، إلا الأثواب الهامدة وبيوت الشعر البالية، حتى جاءكم الله بأمير المؤمنين، فصدع بالحق، ونشر العدل، وعمل بما في الكتاب.

يا قوم! فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تولوا مدبرين، ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، اشحذوا السيوف، واستعدوا لجهاد عدوكم، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فاسمعوا وأطيعوا، وما قلتم فليكن ما أضمرتم عليه تكونوا بذلك من الصادقين.

969 - كتاب الغارات بإسناده إلى جندب مثله.

بيان:

الحلق بفتح الحاء وكسرها وفتح اللام: جمع حلقة. وقال الجوهري: العزة:

الفرقة من الناس، والهاء عوض من الباء، والجمع عزى على [وزن] فعل.

وعزون وعزون أيضا بالضم ومنه قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال عزين) [37 / المعارج: 70] قال الأصمعي: يقال: في الدار عزون: أي أصناف من الناس.

[قوله عليه السلام:] " أضل راعيها " في بعض النسخ: " ضل ". [قال الجوهري] في الصحاح: قال ابن السكيت: أضللت بعيري: إذا ذهب منك.

وضللت المسجد والدار: إذا لم تعرف موضعها. وفي الحديث " لعلي أضل الله " يريد أضل عنه: أي أخفى عليه. وقال: حم الشئ وأحم: قدر وأحمه أمر: أي أهمه. وأحم خروجنا: أي دنا. وفي سائر الروايات: " وحمي البأس ".

قوله عليه السلام: " يا عرف النار " لعله عليه السلام شبهه بعرف الديك، لكونه رأسا فيما يوجب دخول النار، أو المعنى أنك من القوم الذين يتبادرون دخول النار من غير روية، كقوله تعالى: " والمرسلات عرفا ".

وقال [الفيروزآبادي] في القاموس: خذع اللحم وما لا صلابة فيه - كمنع - خرزه وقطعه في مواضع. وقال: صهرته الشمس - كمنع - صحرته.

والشئ: أذابه. والصهر - بالفتح -: الحار. واصطهر وأصهار تلألأ ظهره من حر الشمس. وقال: الضح - بالكسر -: الشمس وضوؤها، والبراز من الأرض وما أصابته الشمس. وقال: الهمود: الموت وتقطع الثوب من طول الطي. والهامد:

البالي المسود المتغير.

970 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد، وقدم عليه عاملاه على اليمن وهما عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران، لما غلب عليهما بسر بن أرطاة، فقام عليه السلام إلى المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم [له] في الرأي فقال:

ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها، إن لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك فقبحك الله. وتمثل [عليه السلام بقول الشاعر]:

لعمرو أبيك الخير يا عمرو إنني * على وضر من ذا الإناء قليل [ثم قال عليه السلام]: أنبئت بسرا قد اطلع اليمن، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته!

اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني.

اللهم مث قلوبهم كإيماث الملح في الماء.

أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم، [ثم تمثل عليه السلام:] هنالك لو دعوت أتاك منهم * فوارس مثل أرمية الحميم ثم نزل عليه السلام من المنبر.

قال السيد [الرضي] رضي الله عنه: الأرمية: جمع " رمي " وهو السحاب.

والحميم هاهنا: وقت الصيف، وإنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر، لأنه أشد جفولا وأسرع خفوقا، لأنه لا ماء فيه وإنما يكون السحاب ثقيل السير، لامتلائه بالماء. وذلك لا يكون في الأكثر إلا في زمان الشتاء. [وإنما] أراد [الشاعر] وصفهم بالسرعة إذا دعوا، والإغاثة إذا استغيثوا، والدليل عليه، قوله: " هنالك لو دعوت أتاك منهم ".

بيان:

قوله عليه السلام: " ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها ": أي ما مملكتي إلا الكوفة أتصرف فيها كما يتصرف الإنسان في ثوبه يقبضه ويبسطه.

والكلام في معرض التحقير، أي ما أصنع بتصرفي فيها مع حقارتها.

ويحتمل أن يكون المراد عدم التمكن التام من التصرف فيها لنفاق أهلها، كمن لا يقدر على لبس ثوب بل على قبضه وبسطه.

أو المراد بالبسط: بث أهلها للقتال عند طاعتهم. وبالقبض: الاقتصار على ضبطهم عند المخالفة.

و [الخطاب] في قوله [عليه السلام:] " إن لم تكوني [إلا أنت] التفات.

قوله عليه السلام: " تهب أعاصيرك ": الجملة في موضع الحال، وخبر " كان " محذوف، ولفظ الأعاصير على حقيقته، فإن الكوفة معروفة بهبوب الإعصار فيها.

ويحتمل أن يكون مستعارا لآراء أهلها المختلفة، والتقدير: إن لم تكوني إلا أنت عدة لي وجنة ألقى بها العدو، وحظا من الملك والخلافة مع ما فيك من المذام، فقبحا لك وبعدا.

ويمكن أن يقدر المستثنى منه حالا، أي إن لم تكوني على حال إلا أن تهب فيك الأعاصير دون أن يكون فيك من يستعان به على العدو.

والاعصار: ريح تهب وتمتد من الأرض كالعمود نحو السماء. وقيل: [هو] كل ريح فيها العصار، وهو الغبار الشديد. والوضر: - بفتح الضاد -: الدرن الباقي في الإناء بعد الأكل، ويستعار لكل بقية من شئ يقل الانتفاع بها.

واستعار بلفظ الإناء للدنيا وبلفظ الوضر للقليل لما فيها لحقارتها.

وروي " من ذي الآلاء " فإنما أراد: أني على بقية من هذا الأمر كالقدر الحاصل لناظر الآلاء، مع عدم انتفاعه بشئ آخر فإن الآلاء كسحاب. [" وسبا " غير مهموز]: شجر حسن المنظر مر الطعم.

قوله عليه السلام: " قد اطلع اليمن ": أي غلبها وغزاها وأغار عليها.

من الاطلاع وهو الاشراف من مكان عال.

قوله عليه السلام: " سيدالون منكم ": أي يغلبونكم ويكون لهم الدولة عليكم.

ولعل التفرق عن الحق ومعصية الامام واحد، أتى بهما تأكيدا.

وقيل: المراد بالحق الذي تفرقوا عنه [هو] تصرفهم في الفئ والغنائم وغيرها بإذن الإمام. وأداء الأمانة: الوفاء بالعهد والبيعة أو مطلقا. والصلاح في البلاد: ترك التعرض للناس وتهييج الفتن. والقعب: القدح الضخم.

قوله عليه السلام: " أن يذهب بعلاقته ": الضمير المستتر راجع إلى الأحد [في قوله: " فلو ائتمنت أحدكم "] والباء للتعدية، أو إلى " القعب " والباء

بمعنى مع.

وقوله عليه السلام: " خيرا منهم وشرا مني ": صيغة أفعل فيه بمنزلتها في قوله تعالى: " أذلك خير أم جنة الخلد " [51 / الفرقان: 25] على سبيل التنزل أو التهكم، أو أريد بالصيغة أصل الصفة بدون تفضيل.

ولعل المراد بقوله: " خيرا منهم ": قوم صالحون ينصرونه ويوفقون لطاعته، أو ما بعد الموت من مرافقة النبي صلى الله عليه وآله وغيره من الأنبياء عليهم السلام. وتمنيه عليه السلام لفوارس [من] فراس بن غنم ربما يؤيد [الوجه] الأول.

ويروى أن اليوم الذي دعا فيه عليه السلام ولد الحجاج. وروي أنه ولد بعد ذلك بمدة يسيرة، وفعل الحجاج بأهل الكوفة مشهور. ويقال: ماث زيد الملح في الماء: أي أذابه.

قوله عليه السلام: " لوددت [أن لي بكم " إلى قوله: " هنالك لو دعوت أتاك منهم "]: البيت لأبي جندب الهذلي، وبنو فراس حي مشهور بالشجاعة.

والجفول: الاسراع. والخفوق: العجلة.

971 - نهج: وقال عليه السلام لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الأنبار، فخرج بنفسه ماشيا حتى أتى النخيلة فأدركه الناس، وقالوا:

يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم.

فقال عليه السلام: والله لا تكفوني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم! إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها، وإني اليوم لأشكو حيف رعيتي، كأني المقود وهم القادة، أو الموزوع وهم الوزعة!

ولما قال عليه السلام هذا القول - في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب - تقدم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما: " إني لا أملك إلا

نفسي وأخي، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين ننفذ له ". فقال [عليه السلام:] وأين تقعان مما أريد!

بيان:

وزعه يزعه: كفه ومنعه. 9723 - 97 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي بإسناده عن عمارة بن عمير أنه قال:

كان لعلي عليه السلام صديق يكنى بأبي مريم من أهل المدينة، فلما سمع بتشتت الناس عليه أتاه، فلما رآه [علي عليه السلام] قال: أبو مريم؟ قال:

نعم. قال: ما جاء بك قال: إني لم آتك لحاجة، ولكني [كنت] أراك لو ولوك أمر هذه الأمة أجزأته. قال: يا أبا مريم إني صاحبك الذي عهدت، ولكني منيت بأخبث قوم على وجه الأرض! أدعوهم إلى الأمر [الصائب] فلا يتبعوني، فإذا تابعتهم على ما يريدون تفرقوا عني.

وعن فضيل بن جعد عن مولى الأشتر قال: شكى علي عليه السلام إلى الأشتر فرار الناس إلى معاوية، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين! إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة، وأهل الكوفة، والرأي واحد، وقد اختلفوا بعد وتعادوا، وضعفت النية، وقل العدل، وأنت تأخذهم بالعدل، وتعمل فيهم بالحق،

وتنصف الوضيع من الشريف، وليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضج طائفة ممن معك على الحق إذا عموا به، واغتموا من العدل إذ صاروا فيه، وصارت صنائع معاوية عند أهل الغنى والشرف ، فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا، وقل من الناس من ليس للدنيا بصاحب، وأكثرهم من يجتوي الحق ويستمري الباطل ويؤثر الدنيا. فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الناس، وتصفو نصيحتهم، وتستنزل ودهم، صنع الله لك يا أمير المؤمنين! وكبت عدوك، وفض جمعهم، ووهن كيدهم وشتت أمورهم، إنه بما يعملون خبير.

فأجابه علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وقال:

أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله يقول: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) [46 / فصلت: 41] وأنا من أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف.

وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور، ولم يلجأوا إلى عدل، ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم، كأن قد فارقوها، وليسألن يوم القيامة أللدنيا أرادوا أم لله عملوا؟

وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال، فإنا لا يسعنا أن نؤتي امرءا من الفئ أكثر من حقه، وقد قال الله وقوله الحق: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) [249 / البقرة: 2] و [قد] بعث [الله] محمدا صلى الله عليه وآله وحده فكثره بعد القلة، وأعز فئته بعد الذلة، وإن يرد الله [أن] يولينا هذا الأمر، يذلل لنا صعبه

ويسهل لنا حزنه وأنا قابل من رأيك ما كان لله [فيه] رضا، وأنت من أعز أصحابي وأوثقهم في نفسي وأنصحهم عندي.

974 - كنز الكراجكي: روي أن هذه الأبيات لأمير المؤمنين عليه السلام:

أخذتكم درعا حصينا لتدفعوا * سهام العدى عني فكنتم نصالها فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي * ذماما فكونوا لا عليها ولا لها قفوا موقف المعذور عني بجانب * وخلوا نبالي للعدي ونبالها

[الباب الثاني والثلاثون] علة عدم تغيير أمير المؤمنين عليه السلام بعض البدع في زمانه 975 - ج: عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عليه السلام قال:

خطب أمير المؤمنين [عليه السلام] فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كيف أنتم إذا ألبستم الفتنة، ينشأ فيها الوليد، ويهرم فيها الكبير، وتجري الناس عليها حتى يتخذوها سنة، فإذا غير منها شئ قيل: أتى الناس بمنكر غيرت السنة.

ثم تشتد البلية، وتنشأ فيها الذرية، وتدقهم الفتن كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحى بثفالها. يتفقه الناس لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة.

ثم أقبل أمير المؤمنين عليه السلام، ومعه ناس من أهل بيته وخاص من شيعته، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله،

ثم قال:

لقد عملت [عمل " خ "] الولاة قبلي بأمور عظيمة، خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لذلك، ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها التي كانت عليها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، لتفرق عني جندي! حتى أبقى وحدي إلا قليلا من شيعتي الذين عرفوا فضلي وإمامتي من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله.

أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى المكان الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام، ورددت صاع رسول الله صلى الله عليه وآله ومده إلى ما كان، وأمضيت قطائع كان رسول الله صلى الله عليه وآله أقطعها لناس مسمين، ورددت دار جعفر بن أبي طالب إلى ورثته وهدمتها [وأخرجتها] من المسجد، ورددت الخمس إلى أهله، ورددت قضاء كل من قضى بجور، وسبي ذراري بني تغلب، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت ديوان العطاء، وأعطيت كما كان يعطي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء!

والله لقد أمرت الناس أن لا يجمعوا [لا يجتمعوا " خ "] في شهر رمضان إلا في فريضة، فنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل دوني، وسيفه معي أتقي به في الإسلام وأهله: غيرت سنة عمر ونهى أن يصلى في شهر رمضان في جماعة، حتى خفت أن يثور بي ناحية عسكري ما لقيت هذه الأمة من أئمة الضلالة والدعاة إلى النار!.

وأعظم من ذلك، سهم ذوي القربى الذين قال الله تبارك وتعالى [في حقهم]: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى

واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان) [41 / الأنفال: 8] نحن والله عنى بذوي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله، ولم يجعل لنا في الصدقة نصيبا، أكرم الله سبحانه وتعالى نبيه، وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدي الناس.

فقال له رجل: إني سمعت من سلمان وأبي ذر الغفاري والمقداد، أشياء من تفسير القرآن والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله، وسمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله، [و] أنتم تخالفونهم وتزعمون أن ذلك باطل، أفترى الناس يكذبون متعمدين على نبي الله صلى الله عليه وآله ويفسرون القرآن بآرائهم؟

قال: فأقبل [إليه أمير المؤمنين] عليه السلام فقال له: قد سألت فافهم الجواب:

إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حي، حتى قام خطيبا فقال: " أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من لنار ". وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج في أن يكذب على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا: " صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورآه وسمع منه ولقف عنه " ويأخذون [فيأخذون " خ "] بقوله وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك.

ثم بقوا بعده صلى الله عليه وآله فتقربوا إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس، وأكلوا

بهم الدنيا وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصمه الله.

فهذا أحد الأربعة.

و [ثاني الأربعة] رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه ولم يتعمد كذبا، وهو في يديه يرويه ويعمل به ويقول: " أنا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ". فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به ثم نهى [رسول الله] عنه وهو لا يعلم، أو سمعه نهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ. فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا لله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يهم به، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، ولم يزد فيه ولم ينقص منه، وحفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف المتشابه والمحكم.

وقد يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به، ولا ما عنى به رسول الله صلى الله عليه وآله، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه ولا ما قصد به وما خرج من أجله.

وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يسأله ويستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الأعرابي أو الطاري فيسأله صلى الله عليه وآله حتى يسمعوا كلامه وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه وحفظته.

فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم.

بيان:

قد مر شرح آخر الخبر وسيأتي شرح أوله.

قوله عليه السلام: " أتقي به الإسلام " في بعض النسخ: " ينعى الإسلام " [و] النعي: خبر الموت: أي كان ينادي مظهرا أنه مات الإسلام وأهله بتغيير سنة عمر. 976 - شئ: عن حريز عن بعض أصحابنا عن أحدهما قال: لما كان أمير المؤمنين [عليه السلام] في الكوفة أتاه الناس فقالوا: اجعل لنا إماما يؤمنا في [شهر] رمضان. فقال: لا. ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلما أمسوا جعلوا يقولون:

ابكوا في رمضان وا رمضاناه.

فأتاه الحارث الأعور في أناس فقال: يا أمير المؤمنين ضج الناس وكرهوا قولك. فقال عليه السلام: دعوهم وما يريدون ليصلي بهم من شاءوا. ثم قال: " فمن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " 977 - جا: الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن يوسف بن كليب عن معاوية بن هشام عن الصباح بن يحيى المزني عن الحارث بن حصيرة قال:

حدثني جماعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال يوما: ادعوا [لي]

غنيا وباهلة - وحيا آخر قد سماهم - فليأخذوا عطاياهم، فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة مالهم في الإسلام نصيب، وإني شاهد ومنزلي عند الحوض وعند المقام المحمود، أنهم أعداء لي في الدنيا والآخرة [و] لآخذن غنيا أخذة يضرط باهلة.

ولئن ثبتت قدماي لأردن قبائل إلى قبائل، وقبائل إلى قبائل، ولأبهرجن ستين قبيلة مالها في الإسلام نصيب.

بيان:

البهرج: الباطل. وبهرجه: أي جعل دمه هدرا.

978 - كا: [ثقة الإسلام الكليني] في [كتاب] الروضة [عن] علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:

ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى، وطول الأمل. أما اتباع الهوى فيصد عن الحق.

وأما طول الأمل فينسي الآخرة.

ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة [منهما] بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وإن غدا حساب ولا عمل.

وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم

الله، يتولى فيها رجال رجالا.

ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيمزجان فيجتمعان فيجليان معا، فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة، فإذا غير منها شئ قيل: قد غيرت السنة وأتى الناس منكرا.

ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحى بثفالها، ويتفقهون لغير الله، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة.

ثم أقبل [عليه السلام] بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته، فقال:

قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله، متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لتفرق عني جندي، حتى أبقى وحدي أو [مع] قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز ذكره وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله.

أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام، ورددت صاع رسول الله صلى الله عليه وآله كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وآله لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر عليه السلام إلى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت قضايا من الجور قضي بها، ونزعت نساءا تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن، واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأحكام، وسبيت ذراري بني تغلب، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا، وأعطيت كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي بالسوية، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء، وألقيت المساحة وسويت بين المناكح، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه، ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما كان عليه، وسددت ما فتح فيه من الأبواب وفتحت ما سد منه، وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجت من أدخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده ممن كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخرجه، وأدخلت من أخرج بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ممن كان رسول الله صلى الله عليه وآله أدخله، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم، ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، إذا لتفرقوا عني.

والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: " يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر

رمضان تطوعا! ".

ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري!

ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار!

و [لو] أعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عز وجل: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) [41 / الأنفال: 8] فنحن والله عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسوله، فقال: (فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل [7 / الحشر: 59] فينا [خ: منا] خاصة، (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). و (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله) في ظلم آل محمد (إن الله شديد العقاب) لمن ظلمهم، رحمة منه لنا، وغنى أغنانا الله به ووصى به نبيه صلى الله عليه وآله، ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا، أكرم الله رسوله صلى الله عليه وآله، وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس، فكذبوا الله وكذبوا رسوله وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا، ومنعونا فرضا فرضه الله لنا. ما لقي أهل بيت نبي من أمته ما لقيته بعد نبينا (1)!

والله المستعان على من ظلمنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!

تبيين:

أقول: وجدت في أصل كتاب سليم مثله.

قوله عليه السلام: " إن أخوف " [لفظ: " أخوف "] مشتق من المبني للمفعول على خلاف القياس كأشهر.

[قوله عليه السلام:] " قد ترحلت " قال الفيروزآبادي: ارتحل القوم عن

المكان: انتقلوا كترحلوا. شبه عليه السلام انقضاء العمر في الدنيا شيئا فشيئا، ونقص لذاتها بترحلها وإدبارها وقرب الموت يوما فيوما بترحل الآخرة وإقبالها.

[قوله عليه السلام: اليوم] عمل " قال ابن ميثم: [لفظ " عمل "] قائم مقام الخبر، من قبيل استعمال المضاف إليه مقام المضاف: أي اليوم يوم عمل، أو وقت عمل.

[قوله عليه السلام:] " إنما بدء وقوع الفتن " إلى آخره قد أورد الكليني رحمه الله، في كتاب العقل [من الكافي] هذا الجزء من الخبر سند صحيح عن [الإمام] الباقر عليه السلام وفيه: " أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله ".

[قوله عليه السلام:] " من هذا ضغث " الضغث: ملء الكف من الشجر والحشيش والشماريخ.

[قوله عليه السلام:] " فيجليان " وفي كتاب العقل [من الكافي:] " فيجيئان معا، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى " وهو أظهر. وعلى ما في هذا الخبر، لعل المراد نجا: الذين قال الله فيهم سبقت لهم منا الحسنى، أي سبقت لهم في علم الله وقضائه ومشيئته، الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالجنة، أو العاقبة الحسنى.

[قوله عليه السلام:] " لبستم " كذا في بعض النسخ وهو الظاهر وفي بعضها: " ألبستم " على بناء المجهول من الأفعال وهو أظهر. وفي أكثره:

" ألبستكم " فيحتمل المعلوم والمجهول بتكلف، إما لفظا وإما معنى.

[قوله عليه السلام:] " يربو فيها الصغير " قال الفيروزآبادي: ربا [المال] ربوا - كعلوا -: زاد ونما. والغرض بيان كثرة امتدادها.

قوله عليه السلام:] " وقد أتى الناس منكرا ": لعله داخل تحت القول

ويحتمل العدم.

[قوله عليه السلام:] " وكما تدق الرحى بثقالها " في أكثر النسخ بالقاف ولعله تصحيف. والظاهر الفاء، قال الجزري: وفي حديث علي عليه السلام:

" تدقهم الفتن دق الرحى بثفالها " الثفال - بالكسر -: جلدة تبسط تحت رحى اليد، ليقع عليها الدقيق ويسمى الحجر الأسفل ثفالا بها، والمعنى أنها تدقهم دق الرحى بالحب إذا كانت مثقلة، ولا تثقل إلا عند الطحن.

وقال الفيروزآبادي: وقول زهير: " فنعرككم عرك الرحى بثفالها ": أي على ثفالها، أي حال كونها طاحنة، لأنهم لا يثفلونها إلا إذا طحنت انتهى.

وعلى ما في أكثر النسخ، لعل المراد مع ثقالها: أي إذا كانت معها ما يثقلها من الحبوب، فيكون أيضا كناية عن كونها طاحنة.

[قوله عليه السلام:] " أو قليل ": أي أو يبقى معي قليل.

[قوله عليه السلام:] " لو أمرت بمقام إبراهيم ". إشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى موضع كان فيه في الجاهلية. [وقد] رواه الخاصة والعامة كما مر في بدعه.

[قوله عليه السلام:] " ونزعت نساء " الخ: كالمطلقات ثلاثا في مجلس واحد وغيرها مما خالفوا فيه حكم الله.

" وسبيت ذراري بن تغلب "، لأن عمر رفع عنهم الجزية كما مر في بدعه، فهم ليسوا بأهل ذمة فيحل سبي ذراريهم.

[قوله عليه السلام:] " ومحوت دواوين العطايا ": أي التي بنيت على التفضيل بين المسلمين في زمن الثلاثة.

[قوله عليه السلام:] " ولم أجعلها دولة " قال الجزري: في حديث أشراط الساعة: " إذا كان المغنم دولا ": [هي] جمع دولة بالضم، وهو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم.

[قوله عليه السلام:] " وألقيت المساحة ": إشارة إلى ما عده الخاصة والعامة من بدع عمر، أنه قال: ينبغي أن يجعل مكان هذا العشر ونصف العشر دراهم، نأخذها من أرباب الأملاك، فبعث إلى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج، فأخذه من العراق وما يليها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا، وقفيزا من أصناف الحبوب، وأخذ من مصر ونواحيها دينارا واردبا عن مساحة جريب، كما كان يأخذ منهم ملوك الإسكندرية.

وقد روى البغوي في [كتاب] شرح السنة وغيره من علمائهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها.

والإردب لأهل مصر أربعة وستون منا وفسره أكثرهم بأنه قد محى ذلك شريعة الإسلام. وكان أول بلد مسحه عمر بلد الكوفة، وقد مر الكلام فيه في باب بدع عمر.

[قوله عليه السلام:] " وسويت بين المناكح ": بأن يزوج الشريف والوضيع كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوج بنت عمه مقدادا. وعمر نهى عن تزويج الموالي والعجم كما في بعض الروايات.

[قوله عليه السلام:] " وأمرت بإحلال المتعتين ": أي متعة النساء ومتعة الحج اللتين حرمهما عمر. و " خمس تكبيرات ": أي لا أربعا كما ابتدعه العامة ونسبوه إلى عمر كما مر.

[قوله عليه السلام:] " وألزمت الناس " إلخ. يدل ظاهرا على وجوب الجهر بالبسملة مطلقا، وإن أمكن حمله على تأكد الاستحباب.

[قوله عليه السلام:] " وأخرجت " إلخ: الكلام يحتمل أن يكون المراد إخراج جسدي المعلومين الذين دفنا في بيته [صلى الله عليه وآله وسلم] بغير إذنه، مع أن النبي صلى الله عليه وآله لم يأذن لهما لخوخة في مسجده،

وإدخال جسد فاطمة عليها السلام ودفنها عند النبي صلى الله عليه وآله، أو رفع الجدار من بين قبريهما.

ويحتمل أن يكون المراد، إدخال من كان ملازما لمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، كعمار وأضرابه، وإخراج من أخرجه الرسول صلى الله عليه وآله من المطرودين. ويمكن [أن يكون] تأكيدا لما مر من فتح الأبواب وسدها.

[قوله عليه السلام:] " ورددت أهل نجران إلى مواضعهم ": لم أظفر إلى الآن بكيفية إخراجهم وسببه وبمن أخرجهم.

[قوله عليه السلام:] " ورددت سبايا فارس " لعل المراد الاسترداد ممن اصطفاهم أو أخذ زائدا من حظه.

[وقوله عليه السلام:] " ما لقيت ": كلام مستأنف للتعجب. و [قوله:] " أعطيت ": رجوع إلى الكلام السابق ولعل التأخير من الرواة.

وفي رواية الإحتجاج: " وأعظم من ذلك " كما مر وهو أظهر.

[قوله:] (إن كنتم آمنتم بالله): هذه من تتمة آية الخمس، حيث قال تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير) [41 / الأنفال: 8].

قال البيضاوي: [جملة] (إن كنتم آمنتم بالله): متعلق بمحذوف دل عليه [قوله:] " واعلموا ": أي إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء، فسلموا إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإن العلم المتعلق بالعمل إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد، لأنه مقصود بالعرض، والمقصود بالذات هو العمل. (وما أنزلنا على عبدنا) محمد من الآيات والملائكة والنصر (يوم الفرقان) يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل (يوم التقى الجمعان)

المسلمون والكفار.

أقول: لعل نزول حكم الخمس كان في غزاة بدر و [قوله:] " وما أنزلنا ":

إشارة إليه كما يظهر من بعض الأخبار. وفسر عليه السلام " ذي القربى " بالأئمة كما دلت عليه الأخبار المستفيضة، وعليه انعقد إجماع الشيعة.

[قوله:] " كيلا يكون دولة ": هذه تتمة لآية أخرى ورد [ت] في فيئهم عليهم السلام حيث قال [تعالى:] (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون) [7 / الحشر: 59]: أي الفئ الذي هو حق الإمام عليه السلام. (دولة بين الأغنياء منكم: (الدولة - بالضم -: ما يتداوله الأغنياء وتدور بينهم كما كان في الجاهلية.

[قوله عليه السلام:] " رحمة لنا ": أي فقرر الخمس والفئ لنا رحمة منه لنا، وليغنينا بهما أوساخ أيدي الناس.

979 - نهج: [و] قال عليه السلام:

لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت أشياء.

بيان:

المداحض: المزالق. واستواء القدمين كناية عن تمكنه عليه السلام من إجراء الأحكام الشرعية على وجوهها، لأنه عليه السلام لم يتمكن من تغيير بعض ما كان في أيام الخلفاء كما عرفت.

980 - كا: محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل القمي عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة رفعه قال: مر أمير المؤمنين برجل يصلي الضحى في مسجد الكوفة، فغمز جنبه بالدرة وقال: نحرت صلاة الأوابين نحرك الله؟ قال:

فأتركها! قال: فقال: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: وكفى بإنكار علي عليه السلام نهيا.

بيان:

" أرأيت الذي ": أي أقول: اتركها، فتقول أنت وأمثالك مثل هذا!؟ أو قال ذلك تقية.

981 - يب: علي بن الحسن بن فضال عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد المدائني عن مصدق بن صدقة عن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في [شهر] رمضان في المساجد.

قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي عليه السلام بما أمره به أمير المؤمنين عليه السلام، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي عليه السلام، صاحوا وا عمراه وا عمراه. فلما رجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون وا عمراه وا عمراه فقال أمير المؤمنين: قل لهم: صلوا.

982 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي:

عن مخول بن إبراهيم عن إسرائيل عن عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين عن شريح قال: بعث إلي علي عليه السلام: أن أقضي بما كنت أقضي [سابقا] حتى يجتمع أمر الناس.

[الباب الثالث والثلاثون] باب نوادر ما وقع في أيام خلافته عليه السلام وجوامع خطبه ونوادرها 983 - كا: علي بن الحسن المؤدب عن البرقي، وأحمد بن محمد عن علي بن الحسن التيمي، جميعا عن إسماعيل بن مهران عن عبد الله بن الحارث عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله ثم قال:

أما بعد، فقد جعل الله تعالى لي عليكم حقا بولاية أمركم ومنزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، والحق أجمل الأشياء في التواصف، وأوسعها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري ذلك له ولا يجري

عليه لكان ذلك لله عز وجل خالصا دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه ضروب [صروف " خ "] قضائه، ولكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل كفارتهم عليه بحسن الثواب تفضلا منه [وتطولا بكرمه] وتوسعا بما هو من المزيد له أهلا.

ثم جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافى في وجوهها، ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض.

فأعظم مما افترض الله تبارك وتعالى من تلك الحقوق، حق لوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله عز وجل لكل على كل، فجعلها نظام ألفتهم، وعزا لدينهم، وقواما لسير الحق فيهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية.

فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى إليها الوالي كذلك، عز الحق بينهم، فقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، وصلح بذلك الزمان وطاب بها العيش، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.

وإذا غلبت الرعية على واليهم، وعلا الوالي الرعية اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت مطالع الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت معالم السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الآثار وأكثر علل النفوس، ولا يستوحش لجسيم حد عطل، ولا لعظيم باطل أثل، فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار وتخرب البلاد وتعظم تبعات الله عز وجل عند العباد.

فهلم أيها الناس! إلى التعاون على طاعة الله عز وجل، والقيام بعدله والوفاء بعهده، والإنصاف له في جميع حقه، فإنه ليس العباد إلى شئ أحوج منهم إلى التناصح في ذلك وحسن التعاون عليه، وليس أحد وإن اشتدت على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده، ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله، ولكن من واجب حقوق الله عز وجل على العباد النصيحة له بمبلغ

جهدهم، والتعاون على إقامة الحق بينهم.

وليس امرؤ - وإن عظمت في الحق منزلته وجسمت في الحق فضيلته - بمستغن عن أن يعاون على ما حمله الله عز وجل من حقه، ولا امرئ مع ذلك خسأت به الأمور واقتحمته العيون بدون ما أن يعين على ذلك ويعان عليه، وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر من ذلك حاجة، وكل في الحاجة إلى الله عز وجل شرع سواء.

فأجابه رجل من عسكره لا يدرى من هو، ويقال: إنه لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم ولا بعده، فقام وأحسن الثناء على الله عز وجل بما أبلاهم وأعطاهم من واجب حقه عليهم، والإقرار [له] بما ذكر من تصرف الحالات به وبهم.

ثم قال: أنت أميرنا ونحن رعيتك، بك أخرجنا الله عز وجل من الذل، وبإعزازك أطلق عباده من الغل، فاختر علينا فأمض اختيارك، وائتمر فأمض ائتمارك، فإنك القائد المصدق، والحاكم الموفق، والملك المخول، لا نستحل في شئ معصيتك، ولا نقيس علما بعلمك، يعظم عندنا في ذلك خطرك، ويجل عنه في أنفسنا فضلك.

فأجابه أمير المؤمنين [عليه السلام فقال:] إن من حق من عظم جلال الله في نفسه، وجل موضعه من قلبه، أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعم الله عليه ولطف إحسانه إليه، فإنه لم تعظم نعم الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظما.

وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر. وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب

الإطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك [لي] لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا علي بجميل ثناء، لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها، وفرائض لا بد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه.

فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.

فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل، فقال: أنت أهل ما قلت، والله فوق ما قلته، فبلاؤه عندنا ما لا يكفر، وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا، وولاك سياسة أمورنا، فأصبحت علمنا الذي نهتدي به، وإمامنا الذي نقتدي به، وأمرك كله رشد، وقولك كله أدب. قد قرت بك في الحياة أعيننا، وامتلأت من سرور بك قلوبنا، وتحيرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا، ولسنا نقول لك: أيها الإمام الصالح تزكية لك، ولا تجاوز القصد في الثناء عليك، ولن يكن في أنفسنا طعن على يقينك، أو غش في دينك فنتخوف أن تكون أحدثت بنعمة الله تبارك وتعالى تجبرا، أو دخلك كبر، ولكنا نقول لك ما قلنا تقربا إلى الله عز وجل بتوقيرك، وتوسعا بتفضيلك، وشكرا بإعظام أمرك، فانظر لنفسك ولنا وآثر أمر الله على نفسك وعلينا، فنحن طوع فيما أمرتنا، ننقاد من الأمور مع ذلك فيما ينفعنا.

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: وأنا أستشهدكم عند الله على

نفسي لعلمكم فيما وليت به من أموركم، وعما قليل يجمعني وإياكم الموقف بين يديه، والسؤال عما كنا فيه، ثم يشهد بعضنا على بعض، فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا، فإن الله عز وجل لا يخفى عليه خافية، ولا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الأمور.

فأجابه الرجل ويقال: لم ير الرجل بعد كلامه هذا لأمير المؤمنين عليه السلام فأجابه، وقد عال الذي في صدره فقال والبكاء يقطع منطقه، وغصص الشجى تكسر صوته إعظاما لخطر مرزئته ووحشته من كون فجيعته فحمد الله وأثنى عليه، ثم شكى إليه هول ما أشفى عليه من الخطر العظيم والذل الطويل في فساد زمانه وانقلاب حده وانقطاع ما كان من دولته، ثم نصب المسألة إلى الله عز وجل بالامتنان عليه والمدافعة عنه بالتفجع وحسن الثناء فقال:

يا رباني العباد ويا سكن البلاد! أين يقع قولنا من فضلك! وأين يبلغ وصفنا من فعلك! وأنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك! وكيف وبك جرت نعم الله علينا، وعلى يدك اتصلت أسباب الخير إلينا؟ ألم تكن لذل الذليل ملاذا وللعصاة الكفار إخوانا (1)؟ فبمن إلا بأهل بيتك وبك أخرجنا الله عز وجل من فظاعة تلك الخطرات، أو بمن فرج عنا غمرات الكربات! أو بمن إلا بكم أظهر الله معالم ديننا واستصلح ما كان فسد من دنيانا، حتى استبان بعد الجور ذكرنا، وقرت من رخاء العيش أعيننا لما وليتنا بالإحسان جهدك، ووفيت لنا بجميع عهدك، فكنت شاهد من غاب منا وخلف أهل البيت لنا، وكنت عز ضعائفنا وثمال فقرائنا وعماد عظمائنا، يجمعنا من الأمور عدلك، ويتسع لنا في الحق تأنيك، فكنت لنا أنسا إذا رأيناك، وسكنا إذا ذكرناك. فأي الخيرات لم تفعل! وأي الصالحات لم تعمل!

ولو أن الأمر الذي نخاف عليك منه يبلغ تحريكه جهدنا وتقوى

لمدافعته طاقتنا، أو يجوز الفداء عنك عنه بأنفسنا وبمن نفديه النفوس من أبنائنا، لقدمنا أنفسنا وأبناءنا قبلك، ولأخطرناها وقل خطرها دونك، ولقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك، وفي مدافعة من ناواك، ولكنه سلطان لا يحاول، وعز لا يزاول، ورب لا يغالب، فإن يمنن علينا بعافيتك، ويترحم علينا ببقائك، ويتحنن علينا بتفريج هذا من حالك إلى سلامة منك لنا وبقاء منك بين أظهرنا، نحدث الله عز وجل بذلك شكرا نعظمه، وذكرا نديمه، ونقسم أنصاف أموالنا صدقات ، وأنصاف رقيقنا عتقاء، ونحدث له تواضعا في أنفسنا، ونخشع في جميع أمورنا.

وإن يمض بك إلى الجنان، ويجري عليك حتم سبيله، فغير متهم فيك قضاؤه، ولا مدفوع عنك بلاؤه، ولا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأن اختياره لك ما عنده على ما كنت فيه، ولكنا نبكي من غير إثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلا، وللدين والدنيا أكيلا، فلا نرى لك خلفا نشكو إليه، ولا نظيرا نأمله ولا نقيمه.

تبيين:

أقول: أورد السيد [الرضي] في [المختار: (216) من باب الخطب من] النهج بعض هذا السؤال والجواب، وأسقط أكثرها، وسنشير إلى بعض الاختلافات.

قوله عليه السلام: " بولاية أمركم ": أي لي عليكم حق الطاعة لأن الله جعلني واليا عليكم متوليا لأمركم، ولأنه أنزلني منكم منزلة عظيمة هي منزلة الإمامة والسلطنة ووجوب الطاعة.

قوله عليه السلام: " والحق أجمل الأشياء في التواصف ": أي وصفه جميل وذكره حسن. يقال: تواصفوا الشئ: أي وصفه بعضهم لبعض.

وفي بعض النسخ: " التراصف " بالراء المهملة. والتراصف: تنضيد الحجارة بعضها ببعض: أي [الحق] أحسن الأشياء في إحكام الأمور وإتقانها.

" وأوسعها في التناصف ": أي إذا أنصف الناس بعضهم لبعض، فالحق

يسعه ويحتمله، ولا يقع للناس في العمل بالحق ضيق.

وفي نهج: البلاغة: " فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف ": أي إذا أخذ الناس في وصف الحق وبيانه، كان لهم في ذلك مجال واسع، لسهولته على ألسنتهم. وإذا حضر التناصف بينهم فطلب منهم، ضاق عليهم المجال، لشدة العمل بالحق وصعوبة الإنصاف.

قوله عليه السلام: " صروف قضائه ": أي أنواعه المتغيرة المتوالية. وفي بعض النسخ: " ضروب قضائه " [وهو] بمعناه والحاصل إنه لو كان لأحد أن يجعل الحق على غيره ولم يجعل له على نفسه، لكان هو سبحانه أولى بذلك وعلى الأولوية بوجهين:

الأول: القدرة.

فإن غيره تعالى لو فعل ذلك لم يطعه أحد، والله تعالى قادر على جبرهم وقهرهم.

والثاني: إنه لو لم يجزهم على أعمالهم وكلفهم بها لكان عادلا، لأن له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبد الدهر لم يوفوا حق نعمة واحدة منها.

فالمراد من أول الكلام: أنه سبحانه جعل لكل أحد على غيره حقا حتى على نفسه.

أما الحق المفروض على الناس فبمقتضى الاستحقاق، وأما ما أجرى على نفسه، فللوفاء بالوعد مع لزوم الوعد عليه.

فظهر جريان الحق على كل أحد وإن اختلف الجهة والاعتبار.

قوله عليه السلام: " وجعل كفارتهم عليه حسن ثواب ": لعل المراد بالكفارة الجزاء العظيم لستره عملهم، حيث لم يكن له في جنبه قدر، فكأنه قد محاه وستره.

[و] في أكثر النسخ: " بحسن الثواب " فيحتمل أيضا أن يكون المراد بها ما يقع منهم لتدارك سيئاتهم، كالتوبة وسائر الكفارات: أي أوجب قبول كفارتهم وتوبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن يثيبهم على ذلك أيضا.

ولا يبعد أن يكون [لفظ " كفارتهم "] تصحيف كفاءتهم بالهمز [ة].

وفي النهج: " وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله ".

قوله عليه السلام: " ثم جعل من حقوقه ": هذا كالمقدمة لما يريد أن يبينه من كون حقه عليهم واجبا من قبل الله تعالى، وهو حق من حقوقه، ليكون أدعى لهم على أدائه. وبين أن حقوق الخلق بعضهم على بعض هي من حق الله تعالى، من حيث إن حقه على عباده هو الطاعة، وأداء تلك الحقوق طاعات الله، كحق الوالد على ولده وبالعكس، وحق الزوج على الزوجة وبالعكس، وحق الوالي على الرعية وبالعكس.

قوله عليه السلام: " فجعلها تتكافأ في وجوهها ": أي جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحق الوالي وهو الطاعة من الرعية مقابل بمثله، وهو العدل فيهم وحسن السيرة.

قوله عليه السلام: " ولا يستوجب بعضها إلا ببعض ": كما أن الوالي إذا لم يعدل لم يستحق الطاعة.

قوله عليه السلام: " فريضة فرضها الله ": بالنصب على الحالية أو بإضمار فعل، أو بالرفع ليكون خبر مبتدء محذوف.

وقوله عليه السلام: " نظاما لألفتهم ": فإنها سبب اجتماعهم وبها يقهرون أعداءهم ويعزون أولياءهم.

قوله عليه السلام: " وقواما ": أي بها يقوم جريان الحق فيهم وبينهم.

قوله عليه السلام: " عز الحق ": أي غلب.

قوله عليه السلام : " واعتدلت معالم العدل ": أي مظانه، أو العلامات التي نصبت في طريق العدل لسلوكه، أو الأحكام التي يعلم بها العدل.

قوله عليه السلام: " على أذلالها " قال الفيروزآبادي: ذل الطريق - بالكسر -: محجته. وأمور الله جارية على أذلالها: أي طريق [على] مجاريها [هو] جمع ذل بالكسر.

قوله عليه السلام: " وكثر الإدغال ": [هو] بكسر الهمزة. والإدغال: [هو] أن يدخل في الشئ ما ليس منه، وهو الإبداع والتلبيس. أو بفتحها: [وهو] جمع الدغل - بالتحريك -: [وهو] الفساد.

قوله عليه السلام: " علل النفوس ": أي أمراضها بملكات السوء كالغل والحسد والعداوة ونحوها. وقيل: وجوه ارتكاباتها للمنكرات، فتأتي من كل منكر بوجه وعلة ورأي فاسد.

قوله [عليه السلام:] " أثل " يقال: مال مؤثل ومجد مؤثل: أي مجموع ذو أصل، وأثلة الشئ: أصله. ذكره الجزري.

وفي النهج: " [ولا لعظيم باطل] فعل ".

قوله عليه السلام " تبعات الله " قال [الخليل] في [كتاب] العين: التبعة اسم للشئ الذي لك فيه بغية شبه ظلامة ونحوها.

قوله عليه السلام: " فهلم أيها الناس " قال الجوهري: هلم يا رجل بفتح الميم بمعنى تعال، قال الخليل: أصله " لم " من قولهم لم الله شعثه: أي جمعه كأنه أراد لم نفسك إلينا: أي أقرب. و " ها " للتنبيه. وإنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، وجعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.