بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۴، ص ۱۲۱–۱۵۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۸ از ۱۷
والخطة - بالضم -: شبه القصة والأمر والخطب. وعموم خطة تلك البلية لكونها رئاسة عامة وسلطنة شاملة. وخصوص البلية لكون حظ أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم منها أوفر.
وإصابة البلاء من أبصر فيها، لحزن المبصر من مشاهدة أفعالهم الشنيعة، وقصدهم إياه بأنواع الأذى بخلاف الجاهل المنقاد لهم.
ويطلق الرب على المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم.
والباب: الناقة المسنة. والضروس: السيئة الخلق تعض حالبها. وعذم الفرس - كضرب - إذا أكل بجفاء أو عض. وخبط البعير إذا ضرب بيده الأرض شديدا. والزبن: الدفع. وزبنت الناقة إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب. والدر: اللبن. ويقال لكل خير على التوسع.
قوله عليه السلام: " لا يزالون بكم ": أي لا يزالون يؤذونكم بأنواع الأذى حتى لا يبقى منكم إلا من ينفعهم في مقاصدهم، أو لا يضرهم بإنكار المنكرات عليهم. والضائر: المضر. والانتصار: الانتقام. والصاحب: التابع.
والمستصحب: المتبوع. والغرض إما نفي إمكان الانتصار، أو إثبات انتصار الأذلاء والمقهورين، كالغيبة والذم مع الأمن من الوصول إلى المغتاب.
والشوهاء: القبيحة. والمخشية: المخوفة. والجاهلية: الحالة التي كانت العرب عليها قبل الإسلام.
والمنجاة: موضع النجاة. والغرض خلاصهم من لحوق الآثام والمتابعة في الدعوة إلى الباطل، لا الخلاص من الأذية. والأديم الجلد. ووجه الشبه انكشاف الجلد عما تحته من اللحم.
ويحتمل أن يكون المراد بالأديم، الجلد الذي يلف الإنسان فيه للتعذيب، لأنه يضغطه شديدا إذا جف وفي تفريجه راحة.
ويسومهم: أي يكلفهم ويلزمهم. والخسف: النقصان والذل والهوان.
والمصبرة: الممزوجة بالصبر المر. وقيل: أي المملوءة إلى أصبارها، أي جوانبها.
والحلس - بالكسر -: كساء رقيق يكسى على ظهر البعير تحت البرذعة.
وأحلس البعير: ألبسه الحلس.
ويحتمل أن يكون من الحلس الذي يبسط تحت حر الثياب، إشعارا بأنهم في بيوتهم أيضا خائفون.
وهو إشارة إلى ظهور دولة بني العباس. والجزور: الناقة التي تجزر.
قوله عليه السلام: " ما أطلب اليوم بعضه ": أي الطاعة والانقياد، أي يتمنون أن يروني فيطيعوني إطاعة كاملة، وقد رضيت منهم اليوم بأن يطيعوني إطاعة ناقصة فلم يقبلوا.
وقد روي في [كتب] السير: أن مروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية، قال يوم الزاب - لما شاهد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان -: لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى.
ويحتمل أن يكون التمني عند قيام القائم عليه السلام.
952 - نهج: [و] من كلام له عليه السلام:
فلا أموال بذلتموها للذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها، تكرمون بالله على عباده ولا تكرمون الله في عباده، فاعتبروا بنزولكم منازل
من كان قبلكم، وانقطاعكم عن أوصل إخوانكم.
بيان:
انتصاب [قوله:] " أموال " بفعل مقدر دل عليه " بذلتموها " وكذلك " أنفس ". وخاطر فلان بنفسه وبماله: أي ألقاهما في الهلكة. " تكرمون بالله ":
أي يعزكم الناس بأنكم أهل طاعة الله. " ولا تكرمون الله ": أي لا تطيعونه في الإحسان إلى عباده، أو [في] إجراء أحكامه بينهم.
953 - نهج: من خطبة له عليه السلام:
روي عن نوف البكالي قال: خطبنا [ب] هذه الخطبة أمير المؤمنين [عليه السلام] وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف [من ليف " خ "] وفي رجليه نعلان من ليف، وكأن جبينه ثفنة بعير! فقال:
الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر، نحمده على عظيم إحسانه، ونير برهانه، ونوامي فضله وامتنانه، حمدا يكون لحقه قضاء، ولشكره أداء، وإلى ثوابه مقربا، ولحسن مزيده موجبا.
ونستعين به استعانة راج لفضله مؤمل لنفعه، واثق بدفعه، معترف له بالطول، مذعن له بالعمل والقول.
ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا، وأناب إليه مؤمنا، وخنع له مذعنا وأخلص له موحدا، وعظمه ممجدا، ولاذ به راغبا مجتهدا.
لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يتقدمه وقت ولا زمان، ولا يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما
أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم.
فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد، قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات، ولولا إقرارهن بالربوبية وإذعانهن بالطواعية، لما جعلهن موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه.
جعل نجومها أعلاما يستدل به الحيران في مختلف فجاج الأقطار.
لم يمنع ضوء نورها إدلهمام سجف الليل المظلم، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر.
فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء، وانهطال السماء.
ويعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها.
والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو إنس. لا يدرك بوهم، ولا يقدر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين، ولا يحد بأين، ولا يوصف بالأزواج، ولا يخلق بعلاج، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلم موسى تكليما وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات.
بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك! فصف جبرئيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين، في حجرات القدس مرجحنين، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين.
وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء.
فلا إله إلا هو، أضاء بنوره كل ظلام، وأظلم بظلمته كل نور.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش، وأسبغ عليكم المعاش، ولو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما، أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود الذي سخر له ملك الجن والإنس مع النبوة، وعظيم الزلفة، فلما استوفى طعمته، واستكمل مدته، رمته قسي الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكن معطلة وورثها قوم آخرون.
وإن لكم في القرون السالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفأوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الجبارين؟ أين الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن؟!
[و] منها: قد لبس للحكمة جنتها، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها، والمعرفة بها، والتفرغ لها، وهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الأرض بجرانه بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه.
ثم قال عليه السلام: أيها الناس! إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ بها الأنبياء أممهم، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا، لله أنتم أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟!
ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمع الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى.
ماضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم - وهم بصفين - أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص، ويشربون الرنق، قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم.
أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟
قال [نوف:] ثم ضرب يده إلى لحيته وأطال البكاء، ثم قال عليه السلام:
أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه! وتدبروا الفرض فأقاموه!
وأحيوا السنة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوا!
ثم نادى بأعلى صوته.
الجهاد الجهاد عباد الله! ألا وإني معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج [فليبرح " خ "].
قال نوف: وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد - رحمه الله - في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري [في] عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم، لعنه الله، فتراجعت العساكر. فكنا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كل مكان.
تبيان:
قد مر شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد، وقال [ابن الأثير] في [كتاب] النهاية: الرياش والريش: ما ظهر من اللباس. وقيل: الرياش: جمع الريش، ويقع الرياش على الخصب والمعاش والمال المستفاد.
و " أسبغ ": أي أكمل وأوسع. والمعاش والمعيشة: مكسب الإنسان الذي
يعيش به. والسلم كسكر -: ما يرتقى عليه. واستعمل هنا في الوسيلة.
وكون النبوة والزلفة - أي القرب والمنزلة - من الوسائل إلى البقاء، لاستجابة الدعاء معهما، فهما مظنتان للتوصل إلى البقاء في الباطن، كما أن السلطنة الكاملة مظنة لأن تكون وسيلة إليه في الظاهر. والطعمة: الرزق المقدر.
والقسي: جمع القوس. والنبل: السهام العربية، لا واحد من لفظها.
وقال ابن أبي الحديد: نبال الموت أسبابه. والإضافة البيانية للمبالغة بعيدة.
والعمالقة: أولاد عمليق أو عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح.
والفراعنة: ملوك مصر. وقد مضى ذكر أصحاب الرس.
وعسكروا [العساكر]: أي جمعوها. ومدنوا المدائن: أي بنوها.
قوله عليه السلام: " قد لبس للحكمة جنتها ": إشارة إلى القائم عليه السلام كما ذكره ابن أبي الحديد نقلا عن الإمامية. و " التفرغ لها ": أي عن العلائق والشواغل.
قوله عليه السلام: " ضالته ": إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم " الحكمة ضالة المؤمن ".
قوله عليه السلام: " فهو مغترب ": أي هذا الشخص يخفي نفسه ويخملها إذا ظهر الفسق والجور واغترب الإسلام باغتراب العدل والصلاح، وهو إشارة إلى غيبة القائم عليه السلام.
وقال [ابن الأثير] في [مادة " ذنب " من كتاب] النهاية: في حديث علي عليه السلام: أنه ذكر فتنة فقال: " إذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه "
أي فارق أهل الفتنة وضرب في الأرض ذاهبا في أهل دينه وأتباعه الذين يتبعونه على رأيه وهم الأذناب.
وقال الزمخشري: الضرب بالذنب هاهنا مثل للإقامة والثبات، يعني يثبت هو ومن يتبعه على الدين.
وقال الفيروزآبادي: العسيب: عظم الذنب أو منبت الشعر منه، والبعير إذا أعيا وتأذى ضرب بعسيب ذنبه.
وإلصاق الأرض بجرانه كناية عن ضعف الإسلام وقلة نفعه، فإن البعير أقل ما يكون نفعه حال بروكه. وجران البعير: صدره أو مقدم عنقه. وبث الخبر:
نشره. والحداء: سوق الإبل والغناء لها.
[قوله عليه السلام:] و " استوثقوا ": استجمعوا وانضموا. و " الزواجر " النواهي والإيعادات. " يطأ بكم الطريق ": أي يذهب بكم في سبيل الحق.
قوله عليه السلام: " ما كان مقبلا ": أي الهدى والرشاد الذي كان في أيام الرسول صلى الله عليه وآله، أو في أيام خلافته عليه السلام، فيكون إشارة إلى قرب ارتحاله عليه السلام من دار الفناء.
و [المراد من قوله:] " ما كان مدبرا ": الضلال والفساد. و " أزمع الأمر ":
أي عزم عليه. والترحال - بالفتح: مبالغة في الرحلة.
وكلمة " ما " في [قوله عليه السلام:] " ما ضر ": نافية، ويحتمل الاستفهام [أيضا] على الإنكار. والفاعل [هو قوله:] " أن لا يكونوا ".
وإساغة الغصص هنا كناية عن كثرة الآلام ومشاهدة المنكرات، بحيث صار تجرع الغصص عادة لهم، أو عن الرضا بقضاء الله. والغصة : ما يعترض في الحلق. والرنق - بالفتح والتحريك -: الكدر من الماء.
وعمار هو ابن ياسر المعروف وقد مر فضله. وابن التيهان بالياء المنقوطة باثنتين تحتها، المشددة المكسورة، وقبلها تاء منقوطة باثنتين فوقها، ذكره ابن أبي الحديد وجوز فتح الياء أيضا. والمضبوط في أكثر النسخ بالياء الساكنة وفتح التاء وكسرها معا.
وفي القاموس: وتيهان وتيهان مشددة الياء ويكسر، وهو أبو الهيثم واسمه مالك.
وقال ابن أبي الحديد: الصحيح أنه أدرك صفين وشهدها مع علي عليه السلام... وقيل: توفي في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وذو الشهادتين هو خزيمة بن ثابت وقصته مشهورة، يكنى أبا عمارة، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وشهد صفين مع علي عليه السلام، فلما قتل عمار قاتل حتى قتل.
قوله عليه السلام: " تعاقدوا ": أي جعلوا الموت بينهم عقدا. أو تابعوا على الموت وروي: " تعاهدوا ". " وأبرد برؤوسهم " [مأخوذ] من البريد: أي أرسل للبشارة بها. و " الفجرة ": أمراء عسكر الشام. و " أوه " ساكنة الواو مكسورة الهاء: كلمة شكوى وتوجع، وربما قلبوا الواو ألفا، فقالوا: آه من كذا، وآه على كذا. وربما شدد الواو وكسروها وسكنوا الهاء، فقالوا: أوه من كذا. وربما حذفوا الهاء مع التشديد وكسروا الواو، فقالوا: أو من كذا بلا مد. وقد يقولون: آوه بالمد والتشديد وفتح الواو وسكون الهاء، لتطويل الصوت بالشكاية. وربما أدخلوا فيه التاء تارة يمدونه، وتارة لا يمدونه، فيقولون: أوتاه وآوتاه، والاسم منه الآهة بالمد. ذكره الجوهري وابن أبي الحديد.
وإحكامه [أي القرآن]: تلاوته كما ينبغي مع رعاية المحسنات، والتدبر في معانيه والعمل بمقتضاه.
وأراد عليه السلام بالقائد: نفسه. والرواح إلى الله: الذهاب إلى الفوز
برضوانه، أو إلى لقائه بالشهادة.
وقيس هو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، كان شجاعا جوادا من كبار شيعة علي عليه السلام، شهد حروبه كلها. وأبوه سعد بن عبادة، كان رئيس الخزرج، ولم يبايع أبا بكر، ومات على عدم البيعة. والمشهور أنهم قتلوه لذلك، وأحالوا قتله على الجن، وافتروا شعرا من قبل الجن كما مر .
وأبو أيوب هو خالد بن سعد بن كعب الخزرجي من بني النجار، شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد، وعليه نزل رسول الله صلى الله عليه وآله حين قدم المدينة، وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام مشاهده كلها، وكان على مقدمته يوم النهروان.
والاختطاف: أخذك الشئ بسرعة. والمراد هنا إما الأخذ بالنهب والقتل والإذلال، أو الأغواء والإضلال.
954 - ما: جماعة عن محمد بن عمران المرزباني، عن محمد بن موسى عن محمد بن سهل عن هشام عن أبي مخنف عن ابن حصيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله الأزدي قال:
قام علي بن أبي طالب عليه السلام في الناس، ليستنفرهم إلى أهل الشام، وذلك بعد انقضاء المدة التي كانت بينه وبينهم، وقد شن معاوية على بلاد المسلمين الغارات، فاستنفرهم في الرغبة في الجهاد والرهبة فلم ينفروا، فأضجره ذلك، فقال:
يا أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم! ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم. كلامكم يوهن الصم الصلاب، وتثاقلكم عن طاعتي يطمع فيكم عدوكم [المرتاب]. إذا أمرتكم قلتم: " كيت وكيت
وعسى " أعاليل بأباطيل وتسألوني التأخير، دفاع ذي الدين المطول.
هيهات هيهات! لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد والصبر. أي دار بعد داركم تمنعون! ومع أي إمام بعدي تقاتلون! المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب.
أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم.
أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة، يفرق جماعتكم، وتبكي عيونكم، وتمنون عما قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني، وستعرفون ما أقول لكم عما قليل، ولا يبعد الله إلا من ظلم.
قال: فكان جندب لا يذكر هذا الحديث إلا بكى، وقال: صدق والله أمير المؤمنين، قد شملنا الذل ورأيناه الأثرة، ولا يبعد الله إلا من ظلم.
955 - شاج: روي أنه لما عزم على المسير إلى الشام لقتال معاوية، قال بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله:
اتقوا الله عباد الله! وأطيعوه وأطيعوا إمامكم، فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر.
وقد أصبح معاوية غاصبا لما في يديه من حقي، ناكثا لبيعتي، طاعنا في دين الله عز وجل.
وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس، فجئتموني راغبين إلي
في أمركم، حتى استخرجتموني من منزلي لتبايعوني، فالتويت عليكم لأبلو ما عندكم، فراودتموني القول مرارا، وراددتكم، وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها، حرصا على بيعتي، حتى خفت أن يقتل بعضكم بعضا، فلما رأيت ذلك منكم، رأيت في أمركم وأمري، وقلت: إن أنا لم أجبهم إلى القيام بأمرهم، لم يصيبوا أحدا منهم يقوم فيهم مقامي، ويعدل فيهم عدلي. وقلت: والله لألينهم وهم يعلمون حقي وفضلي، أحب إلي من أن يلوني ولا يعرفون حقي وفضلي.
فبسطت يدي فبايعتموني يا معاشر المسلمين، وفيكم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، وأخذت عليكم عهد بيعتي وواجب صفقتي [و] عهد الله وميثاقه. وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق لتقرن لي، ولتسمعن لأمري، ولتطيعوني وتناصحوني، وتقاتلون معي كل باغ علي، أو مارق إن مرق.
فبايعتم لي بذلك جميعا، وأخذت عليكم عهد الله وميثاقه وذمة الله وذمة رسوله، فأجبتموني إلى ذلك، وأخذت عليكم عهد الله وميثاقه وذمة الله وذمة رسوله، فأجبتموني إلى ذلك، وأشهدت الله عليكم، وأشهدت بعضكم على بعض.
فقمت فيكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. فالعجب من معاوية بن أبي سفيان! ينازعني الخلافة، ويجحدني الإمامة، ويزعم أنه أحق بها مني، جرأة منه على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بغير حق له فيها، ولا حجة.
ولم يبايعه المهاجرون، ولا سلم له الأنصار والمسلمون.
يا معاشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي! أما أوجبتم لي على أنفسكم الطاعة؟ أما بايعتموني على الرغبة؟ أما أخذت عليكم العهد بالقبول لقولي؟ أما بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر؟ فما بال من خالفني لم ينقض عليهما حتى مضيا، ونقض علي ولم يوف لي! أما يجب عليكم نصحي ويلزمكم أمري؟ أما تعلمون أن بيعتي تلزم الشاهد منكم والغائب؟ فما بال معاوية وأصحابه طاعنون في بيعتي! ولم لم يفوا لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري، أولى بالأمر ممن تقدمني؟ أما سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه
وآله يوم الغدير في ولايتي وموالاتي.
فاتقوا الله أيها المسلمون! وتحاثوا على جهاد معاوية القاسط الناكث وأصحابه القاسطين، [و] اسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب الله المنزل على نبيه المرسل لتتعظوا، فإنه والله عظة لكم. فانتفعوا بمواعظ الله وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه صلى الله عليه وآله: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) [246 - 247 / البقرة: 2].
أيها الناس! إن لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أن الله جعل الخلافة والإمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة بإصطفائه إياه، وزاده بسطة في العلم والجسم، فهل تجدون الله اصطفى بني أمية على بني هاشم، وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم؟!
فاتقوا الله عباد الله! وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخطه بعصيانكم له، قال الله سبحانه: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [78 - 79 / المائدة: 5].
[وقال الله تعالى:] (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) [15 / الحجرات: 49].
وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) [10 - 12 / الصف: 61].
اتقوا الله عباد الله! وتحاثوا على الجهاد مع إمامكم. فلو كان لي بكم عصابة بعدد أهل بدر، إذا أمرتهم أطاعوني، وإذا استنهضتهم نهضوا معي، لاستغنيت بهم عن كثير منكم، وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه، فإنه الجهاد المفروض.
بيان:
إنما أوردته في هذا الباب، لأنه بالنهوض الثاني أنسب منه بالأول، وإن احتمله.
956 - شاج: [و] من كلامه عليه السلام يجري مجرى الاحتجاج، مشتملا على التوبيخ لأصحابه على تثاقلهم لقتال معاوية، والتفنيد، متضمنا للوم والوعيد:
أيها الناس! إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا كالغيب.
أتلو عليكم الحكمة فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها، كأنكم حمر مستنفرة فرت من قسورة وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي، حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ترجعون إلى مجالسكم
تتربعون حلقا، تضربون الأمثال، وتنشدون الأشعار، وتجسسون الأخبار، حتى إذا تفرقتم، تسألون عن الأشعار. جهلة من غير علم، وغفلة من غير ورع، وتتبعا من غير خوف. ونسيتم الحرب والاستعداد لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل.
فالعجب كل العجب - وكيف لا أعجب - من اجتماع قوم على باطلهم وتخاذلكم عن حقكم.
يا أهل الكوفة! أنتم كأم مجالد، حملت فأملصت، فمات قيمها، وطال أيمها وورثها أبعدها.
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إن من ورائكم الأعور الأدبر جهنم الدنيا، لا يبقي ولا يذر.
ومن بعده النهاس الفراس، الجموع المنوع، ثم ليتوارثنكم من بني أمية عدة، ما الآخر [منهم] بأرأف بكم من الأول، ما خلا رجلا واحدا [منهم] بلاء قضاه الله على هذه الأمة، لا محالة كائن.
يقتلون خياركم، ويستعبدون أرذالكم ، ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حجالكم، نقمة بما ضيعتم من أموركم وصلاح أنفسكم ودينكم.
يا أهل الكوفة! أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر، ولتنذروا به من اتعظ واعتبر. كأني بكم تقولون: إن عليا يكذب كما قالت قريش لنبيها وسيدها نبي الرحمة محمد بن عبد الله حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فيا ويلكم، فعلى من أكذب! أعلى الله! فأنا أول من عبد الله ووحده، أم على رسول الله صلى الله عليه وآله! فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره. كلا ولكنها لهجة خدعة كنتم عنها أغبياء.
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لتعلمن نبأها بعد حين، وذلك إذا صيركم إليها جهلكم، ولا ينفعكم عندها علمكم.
فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال.
أما والله أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم!
ما أعز الله نصر من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، ولا قرت عين من آواكم. كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب.
يا ويحكم،: أي دار بعد داركم تمنعون! ومع: أي إمام بعدي تقاتلون!
والمغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب.
أصبحت لا أطمع في نصركم، ولا أصدق قولكم. فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم، وأعقبكم بي من هو شر لكم مني.
إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم والله لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما!
لقد وريتم صدري غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش: إن عليا رجل شجاع [و] لكن لا علم له بالحروب. لله درهم!
هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني وأشد لها مقاساة؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم ها أنا قد ذرفت على الستين، ولكن لا أمر لمن لا يطاع.
أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني، فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟ - ونزل [عليه السلام] يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي صلى الله عليه وآله. وقد خاب من
افترى، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى.
يا أهل الكوفة! قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم كما فعل بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة، والمستضعفين الغواة في قوله تعالى:
(يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم).
أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد حل بكم الذي توعدون.
عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا. ولقد علمت أن الذي يصلحكم هو السيف. وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي، ولكن سيسلط عليكم سلطان صعب، لا يوقر كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا يقسم الفئ بالسوية بينكم، وليضربنكم وليذلنكم، وليجرنكم في المغازي، ويقطعن سبلكم، وليحجبنكم على بابه حتى يأكل قويكم ضعيفكم، ثم لا يبعد الله الا مم ظلم. ولقل ما أدبر شئ فأقبل، إني لأظنكم على فترة، وما علي الا النصح لكم.
يا أهل الكوفة! منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو ألسن، وعمي ذوو أبصار. لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء.
اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني. اللهم لا ترض عنهم أميرا، ولا ترضهم عن أمير، وأمث قلوبهم كإيماث الملح في الماء.
أما والله لو [كنت] أجد بدا من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت. ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت الحياة، [وأنتم في] كل ذلك ترجعون بالهزء من القول، فرارا من الحق، وإلحادا إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين، وإني لأعلم بكم أنكم لا تزيدونني غير تخسير.
كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض، وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول. إن قلت لكم في القيظ: سيروا. قلتم: الحر شديد. وإن قلت لكم: سيروا في البرد. قلتم: القر شديد. كل ذلك فرارا عن الحرب إذا كنتم عن الحر والبرد تعجزون، فأنتم عن حرارة السيف أعجز وأعجز. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يا أهل الكوفة! قد أتاني الصريح يخبرني أن ابن غامد قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم كما يغار على الروم والخزر، فقتل بها عاملي ابن حسان، وقتل معه رجالا صالحين ذوي فضل وعبادة ونجدة، بوء الله لهم جنات النعيم، وإنه أباحها.
وقد بلغني أن العصبة من أهل الشام، كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فيهتكون سترها، ويأخذون القناع من رأسها، والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها، والخلخال والمئزر عن سوقها، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء " يا للمسلمين " فلا يغيثها مغيث ولا ينصرها ناصر، فلو أن مؤمنا مات من دون هذا أسفا، ما كان عندي ملوما بل كان عندي بارا محسنا.
واعجبا كل العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم! قد صرتم غرضا يرمى ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون، ويعصون الله وترضون، فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب.
بيان:
التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي. والقسورة: الأسد. وقال الجوهري:
أملصت المرأة بولدها أي أسقطته. ونهس اللحم: أخذه بمقدم الأسنان. ونهس الحية: لسعها. وفرس الأسد فريسته: دق عنقها.
والمراد بالنهاس الفراس، إما هشام بن عبد الملك لاشتهاره بالبخل، أو سليمان بن عبد الملك، فإنه الذي قيضت له الخلافة بعد وفاة الحجاج بقليل.
والأول أنسب.
والمراد بالرجل الواحد [هو] عمر بن عبد العزيز.
قوله عليه السلام: " ولكنها لهجة خدعة ": أي إذا قلت لكم: سأظفر على الخصم إن شاء الله، فليس هذا من الكذب، بل هو كما مر وكذا أشباهه من مصالح الحرب وغيره.
ويحتمل إرجاع ضمير " لكنها " إلى ما ذكره من نسبته عليه السلام إلى الكذب، خصوصا على نسخة " أغنياء " بالنون، أي ما ذكرتم لهجة خدعتم فيها من الشيطان، ولم تكن لكم حاجة إلى ذكرها.
وفي الصحاح: وهي السقاء يهي وهيا إذا انخرق وانشق. وفيه: ورى القيح جوفه يريه وريا: أكله والاسم الورى بالتحريك. وورى الجرح سائره تورية: أصابه الورى. والمراس: الممارسة والمعالجة. ورصده: رقبه. والترصد:
الترقب.
قوله عليه السلام: " تمسيكم وتصبحكم ": لعل الضمير المستتر فيهما راجع إلى الفواحش والمنكرات: أي يأتيكم إما صباحا أو مساءا عقوبات تلك المنكرات كما فعل بمن قبلكم.
أو الكاف اسمي: أي يأتيكم مثل ما فعل بهم. أو قبله تقدير: أي يأتيكم عقوبته كما فعل بهم.
أو الضميران راجعان إلى شن الغارات وظهور الفواحش والمنكرات، ويكون المراد ظهورها من المخالفين فيهم فهذه عقوبة أعمالهم.
قوله عليه السلام: " وليجرنكم ": أي يبعثكم جبرا. وفي بعض النسخ:
" وليجهزنكم ". وفي بعضها: " وليجمرنكم " وتجمير الجيش أن تحبسهم في أرض العدو ولا تقفلهم من الثغر. وتجمروا: أي تحبسوا.
و [قوله عليه السلام:] " وليحجبنكم ": ضمن معنى القيام فعدي ب " على ".
قوله عليه السلام: " إن قلت لكم في القيظ " [كذا في كتاب الإحتجاج و] في [كتاب] الإرشاد: " إذا قلت لكم: انفروا في الشتاء. قلتم: هذا أوان قر وصر. وإن قلت لكم: انفروا في الصيف. قلتم: " هذه حمارة القيظ أنظرنا ينصرم الحر عنا كل ذلك فرارا عن الجنة. [و] إذا كنتم عن الحر والبرد... " إلى آخر الكلام.
قوله عليه السلام: " قد أتاني الصريح " [كذا] في أكثر النسخ بالحاء المهملة، وهو الرجل الخالص النسب. وكل خالص صريح.
والأظهر أنه بالخاء المعجمة كما في [كتاب] الإرشاد: أي المستغيث أي من يطلب الإغاثة والمدد لدفع ظلمهم.
والعصبة من الرجال - بالضم -: ما بين العشرة إلى الأربعين. وفي
القاموس: الخرص بالضم - ويكسر -: حلقة الذهب والفضة أو حلقة القرط أو الحلقة الصغيرة من الحلي. وفي النهاية: [الخرص - بالضم والكسر -]: الحلقة الصغيرة من الحلي وهو من حلي الأذن.
و [أيضا] قال [ابن الأثير:] فيه: " أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها ":
هي نوع من الحلي يعمل من الفضة سميت بها لبياضها، واحدها وضح.
وقد أوردنا شرح بعض الفقرات في الروايات الأخر. 957 - مع: الطالقاني عن الجوهري عن الجلودي وهشام بن علي معا عن ابن عائشة، بإسناد ذكره: أن عليا [عليه السلام] انتهى إليه أن خيلا لمعاوية وردت الأنبار، فقتلوا عاملا له يقال له: حسان بن حسان. فخرج مغضبا يجر ثوبه حتى أتى النخيلة، وأتبعه الناس فرقي رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله ثم قال:
أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وسيماء الخسف، وديث بالصغار.
وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا، وقلت لكم:
اغزوهم من قبل أن يغزوكم، فوالذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في عقر ديارهم، إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات.
هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان ورجالا منهم كثيرا ونساءا، والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان [الرجل من أهل
الشام] يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة فينتزع أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين لم يكلم أحد منهم كلما. فلو أن امرءا مسلما مات من دون هذا أسفا، ما كان عندي فيه ملوما، بل كان عندي به جديرا.
يا عجبا كل العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم!
إذا قلت لكم: اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الحر عنا. فإذا أنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من السيف أفر.
يا أشباه الرجال ولا رجال! ويا طغام الأحلام ويا عقول ربات الحجال.
والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، ولقد ملأتم جوفي غيظا حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا رأي له في الحرب.
لله درهم! ومن ذا يكون أعلم بها وأشد لها مراسا مني! فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. يقولها ثلاثا.
فقام إليه رجل ومعه أخوه فقال: يا أمير المؤمنين! أنا وأخي هذا كما قال الله عز وجل حكاية عن موسى: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) فمرنا بأمرك، فوالله لننتهين إليه ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا وشوك القتاد.
فدعا له بخير ثم قال: وأين تقعان مما أريد! ثم نزل [عليه السلام].
قال الصدوق رضي الله عنه: تفسير: قال المبرد: سيماء الخسف تأويله:
علامة [الخسف] قال الله عز وجل: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود)
[29 / الفتح] وقال الله عز وجل: (يعرف المجرمون بسيماهم) [41 / الرحمان] وقال الله عز وجل: (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) [125 / آل عمران: 3] أي معلمين.
وقوله: " ديث بالصغار ": تأويل ذلك يقال للبعير إذ ذللته الرياضة: بعير مديث: أي مذلل. وقوله: " في عقر ديارهم ": أي في أصل ديارهم. والعقر:
الأصل. ومن ثم يقال: لفلان عقار: أي أصل مال.
وقوله: " تواكلتم ": هو مشتق من وكلت الأمر إليك ووكلته إلي إذا لم يتوله أحد دون صاحبه، ولكن أحال به كل واحد على الآخر. ومن ذلك قول الحطيئة:
أمور إذا واكلتها لا تواكلوا.
وقوله: " واتخذتموه وراءكم ظهريا ": أي لم تلتفتوا إليه. يقال في المثل: لا تجعل حاجتي منك بظهري: أي لا تطرحها غير ناظر إليها.
وقوله: " حتى شنت عليكم الغارات ": يعني صبت. يقال: شننت الماء على رأسه: أي صببته. ومن كلام العرب: فلما لقي فلان فلانا شنه بالسيف: أي صبه عليه صبا.
وقوله: " هذا أخو غامد ": فهو رجل مشهور من أصحاب معاوية من بني غامد بن نصر من الأزد.
قوله " فينتزع أحجالهما ": يعني الخلاخيل، واحدها حجل، ومن ذلك قيل للدابة: محجلة. ويقال للقيد: حجل لأنه يقع في ذلك الموضع.
و [أما] قوله: " ورعثهما ": فهي الشنوف واحدها رعثة، وجمعها رعاث وجمع الجمع رعث.
وقوله: " ثم انصرفوا موفورين " من الوفر: أي لم ينل أحد منهم بأن يرزأ
في بدن ولا مال. يقال: فلان موفور، وفلان ذو وفر: أي ذو مال، ويكون موفورا في بدنه.
وقوله: " لم يكلم أحد منهم كلما ": أي لم يخدش أحد منهم خدشا، وكل جرح صغير أو كبير فهو كلم.
وقوله: " مات من دون هذا أسفا ": يقول تحسرا، وقد يكون الأسف الغضب، قال الله عز وجل: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " [55 / الزخرف: 43] والأسيف يكون الأجير، ويكون الأسير.
وقوله: " من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم ": أي من تعاونهم وتظاهرهم.
وقوله: " وفشلكم من حقكم " يقال: فشل فلان عن كذا إذا هابه فنكل عنه وامتنع من المضي فيه.
وقوله: " قلتم هذا أوان قر وصر ". فالصر: شدة البرد، قال الله عز وجل:
" كمثل ريح فيها صر " [آل عمران: 3].
وقوله: " هذه حمارة القيظ ". فالقيظ: الصيف، وحمارته: اشتداد حره.
بيان:
قوله: " وجمع الجمع: رعث ". [قال ابن أثير] في [مادة " رعث " من كتاب] النهاية: الرعاث: القرطة وهي من حلي الأذن، واحدتها: رعثة رعثه وجنسها:
الرعث.
أقول قد مر شرح باقي الفقرات، في رواية أخرى.
958 - ما: قال أمير المؤمنين عليه السلام
الموت طالب ومطلوب، لا يعجزه المقيم، ولا يفوته الهارب، فقدموا ولا تنكلوا، فإنه ليس عن الموت محيص، إنكم إن لم تقتلوا تموتوا. والذي نفس علي بيده، لألف ضربة بالسيف على الرأس، أهون من موت على فراش. 959 - ما: المفيد عن التمار عن محمد بن الحسين عن أبي نعيم، عن صالح بن عبد الله عن هشام عن أبي مخنف عن الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي عن الأصبغ بن نباتة رحمه الله، قال: إن أمير المؤمنين [عليه السلام] خطب ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:
أيها الناس! اسمعوا مقالتي وعوا كلامي، إن الخيلاء من التجبر، والنخوة من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل.
ألا إن المسلم أخو المسلم، فلا تنابزوا ولا تخاذلوا، فإن شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، من أخذ بها لحق، ومن تركها مرق ومن فارقها محق. ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن، ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذوب إذا نطق.
نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الحق، وفعلنا القسط، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام وأمناء الكتاب، ندعوكم إلى الله ورسوله، وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء رضوانه، وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ لأهله.
ألا وإن [من] أعجب العجب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو
بن عاص السهمي، يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما! وإني والله لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وآله قط، ولم أعصه في أمر قط، أقيه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وترعد فيها الفرائص، بقوة أكرمني الله بها فله الحمد.
ولقد قبض النبي صلى الله عليه وآله وإن رأسه في حجري، ولقد وليت غسله، أغسله بيدي، وتقلبه الملائكة المقربون.
وأيم الله، ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على حقها، إلا ما شاء الله.
قال: فقام عمار بن ياسر رحمة الله عليه فقال: أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الأمة لم تستقم عليه. فتفرق الناس وقد نفذت بصائرهم. 960 - ما: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي، عن محمد بن إسماعيل عن زيد بن المعدل عن يحيى بن صالح الطيالسي عن إسماعيل بن زياد عن ربيعة بن ناجد قال: لما وجه معاوية بن أبي سفيان ابن عوف الغامدي إلى الأنبار إلى الغارة، بعثه في ستة آلاف فارس، فأغار على " هيت " " والأنبار " وقتل المسلمين وسبي الحريم وعرض الناس على البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام، استنفر أمير المؤمنين عليه السلام الناس وقد كانوا تقاعدوا عنه واجتمعوا على خذلانه، وأمر مناديه في الناس فاجتمعوا فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال:
أما بعد أيها الناس! فوالله لأهل مصركم في الأمصار، أكثر في العرب من الأنصار. وما كان يوم عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين، حتى يبلغ رسالات الله إلا قبيلتان، صغير مولدهما، ما هما
بأقدم العرب ميلادا، ولا بأكثرهم عددا، فلما آووا رسول الله صلى الله عليه وآله، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم القبائل قبيلة بعد قبيلة. فتجردوا للدين، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل، وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن وأهل السهل، قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد، حتى دانت لرسول الله صلى الله عليه وآله العرب، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه. فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب.
فقام إليه رجل آدم طوال فقال: ما أنت كمحمد، ولا نحن كأولئك الذين ذكرت، فلا تكلفنا ما لا طاقة لنا به.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اخسأ [أحسن " خ "] مستمعا تحسن إجابة، ثكلتكم الثواكل ما تزيدوني إلا غما، هل أخبرتكم أني مثل محمد! أو أنكم مثل أنصاره! وإنما ضربت [لكم] مثلا، وأنا [كنت] أرجو أن تأسوا بهم.
ثم قام رجل آخر وقال: ما أحوج أمير المؤمنين ومن معه إلى أصحاب النهروان. ثم تكلم الناس من كل ناحية ولغطوا.
فقام رجل فقال بأعلى صوته: استبان فقد الأشتر على أهل العراق، أن لو كان حيا لقل اللغط، ولعلم كل امرئ ما يقول.
فقال لهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه: هبلتكم الهوابل، لأنا أوجب عليكم حقا من الأشتر، وهل للأشتر عليكم من الحق إلا حق المسلم على المسلم؟! وغضب فنزل.
فقام حجر بن عدي وسعيد بن قيس فقالا: لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين، مرنا بأمرك نتبعه، فوالله العظيم ما يعظم جزعنا على أموالنا أن تفرق، ولا على عشائرنا أن تقتل في طاعتك.
فقال لهم: تجهزوا للمسير إلى عدونا.
ثم دخل عليه السلام منزله، ودخل عليه وجوه أصحابه فقال لهم:
أشيروا علي برجل صليب ناصح يحشر الناس من السواد.
فقال سعيد بن قيس: عليك يا أمير المؤمنين بالناصح الأريب [و] الشجاع الصليب معقل بن قيس التميمي. قال: نعم. ثم دعاه فوجهه وسار [معقل] ولم يعد حتى أصيب أمير المؤمنين عليه السلام.
بيان:
المراد بالقبيلتين الأوس والخزرج. وقال الجوهري: تجرد للأمر: جد فيه.
قوله عليه السلام: " وتصبروا تحت أحلاس الجلاد ": أي صبروا صبرا شديدا على ملازمة القتال. [قال ابن الأثير] في [مادة " حلس " من كتاب] النهاية: " كونوا أحلاس بيوتكم ": أي الزموها. وفيه: " نحن أحلاس الخيل ":
يريدون لزومهم ظهورها. واستحلسنا الخوف: أي لم نفارقه.
وفي بعض النسخ: " تحت حماس الجلاد " [قال الفيروزآبادي] في القاموس: حمس كفرح: اشتد وصلب في الدين. والقتال والحمس: الأمكنة الصلبة، والأحمس: الشجاع كالحميس. والحمس: الصوت. والآدم من الناس:
الأسمر. والطوال بالضم: الطويل.
قوله عليه السلام: " اخسأ ": أي أبعد، يقال: خسأت الكلب خسأ:
طردته. وخسأ الكلب بنفسه. يتعدى ولا يتعدى. و " مستمعا " على بناء الفاعل.
وفي بعض النسخ: " أحسن " بالحاء المهملة والنون. و " مستمعا " بفتح الميم مصدر. واللغط - بالتحريك -: الصوت والجلبة وهبلته أمه ثكلته.
962 - شا: [و] من كلامه صلوات الله عليه حين نقض معاوية العهد،
وبعث بالضحاك بن قيس للغارة على أهل العراق، فلقي عمرو بن عميس بن مسعود فقتله وقتل ناسا معه من أصحابه، وذلك بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل الكوفة! اخرجوا إلى العبد الصالح وإلى جيش لكم قد أصيب منه طرف. اخرجوا فقاتلوا عدوكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين.
قال: فردوا عليه ردا ضعيفا، ورأى منهم عجزا وفشلا فقال: والله لوددت أن لي بكل ثمانية منكم رجلا منهم! ويحكم اخرجوا معي ثم فروا عني إن بدا لكم، فوالله ما أكره لقاء ربي على نيتي وبصيرتي، وفي ذلك روح لي عظيم، وفرج من مناجاتكم ومقاساتكم ومداراتكم مثل ما تدارى البكار العمدة، والثياب المتهترة، كلما خيطت من جانب، تهتكت من جانب على صاحبها. بيان:
قال الجوهري: الطرف - بالتحريك -: الناحية من النواحي، والطائفة من الشئ.
و [قوله عليه السلام:] " المتهترة " في بعض النسخ بالتاء المثناة قال [الفيروزآبادي] في القاموس: الهتر: مزق العرض. وبالكسر: السقط من الكلام. وهتره الكبر يهتره: [جعله خرفا وأفقده عقله].
وفي بعضها [" المهبرة "] بالباء الموحدة من قولهم: " هبره ": قطعه قطعا كبارا وهو أنسب. ويحتمل الياء من قولهم هار البناء: هدمه، فهار وتهور وتهير وانهار، وهو أنسب بما في بعض الروايات مكانه من المتداعية.
962 - شا: [و] من كلامه عليه السلام في استنفار القوم واستبطائهم
عن الجهاد، وقد بلغه مسير بسر بن أرطاة إلى اليمن:
أما بعد أيها الناس! فإن أول رفثكم وبدء نقضكم، ذهاب أولي النهى وأهل الرأي منكم، الذين كانوا يلقون فيصدقون، ويقولون فيعدلون، ويدعون فيجيبون. وإني والله قد دعوتكم عودا وبدءا، وسرا وجهرا، وفي الليل والنهار، والغدو والأصال، [ف] ما يزيدكم دعائي إلا فرارا وإدبارا. أما يعظكم [تنفعكم " خ "] العظة والدعاء إلى الهدى والحكمة!
وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم لي أودكم، ولكني - والله - لا أصلحكم بفساد نفسي. ولكن أمهلوني قليلا فكأنكم والله بامرئ قد جاءكم، يحرمكم ويعذبكم فيعذبه الله كما يعذبكم.
إن من ذل المسلمين وهلاك الدين، أن ابن [ظ] أبي سفيان يدعو الأرذال فيجاب، وأدعوكم وأنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون وتدافعون. ما هذا فعل المتقين!
بيان:
" أول رفثكم " في أكثر النسخ بالفاء والثاء المثلثة: وهو الفحش من القول. ولا يناسب كثيرا.
ويحتمل التاء [المثناة الفوقانية] من قولهم: " رفته يرفته [من باب ضرب ونصر]: كسره ودقه. و [رفت الشئ]: انكسر واندق. و [رفت الحبل:] انقطع.
لازم ومتعد.
وفي بعض النسخ: بالقاف والتاء - وهو أظهر -: أي ضعفكم وقلتكم. ومراوغة الثعلب وروغانه مشهوران.
963 - شا: [و] من كلامه صلوات الله عليه في هذا المعنى، بعد حمد الله والثناء عليه: ما أظن هؤلاء القوم - يعني أهل الشام - إلا ظاهرين عليكم.
فقالوا له: بماذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: أرى أمورهم قد علت، ونيرانكم قد خبت، وأراهم جدين، وأراكم وانين، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم مطيعين، وأراكم لي عاصين.
أم والله لئن ظهروا عليكم لتجدنهم أرباب سوء من بعدي لكم.
لكأني أنظر إليهم وقد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم فيئكم.
وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، ولا تأخذون حقا ولا تمنعون لله من حرمة.
وكأني أنظر إليهم يقتلون صالحيكم، ويخيفون قراءكم، ويحرمونكم ويحجبونكم ويدنون الناس دونكم. فلو قد رأيتم الحرمان والأثرة ووقع السيوف ونزول الخوف، لقد ندمتم وحسرتم على تفريطكم في جهادكم، وتذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من الخفض والعافية، حين لا ينفعكم التذكار.
بيان:
قال الجوهري: كشيش الأفعى: صوتها من جلدها لا من فمها، وقد كشت تكش. وقال: الحسرة: أشد التلهف على الشئ الفائت، تقول منه: حسر على الشئ - بالكسر - يحسر حسرا وحسرة فهو حسير.
964 - شا: [و] من كلامه عليه السلام لما نقض معاوية بن أبي سفيان شرط الموادعة، وأقبل يشن الغارات على أهل العراق، فقال بعد أن حمد الله وأثنى وعليه:
ما لمعاوية قاتله الله! لقد أرادني على أمر عظيم، أراد أن أفعل كما يفعل فأكون قد هتكت ذمتي ونقضت عهدي، فيتخذها علي حجة، فيكون علي شينا إلى يوم القيامة كلما ذكرت. فإن قيل له: أنت بدأت، قال: ما عملت ولا أمرت.
فمن قائل يقول: صدق. ومن قائل يقول: كذب.
أم والله إن الله لذو أناة وحلم عظيم، لقد حلم عن كثير من فراعنة الأولين، وعاقب فراعنة، فإن يمهل الله فلم يفته، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، فليصنع ما بدا له فإنا غير غادرين بذمتنا، ولا ناقضين لعهدنا، ولا مروعين لمسلم ولا معاهد حتى ينقضي شرط الموادعة بيننا إن شاء الله تعالى.
965 - شا: ومن كلامه عليه السلام في مقام آخر.
الحمد لله وسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله.
أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله رضيني لنفسه أخا، واختصني له وزيرا.
أيها الناس! أنا أنف الهدى وعيناه، فلا تستوحشوا من طريق الهدى لقلة من يغشاه من زعم أن قاتلي مؤمن فقد قتلني.
ألا وإن لكل دم ثائرا يوما، وإن الثائر في دمائنا والحاكم في حق نفسه وحق ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، [هو] الذي لا يعجزه ما طلب، ولا يفوته ما هرب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وأقسم بالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لتنتحرن عليها يا بني أمية، ولتعرفنها في أيدي غيركم ودار عدوكم عما قليل، وستعلمن نبأه بعد حين.
بيان:
قال الجوهري: انتحر الرجل: أي نحر نفسه. وفي المثل: سرق السارق فانتحر. وانتحر القوم على الشئ: إذا تشاحوا عليه وتناحروا في القتال [تقاتلوا مستميتين].
966 - شا: ومن كلامه عليه السلام في معنى ما تقدم:
يا أهل الكوفة! خذوا أهبتكم لجهاد عدوكم معاوية وأشياعه. فقالوا: يا أمير المؤمنين أمهلنا يذهب عنا القر. فقال:
أما والله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ليس بأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لطاعتهم معاوية ومعصيتكم لي.
والله لقد أصبحت الأمم كلها تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أنا أخاف ظلم رعيتي!
لقد استعملت منكم رجالا فخانوا وغدروا، ولقد جمع بعضهم ما ائتمنته عليه من فئ المسلمين، فحمله إلى معاوية. وآخر حمله إلى منزله تهاونا بالقرآن، وجرأة على الرحمان، حتى أني لو ائتمنت أحدكم على علاقة سوط لخان، ولقد أعييتموني.
ثم رفع [عليه السلام] يده إلى السماء وقال:
اللهم إني سئمت الحياة بين ظهراني هؤلاء القوم، وتبرمت الأمل، فأتح لي صاحبي حتى استريح منهم ويستريحوا مني، ولن يفلحوا بعدي.
بيان:
تاح له الشئ وأتيح له الشئ: أي قدر له. ذكره الجوهري.
والمراد بالصاحب ملك الموت. عبر كذلك لأظهار الاشتياق إلى الموت.
ويحتمل [أنه] أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو [أراد] ابن ملجم لعنه الله، فالمراد بصاحبي من قدر لقتلي.
967 - شا: روى مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول:
خطب الناس أمير المؤمنين [عليه السلام] بالكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أنا سيد الشيب، وفي سنة من أيوب، وسيجمع الله لي أهلي كما جمع ليعقوب شمله، وذلك إذا استدار الفلك، وقلتم: مات أو هلك.
ألا فاستشعروا قبلها بالصبر وبوءوا إلى الله بالذنب، فقد نبذتم قدسكم، وأطفأتم مصابيحكم، وقلدتم هدايتكم من لا يملك لنفسه ولا لكم سمعا ولا بصرا، ضعف والله الطالب والمطلوب.
هذا ولو لم تتواكلوا أمركم، ولم تتخاذلوا عن نصرة الحق بينكم، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم، ولا هضم الطاعة وأزوائها عن أهلها فيكم.
تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى.
وبحق أقول: ليضعفن عليكم التيه من بعدي باضطهادكم ولدي، ضعف ما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى.
وبحق قد استكملتم نهلا، وامتلأتم عللا من سلطان الشجرة الملعونة في القرآن. لقد اجتمعتم على ناعق ضلال، ولأجبتم الباطل ركضا، ثم لغادرتم داعي الحق، وقطعتم الأدنى من أهل بدر، ووصلتم الأبعد من أبناء حرب.
ألا ولو ذاب ما في أيديهم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.