بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۴، ص ۱۹۱–۲۲۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۰ از ۱۷
قوله عليه السلام " حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله ": أي جزاء ما أعطى الله أهل الحق من الدين المبين، وسائر ما هداهم الله تعالى إليه بأن يكون المراد بالحقيقة الجزاء مجازا، أو يكون في الكلام تقدير مضاف: أي حقيقة جزاء ما أعطي من الحق، أو يكون المراد بالبلوغ إليها كونه بإزائها ومكافاة لها.
وقيل: المراد بحقيقة ما أعطى الله شكر نعمة هدايته تعالى إلى دين الحق.
وفي النهج: " حقيقة ما الله أهله من الطاعة له ". وفي بعض النسخ القديمة من الكتاب " حقيقة ما الحق من الله أهله ".
قوله [عليه السلام]: " النصيحة له ": أي لله أو للإمام، أو نصيحة بعضهم لبعض لله تعالى بأن لا يكون الظرف صلة.
وفي النهج: " النصيحة بمبلغ [جهدهم] " بدون الصلة وهو يؤيد الأخير.
قال الجزري [في مادة " نصح " من كتاب النهاية]: النصيحة في اللغة:
الخلوص، يقال نصحته ونصحت له.
ومعنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته.
و [معنى] النصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه.
ونصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله، التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه.
و [معنى] نصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم.
قوله عليه السلام: " ولا لامرئ مع ذلك ": كأنه راجع إلى ما حمل الله على الوالي، أو إلى الوالي الذي أشير إليه سابقا: أي لا يجوز، أو لا بد لامرئ،
أو لا استغناء لامرئ مع الوالي، أو مع كون واليه مكلفا بالجهاد وغيره من أمور الدين، وإن كان لذلك المرء ضعيفا محقرا بدون أن يعين على إقامة الدين ويعينه الناس أو الوالي عليه.
وفي النهج: " ولا امرء وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه ". وهو الظاهر.
قوله عليه السلام: " خسأت به الأمور " يقال خسأت الكلب خسأ:
طردته. وخسأ الكلب بنفسه: يتعدى ولا يتعدى. ذكره الجوهري. فيجوز أن يكون هنا استعمل غير متعد بنفسه قد عدي بالباء: أي طردته الأمور. أو يكون الباء للسببية: أي بعدت بسببه الأمور.
وفي بعض النسخ: " حبست به الأمور ": وعلى التقادير المراد أنه يكون بحيث لا يتمشى أمر من أموره، ولا ينفع سعيه في تحصيل شئ من الأمور.
و " اقتحمته العيون ": أي احتقرته. وكلمة " ما " في قوله: " ما أن يعين " زائدة.
قوله عليه السلام: " وأهل الفضيلة في الحال ": المراد بهم الأئمة والولاة والأمراء والعلماء، وكذا أهل النعم العظام فإنهم لكونهم مكلفين بعظائم الأمور كالجهاد في سبيل الله وإقامة الحدود والشرائع والأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى إعانة الخلق أحوج.
ويحتمل أن يكون المراد بأهل الفضيلة العلماء، فإنهم محتاجون فيما حمل عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أعوان، ولا أقل إلى من يؤمر وينهى.
و [المراد] بأهل النعم أصحاب الأموال، لأن ما حمل عليهم من الحقوق أكثر، كأداء الأخماس والصدقات، وهم محتاجون إلى الفقير القابل لها، وإلى الشهود وإلى غيرهم والأول أظهر.
قوله عليه السلام: " وكل في الحاجة إلى الله شرع سواء ": بيان لقوله:
" شرع "، وتأكيد، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنهم يستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربهم جل وعز، بل هو الموفق والمعين لهم في جميع أمورهم، ولا يستغنون بشئ عن الله عز وجل، وإنما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم ويثيبهم على ذلك، واقتضت حكمته البالغة أن يجري الأشياء بأسبابها، وهو المسبب لها والقادر على إمضائها بلا سبب.
قوله عليه السلام: " فأجابه رجل ": الظاهر أنه كان الخضر عليه السلام وقد جاء في مواطن كثيرة وكلمة عليه السلام لاتمام الحجة على الحاضرين، وقد أتى بعد وفاته عليه السلام وقام على باب داره وبكى وأبكى وخاطبه عليه السلام بأمثال تلك الكلمات وخرج وغاب عن الناس.
قوله عليه السلام: " والإقرار " الظاهر أنه معطوف على الثناء: أي أقر إقرارا حسنا بأشياء ذكرها ذلك لرجل، ولم يذكره عليه السلام اختصارا أو تقية من تغير حالاته من استيلاء أئمة الجور عليه ومظلوميته وتغير أحوال رعيته من تقصيرهم في حقه، وعدم قيامهم بما يحق من طاعته والقيام بخدمته.
ويمكن أن يكون الواو مع، ويحتمل عطفه على [قوله:] " واجب حقه ".
قوله: " من الغل ": أي أغلال الشرك والمعاصي. وفي بعض النسخ القديمة: " أطلق عنا رهائن الغل ": أي ما يوجب أغلال القيامة.
قوله [عليه السلام:] " وائتمر ": أي اقبل ما أمرك الله به فأمضه علينا.
قوله " والملك المخول ": أي المملك الذي أعطاك الله الامرة علينا وجعلنا خدمك وتبعك.
قوله عليه السلام: " لا نستحل في شئ من معصيتك ": لعله عدي ب " في " لتضمين معنى الدخول. أو المعنى لا نستحل في شئ شيئا من معصيتك.
وفي بعض النسخ القديمة: " لا يستحل في شئ من معصيتك ". وهو
أظهر.
قوله: " في ذلك ": أي في العلم بأن تكون كلمة " في " تعليلية، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما دل عليه الكلام من إطاعته عليه السلام. والخطر: القدر والمنزلة.
قوله: " ويجل عنه ": يحتمل إرجاع الضمير إلى القياس: أي فضلك أجل في أنفسنا من أن يقاس بفضل أحد. ويمكن إرجاعه إلى العلم فتكون كلمة " عن " تعليلية كما في قوله تعالى: " وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك " [53 / هود: 11]: أي يجل ويعظم بسبب ذلك في أنفسنا فضلك.
قوله عليه السلام: " من عظم جلال الله ": إما على التعليل بنصب " جلال الله "، أو بالتخفيف برفعه: يعني من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه في قلبه، أن يصغر عنده كل ما سوى الله تعالى، لما ظهر له من جلال الله، وأن أحق من كان كذلك أئمة الحق عليهم السلام، لعظم نعم الله وكمال معرفتهم بجلال ربهم، فحق الله تعالى عليهم أعظم منه على غيرهم، فينبغي أن يصغر عندهم أنفسهم فلا يحبوا الفخر والإطراء في المدح، أو يجب أن يضمحل في جنب جلال الله عندهم غيره تعالى، فلا يكون غيره منظورا لهم في أعمالهم ليطلبوا رضى الناس بمدحهم.
قوله عليه السلام: " وإن من أسخف ": السخف: رقة العيش ورقة العقل. والسخافة: رقة كل شئ. أي أضعف حالات الولاة عند الرعية أن يكونوا متهمين عندهم بهذه الخصلة المذمومة.
قوله عليه السلام: " إني أحب الإطراء ": أي مجاوزة الحد في المدح والمبالغة فيه.
قوله عليه السلام: " انحطاطا لله سبحانه ": أي تواضعا له تعالى.
وفي بعض النسخ القديمة: " ولو كنت أحب أن يقال [لي] ذلك، لتناهيت
له أغنانا الله وإياكم عن تناول ما هو أحق به من التعاظم وحسن الثناء ".
والتناهي: قبول النهي. والضمير في " له " راجع إلى الله تعالى.
وفي النهج: كما في النسخ المشهورة قوله عليه السلام: " فربما استحلى الناس " يقال: استحلاه: أي وجده حلوا.
قال ابن ميثم رحمه الله: هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه فكأنه يقول: وأنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في الله، وأحث الناس على ذلك، ومن عادة الناس أن يستحلوا الثناء عند أن يبلوا بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات.
ثم أجاب [عليه السلام:] عن هذا العذر في نفسه بقوله: " فلا تثنوا علي بجميل ثناء ": أي لا تثنوا علي لأجل ما ترونه مني من طاعة الله، فإن ذلك إنما هو إخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم أفرغ بعد من أدائها وهي حقوق نعمه وفرائضه التي لابد من المضي فيها.
وكذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله [علي لكم] من النصيحة في الدين والإرشاد إلى الطريق الأفضل، والتعليم لكيفية سلوكه.
[ثم قال:] وفي خط الرضي رحمه الله " من التقية " بالتاء: والمعنى فإن الذي أفعله من طاعة الله، إنما هو إخراج لنفسي إلى الله وإليكم من تقية الخلق فيما يجلب علي من الحقوق. إذ كان عليه السلام إنما يعبد الله لله غير ملتفت في شئ من عبادته، وأداء واجب حقه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إليه.
أو المراد بها التقية التي كان يعملها في زمن الخلفاء الثلاثة وتركها في أيام خلافته، وكأنه قال: لم أفعل شيئا إلا وهو أداء حق واجب علي، وإذا كان كذلك،
فكيف أستحق أن يثنى علي لأجل إتيان الواجب بثناء جميل وأقابل بهذا التعظيم؟! [و] هذا من باب التواضع منه [عليه السلام] وتعليم كيفيته، وكسر للنفس عن محبة الباطل والميل إليه. انتهى.
وقال ابن أبي الحديد: معنى قوله: " لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم ":
أي لاعترافي بين يدي الله وبمحضر منكم أن علي حقوقا في أيالتكم ورئاستي لم أقم بها بعد وأرجو من الله القيام بها.
انتهى [كلام ابن أبي الحديد].
فكأنه جعل قوله [عليه السلام:] " لإخراجي " تعليلا لترك الثناء لا مثنى عليه ولا يخفى بعده.
ثم اعلم أنه يحتمل أن يكون المراد ب " البقية ": الإبقاء والترحم كما قال تعالى: (أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض) [116 / هود: 11]. أي إخراجي نفسي من أن أبقى وأترحم مداهنة في حقوق لم أفرغ من أدائها.
قال الفيروزآبادي: وأبقيت ما بيننا: لم أبالغ في كل فساده. والاسم منه البقية و " أولوا بقية ينهون عن الفساد ": أي إبقاء أو فهم.
قوله عليه السلام: " ولا تتحفظوا عني بما يتحفظ به عند أهل البادرة " البادرة: الحدة والكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب: أي لا تثنوا علي كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم، أو لا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين والأمراء، كترك المسارة والحديث إجلالا وخوفا منهم، وترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور والقيام بين أيديهم.
قوله عليه السلام: " بالمصانعة ": أي الرشوة والمداراة.
قوله عليه السلام: " كان العمل بهما أثقل عليه ": وشأن الولاة العمل بالعدل والحق، أو أنتم تعلمون أنه لا يثقل علي العمل بهما.
قوله عليه السلام: " بفوق أن أخطئ ": هذا من [باب] الانقطاع إلى الله والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق، وعد نفسه من المقصرين في مقام العبودية، والاقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه، وليس اعترافا بعدم العصمة كما توهم، بل ليست العصمة إلا ذلك. فإنما هي أن يعصم الله العبد عن ارتكاب المعاصي، وقد أشار عليه السلام إليه بقوله: " إلا أن يكفي الله ". وهذا مثل قول يوسف عليه السلام: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) إلخ.
قوله عليه السلام: " ما هو أملك به ": أي العصمة من الخطأ فإنه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد لنفسه.
قوله عليه السلام: " مما كنا فيه ": أي من الجهالة وعدم العلم والمعرفة والكمالات التي يسرها الله تعالى لنا ببعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه عليه السلام، لأنه لم يكن كافرا فأسلم، ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا.
ويجوز أن يكون معناها: لولا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه وآله لكنت أنا وغيري على مذهب الأسلاف. انتهى.
قوله عليه السلام: " فبلاؤه عندنا مالا يكفر ": أي نعمه عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها وسترها، أو لا يجوز كفرانها وترك شكرها.
قوله عليه السلام: " سياسة أمورنا ": [يقال:] سست الرعية سياسة:
أمرتها ونهيتها. و " العلم " بالتحريك: ما ينصب في الطريق ليهتدي به السائرون.
قوله: " من بارع الفضل " قال الفيروزآبادي: برع [فلان] - ويثلث - براعة: فاق أصحابه في العلم وغيره، أو تم في كل جمال وفضيلة، فهو بارع وهي بارعة.
قوله: " ولم يكن ": على المجهول من [قولهم:] كننت الشئ سترته. أو بفتح الياء وكسر الكاف من [قولهم:] وكن الطائر بيضه يكنه [على زنة وعد] إذا حضنه.
وفي بعض النسخ: " لم يكن ". وفي النسخة القديمة: " لن يكون ".
قوله: " وتوسعا ": أي في الفضل والثواب.
قوله: " مع ذلك ": أي مع طاعتنا لك: أي نفس الطاعة أمر مرغوب فيه ومع ذلك موجب لحصول ما ينفعنا وما هو خير لنا في دنيانا وآخرتنا.
قوله " إلا مناصحة الصدور ": أي خلوصها عن غش النفاق بأن يطوي فيه ما يظهر خلافه، أو نصح الإخوان نصحا يكون في الصدر لا بمحض اللسان.
قوله: " وقد عال الذي في صدره ": يقال: عالني الشئ أي غلبني. وعال أمرهم: اشتد.
قوله عليه السلام: " وغصص الشجى ": الغصة - بالضم -: ما اعترض
في الحلق. وكذا الشجا والشجو الهم والحزن.
قوله عليه السلام: " لخطر مرزئته " الخطر - بالتحريك -: القدر والمنزلة والاشراف على الهلاك. والمرزئة: المصيبة، وكذا الفجيعة وكونها: أي وقوعها وحصولها والضميران راجعان إلى أمير المؤمنين عليه السلام. والقائل كان عالما بقرب أوان شهادته عليه السلام فلذا كان يندب ويتفجع. وإرجاعهما إلى القائل بعيد.
قوله عليه السلام: " أشفى ": أي أشرف عليه. والضمير في قوله: " إليه " راجع إلى الله تعالى.
قوله عليه السلام: " وانقلاب جده " الجد: البخت. والتفجع: التوجع في المصيبة: أي سأل الله دفع هذا البلاء الذي قد ظن وقوعه عنه عليه السلام مع التفجع والتضرع.
قوله: " يا رباني العباد ": قال الجزري: الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون [للمبالغة].
وقيل: هو من الرب بمعنى التربية، لأنهم كانوا يربون المتعلمين بصغارها وكبارها.
والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين. أو الذي يطلب بعلمه وجه الله [تعالى]. وقيل: العالم العامل المعلم.
قوله: " ويا سكن البلاد " السكن - بالتحريك -: كل ما يسكن إليه.
قوله: " وبك جرت نعم الله علينا ": أي بجهادك ومساعيك الجميلة لترويج الدين وتشييد الإسلام في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وبعده.
قوله عليه السلام: " وللعصاة الكفار إخوانا ": أي كنت تعاشر من يعصيك ويكفر نعمتك معاشرة الإخوان شفقة منك عليهم.
أو المراد الشفقة على الكفار والعصاة والاهتمام في هدايتهم.
ويحتمل أن يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره وكان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع.
وقيل: المراد بالإخوان الخوان الذي يؤكل عليه، فإنه لغة فيه كما ذكره الجزري. ولا يخفى بعده.
وفي النسخة القديمة: " ألم نكن " بصيغة المتكلم، وحينئذ فالمراد بالفقرة الأولى أنه كان ينزل بنا ذل كل ذليل: أي كنا نذل بكل ذلة وهوان. وهو أظهر وألصق بقول: " فبمن ".
قوله عليه السلام: " من فظاعة تلك الخطرات ": أي شناعتها وشدتها.
قوله [عليه السلام:] " بعد الحور " قال الجوهري [وفي الأثر:] " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " أي من النقصان بعد الزيادة.
وفي بعض النسخ [" بالجور "] بالجيم.
قوله عليه السلام: " وثمال فقرائنا " قال الجزري: الثمال - بالكسر -:
الملجأ والغياث. وقيل: هو المطعم في الشدة.
قوله [عليه السلام:] " يجمعنا من الأمور عدلك ": أي هو سبب إجتماعنا وعدم تفرقنا في جميع الأمور، أو من بين سائر الأمور، أو هو سبب لانتظام أمورنا، أو عدلك يحيط بجميعنا في جميع الأمور.
قوله عليه السلام: " ويتسع لنا في الحق تأنيك ": أي صار مداراتك وتأنيك وعدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقه سببا لوسعة الحق علينا، وعدم تضيق الأمر بنا.
قوله عليه السلام: " ليبلغ تحريكه ": أي تغييره وصرفه. وفي النسخة القديمة: " تحويله ".
قوله " ولأخطرناها ": أي جعلناها في معرض المخاطرة والهلاك. أو صيرناها خطرا ورهنا وعوضا لك.
قال الجزري: [و] فيه: " فإن الجنة لا خطر لها ": أي لا عوض لها ولا مثل. والخطر - بالتحريك - في الأصل: الرهن وما يخاطر عليه. ومثل الشئ وعدله، ولا يقال إلا في الشئ الذي له قدر ومزية، ومنه الحديث " ألا رجل يخاطر بنفسه وماله ": أي يلقيهما في الهلكة بالجهاد .
ومنه حديث النعمان [بن مقرن يوم نهاوند]: " إن هؤلاء يعني المجوس قد أخطروا لكم رثة ومتاعا وأخطرتم لهم الإسلام ": المعنى أنهم قد شرطوا لكم ذلك وجعلوه رهنا من جانبهم، وجعلتم رهنكم دينكم.
قوله عليه السلام: " حاولك ": أي قصدك. قوله: " من ناواك ": أي عاداك. قوله: " ولكنه ": أي الرب تعالى. قوله: " وعز ": أي ذو عز وغلبة.
و " زاوله ": أي حاوله وطالبه.
وهذه إشارة إلى أن تلك الأمور بقضاء الله وتقديره، والمبالغة في دفعها في حكم مغالبة الله في تقديراته. وقد سبق تحقيق القضاء والقدر في كتاب العدل.
قوله: " نعظمه ": الضمير في قوله: " نعظمه " و " نديمه " راجعان إلى الشكر والذكر. [و] قوله: " بلاءه ": يحتمل النعمة أيضا.
قوله " ما عنده ": هو خبر " إن "، ويحتمل أن يكون الخبر محذوفا: أي خير لك، والمعنى أنه لا تختلف قلوبنا بل تتفق على أن الله اختار لك بإمضائك النعيم والراحة الدائمة، على ما كنت فيه من المشقة والجهد والعناء.
قوله: " من غير إثم ": أي لا نأثم على البكاء عليك فإنه من أفضل
الطاعات، أو لا نقول ما يوجب الإثم.
قوله: " لعز ": متعلق ب [قوله:] " البكاء " و " أن يعود " بدل اشتمال له: أي نبكي لتبدل عز هذا السلطان ذلا.
قوله: " أكيل ": الأكيل يكون بمعنى المأكول، وبمعنى الأكل. والمراد هنا الثاني: أي نبكي لتبدل هذا السلطان الحق بسلطنة الجور فيكون أكلا للدين والدنيا.
وفي بعض النسخ: " لعن الله هذا الشيطان " فلا يكون مرجع الإشارة سلطنته عليه السلام، بل جنسها الشامل للباطل أيضا: أي لعن الله السلطنة التي لا تكون صاحبها.
ويحتمل أن يكون اللعن مستعملا في أصل معناه لغة، وهو الابعاد: أي أبعد الله هذا السلطان عن أن يعود ذليلا. ولا يخفي بعده.
قوله: " ولا نرى لك خلفا ": أي من بين السلاطين لخروج السلطنة عن أهل البيت [عليهم السلام].
984 - كا: علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن علي، جميعا عن إسماعيل بن مهران وأحمد بن محمد بن أحمد عن علي بن الحسن التيمي، وعلي بن الحسين عن أحمد بن محمد بن خالد، جميعا عن إسماعيل بن مهران عن المنذر بن جيفر عن الحكم بن ظهير عن عبد الله بن حريز العبدي. عن الأصبغ بن نباتة قال:
أتى أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عمر وولد أبي بكر وسعد بن أبي وقاص يطلبون منه التفضيل لهم، فصعد المنبر ومال الناس إليه فقال:
الحمد لله ولي الحمد ومنتهى الكرم، لا تدركه الصفات ولا يحد باللغات ولا يعرف بالغايات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا رسول الله نبي الهدى وموضع التقوى ورسول الرب الأعلى، جاء بالحق من عند الحق لينذر بالقرآن المبين والبرهان المستنير فصدع بالكتاب المبين ومضى على ما مضت عليه الرسل الأولون.
أما بعد أيها الناس! فلا تقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا أفره الدواب ولبسوا ألين الثياب، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إن لم يغفر لهم الغفار إذا منعتهم ما كانوا فيه يخوضون، وصيرتهم إلى ما يستوجبون فيفقدون ذلك فيسألون: " ظلمنا ابن أبي طالب وحرمنا ومنعنا حقوقنا ". فالله عليهم المستعان.
من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وآمن بنبينا وشهد شهادتنا ودخل في ديننا، أجرينا عليه حكم القرآن بحدود الإسلام، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى.
ألا وإن للمتقين عند الله أفضل الثواب وأحسن الجزاء والمآب، لم يجعل الله تبارك وتعالى الدنيا للمتقين ثوابا، وما عند الله خير للأبرار.
أنظروا أهل دين الله! فيما أصبتم في كتاب الله، وتركتم عند رسول الله صلى الله وجاهدتم به في ذات الله، أبحسب أم بنسب؟ أم بعمل أم بطاعة أم زهادة؟ وفيما أصبحتم فيه راغبين.
فسارعوا إلى منازلكم رحمكم الله، التي أمرتم بعمارتها العامرة التي لا تخرب والباقية التي لا تنفد، التي دعاكم [الله] إليها وحضكم عليها ورغبكم فيها، وجعل الثواب عنده عنها.
فاستتموا نعم الله عز ذكره بالتسليم لقضائه، والشكر على نعمائه، فمن
لم يرض بهذا فليس منا ولا إلينا، وإن الحاكم يحكم بكتاب الله ولا خشية عليه من ذلك ، أولئك هم المفلحون.
وفي نسخة [من كتاب الكافي] " ولا وحشة وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ".
وقال [عليه السلام:] وقد عاتبتكم بدرتي التي أعاتب بها أهلي فلم تبالوا، وضربتكم بسوطي الذي أقيم به حدود ربي فلم ترعووا، أتريدون أن أضربكم بسيفي؟
أما إني أعلم الذي تريدون ويقيم أودكم، ولكن لا أشري صلاحكم بفساد نفسي، بل يسلط الله عليكم قوما فينتقم لي منكم، فلا دنيا استمتعتم بها ولا آخرة صرتم إليها، فبعدا وسحقا لأصحاب السعير.
إيضاح:
قوله: " ولد أبي بكر ": هو عبد الرحمان.
قوله عليه السلام: " ولي الحمد ": أي الأولى به، أو المتولي لحمد نفسه كما ينبغي له بإيجاد ما يدل على كماله واتصافه بجميع المحامد، وبتلقين ما يستحقه من الحمد أنبياؤه وحججه عليهم السلام وإلهام محبيه وتوفيقهم للحمد.
[قوله عليه السلام:] " ومنتهى الكرم ": أي ينتهي إليه كل جود وكرم، لأنه موجد النعم والموفق لبذلها، أو هو المتصف بأعلى مراتب الكرم والمولى بجلائل النعم. ويحتمل أن يكون الكرم بمعنى الكرامة والجلالة على الوجهين السابقين.
[قوله عليه السلام:] " لا تدركه الصفات ": أي توصيفات الواصفين أو صفات المخلوقين.
[قوله عليه السلام:] " فلا يعرف بالغايات ": أي بالنهايات والحدود
الجسمانية، أو بالحدود العقلية، إذ حقيقة كل شئ وكنهه حده ونهايته.
أو ليس له نهاية لا في وجوده ولا في علمه ولا في قدرته، وكذا سائر صفاته.
أو لا يعرف بما هو غاية أفكار المتفكرين.
[قوله عليه السلام:] " فصدع بالكتاب المبين " قال الفيروزآبادي: [في شرح] قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) [94 / الحجر: 15]: أي شق جماعتهم بالتوحيد، أو اجهر بالقرآن، أو أظهر أو احكم بالحق وافصل بالأمر، أو اقصد بما تؤمر، أو أفرق به بين الحق والباطل.
[قوله عليه السلام:] " فلا تقولن رجال ": الظاهر أن قوله: " رجال " فاعل [لقوله:] " لا تقولن " وما ذكر بعده إلى قوله: " ويقولون " صفات تلك الرجال. وقوله: " ظلمنا ابن أبي طالب ": مقول القول. وقوله: " يقولون " تأكيد للقول المذكور في أول الكلام [و] إنما أتى به لكثرة الفاصلة بين العامل والمعمول.
ويحتمل أن يكون مقول القول محذوفا يدل عليه قوله: " ظلمنا ابن أبي طالب ".
وقيل: مفعوله محذوف تقدير الكلام: فلا تقولن ما قلتم من طلب التفضيل وغيره رجال كانت الدنيا غمرتهم في زمن الخلفاء الثلاثة إذا منعتهم ما كانوا يأخذون وأعطيتهم ما يستوجبون، فيصرفون ما أعطيتهم ويسألون الزيادة عليه ويقولون: ظلمنا ابن أبي طالب. انتهى.
أقول: لا يخفى أن ما ذكرناه أظهر.
وفي بعض النسخ: " رجالا " بالنصب، ولعل فيه حينئذ حذفا: أي لا تقولن أنتم نعتقد أو نتولى رجالا صفتهم كذا وكذا، ولعله كان " لا تتولون " فصحف.
[قوله عليه السلام:] " أفره الدواب " يقال: دابة فارهة: أي نشيطة قوية نفيسة. و " الشنار " العيب والعار.
[قوله عليه السلام:] " ألا وإن للمتقين ": أي ليس الكرم عند الله إلا بالتقوى، وجزاء التقوى ليس إلا في العقبى، ولم يجعل الله جزاء عملهم التفضيل في عطايا الدنيا.
[قوله عليه السلام:] " فانظروا أهل دين الله ": أي يا أهل دين الله!
كذا في النسخ المصححة، وفي بعضها: " إلى أهل " والمراد بقوله: " فيما أصبتم في كتاب الله " [من] نعوت الأنبياء والأولياء الذين ذكرهم الله في القرآن، أو مواعيده الصادقة على الأعمال الصالحة. وبقوله: " تركتم عند رسول الله ":
صفاته الحسنة وصفات أصحابه وما كان يرتضيه صلى الله عليه وآله من ذلك، أو ضمان الرسول لهم المثوبات على الصالحات، كأنه وديعة لهم عنده صلى عليه وآله.
[قوله عليه السلام:] " وجاهدتم به ": أي بسببه وهو ما رأيتم من فضله وكماله، أو ما سمعتم من المثوبات عليه.
[قوله عليه السلام:] " أبحسب أم بنسب؟ ": أي لم تكن تلك الأمور بالحسب والنسب بل بالعمل والطاعة والزهادة.
[قوله عليه السلام:] " وفيما أصبحتم ": أي انظروا فيما أصبحتم راغبين فيه هل يشبه ما رأيتم وعهدتم مما تقدم ذكره، أو انظروا أيهما أصلح لأن يرغب فيه.
[قوله عليه السلام:] " وجعل الثواب عنده عنها ": كلمة " عن " لعلها بمعنى " من " للتبعيض. أو قوله: " التي " بدل اشتمال للمنازل، والمراد بها الأعمال التي توصل إليها، ولا يبعد أن يكون في الأصل " والتي " أو " بالتي " فصحف.
[قوله عليه السلام:] " ولا خشية عليه من ذلك ": أي لا يخشى على
الحاكم العدل: أي الإمام أن يترك حكم الله ولا يجوز أن يظن ذلك به، أو لا يخشى الحاكم بسبب العمل بحكم الله من أحد، أو أن يكون معاقبا بذلك عند الله. وعلى نسخة " ولا وحشة ": المعنى أنه إذا عمل الحاكم بحكم الله لا يستوحش من مفارقة رعيته عنه بسبب ذلك.
[قوله عليه السلام:] " بدرتي " الدرة - بالكسر -: التي يضرب بها. ويظهر من الخبر أن السوط أكبر وأشد منها.
والارعواء: الانزجار عن القبيح. وقيل: الندم على الشئ والانصراف عنه وتركه. والأود - بالتحريك -: العوج.
[قوله عليه السلام:] " بفساد نفسي ": أي لا أطلب صلاحكم بالظلم وبما لم يأمرني به ربي فأكون قد أصلحتكم بإفساد نفسي. و " سحقا ": أي بعدا.
985 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي بن [أبي] سيف [المدائني] عن أبي حباب عن ربيعة وعمارة قالا: إن طائفة من أصحاب علي عليه السلام مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن تخاف خلافه من الناس وفراره - قال: وإنما قالوا له ذلك للذي كان معاوية يصنع بمن أتاه - فقال لهم علي عليه السلام:
أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟! والله لا أفعل ما طلعت شمس وما لاح في السماء نجم، والله لو كان مالهم لي لواسيت بينهم، فكيف وما هي إلا أموالهم؟!
قال: ثم أزم طويلا ساكنا ثم قال:
من كان له مال فإياه والفساد! فإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو ذكر لصاحبه في الناس ويضعه عند الله، ولم يضع رجل ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره ودهم، فإن بقي معه من يوده ويظهر له البشر فإنما هو ملق وكذب، وإنما ينوي أن ينال من صاحبه مثل الذي كان يأتي إليه من قبل، فإن زلت بصاحبه النعل فاحتاج إلى معونته ومكافأته فشر خليل وألأم خدين.
ومن صنع المعروف فيما آتاه الله، فليصل به القرابة، وليحسن فيه الضيافة، وليفك به العاني، وليعن به الغارم وابن السبيل والفقراء والمهاجرين، وليصبر نفسه على النوائب والخطوب فإن الفوز بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة.
986 - نهج: [و] قال عليه السلام في خطبة [له]:
فأين يتاه بكم؟! بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟! وهم أزمة الحق وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيها الناس! خذوها من خاتم النبيين صلى الله عليه وآله إنه يموت من يموت منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر؟ وركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي؟ فلا تستعملوا
الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا يتغلغل إليه الفكر.
بيان:
تاه فلان: تحير. والعمه: التردد على وجه التحير. والواو في قوله:
" وبينكم " للحال. والأزمة: جمع زمام وهو المقود: أي هم القادة للحق يدور معهم حيثما ما داروا.
[قوله عليه السلام:] " وألسنة الصدق ": أي هم كاللسان للصدق لا يتكلم إلا بهم، أو هم المتكلمون به ولا يظهر إلا منهم.
[قوله عليه السلام:] " فانزلوهم ": أي أنزلوا العترة في صدوركم وقلوبكم بالتعظيم والانقياد لأوامرهم ونواهيهم والتمسك بهم بأحسن المنازل التي تنزلون القرآن، أو بأحسن المنازل التي تدل عليها القرآن.
[قوله عليه السلام:] " وردوهم ": من الورود وهو الحضور عند الماء للشرب. و " الهيم ": الإبل العطاش.
قوله عليه السلام: " واعذروا " قال ابن ميثم: طلب عليه السلام منهم العذر فيما يصيبهم ويلحقهم من عذاب الله بسبب تقصيرهم في إطاعته عليه السلام.
قوله عليه السلام: " فيما لا يدرك ": أي فيما ذكر لهم من خصائص العترة الطاهرة وفضلها: أي أمرنا صعب لا تهتدي إليه العقول [الساذجة]. والتغلغل:
الدخول.
987 - نهج: [ومن كلام له عليه السلام:] ولقد أحسنت جواركم، وأحطت بجهدي من ورائكم، وأعتقتكم من ربق الذل وحلق الضيم، شكرا مني للبر القليل، وإطراقا عما أدركه البصر وشهده
البدن من المنكر الكثير.
بيان:
الإحاطة من الوراء [هو] دفع من يريدهم بشر، لأن العدو الغالب يكون من وراء المحارب. والحلق - بالتحريك وكعنب -: جمع حلقة. والضيم:
الظلم. وأطرق: أي سكت وأرخى عينيه إلى الأرض، وإطراقه عليه السلام عن المنكر الكثير وسكوته عنه لعدم تأثير النهي، أو لانجراره إلى ما هو أعظم منه.
988 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام:
اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا، فباض وفرخ في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه.
بيان:
ملاك الأمر - بالكسر -: ما يقوم به. والأشراك إما جمع شريك: أي عدهم [الشيطان] من شركائه في إضلال الناس. أو جمع شرك - بالتحريك -:
أي جعلهم حبائل لاصطياد الخلق. " فباض وفرخ ": كناية عن طول مكثه للوسوسة في صدورهم. والدب: المشي الضعيف، والدرج أقوى منه وهما كنايتان عن تربيتهم الباطل وملازمة الشيطان لهم حتى صار كالوالدين. والزلل في الأعمال والخطل في الأقوال.
والباء في [قوله:] " ركب بهم ": للتعدية. والضمير في " سلطانه ": راجع إلى " من ": أي من شاركه الشيطان فيما جعله الله لهم من السلطان على الأعمال والأقوال. أو إلى " الشيطان ": أي كأنهم الأصل في سلطانه وقدرته على الإضلال.
989 - نهج: [و] من خطبة له [عليه السلام]: في الملاحم:
ألا بأبي وأمي من عدة أسماؤهم في السماء معروفة وفي الأرض مجهولة.
ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم، واستعمال صغاركم ذاك، حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله.
ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي.
ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النعمة والنعيم! وتحلفون من غير اضطرار وتكذبون من غير إحراج.
ذاك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير.
ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء!
أيها الناس! ألقوا هذه الأزمة التي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم، ولا تصدعوا على سلطانكم فتذموا غب فعالكم، ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة، وأميطوا عن سننها وخلوا قصد السبيل لها، فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم.
إنما مثلي بينكم كمثل السراج في الظلمة، يستضئ به من ولجها، فاسمعوا أيها الناس وعوا وأحضروا آذان قلوبكم تفهموا!
إيضاح:
قال ابن أبي الحديد: قالت الإمامية: هذه العدة هم الأئمة الأحد عشر من ولده عليهم السلام.
وقال غيرهم: إنه عنى الأبدال الذين هم أولياء الله. انتهى.
[أقول:] وظاهر أن ذكر انتظار فرج الشيعة - كما اعترف به بعد هذا - لا ارتباط له بحكاية الأبدال.
وأما كون أسمائهم في الأرض مجهولة، فلعل المراد به أن أكثر الناس لا يعرفون قدرهم ومنزلتهم، فلا ينافي معرفة الخواص لهم وإن كانوا أيضا لا يعرفونهم حق معرفتهم.
أو أراد به جهالة أسمائهم في وقت إيراد [هذا] الكلام، والتخصيص في الاحتمال الأخير أقل منه في الأول.
قوله عليه السلام: " وانقطاع وصلكم ": جمع وصلة: أي تفرق أموركم المنتظمة. والمراد باستعمال الصغار تقديمهم على المشايخ وأرباب التجارب في الأعمال والولايات.
قوله عليه السلام: " حيث يكون المعطى ": على بناء المجهول " أعظم أجرا من المعطي ": على بناء الفاعل، لأن أكثر الأموال في ذلك الزمان يكون من الحرام، وأيضا لا يعطونها على الوجه المأمور به [بل] للأغراض الفاسدة.
وأما المعطى فلما كان فقيرا يأخذ المال لسد خلته، لا يلزمه البحث عن المال وحله وحرمته فكان أعظم أجرا من المعطي.
وقيل: لأن صاحب المال لما كان يصرفه في أغلب الأحوال في الفساد، فإذا أخذه الفقير فقد فوت عليه صرفه في القبائح، فقد كفه بأخذ المال من ارتكاب القبيح. ولا يخلو من بعد.
والنعمة - بالفتح -: غضارة العيش. وفي بعض النسخ: بالكسر: أي الخفض والدعة والمال.
قوله عليه السلام: " من غير إحراج ": أي من غير اضطرار إلى الكذب.
وروي بالواو.
قوله عليه السلام: " إذا عضكم البلاء " يقال: عض اللقمة - كسمع ومنع -: أي أمسكها بأسنانه وعض بصاحبه: أي لزمه. وعض الزمان والحرب: شدتهما. والقتب - بالتحريك معروف. والغارب: ما بين العنق والسنام.
وقال ابن أبي الحديد: هذا الكلام غير متصل بما قبله كما هو عادة الرضي، وقد [كان عليه السلام] ذكر بين ذلك ما ينال من شيعته من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج. وقوله عليه السلام: " ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء " حكاية كلام شيعته عليه السلام انتهى. فيكون المراد بالرجاء:
رجاء ظهور القائم عليه السلام.
وقال ابن ميثم: ويحتمل أن يكون الكلام متصلا ويكون قوله عليه السلام: " ما أطول هذا العناء " كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه وإقبالهم على الدنيا وإتعابهم أنفسهم في طلبها، وتنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبها وبعد الرجاء لما يرجى منها.
قوله عليه السلام: " ألقوا ": أي ألقوا من أيديكم أزمة الآراء الفاسدة والأعمال الكاسدة التي هي كالنوق والمراكب في حمل التبعات والآثام.
" ولا تصدعوا ": أي لا تتفرقوا. والسلطان: الأمير والإمام. وغب كل شئ: عاقبته. وفور نار الفتنة: وهجها وغليانها. " وأميطوا ": أي تنحوا. والسنن: الطريقة.
قوله عليه السلام: " وخلوا ": أي دعوها تسلك طريقها ولا تتعرضوا لها تكونوا حبطا لنارها.
990 - نهج: [ومن خطبة له عليه السلام:] الحمد لله الناشر في الخلق
فضله، والباسط فيهم بالجود يده، نحمده في جميع أموره، ونستعينه على رعاية حقوقه، ونشهد أن لا إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بأمره صادعا وبذكره ناطقا، فأدى أمينا ومضى رشيدا وخلف فينا راية الحق، من تقدمها مرق ومن تخلف عنها زهق، ومن لزمها لحق.
دليلها مكيث الكلام بطئ القيام سريع إذا قام، فإذا أنتم ألنتم له رقابكم وأشرتم إليه بأصابعكم جاءه الموت فذهب به، فلبثتم بعده ما شاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ويضم نشركم. فلا تطمعوا في غير مقبل، ولا تيأسوا من مدبر، فإن المدبر عسى أن تزل إحدى قائمتيه وتثبت الأخرى فترجعا حتى تثبتا جميعا.
ألا وإن مثل آل محمد صلى الله عليه وآله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم ، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون.
توضيح:
النشر: التفريق والبسط، وبسط اليد: كناية عن العطاء. وقيل: اليد هنا النعمة في جميع أموره: أي ما صدر منه من النعم والبلايا. ورعاية حقوق الله:
شكره وطاعته.
[قوله عليه السلام:] " بأمره صادعا ": أي مظهرا مجاهرا. والرشد: إصابة الصواب. وقيل: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. وراية الحق: الثقلان المخلفان. ومرق السهم من الرمية: إذا خرج عن المرمي به، والمراد هنا خروج من تقدمها ولم يعتد بها من الدين. وزهق الشئ - كمنع -: بطل وهلك.
واللحوق: إصابة الحق.
وأراد بالدليل: نفسه عليه السلام. والضمير راجع إلى الراية. [و] مكيث الكلام: أي بطيئه: أي لا يتكلم من غير روية. وبطئ القيام: كناية عن ترك
العجلة والطيش. وإلانة الرقاب: كناية عن الإطاعة. والإشارة بالأصابع [كناية] عن التعظيم والإجلال.
قال ابن أبي الحديد: نقل أن أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل عليه السلام فيه، اجتمع له مائة ألف سيف، وأخرج مقدمته يريد الشام، فضربه اللعين وانفضت تلك الجموع كالغنم فقدت رعاتها.
وأشار [عليه السلام] بمن يجمعهم إلى المهدي عليه السلام. والنشر:
المنشور التفرق.
قوله عليه السلام: " فلا تطمعوا ": أي من لم يقبل على طلب هذا الأمر ممن هو أهله، فلا تطمعوا فيه، فإن ذلك لاختلال بعض شرائط الطلب، كما كان شأن أكثر أئمتنا عليهم السلام.
وقيل: أراد بغير المقبل: من انحرف عن الدين بارتكاب منكر، فإنه لا يجوز الطمع في أن يكون أميرا لكم.
وفي بعض النسخ: " فلا تطعنوا في عين ": أي من أقبل على هذا الأمر من أهل البيت فلا تدفعوه عما يريد.
وقوله [عليه السلام:] " ولا تيأسوا ": أي من أدبر عن طلب الخلافة ممن هو أهل لها فلا تيأسوا من عوده وإقباله على الطلب، فإن إدباره يكون لفقد بعض الشروط كقلة الناصر.
وزوال إحدى القائمتين كناية عن اختلال بعض الشروط، وثبات الأخرى [كناية] عن وجود بعضها.
وقوله " فيرجعان حتى يثبتا ": [كناية] عن استكمال الشرائط، ولا ينافي النهي عن الإياس النهي عن الطمع، لأن عدم اليأس هو التجويز، والطمع فوق التجويز. أو لأن النهي عن الطمع في حال عدم الشروط والإعراض عن
الطلب لذلك والنهي عن الإياس لجواز حصول الشرائط.
وقيل [في تفسير قوله عليه السلام:] " ولا تيأسوا من مدبر ": أي إذا ذهب من بينكم إمام وخلفه إمام آخر فاضطرب أمره، فلا تشكوا فيهم، فإن المضطرب الأمر سينتظم أموره. وحينئذ يكون قوله عليه السلام " ألا إن مثل آل محمد صلى الله عليه وآله " كالبيان لهذا.
[قوله عليه السلام:] " إذا خوى نجم ": أي مال للمغيب. والصنائع: جمع صنيعة وهي الإحسان: أي لا تيأسوا عسى أن يأتي الله بالفرج عن قريب والمتحقق الوقوع قريب وإن كان بعيدا.
ويمكن أن يكون [أراد] إراءة المخاطبين ما يأملون في الرجعة. 991 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام:
أيها الغافلون غير المغفول عنهم، والتاركون المأخوذ منهم! ما لي أراكم عن الله ذاهبين وإلى غيره راغبين؟! كأنكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبئ ومشرب دوي، [و] إنما هو كالمعلوفة للمدى، لا تعرف ماذا يراد بها، إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها وشبعها أمرها.
والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت! ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وآله، ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه.
والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق، ما أنطق إلا صادقا، ولقد عهد إلي بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجا من ينجو ومآل هذا الأمر، وما أبقي شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إلي.
أيها الناس! والله لا أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم
عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها. بيان: [قوله عليه السلام:] " أيها الغافلون ": الظاهر أن الخطاب لعامة المكلفين أي الذين غفلوا عما يراد بهم ومنهم، [وهم] غير المغفول عنهم، فإن أعمالهم محفوظة مكتوبة.
[قوله:] " والتاركون ": أي لما أمروا به المأخوذ منهم بانتقاص أعمارهم وقواهم واستلاب أحبابهم وأموالهم.
والذهاب عن الله التوجه إلى غيره والاعراض عن جنابه.
والنعم - بالتحريك - جمع لا واحد له من لفظه وأكثر ما يقع على الإبل.
[قوله عليه السلام:] " أراح بها سائم ": شبههم بالنعم التي تتبع نعما أخرى. سائمة: أي راعية. وإنما قال ذلك، لأنها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها.
وما يظهر من كلام ابن ميثم من أن السائم بمعنى الراعي، ففيه ما لا يخفى. والمرعى الوبئ: ذو الوباء والمرض، وأصله الهمز. والدوي: ذو الداء، والأصل في الدوي، دوي - بالتخفيف - ولكنه شدد للازدواج. قال الجوهري:
رجل دو بكسر الواو: أي فاسد الجوف من داء. والمدى بالضم جمع مدية وهي السكين.
قوله عليه السلام: " تحسب يومها ": أي تظن أن ذلك العلف كما هو حاصل لها في هذا اليوم حاصل لها أبدا، أو نظرها مقصور على يومها تحسب أنه دهرها. " وشبعها أمرها ": أي تظن انحصار شأنها وأمرها في الشبع.
قوله عليه السلام: " والله لشئت أن أخبر ": قال ابن أبي الحديد: [و] هذا كقول المسيح عليه السلام: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم)
[49 / آل عمران: 3] [ولكن] قال عليه السلام -: إلا أني أخاف عليكم الغلو في أمري، وأن تفضلوني على رسول الله صلى الله عليه وآله، بل أخاف عليكم أن تدعوا في الإلهية كما ادعت النصارى ذلك في المسيح عليه السلام لما أخبرهم بالأمور الغائبة.
[ثم قال ابن أبي الحديد:] ومع كتمانه عليه السلام فقد كفر [فيه] كثير منهم، وادعوا فيه النبوة، وأنه شريك الرسول في الرسالة وإنه هو الرسول، ولكن الملك غلط، وأنه هو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله، وادعوا فيه الحلول والاتحاد.
ويحتمل أن يكون كفرهم فيه بإسناد التقصير إليه عليه السلام في إظهار شأنه وجلالته.
والمهلك - بفتح اللام وكسرها - يحتمل المصدر واسم الزمان والمكان.
والمراد بالهلاك إما الموت والقتل أو الضلال والشقاء. وكذلك النجاة.
والمراد بالأمر: الخلافة أو الدين وملك الإسلام. ومآله: انتهاؤه بظهور القائم عليه السلام وما يكون في آخر الزمان. وأفرغه كفرغه -: صبه.
992 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام:
أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة ولا وحيا، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، يسوقهم إلى منجاتهم، ويبادر بهم الساعة أن تنزل بهم. يحسر الحسير ويقف الكسير فيقيم عليه حتى يلحقه غايته، إلا هالكا لا خير فيه، حتى أراهم منجاتهم، وبوأهم محلتهم، فاستدارت رحاهم، واستقامت قناتهم.
وأيم الله لقد كنت من ساقتها حتى تولت بحذافيرها، واستوسقت في
قيادها، ما ضعفت ولا جبنت، ولا خنت ولا وهنت.
وأيم الله لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته.
بيان:
المنجاة: مصدر أو اسم مكان. " ويبادر بهم الساعة ": أي يسارع إلى هدايتهم وإرشادهم حذرا من أن ينزل بهم الساعة فتدركه على الضلالة.
والحسير: المعيي. وإقامته [صلى الله وآله] على الحسير والكسير ومراقبته من تزلزل عقائده، ليدفع شبهه حتى يبلغه الغاية التي خلق لأجلها، إلا من لم يكن قابلا للهداية.
ومنهم من حمله على ظاهره من شفقته صلى الله عليه وآله على الضعفاء في الأسفار والغزوات.
[قوله عليه السلام:] " حتى أراهم منجاتهم ": أي نجاتهم أو محل نجاتهم.
ومحلتهم: منزلهم وغاية سفرهم الصوري أو المعنوي.
واستدار الرحى واستقامة القناة، كنايتان عن انتظام الأمر كما مر.
والساقة: جمع سائق، والضمير لغير مذكور [لفظا] والمراد الجاهلية، شبهها عليه السلام بكتيبة مصادفة لكتيبة الإسلام فهزمها.
وفي القاموس: الحذفور - كعصفور -: الجانب - كالحذفار - والشريف والجمع الكثير. وأخذه بحذافيره: بأسره. أو بجوانبه أو بأعاليه. والحذافير:
المتهيأون للحرب. واشدد حذافيرك: تهيأ. واستوسقت: أي اجتمعت وانتظمت يعني الملة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى: أي لما ولت الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كالإبل المقودة إلى أعطانها.
ويحتمل عوده إلى الجاهلية: أي تولت بحذافيرها واجتمعت تحت ظل المقادة. والبقر: الشق. والخاصرة ما بين أسفل الأضلاع وعظم الورك، شبه عليه
السلام الباطل بحيوان ابتلع الحق. 993 - نهج: [ومن كلام له عليه السلام:] تالله لقد علمت تبليغ الرسالات وإتمام العدات وتمام الكلمات، وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الأمر.
ألا وإن شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، من أخذ بها لحق وغنم، ومن وقف عنها ضل وندم. اعملوا ليوم تذخر له الذخائر، وتبلى فيه السرائر، ومن لا ينفعه حاضر لبه فعازبه عنه أعجز وغائبه أعوز. واتقوا نارا حرها شديد، وقعرها بعيد وحليتها حديد وشرابها صديد.
ألا وإن اللسان الصالح يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه من لا يحمده.
بيان:
قال ابن أبي الحديد: [قوله] " لقد علمت تبليغ الرسالات ": إشارة إلى قوله تعالى: (يبلغون رسالات الله ولا يخشون إلا الله) [39 / الأحزاب: 33] وإلى قول النبي صلى الله عليه وآله في قصة براءة: " لا يؤدي عني أنا أو رجل مني "، وأنه علم مواعيد رسول الله صلى الله عليه وآله التي وعد بها وإنجازها، فمنها ما هو وعد لواحد من الناس نحو أن يقول: سأعطيك كذا.
ومنها ما هو وعد بأمر سيحدث، كأخبار الملاحم والأمور المتجددة. وفيه إشارة إلى قول تعالى: ([من المؤمنين] رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) [23 / الأحزاب: 33] وإلى قول النبي صلى الله عليه في حقه عليه السلام " قاضي ديني ومنجز عداتي " وأنه علم تمام الكلمات وهو تأويل القرآن وبيانه الذي يتم به.
وفيه إشارة إلى قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) [115 / الأنعام: 6]. وإلى قول النبي صلى الله عليه وآله [له]: " اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ".
ولعل ب " أبواب الحكم " بالضم أو " الحكم " بكسر الحاء وفتح الكاف - على اختلاف النسخ -: الأحكام الشرعية. وب " ضياء الأمر " العقائد العقلية أو بالعكس.
وقال ابن ميثم: لعل المراد ب " شرائع الدين وسبله " أهل البيت عليهم السلام فإن أقوالهم في الدين واحدة خالية عن الاختلاف.
أقول: ويحتمل أن يكون المراد معناه الظاهر، ويكون الغرض نفي الاختلاف في الأحكام بالآراء والمقاييس، ويظهر منه بطلان إمامة غير أهل البيت كما لا يخفي.
قوله عليه السلام: " ومن لا ينفعه " فيه وجوه:
الأول أن من لم يعتبر في حياته بلبه فأولى بأن لا ينتفع بعد الموت.
الثاني أن المراد من لم يعمل بما فهم وحكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلا ندامة وحسرة.
الثالث أن المراد من لم يكن له من نفسه واعظ وزاجر ولم يعمل بما فهم وعقل، فأحرى بأن لا يرتدع من القبيح بعقل غيره وموعظته له.
و " اللسان الصالح ": الذكر الجميل. و " من لا يحمده " وارثه الذي لا يعد ذلك الإيراث فضلا ونعمة.
994 - نهج: [و] من خطبته [عليه السلام] المعروفة بالقاصعة:
ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة، وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية، وإن الله سبحانه قد أمتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة، لأنها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر.
واعلموا أنكم قد صرتم بعد الهجرة أعرابا، وبعد الموالاة أحزابا، ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه، تقولون:
" النار ولا العار "، كأنكم تريدون أن تكفؤا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه، ونقضا لميثاقه الذي وضعه الله لكم، حرما في أرضه وأمنا بين خلقه.
وإنكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر، ثم لا جبرئيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم إلا المقارعة بالسيوف حتى يحكم الله بينكم.
وإن عندكم الأمثال من بأس الله وقوارعه وأيامه ووقائعه، فلا تستبطؤا وعيده جهلا بأخذه، وتهاونا ببطشه، ويأسا من بأسه.
فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي.
ألا وقد قطعتم قيد الإسلام، وعطلتم حدوده وأمتم أحكامه.
ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض، فأما الناكثون فقد قاتلت، وأما القاسطون فقد جاهدت، وأما المارقون فقد دوخت، وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجة صدره، وبقيت
بقية من أهل البغي، ولئن أذن الله في الكرة عليهم لأديلن منهم إلا ما يتشذر في أطراف البلاد تشذرا.
أنا وضعت [في الصغر] بكلاكل العرب وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر.
وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة [خطيئة " خ "] في فعل.
أقول: قد مضى تمامها مع شرحها في آخر المجلد الخامس.
995 - نهج: [و] من كلام له عليه السلام:
ألا وإن اللسان بضعة من الإنسان، فلا يسعده القول إذا امتنع، ولا يمهله النطق إذا اتسع، وإنا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه.
واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان، القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، أهله معتكفون على العصيان، مصطلحون على الإدهان، فتاهم عارم، وشائبهم آثم، وعالمهم منافق، وقارؤهم مماذق، لا يعظم صغيرهم كبيرهم، ولا يعول غنيهم فقيرهم.
بيان:
قال ابن أبي الحديد: [هذا الكلام] قاله عليه السلام في واقعة اقتضت ذلك، وهي أنه أمر ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوما، فصعد المنبر فحصر ولم يستطع الكلام، فقام أمير المؤمنين عليه السلام فتسنم
ذروة المنبر، فخطب خطبة طويلة هذه الكلمات منها.
والبضعة: القطعة من اللحم. والضمير في [قوله عليه السلام:] " يسعده " و " يمهله " للسان، وفي [قوله:] " امتنع " و " اتسع " للإنسان.
والمعنى أن اللسان لما كان آلة للإنسان يتصرف بتصريفه إياه، فإذا امتنع الانسان عن الكلام لشاغل أو صارف، لم يسعد اللسان القول ولم يواته، وإذا دعاه الداعي إلى الكلام وحضره واتسع الإنسان له، لم يمهله النطق بل يسارع إليه.
ويحتمل أن يعود الضمير في " امتنع " إلى القول، وفي " اتسع " إلى النطق:
أي فلا يسعد القول اللسان إذا امتنع القول من الإنسان ولم يحضره لوهم أو نحوه، أوجب حصره وعيه ولم يمهله النطق إذا اتسع عليه وحضره.
ويحتمل أن يكون الضمير في " يسعده " و " يمهله " راجعا إلى الإنسان، وفي [قوله :] " امتنع " و " اتسع " إلى اللسان: أي إذا امتنع اللسان لعدم جرأة فلا يسعد القول الإنسان، وإذا اتسع لم يمهل النطق الإنسان. والأول أظهر.
ونشب الشئ في الشئ بالكسر: أي علق وأنشبته أنا فيه: أي أعلقته فانتشب. ذكره الجوهري.
والمراد بعروقه: أصوله ومواده، كالعلم بالمعاني والملكات الفاضلة.
وغصونه: فروعه وأغصانه وآثاره.
وتهدلت أغصان الشجرة: أي تدلت.
[قوله عليه السلام:] " معتكفون على العصيان ": أي ملازمون [لها] من قولهم: عكف على الشئ: أي حبس نفسه عليه، ومنه الاعتكاف. والاصطلاح:
افتعال من الصلح. والادهان: القول باللسان بمقتضى مصلحة حالهم دون الاتفاق في القلوب، أو بمعنى الغش. والعرامة: شراسة الخلق والبطر والفساد وقلة الأدب.
[قوله عليه السلام:] " وشائبهم آثم ": [أي] لجهله وغفلته شاب في الإثم.
قوله عليه السلام: " مماذق ": أي غير مخلص كما ذكره الجوهري.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.