پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج

ج ۳۳، ص ۵۶۲–۵۹۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۱۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

وعن الحارث بن كعب عن حبيب ابن عبد الله قال: والله إني لعند علي عليه السلام جالسا إذ جاءه عبيد الله بن قعين من قبل محمد بن أبي بكر يستصرخه قبل الوقعة فقام علي عليه السلام فنادى في الناس: الصلاة جامعة.

فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى عليه ثم قال:

أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وعدو من والاه وولي من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا على باطلهم منكم على حقكم، فكأنكم بهم قد بدؤكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر.

عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيرا وخير أهلا فلا تغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم وكبت لعدوكم، أخرجوا إلى الجرعة - والجرعة بين الحيرة إلى الكوفة - لنتوافى هناك كلنا غدا إن شاء الله.

قال: فلما كان الغد خرج يمشي فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه مائة رجل فرجع!!!

فلما كان العشي بعث إلى الاشراف فجمعهم فدخلوا عليه القصر وهو كئيب حزين فقال:

الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني بكم أيتها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتها ولا تجيب إذا دعوتها، لا أبا لغيركم ماذا تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم؟! الموت خير من الذل في هذه الدنيا لغير الحق، والله إن جاءني الموت - وليأتيني فليفرقن بيني وبينكم - لتجدنني لصحبتكم قاليا.

ألا دين يجمعكم؟ ألا حمية تغيظكم؟ ألا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم.

أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام الظلمة فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة فيجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء، ثم أنا أدعوكم وأنتم أولى النهى وبقية الناس [ف‍] تختلفون وتفترقون عني وتعصوني وتخالفون علي؟!

فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس معي فإنه لا عطر بعد عروس، لمثل هذا اليوم [كنت أدخر نفسي] وإن الاجر لا يأتي إلا بالكرة. ثم التفت إلى الناس وقال: اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوكم إنا نسير إليهم يا أمير المؤمنين.

فأمر علي سعدا مولاه أن ينادي: ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر.

وكان وجها مكروها فلم يجتمعوا إليه شهرا فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك فعسكر بظاهر الكوفة وخرج معه علي فنظر فإذا جميع من خرج نحو من ألفين فقال علي عليه السلام: سيروا والله ما أنتم؟! ما أخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمرهم.

فخرج مالك بهم وسار خمس ليال فقدم الحجاج بن غزية الأنصاري من مصر فأخبره بما عاين من هلاك محمد.

وقدم عبد الرحمان بن شبيب وكان عينا لعلي عليه السلام وأخبره أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشر من قبل عمرو بن العاص يتبع بعضه بعضا بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر وقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت يوما قط سرورا مثل سرور رأيته بالشام حين أتاهم قتل محمد.

فقال علي عليه السلام: أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به، لا بل

يزيد أضعافا. فرد عليه السلام مالكا من الطريق وحزن على محمد حتى رؤي ذلك فيه وتبين في وجهه وقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

ألا وإن مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه، أما والله لقد كان - ما علمت - ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب سمت المؤمن، وإني والله ما ألوم نفسي على تقصير ولا عجز، وإني لمقاساة الحرب مجد [خ ل: لجد] بصير، إني لأقدم على الحرب وأعرف وجهه وجه الحزم وأقوم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنا، وأناديكم مستغيثا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون [لي] أمرا، حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة، وأنتم القوم لا يدرك بكم الثار ولا ينقص بكم الأوتار.

دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فجرجرتم علي جرجرة الجمل الأسر وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من لا نية له في الجهاد ولا رأي له في اكتساب الاجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون!! فأف لكم.

ثم؟؟ ودخل رحله.

قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال: كتب علي عليه السلام إلى عبد الله بن العباس وهو على البصرة:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس: سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد، فإن مصر قد افتتحت وقد استشهد محمد بن أبي بكر وعند الله عز وجل - نحتسبه، وقد كنت أوعزت إلى الناس وتقدمت إليهم في بدء الامر، وأمرتهم بإعانته قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا، وعودا وبدءا، فمنهم الآتي كارها، ومنهم المعتل كاذبا، ومنهم القاعد خاذلا. أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا وأن يريحني

منهم عاجلا، فوالله لولا طمعي عند لقاء العدو في الشهادة وتوطيني نفسي عند ذلك لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا، عزم الله لنا ولك على تقواه وهداه إنه على كل شئ قدير والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: لعبد الله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس: سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبي بكر وأنك سألت ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا ومخرجا، وأنا أسأل الله أن يعلي كلمتك وأن يأتي بما تحبه عاجلا، وأعلم أن الله صانع لك ومقر دعوتك وكابت عدوك، وأخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما قبضوا ثم نشطوا فارفق بهم يا أمير المؤمنين ودارهم ومنهم واستعن بالله عليهم، كفاك الله المهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قال المدائني: وروي أن عبد الله بن عباس قدم من البصرة على علي فعزاه بمحمد بن أبي بكر.

وعن مالك بن الجون الحضرمي أن عليا عليه السلام قال: رحم الله محمدا كان غلاما حدثا لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر فإنه والله لو وليتها لما حلى لابن العاص وأعوانه العرصة ولا قتل إلا وسيفه في يده بلا ذم لمحمد فلقد أجهد نفسه وقضى ما عليه.

قال المدائني: وقيل لعلي عليه السلام: لقد جزعت على محمد بن أبي بكر جزعا شديدا يا أمير المؤمنين فقال: وما يمنعني إنه كان لي ربيبا وكان لبني أخا وكنت له والدا أعده ولدا.

وروى إبراهيم [الثقفي] عن رجاله عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال:

دخل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين فقالوا له: بين لنا ما

قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم علي عليه السلام: هل فرغتم لهذا؟! وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت، أنا مخرج إليكم كتابا أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا وهذه نسخة الكتاب:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرء كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين السلام عليكم، فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد فان الله بعث محمدا نذيرا للعالمين وأمينا على التنزيل وشهيدا على هذه الأمة، وأنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار، منيخون على حجارة خشن، وجنادل صم، وشوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، سبلكم خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثركم بالله إلا وهم مشركون، فمن الله عز وجل عليكم بمحمد صلى الله عليه وآله فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم وقال فيما أنزل من كتابه:

(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [2 / الجمعة / 62] وقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) [128 / التوبة] وقال: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) [164 / آل عمران] وقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) [4 / الجمعة].

فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها، وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباشروا وتباذلوا وتراحموا، ونهاكم عن التناهب

والتظالم والتحاسد والتباغي والتقاذف، وعن شرب الخمر وبخس المكيال ونقص الميزان، وتقدم إليكم فيما تلا عليكم أن لا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.

فكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به، وكل شر يدني إلى النار ويباعد من الجنة نهاكم عنه.

فلما استكمل مدته من الدنيا توفاه الله إليه سعيدا حميدا فيالها مصيبة خصت الأقربين وعمت جمع المسلمين ما أصيبوا قبلها بمثلها ولن يعاينوا بعدها أختها.

فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وآله وسلم تنازع المسلمون الامر من بعده فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يحظر على بالي أن العرب تعدل هذا الامر بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه ، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد صلى الله عليه وآله وملة محمد صلى الله عليه وآله في الناس بمن تولى الامر بعده.

فلبثت بذلك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام تدعو إلى محق دين الله وملة محمد فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما يكون المصيبة بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما ينقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الاحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون.

فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد ويسر وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حي أن يرد

إلي الامر الذي بايعته فيه طمع مستيقن ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، فلولا خاصة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنه لا يدفعها عني.

فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا وتولى عمر الامر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة حتى إذا احتضر قلت في نفسي: لن يعدلها عني ليس بدافعها عني فجعلني سادس ستة!!!.

فما كانوا لولاية أحد أشد كراهية منهم لولايتي عليهم فكانوا يسمعوني عند وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحاج أبا بكر وأقول: يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الامر منكم أما كان فينا من يقرء القرآن ويعرف السنة ويدين بدين الحق.

فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم من الامر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي ثم قالوا: هلم بايع وإلا جاهدناك.

فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا فقال قائلهم: يا ابن أبي طالب إنك على هذا الامر لحريص، فقلت: إنهم أحرص مني وأبعد، أينا أحرص؟ أنا الذي طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله أولى به أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه؟! فبهتوا والله لا يهدي القوم الظالمين.

اللهم إني استعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأصغوا إنائي وصغروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر كمدا أو مت أسفا وحنقا.

فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم وألم للقلب من حز الشفار.

حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني، وبسطت يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض أو أنكم قاتلي فقلتم: بايعنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك بايعناك لا نفترق ولا تختلف

كلمتنا، فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي فمن بايع طوعا قبلته منه ومن أبى لم أكرهه وتركته.

فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثنا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما قد خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة وسمع لي بالبيعة.

فقدما على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصري الذين كلهم على بيعتي وفي طاعتي فشتتوا كلمتهم وأفسدوا جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم عذرا وطائفة صبرا، وطائفة منهم غضبوا لله ولي فشهروا سيوفهم وضربوا بها [خ ل: غضبوا بأسيافهم فضاربوا] حتى لقوا الله صادقين فوالله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم وقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين.

ثم إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا أعراب وأهل طمع جفاة طغاة ، يجتمعون من كل أوب، ومن كان ينبغي أن يؤدب أو يولى عليه ويؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا شقاقا وفراقا، ونهضوا في وجوه المسلمين ينظمونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم فلما عضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا باهل دين ولا قران وأنهم رفعوها غدرا ومكيدة وخديعة ووهنا وضعفا فامضوا على حقكم وقتالكم فأبيتم علي وقلتم اقبل منهم فان أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم.

فقبلت منهم وكففت عنهم إذ ونيتم وأبيتم وكان الصلح بينكم وبينهم على

رجلين يحييان ما أحيا القران ويميتان ما أمات القران فاختلف رأيهما وتفرق حكمهما ونبذا ما في حكم القران وخالفا ما في الكتاب فجنبهما السداد ودلاهما في الضلالة فنبذا حكمهما وكانا أهله.

فانخزلت فرقة منا فتركناهم ما تركونا حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون ويفسدون أتيناهم فقلنا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بينا وبينكم؟ قالوا: كلنا قتلهم وكلنا استحل دماءهم ودماءكم. وشدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين.

فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم: كلت سيوفنا ونفدت نبالنا ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا، فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا فإن ذلك؟ أقوى لنا على عدونا.

فأقبلت بكم حتى إذا أظللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة وأن تلزموا معسكركم وأن تضموا قواصيكم وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم ولا تكثروا زبارة أبنائكم ونسائكم، فإن أهل الحرب المصابروها، وأهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم ولا ظلما نهارهم ولا خمص بطونهم ولا نصب أبدانهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية، فلا من بقي منكم صبر وثبت، ولا من دخل المصر عاد إلي ورجع فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلا.

فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فلم أقدر إلى أن تخرجوا إلى يومنا هذا.

فما تنتظرون؟! أما ترون أطرافكم قد انتقصت؟ وإلى مصركم قد فتحت وإلى شيعتي بها قد قتلت وإلى مسالحكم تعرى وإلى بلادكم تغزى؟! وأنتم ذووا عدد كثير وشوكة وبأس، فما بالكم! لله أنتم! من أين تؤتون؟ وما لكم تسحرون؟!

وأنى تؤفكون؟ ولو أعزمتم وأجمعتم لم تراموا.

ألا إن القوم قد اجتمعوا وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد ونيتم وتغاششتم وافترقتم، ما أنتم إن أتممتم عندي على هذا بمنقذين، فانتهوا عما نهيتم واجمعوا على حقكم وتجردوا لحرب عدوكم، قد أبدت الرغوة من الصريح، وبين الصبح لذي عينين،

إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأولي الجفاء ومن أسلم كرها فكان لرسول الله صلى الله عليه وآله أنف الاسلام كله حربا، أعداء الله والسنة والقران وأهل البدع والاحداث، ومن كانت بوائقة تتقى، وكان على الاسلام وأهله مخوفا، وأكلة الرشا وعبدة الدنيا.

[و] لقد انتهى إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه وشرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يده من سلطانه، ألا صفرت يد هذا البايع دينه بالدنيا وخزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين.

وإن فيهم من قد شرب فيكم الخمر وجلد الحد يعرف بالفساد في الدين والفعل السئ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له على الاسلام رضيخة، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم بل هو شر منهم، ويود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والكبر والفجور والتسلط بالجبرية، واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحق.

ولأنتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا فيكم العلماء والفقهاء النجباء والحكماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار وعمار المساجد بتلاوة القرآن أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأشرار الأراذل منكم.

فاسمعوا قولي هداكم الله إذا قلت وأطيعوا أمري إذا أمرت فوالله لان أطعتموني لا تغوون وإن عصيتموني لا ترشدون خذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها وأجمعوا إليها فقد شبت نارها وعلا شنارها وتجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله ويطفؤوا نور الله!!! ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولى بالجد في غيهم وضلالهم وباطلهم من أولياء الله أهل البر والزهادة والاخبات بالجد في حقهم وطاعة ربهم ومناصحة إمامهم.

إني والله لو لقيتهم فردا وهم ملا الأرض ما باليت ولا استوحشت وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة وبينة ويقين وبصيرة وإني إلى لقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر ولكن أسفا يعتريني وحزنا يخامرني من أن يلي أمر

هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا والفاسقين حزبا وأيم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم ولتركتكم إذا ونيتم وأبيتم حتى ألقاهم بنفسي متى حم لي لقاءهم فوالله إني لعلى الحق وإني للشهادة لمحب ف‍ " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " [41 / التوبة] ولا تثاقلوا إلى الأرض فتفروا بالخسف وتبوؤا بالذل ويكن نصيبكم الاخسر إن أخا الحرب اليقظان الارق من نام لم ينم عنه ومن ضعف أودى ومن ترك الجهاد في الله كان كالمغبون المهين.

اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وزهدنا وإياهم في الدنيا واجعل الآخرة لنا ولهم خير من الأولى والسلام.

توضيح: قوله: " والمرتشين " في بعض النسخ " والمرتبئين " أي المنتظرين المترصدين للحكومة أيهما يأخذها قال الجوهري: المربا: المرقبة وكذلك المربأ والمرتبأ. وربأت القوم ربئا وأرتبأتهم أي راقبتهم وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف يقال: ربا لنا فلان وارتبأ إذا اعتان وربأت المرباة وارتبأتها أي علوتها قال أبو زيد: رأبأت الشئ مرابأة إذا حذرته واتقيته وقال الدهم: العدد الكثير.

قوله: " فإنه لا عطر بعد عروس " قال الزمخشري بعد إيراد المثل ويروي: " لا مخبأ لعطر بعد عروس " وأصله أن رجلا أهديت إليه امرأة فوجدها تفلة فقال لها: أين الطيب فقالت: خبأته. فقال ذلك.

وقيل: عروس اسم رجل مات فحملت امرأته أواني العطر فكسرتها على قبره وصبت العطر فوبخها بعض معارفها فقالت ذلك، يضرب على الأول في ذم ادخار الشئ وقت الحاجة إليه وعلى الثاني في الاستغناء عن ادخار الشئ لعدم من يدخر له.

وقال الميداني: قال المفضل أول من قال ذلك امرأة من عذرة يقال لها أسماء بنت عبد الله وكان لها زوج من بني عمها يقال لها عروس فمات عنها فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل وكان أعسر أبخر بخيلا دميما فلما أراد

أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي وبكيت عند رمسه فقال: افعلى فقالت: أبكيك يا عروس الاعراس يا ثعلبا في أهله وأسدا عند البأس مع أشياء ليس يعلمها الناس.

قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عن الهمة غير نعاس ويعمل السيف صبيحات البأس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر الطيب الخيم الكريم المحضر مع أشياء له لا تذكر.

قال وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفا للخنا والمنكر طيب النكهة غير أبخر أيسر غير أعسر.

فعرف الزوج أنها تعرض به فلما رحل بها قال: ضمي إليك عطرك ونظر إلى قشوة عطرها مطروحة فقالت: لا عطر بعد عروس فذهبت مثلا يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس.

قوله عليه السلام: " لقد كان ما علمت " أي ما دمت علمته وعرفته أو علمت حاله أو صرت عالما بتنزيله منزلة اللازم.

ويحتمل أن تكون " ما " موصولة بتقدير الباء أي بالذي علمت منه أو بجعله خبر " كان " والافعال بعده بدله أو اسم " كان " والافعال خبره أي كان الذي علمت منه تلك الصفات والأول لعله أظهر وانثال: انصب. والاجفال: الاسراع.

قوله عليه السلام " فكان مرضي السيرة " أي ظاهرا عند الناس وكذا ما مر في وصف أبي بكر وآثار التقية والمصلحة في الخطبة ظاهرة بل الظاهر أنها من الحاقات المخالفين.

قوله عليه السلام " فبهتوا " في بعض النسخ " فهبوا " أي انتبهوا ولكن لم ينفعهم الانتباه.

وقال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغوا أي مال. وأصغيت إلى فلان

إذا ملت بسمعك نحوه وأصغيت الاناء: أملته يقال: فلان مصغى اناؤه إذا نقص حقه وقال: الكمد: الحزن المكتوم. وقال: جاؤوا من كل أوب أي من كل ناحية.

قوله عليه السلام: " أو يولى عليه " أي من كان لقلة عقله وسفاهته حريا لان يقوم عليه ولي يتولى أموره.

وقال الجوهري نظمت اللؤلؤ أي جمعته في سلك. وطعنه فانتظمه أي اختله وقال: يقال: نصل السهم إذا خرج منه النصل ونصل السهم إذا ثبت نصله في الشئ فلم يخرج وهو من الأضداد ونصلت السهم تنصيلا نزعت نصله. وقال: القصدة بالكسر: القطعة من الشئ إذا انكسر والجمع قصد يقال القنا قصد وقد انقصد الرمح وتقصدت الرماح: تكسرت.

وقال الفيروزآبادي: رمح قصد ككتف وقصيد واقصار: متكسر. وقال:

أطل على الشئ: أشرف.

قوله عليه السلام " إلى مسالحكم تعرى " إي ثغوركم خالية عن الرجال والسلاح. والصريح: اللبن الخالص إذا ذهبت رغوته.

ذكره الجوهري وقال: أنف كل شئ: أوله. وأنف البرد: أشده. وقال المخامرة:

المخالطة. وقال: حم الشئ أي قدر. وأحم أي حان وقته. وقال: أودى فلان أي هلك فهو مود.

723 - الإحتجاج: كتب محمد بن أبي بكر رضي الله عنه إلى معاوية احتجاجا عليه:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبي بكر إلى الباغي معاوية بن صخر سلام الله أهل طاعة الله ممن هو أهل دين الله وأهل ولاية الله أما بعد فإن الله

بجلاله وسلطانه خلق خلقا بلا عبث منه ولا ضعف به في قوة ولكنه خلقهم عبيدا فمنهم شقي وسعيد وغوي ورشيد ثم اختارهم على علم منه واصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه لرسالته وائتمنه على وحيه فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.

فكان أول من أجاب وأناب وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام فصدقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم ووقاه كل مكروه وواساه بنفسه في كل خوف وقد رأيتك تساويه وأنت أنت وهو هو المبرز السابق في كل خير وأنت اللعين بن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل وتجتهدان على إطفاء نور الله تجمعان الجموع على ذلك وتبذلان فيه الأموال وتحالفان عليه القبائل على ذلك مات أبوك وعليه خليفته أنت فكيف لك الويل تعدل عن علي وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وأول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا وأنت عدوه وابن عدوه فتمتع بباطلك ما استطعت، وتبدد بابن العاص في غوايتك فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهي ثم تستبين لمن تكون العاقبة العليا والسلام على من اتبع الهدى.

فأجابه معاوية إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر سلام على أهل طاعة الله.

أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه مع كلام ألفته ورصفته لرأيك فيه ذكرت حق علي وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته ومواساته إياه في كل خوف وهول وتفضيلك عليا وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك فالحمد لله الذي صرف ذلك عنك وجعله لغيرك.

[ف‍] قد كنا وأبوك معنا في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وآله نرى حق علي لازما لنا وسبقه مبرزا علينا فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله ما عنده وأتم له ما وعده وقبضه إليه صلى الله عليه وآله فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه [حقه] وخالفه على ذلك اتفقا ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم فبايع وسلم لامرهما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قضى الله من أمرهما ما قضى.

ثم قام بعدهما ثالثهما يهدي بهديهما ويسير بسيرتهما فعبته أنت وأصحابك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي حتى بلغتما منه مناكم [وكان] أبوك مهد مهاده فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله وإن يكن جورا فأبوك سنه ونحن شركاؤه وبهديه اقتدينا.

ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا له ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فأخذنا بمثاله فعب أباك أو دعه والسلام على من تاب وأناب.

بيان: قوله " تبدد بابن العاص " التبدد: التفرق وتبددوا الشئ:

اقتسموه حصصا. ولا يناسبان المقام إلا بتكلف والأظهر: وليمدك ابن العاص كما سيأتي. وزريت عليه: عبته. والرصف: الشد والضم.

724 - الاختصاص: كتاب محمد بن أبي بكر رضي الله عنه إلى معاوية لعنه

الله من محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على أهل طاعة الله ممن هو سلم لأهل ولاية الله.

أما بعد فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عبث منه ولا ضعف في قوة ولا من حاجة به إليهم ولكنه خلقهم عبيدا فجعل منهم غويا وشقيا وسعيدا ثم اختارهم على علمه فاصطفاه وانتجب منهم محمدا صلى الله عليه وآله فانتجبه واصطفاه برسالاته وأرسله بوحيه وائتمنه على أمره وبعثه رسولا مصدقا ودليلا.

فكان أول من أجاب وأناب وصدق وآمن وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب صدقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم ووقاه كل هول وواساه بنفسه في كل خوف حارب من حاربه وسالم من سالمه ولم يزل باذلا نفسه في ساعات الخوف والجوع والجد والهزل حتى أظهر الله دعوته وأفلج حجته [فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل والهلوع حتى برز سابقا لا نظير له فيمن اتبعه ولا مقارب له في فعل " خ ل "] وقد رأيتك أيها الغاوي تساميه وأنت أنت وهو هو المبرز السابق في كل حين أول الناس إسلاما وأصدق الناس نية وأطيب الناس ذرية وأفضل الناس زوجة رسول الله ابن عمه وهو وصيه وصفيه، وأخوه الشاري نفسه يوم موته وعمه سيد الشهداء يوم أحد وأبوه الذاب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وعن حوزته وأنت اللعين بن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان على رسول الله صلى الله عليه وآله الغوائل وتجهدان على إطفاء نور الله وتجمعان عليه الجموع وتؤلبان عليه القبائل وتبذلان فيه المال هلك أبوك على ذلك وعلى ذلك خلفك والشاهد عليك بفعلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤوس النفاق وأهل الشقاق لرسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته.

والشاهد لعلي بن أبي طالب عليه السلام بفضله المنير المبين وسبقه القديم أنصاره الذين معه الذين ذكروا بفضلهم في القرآن وأثنى الله عليهم من المهاجرين والأنصار فهم معه كتائب وعصائب من حوله يجالدون بأسيافهم

ويهرقون دماءهم دونه يرون الفضل في اتباعه والشقاء في خلافه فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي وعلي أخو رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا يخبره بسره ويشركه في أمره وأنت عدوه وابن عدوه فتمتع ما استطعت بباطلك وليمدك ابن العاصي في غوايتك وكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهي ثم تستبين لمن تكون العاقبة العليا واعلم أنك إنما تكائد ربك الذي قد أمنت كيده في نفسك وآيست من روحه وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور وبالله ورسوله وأهل رسوله عنك الغناء والسلام على من اتبع الهدى.

فلما قرأ معاوية لعنه الله كتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر الزاري على أبيه أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما الله أهله من سلطانه وقدرته وما اصطفا به رسوله مع كلام ألفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ولابيك فيه تعنيف وذكرت فضل ابن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته لرسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول فكان احتجاجك علي وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك فاحمد ربا صرف ذلك الفضل عنك وجعله لغيرك.

فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا صلى الله عليه وآله نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا حتى اختار الله لنبيه ما عنده فأتم له وعده وأظهر له دعوته وأفلج له حجته ثم قبضه الله إليه فكان أول من ابتزه حقه أبوك وفاروقه وخالفاه في أمره، على ذلك اتفقا واتسقا ثم دعواه ليبايعهما وأبطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأرادا به العظيم ثم إنه بايع لهما وسلم فلم يشركاه في أمرهما ولم يطلعاه على سرهما حتى قبضا على ذلك.

ثم قام ثالثهما من بعدهما عثمان بن عفان فاقتدى بهديهما فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي وبطنتما له وأظهرتما له العداوة حتى بلغتما فيه مناكما فخذ حذرك يا ابن أبي بكر فسترى وبال أمرك

وقس شبرك بفترك فكيف توازي من لا يوازن الجبال حلمه ولا تعب من مهد له أبوك مهاده وطرح لملكه وساده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك فيه أول ونحن فيه تبع، وإن يكن جورا فأبوك أول من أسس بناه فبهديه اقتدينا وبفعله احتذينا ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا إليه ولكن عب أباك بما شئت أو دعه والسلام على من أناب ورجع عن غوايته وتاب.

أقول: روى الكتاب والجواب نصر بن مزاحم في كتاب صفين بأدنى اختلاف أومأنا إلى بعضه. 1 725 - نهج البلاغة: [و] من كلام له عليه السلام - لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل -:

وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ولو وليته إياها لما خلي لهم العرصة، ولا أنهز لهم الفرصة بلا ذم لمحمد بن أبي بكر فلقد كان إلي حبيبا وكان لي ربيبا.

بيان: [قوله:] " لما قلد " أي جعله واليها كأن ولايتها قلادة في عنقه لأنه مسؤول عن خيرها وشرها. ويقال ملكه عليه أي أخذه منه قهرا واستولى عليه. وانهاز الفرصة إما تأكيد لتخلية العرصة والمراد بهما تمكين العدو وعدم التدبير في دفعه كما ينبغي أو التخلية كناية عن الفرار والانهاز عن تمكين الأعداء. وعدم استحقاق الذم لكون هذا التمكين عن عجزه لا عن التقصير والتواني " وكان إلي حبيبا " أي كنت أحبه ومحبوبه عليه السلام لا يستحق الذم وربيب الرجل: ابن امرأته من غيره وأم محمد أسماء بنت عميس كانت عند جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك عبد الله، ولما

استشهد جعفر تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا ثم تزوجها أمير المؤمنين عليه السلام ونشأ محمد في حجره ورضع الولاء والتشيع وكان جاريا عنده عليه السلام مجرى بعض ولده.

وأما هاشم فهو ابن عتبة بن أبي وقاص وهو المرقال سمي به لأنه كان يرقل في الحرب أي يسرع قتل بصفين رضي الله عنه.

726 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر:

فاخفض لهما جناحك وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك واس بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم وإن الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة والظاهرة والمستورة فإن يعذب فأنتم أظلم وإن يعف فهو أكرم.

واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون وأخذوا منها ما أخذت الجبابرة المتكبرون ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح [المربح " خ ل "] أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة.

فاحذروا عباد الله الموت وقربه وأعدوا له عدته فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل بخير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ومن أقرب إلى النار من عاملها وانكم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم.

فاحذروا نارا قعرها بعيد وحرها شديد وعذابها جديد دار ليس فيها رحمة

ولا تسمع فيها دعوة ولا تفرج فيها كربة.

وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله وأن يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه وإن أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا لله.

واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر فأنت محقوق أن تخالف على نفسك وأن تنافح عن دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر فلا تسخط الله برضاء أحد من خلقه فإن في الله خلفا من غيره وليس من الله خلف في غيره، صل الصلاة لوقتها الموقت ولا تعجل وقتها لفراغ ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك.

ومنه: فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى وولي النبي وعدو النبي ولقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيقمعه الله بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون.

بيان: قوله عليه السلام " وآس بينهم " قال [ابن الأثير] في [مادة] " أسا " من [النهاية: الأسوة والمؤاساة: المساهمة والمشاركة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا ومنه حديث علي عليه السلام " آس بينهم في اللحظة والنظرة " أي اجعل كل واحد منهم أسوة خصمه وقال ابن أبي الحديد: نبه بذلك على وجوب أن يجعلهم أسوة في جميع ما عدا ذلك من العطاء والانعام والتقريب كقوله تعالى: " ولا تقل لهما أف ".

وقال في قوله عليه السلام " في حيفك لهم " الضمير في لهم راجع إلى رعيته لا إلى العظماء وقد كان سبق ذكرهم في أول الخطبة أي حتى لا يطمع العظماء في أن تتحيف الرعية وتظلمهم وتدفع أموالهم إليهم ويجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء أي حتى لا يطمع العظماء في جورك في القسم الذي إنما تفعله لهم ولاجلهم. انتهى. والحيف يكون بمعنى الميل عن القصد وبمعنى الظلم

والثاني بالأول والأول بالثاني أنسب.

قوله عليه السلام: " فأنتم أظلم " أي من أن لا تعذبوا أو لا تستحقوا العقاب " وإن يعف فهو أكرم " من أن لا يعفو أو يستغرب منه العفو.

أو المعنى أنه سبحانه إن عذب فظلمكم أكثر من عذابه ولا يعاقبكم بمقدار الذنب، وإن يعف فكرمه أكثر من ذلك العفو ويقدر على أكثر منه وربما يفعل أعظم منه.

وقال ابن أبي الحديد أي أنتم الظالمون كقوله تعالى: * (وهو أهون عليه) * وكقولهم: الله أكبر.

وقال ابن ميثم: ويحتمل أن يكون قد سمى ما يجازيهم من العذاب ظلما مجازا لمشابهة الظلم في الصورة كما في قوله عليه السلام: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " فصدق إذن اسم التفضيل لابتدائهم بالمعصية انتهى.

وقوله: " سكنوا الدنيا " بيان لقوله " ذهبوا " وقال ابن ميثم وإنما كان ما فعلوا أفضل لأنهم استعملوها على الوجه الذي ينبغي لهم وأمروا باستعمالها عليه وظاهر أن ذلك أفضل الوجوه وهو الاخذ من لذات الدنيا المباحة لهم بقدر ضرورتهم وحاجتهم بل نقول: إن لذتهم بما استعملوا منها أتم وأكمل وذلك إن كل ما استعملوه من مأكول ومشروب ومنكوح ومركوب إنما كان عند الحاجة والضرورة وكلما كان الحاجة إلى الملذات أتم كانت اللذة أقوى وأعظم.

أقول ويحتمل أن تكون الأفضلية باعتبار لما المتقين لما كان مصروفهم من الحلال لا يخافون عليه عقابا وغيرهم لا كان ما ينتفعون به حراما أو مخلوطا يخشون العقوبة عليه وهذا مما يكدر عيشهم عامل الجنة من يعمل الأعمال المؤدية إليها وكذا عامل النار.

والطرداء بضم الطاء وفتح الراء: جمع طريد أي يطردكم عن أوطانكم ويخرجكم منها. وقال في النهاية: فيه " كنت أطارد حية " أي أخادعها لأصيدها ومنه طراد الصيد.

قوله عليه السلام: " معقود بنواصيكم " أي ملازم لكم.

قوله عليه السلام: " وإن أحسن الناس ظنا " التلازم بينهما لكونهما لازمين للمعرفة فكلما صارت هذه المعرفة أكمل والعلم بجلالته سبحانه أتم كان حسن الظن والخوف أبلغ.

قوله عليه السلام " أعظم أجنادي " أي عساكري وأعواني وأقاليمي وبلداني. قال ابن أبي الحديد: يقال للأقاليم والأطراف: أجناد.

وقال الجوهري: الجند: الأعوان والأنصار والشام خمسة أجناد دمشق وحمص وقنسرين وأردن وفلسطين يقال: لكل مدينة منها جند والظاهر هو الأول لقوله: أهل مصر. " فأنت محقوق " أي حقيق وجدير.

وقال في النهاية: المنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة ومنه حديث علي عليه السلام [في صفين] " نافحوا بالظبى " أي قاتلوا بالسيف وأصله أن يقرب أحد المتقاتلين من الآخر بحيث يصل نفح كل واحد منهما إلى صاحبه وهي ريحه ونفسه وقال: اللهم أعط كل منفق خلفا أي عوضا.

والمراد بإمام الردى معاوية كقوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " وكذا هو المراد بعدو النبي قال ابن أبي الحديد لان عدوه عليه السلام عدو النبي لقوله صلى الله عليه وآله " وعدوك عدوي وعدوي عدو الله " ولان دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من أفعاله وفلتات لسانه.

727 - رجال الكشي: محمد بن مسعود عن علي بن محمد القمي عن أحمد بن محمد بن عيسى عن رجل عن عمر بن عبد العزيز عن جميل بن دراج عن حمزة بن محمد الطيار قال: ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله عليه السلام فقال أبو عبد الله عليه السلام رحمه الله وصلى عليه قال لأمير المؤمنين عليه السلام يوما من الأيام: ابسط يدك أبايعك فقال: أو ما فعلت؟ قال: بلى

فبسط يده فقال: أشهد أنك إمام مفترض طاعتك وأن أبي في النار فقال أبو عبد الله عليه السلام كان النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل أبيه.

728 - الاختصاص عن ابن الطيار مثله.

729 - رجال الكشي: حمدويه بن نصير عن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن محمد بن أبي بكر بايع عليا عليه السلام على البراءة من أبيه.

730 - الاختصاص أحمد بن هارون الفامي عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير مثله.

731 - رجال الكشي: حمدويه وإبراهيم عن محمد بن عبد الحميد عن أبي جميلة عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي جعفر عليه السلام قال: بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني.

732 - رجال الكشي: حمدويه عن محمد بن عيسى عن يونس عن موسى بن مصعب عن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من أهل بيت إلا ومنهم نجيب من أنفسهم وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر.

733 - تحف العقول: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر بعد تسيير

محمد بن أبي بكر ما هذا مختصره:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر سلام عليكم أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما سألت عنه وأعجبني اهتمامك بما لابد لك منه وما لا يصلح المسلمين غيره، وظننت أن الذي أخرج ذلك منك نية صالحة ورأي غير مدخول.

أما بعد فعليك بتقوى الله في مقامك ومقعدك وسرك وعلانيتك وإذا قضيت بين الناس فاخفض لهم جناحك ولين لهم جانبك وابسط لهم وجهك وآس بينهم في اللحظ والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم وأن تسأل المدعي البينة وعلى المدعى عليه اليمين.

ومن صالح أخاه على صلح فاجز صلحه إلا أن يكون صلحا يحرم حلالا أو يحلل حراما.

وآثر الفقهاء وأهل الصدق والوفاء والحياء والورع على أهل الفجور والكذب والغدر وليكن الصالحون الأبرار إخوانك والفاجرون الغادرون أعداءك فإن أحب إخواني إلي أكثرهم لله ذكرا وأشدهم منه خوفا وأنا أرجو أن تكون منهم إنشاء الله.

وإني أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون وعما أنتم إليه صائرون فإن الله قال في كتابه * (كل نفس بما كسبت رهينة) * [38 / المدثر: 74] وقال ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) * [28 / آل عمران: 2] وقال: * (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) * [92 - 93 / الحجر: 15] فعليكم بتقوى الله فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة قال الله: * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) * [30 / النحل: 16] اعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الخير وآجله شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم قال الله عز وجل: * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من

الرزق) * الآية [32 / الأعراف: 7] سكنوا الدنيا بأحسن ما سكنت فأكلوها بأحسن ما أكلت.

واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم الله وحفظتم نبيكم في أهله فقد عبدتموه بأفضل عبادته وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وقد أخذتم بأفضل الصبر والشكر واجتهدتم بأفضل الاجتهاد وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياما وصدقة إذ كنتم أنتم أوفى لله وأنصح لأولياء الله ومن هو ولي الأمر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله.

واحذروا عباد الله الموت وقربه وكربه وسكراته وأعدوا له عدته فإنه يأتي بأمر عظيم بخير لا يكون معه شر وبشر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها؟ وأقرب إلى النار من أهلها فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

أكثروا ذكر هادم اللذات واعلموا أن ما بعد الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه أشد من الموت.

واعلم يا محمد أني وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر وأنت محقوق أن تخاف على نفسك وأن تحذر فيه على دينك وإن لم يكن [لك] إلا ساعة من النهار فإن استطعت أن لا تسخط ربك برضا أحد من خلقه فافعل فإن في الله خلفا من غيره ولا في شئ خلف من الله.

اشدد على الظالم وخذ على يديه ولن لأهل الخير وقربهم منك واجعلهم بطانتك وإخوانك.

ثم انظر صلاتك كيف هي فإنك إمام وليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلا كان عليه أوزارهم ولا ينتقص من صلاتهم شئ ولا يتممها إلا كان له مثل أجورهم ولا ينتقص من أجورهم شئ.

وانظر الوضوء فإنه تمام الصلاة ولا صلاة لمن لا وضوء له، واعلم أن كل شئ من عملك تابع لصلاتك واعلم أنه من ضيع الصلاة فإنه لغير الصلاة

من شرائع الاسلام أضيع.

وإن استطعتم يا أهل مصر أن يصدق قولكم فعلكم وسركم علانيتكم ولا تخالف ألسنتكم أفعالكم فافعلوا و [قد ] قال رسول الله صلى الله عليه وآله إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله ويقمعه بشركه ولكن أخاف عليكم كل منافق حلو اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون ليس به خفاء.

وقد قال النبي صلى الله عليه وآله من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن حقا.

وكان يقول صلى الله عليه وآله: خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت وفقه في سنة.

واعلم يا محمد بن أبي بكر أن أفضل الفقه الورع في الله والعمل بطاعة الله أعاننا الله وإياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته إنه سميع قريب.

واعلم أن الدنيا دار بلاء وفناء والآخرة دار بقاء وجزاء فإن استطعت أن تؤثر ما يبقى على ما يفنى فافعل.

رزقنا الله بصر ما بصرنا وفهم ما فهمنا حتى لا نقصر عما أمرنا ولا نتعدى إلى ما نهانا عنه فإنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فإن عرض لك أمران: أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة وإن استطعت أن تعظم رغبتك للخير وتحسن فيه نيتك فافعل فإن الله يعطي العبد على قدر نيته إذا أحب الخير وأهله وإن لم يفعله كان انشاء الله كمن فعله.

ثم إني أوصيك بتقوى الله ثم بسبع خصال هن جوامع الاسلام

تخشى الله ولا تخشى الناس في الله وان خير القول ما صدقه الفعل ولا تقض في أمر واحد بقضائين فيختلف عليك أمرك وتزل عن الحق وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك والزم الحجة عند الله وأصلح رعيتك وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم وأقم وجهك وانصح للمرء المسلم إذا استشارك واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

أقول: سيأتي مع شرحه إنشاء الله بإسناد آخر في باب مواعظه صلوات الله عليه بتغيير وزيادة وقد مر برواية ابن أبي الحديد أيضا.

734 - الاختصاص: الحسين بن أحمد العلوي المحمدي وأحمد بن علي بن الحسين بن زنجويه جميعا عن حمزة بن القاسم العلوي عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن سمرة بن علي عن أبي معاوية الضرير عن مجالد عن الشعبي:

عن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين قال: لما جاء علي بن أبي طالب صلوات الله عليه مصاب محمد بن أبي بكر حيث قتله معاوية بن حديج السكوني بمصر جزع عليه جزعا شديدا وقال: ما أخلق مصر أن يذهب آخر الدهر فلوددت أني وجدت رجلا يصلح لها فوجهته إليها فقلت: تجد فقال من؟ قلت الأشتر قال: ادعه لي فدعوته فكتب له عهده وكتب معه:

بسم الله الرحمن الرحيم من علي بن أبي طالب إلى الملا من المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الأرض وضرب الجور بأرواقة على البر والفاجر فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر أشد على الفجار من حريق النار وهو مالك بن الحرث الأشتر أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نابي الضريبة ولا كليل الحد فإن أمركم أن تنفروا فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا وإن أمركم أن تحجموا فأحجموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم ربكم بالهدى وثبتكم باليقين.

ثم قال له: لا تأخذ على السماوة فإني أخاف عليكم معاوية وأصحابه ولكن الطريق الاعلى في البادية حتى تخرج إلى أبلة ثم ساحل مع البحر [حتى] تأتيها ففعل فلما انتهى إلى أيلة وخرج منها صحبه نافع مولى عثمان بن عفان فخدمه وألطفه حتى أعجبه شأنه فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل المدينة قال:

من أيهم؟ قال: مولى عمر بن الخطاب قال: وأين تريد؟ قال: مصر قال: وما حاجتك بها؟ قال: أريد أن أشبع من الخبز فإنا لا نشبع بالمدينة فرق له الأشتر وقال له: الزمني فإني سأجيبك بخبز فلزمه حتى بلغ القلزم وهو من مصر على ليلة فنزل على امرأة من جهينة فقالت: أي الطعام أعجب بالعراق فأعالجه لكم؟ قال: الحيتان الطرية فعالجتها له فأكل وقد كان ظل صائما في يوم حار فأكثر من شرب الماء فجعل لا يروى فأكثر منه حتى نغر يعني انتفخ بطنه من كثرة شربه فقال له نافع إن [هذا] الطعام [الذي أكلت] لا يقتل سمه إلا العسل فدعا به من ثقله فلم يوجد قال له نافع: هو عندي فأتيك به؟ قال نعم فأتني به فأتى رحله فحاضر شربة من عسل بسم قد كان معه أعده له فأتاه بها فشربها فأخذه الموت من ساعته وانسل نافع في ظلمة

الليل فأمر به الأشتر أن يطلب فطلب فلم يصب.

قال عبد الله بن جعفر وكان لمعاوية بمصر عين يقال له مسعود بن رجرجة فكتب إلى معاوية بهلاك الأشتر فقام معاوية خطيبا في أصحابه فقال: إن عليا كان له يمينان قطعت إحداهما بصفين يعني عمارا والأخرى اليوم إن الأشتر مر بأيلة متوجها إلى مصر فصحبه نافع مولى عثمان فخدمه وألطفه حتى أعجبه واطمأن إليه فلما نزل القلزم حاضر له شربة من عسل بسم فسقاها له فمات ألا وإن لله جنودا من عسل.

بيان: قال الجوهري: الأرواق: الفساطيط يقال: ضرب فلان روقه بموضع كذا إذا نزل به وضرب خيمته. وفي الحديث " حين ضرب الشيطان روقه ومد أطنابه " يقال: القى فلان عليك أرواقه وشراشره وهو أن يحبه حبا شديدا. وقال: الساحل: شاطئ البحر وقد ساحل القوم إذا أخذوا على الساحل.

قوله: " حتى نغر " في بعض النسخ بالغين المعجمة قال في النهاية: نغرت القدر تنغر غلت. وفي القاموس: نغر من الماء كفرح: أكثر. وفي بعضها بالمهملة من نعر بمعنى صوت والأول أظهر ولعل ما في الخبر بيان لحاصل المعنى.

735 - الاختصاص أحمد بن علي عن حمزة بن القاسم العلوي عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن سمرة بن علي عن المنهال بن جبير الحميري عن عوانة قال: لما جاء هلاك الأشتر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام صعد المنبر فخطب الناس ثم قال: ألا إن مالك بن الحارث قد قضى نحبه وأوفى عهده ولقى ربه فرحم الله مالكا لو كان جبلا لكان فندا ولو كان حجرا لكان صلدا

لله مالك؟ وما مالك؟ وهل قامت النساء عن مثل مالك؟ وهل موجود كمالك؟

قال: فلما نزل ودخل القصر أقبل عليه رجال من قريش فقالوا: لشد ما جزعت عليه ولقد هلك قال: أما والله هلاكه قد أعز أهل المغرب وأذل أهل المشرق قال وبكى عليه أياما وحزن عليه حزنا شديدا وقال: لا أرى مثله بعده أبدا.

736 - نهج البلاغة: وقال عليه السلام لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر إن حزننا عليه على قدر سرورهم به إلا أنهم نقصوا بغيظا ونقصنا حبيبا.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.