بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۴، ص ۲۱–۵۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۱۷
إلى أين يا أبناء الشانئين، أبمعاوية تلحقون؟ عداوة والله منكم قديما، غير مستنكر، تريدون بها إطفاء نور الله، وتبديل أمره. فأسمعني القوم، وأسمعتهم.
فلما قدمت مكة، سمعت أهلها يتحدثون: أن الضحاك بن قيس، أغار على الحيرة، فاحتمل من أموالها ما شاء، ثم انكفأ راجعا سالما. فأف لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك، وما الضحاك؟! فقع بقرقر، وقد توهمت حيث بلغني ذلك، أن شيعتك وأنصارك خذلوك، فاكتب إلي يا ابن أمي برأيك، فإن كنت الموت تريد، تحملت إليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا مت، فوالله ما أحب أن أبقى في الدنيا بعدك فواقا، وأقسم بالأعز الأجل، أن عيشا نعيشه بعدك في الحياة، لغير هنئ ولا مرئ ولا نجيع والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى عقيل بن أبي طالب، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو:
أما بعد، كلأنا الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب، إنه حميد مجيد. قد وصل إلي كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي، تذكر فيه أنك لقيت عبد الله ابن [سعد بني] أبي سرح، مقبلا من " قديد " في نحو من أربعين فارسا من أبناء الطلقاء، متوجهين إلى جهة الغرب، وإن ابن أبي سرح، طال ما كاد الله ورسوله وكتابه، وصد عن سبيله وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح، ودع عنك قريشا وخلهم وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق.
ألا وإن العرب قد اجتمعت على حرب أخيك اليوم، اجتماعها على حرب النبي صلى الله عليه وآله قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقه، وجحدوا فضله وبادئوه العداوة، ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وجروا إليه جيش الأحزاب. اللهم فاجز قريشا عني الجوازي، فقد قطعت رحمي، وتظاهرت علي، ودفعتني عن حقي، وسلبتني سلطان ابن أمي، وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الإسلام، إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على كل حال.
وأما ما ذكرت من غارة الضحاك على أهل الحيرة، فهو أقل وأذل من أن يلم بها، أو يدنو منها، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل، فأخذ على السماوة، حتى مر بواقصة وشراف والقطقطانة، فما والى ذلك الصقع، فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين، فلما بلغه ذلك فر هاربا، فأتبعوه، فلحقوه ببعض الطريق، وقد أمعن، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب، فتناوش القتال قليلا كلا ولا، فلم يصبر لوقع المشرفية، وولى هاربا، وقتل من أصحابه بضعة
عشر رجلا، بعدما أخذ منه بالمخنق، فلأيا بلأي ما نجا.
وأما ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه: فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله، لا يزيدني كثرة الناس معي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة، لأني محق، والله مع المحق. ووالله ما أكره الموت على الحق، وما الخير كله إلا بعد الموت، لمن كان محقا.
وأما ما عرضت به مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشدا محمودا، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبن ابن أمك - وإن أسلمه الناس - متخشعا، ولا متضرعا، إنه لكما قال أخو بني سليم:
فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب يعز علي أن ترى بي كآبة * فيشمت عاد أو يساء حبيب 903 - أقول: روى السيد رضي الله عنه في النهج، بعض هذا الكتاب هكذا:
فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين، فلما بلغه ذلك، شمر هاربا، ونكص نادما. فلحقوه ببعض الطريق، وقد طفلت الشمس للإياب، فاقتتلوا شيئا كلا ولا، فما كان إلا كموقف ساعة، حتى نجا جريضا، بعد ما أخذ منه بالمخنق، ولم يبق منه غير الرمق، فلأيا بلأي ما نجا.
فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنهم قد أجمعوا على حربي، كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي. فجزت قريشا عني الجوازي فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي.
وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال، فإن رأيي قتال المحلين حتى
ألقى الله، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة، ولا تحسبن ابن أبيك - ولو أسلمه الناس - متضرعا متخشعا، ولا مقرا للضيم واهنا، ولا سلس الزمام للقائد ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد، ولكنه كما قال أخو بني سليم، ثم ذكر البيتين.
بيان:
قوله " فقع بقرقر " لعله خبر " إن ". وقوله " وما الضحاك " معترضة.
وقال الجوهري: الفقع: ضرب من الكماة. وكذلك الفقع بالكسر. ويشبه به الرجل الذليل فيقال: هو فقع قرقر، لأن الدواب تنجله بأرجلها. قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر.
حدثوني بني الشقيقة ما * يمنع فقعا بقرقر أن يزولا وقال: القرقر: القاع الأملس. والفواق بالفتح والضم: ما بين الحلبتين من الوقت. والتركاض والتجوال بفتح التاء فيهما: مبالغتان في الركض والجولان. والركض: تحريك الرجل، وركضت الفرس برجلي: حثثته ليعدو، ثم كثر حتى قيل: ركض الفرس إذا عدا. والواو فيهما يشبه أن يكون بمعنى مع، ويحتمل العاطفة.
واستعار لفظ الجماح، باعتبار كثرة خلافهم للحق، وحركاتهم في تيه الجهل، والخروج عن طريق العدل، من قولهم: جمح الفرس إذا اعتز راكبه وغلبه. ويحتمل أن يكون من جمح، بمعنى أسرع كما ذكره الجوهري.
وقوله عليه السلام: " فجزت قريشا عني الجوازي "، الجوازي: جمع جازية، أي: جزت قريشا عني بما صنعت كل خصلة من نكبة، أو شدة، أو
مصيبة، أي جعل الله هذه الدواهي كلها، جزاء قريش بما صنعت.
وقال ابن أبي الحديد: " سلطان ابن أمي ": يعني به الخلافة، وابن أمه، هو رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن مخزوم، أم عبد الله وأبي طالب، ولم يقل سلطان ابن أبي، لأن غير أبي طالب من الأعمام، تشركه في النسبة إلى عبد المطلب.
وقال الراوندي: يعني نفسه، لأنه ابن أم نفسه، ولا يخفى ما فيه.
وقيل: لأن فاطمة بنت أسد كانت تربي رسول الله صلى الله عليه وآله حين كفله أبو طالب، فهي كالأم له.
ويحتمل أن يكون المراد " سلطان أخي ": مجازا ومبالغة في تأكد الأخوة التي جرت بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله، وإشارة إلى حديث المنزلة، وقوله تعالى حكاية عن هارون: (يا ابن أم إن القوم استضعفوني) وقد مر بعض ما يؤيد هذا الوجه.
وواقصة: موضع بطريق الكوفة، واسم مواضع أخرى. وشراف كقطام موضع وماء لبني أسد أو جبل عال. وكغراب: ماء. والقطاقط والقطقط والقطقطانة بضمهما موضع الأصرة بالكوفة، كانت سجن النعمان بن المنذر.
[قوله عليه السلام:] " فما والى ذلك " أي: قاربه. ويقال: أمعن الفرس، أي: تباعد في عدوه. وقال الجوهري: تطفيل الشمس: ميلها للغروب. والطفل بالتحريك: بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب. والإياب : الرجوع، أي:
الرجوع إلى ما كانت عليه في الليلة التي قبلها. وقال الجوهري: آبت الشمس لغة في غابت. وتفسير الراوندي بالزوال بعيد.
وقال الجوهري: المناوشة: في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان.
والتناوش: التناول.
قوله عليه السلام: " شيئا كلا ولا ": قال ابن أبي الحديد: أي شيئا قليلا كلا شئ. وموضع " كلا ولا ". نصب لأنه صفة " شيئا "، وهي كلمة يقال لما يستقصر جدا. والمعروف عند أهل اللغة " كلا وذا "، قال ابن هاني المغربي:
وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع من لا وذا وفي شعر الكميت:
كلا وكذا [تغميضة ثم هجتم * لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا] وقد رويت في نهج البلاغة كذلك، إلا أن في أكثر النسخ " كلا ولا "، ومن الناس من يرويها " كلا ولات "، وهي حرف أجري مجرى " ليس "، ولا يجئ إلا مع حين، إلا أن يحذف في شعر. ومن الرواة من يرويها " كلا ولأي ". ولأى. فعل معناه: أبطأ.
وقال ابن ميثم: قوله عليه السلام " كلا ولا "، تشبيه بالقليل السريع الفناء، وذلك لأن " لا ولا " لفظان قصيران قليلان في المسموع، واستشهد بقول ابن هاني.
أقول: ويحتمل أن يكون المعنى شيئا كلا شئ، وليس بلا شئ، أو يكون العطف للتأكيد. والموقف هنا مصدر.
والمشرفية بالفتح: سيوف نسبت إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب.
وفي النهاية: الجرض بالتحريك: أن تبلغ الروح الحلق. والإنسان جريض. وفي الصحاح: الجرض بالتحريك: الريق يغص به، يقال: جرض بريقه: ابتلع ريقه على هم وحزن بالجهد. والجريض: الغصة. ومات فلان جريضا أي مغموما.
وقال: خنقه وأخنقه وخنقه، وموضعه من العنق، مخنق. يقال: بلغ منه المخنق، وأخذت بمخنقه وخناقة أي: حلقه.
وقال ابن ميثم: " لأيا " مصدر، والعامل محذوف. وما مصدرية في موضع الفاعل، والتقدير: فلأي لأيا نجاؤه، أي: عسر وأبطأ. وقوله: " بلأي " أي:
مقرونا بلأي، أي: شدة بعد شدة.
وقال الكيدري: " ما " زائدة. وتقدير الكلام فنجا لأيا، أي: صاحب لأي، أي: في حال كونه صاحب جهد ومشقة متلبسة بمثلها، أي: نجا في حال تضاعف الشدائد.
وقال الراوندي: نصب " لأيا " على الظرف. وتفيد ما الزائدة في الكلام إبهاما، أي: بعد شدة وإبطاء ونجا.
قوله عليه السلام: " قتال المحلين " أي: البغاة. قال الجوهري: أحل، أي: خرج إلى الحل، أو من ميثاق كان عليه، ومنه قول زهير:
[جعلنا القنان عن يمين وحزنه] * وكم بالقنان من محل ومحرم وقال أسلمه، أي: خذله.
قوله عليه السلام: " ولا مقرا للضيم " أي: راضيا بالظلم، صابرا عليه.
والسلس: السهل، اللين المنقاد. " ولا وطئ الظهر " أي: متهيئا للركوب. ومقتعد البعير: راكبه. والصليب: الشديد.
904 - أقول: روى ابن أبي الحديد من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، كما رأيته في أصل كتابه، روى بإسناده عن جندب الأزدي، عن أبيه قال: أول غارة كانت بالعراق، غارة الضحاك بن قيس، بعد الحكمين، وقبل قتال النهروان، وذلك أن معاوية لما بلغه أن عليا عليه السلام بعد واقعة
الحكمين، تحمل إليه مقبلا هاله ذلك، فخرج من دمشق معسكرا، وبعث إلى كور الشام، فصاح بها [فيها " خ ل "] إن عليا قد سار إليكم. وكتب إليهم نسخة واحدة، فقرئت على الناس، أما بعد، فإنا كنا كتبنا بيننا وبين علي كتابا، وشرطنا فيه شروطا، وحكمنا رجلين يحكمان علينا وعليه بحكم الكتاب، لا يعدوانه، وجعلنا عهد الله وميثاقه على من نكث العهد، ولم يمض الحكم، وإن حكمي الذي كنت حكمته أثبتني، وإن حكمه خلعه، وقد أقبل إليكم ظالما، " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " تجهزوا للحرب، بأحسن الجهاز، وأعدوا آلة القتال، وأقبلوا خفافا وثقالا وكسالا ونشاطا، يسرنا الله وإياكم لصالح الأعمال.
فاجتمع إليه ناس من كل كورة، وأرادوا المسير إلى صفين، فاستشارهم فاختلفوا في ذلك، فمكثوا يجيلون الرأي يومين أو ثلاثة، حتى قدمت عليهم عيونهم، أن عليا عليه السلام اختلف عليه أصحابه، ففارقته منه فرقة أنكرت أمر الحكومة، وأنه قد رجع عنكم إليهم، فكبر الناس سرورا لانصرافه عنهم، وما ألقي من الخلاف بينهم.
فلم يزل معاوية معسكرا في مكانه، حتى جاء الخبر أن عليا عليه السلام، قد قتل أولئك الخوارج، وأنه أراد بعد قتلهم أن يقبل إليه بالناس، وأنهم استنظروه ودافعوه، فسر بذلك هو ومن قبله من الناس.
وعن عبد الرحمن بن مسعدة قال: جاءنا كتاب عمارة بن عقبة بن أبي معيط من الكوفة، ونحن معسكرون مع معاوية نتخوف أن يفرغ علي من خارجته، ثم يقبل إلينا، وكان في كتابه: أما بعد فإن عليا خرج عليه علية أصحابه ونساكهم، فخرج إليهم فقتلهم، وقد فسد عليه جنده وأهل مصره، ووقعت بينهم العداوة وتفرقوا أشد الفرقة، فأحببت إعلامك. والسلام.
قال فقرأه [معاوية] على أخيه وعلى أبي الأعور، ثم نظر إلى أخيه الوليد بن عقبة وقال: لقد رضي أخوك أن يكون لنا عينا. قال: فضحك الوليد وقال:
إن في ذلك أيضا لنفعا.
فعند ذلك دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وقال له: سر حتى تمر بناحية الكوفة، وترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي، فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلا فاغر عليهما، وإذا أصبحت في بلدة، فأمس في أخرى، ولا تقيمن لخيل بلغك عنها أنها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها. فسرحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف.
فأقبل الضحاك لنهب الأموال، وقتل من لقي من الأعراب، حتى مر بالثعلبية فأغار على الحاج، فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي - وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود - فقتله في طريق الحاج، عند القطقطانة، وقتل معه ناسا من أصحابه.
فصعد أمير المؤمنين عليه السلام المنبر وقال:
يا أهل الكوفة! اخرجوا إلى [العبد] الصالح عمرو بن عميس وإلى جيوش لكم قد أصيب منهم طرف، اخرجوا فقاتلوا عدوكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين.
فردوا عليه ردا ضعيفا ورأى منهم عجزا وفشلا فقال:
والله لوددت أن لي بكل مائة منكم رجلا منهم، ويحكم أخرجوا معي، ثم فروا عني ما بدا لكم، فوالله ما أكره لقاء ربي على نيتي وبصيرتي، وفي ذلك روح لي عظيم، وفرج من مناجاتكم ومعاناتكم ومقاساتكم ومداراتكم، مثل ما تدارى البكار العمدة، والثياب المتهترة، كلما خيطت من جانب، تهتكت على صاحبها من جانب آخر.
ثم نزل، فخرج يمشي حتى بلغ الغريين، ثم دعا حجر بن عدي الكندي فعقد له راية على أربعة آلاف، فخرج حجر حتى مر بالسماوة وهي
أرض كلب، فلقي بها امرأ القيس بن عدي بن أوس الكلبي، وهم أصهار الحسين بن علي عليه السلام، فكانوا أدلاءه في الطريق، وعلى المياه، فلم يزل مغذا في أثر الضحاك، حتى لقيه بناحية تدمر فواقعه، فاقتتلوا ساعة، فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا، وقتل من أصحاب حجر رجلان، وحجز الليل بينهم، فمضى الضحاك، فلما أصبحوا لم يجدوا له ولأصحابه أثرا، فكتب عقيل هذا الكتاب إليه عليه السلام في إثر هذه الواقعة. 905 - وقال ابن أبي الحديد أيضا: ذكر صاحب كتاب الغارات، أن النعمان بن بشير قدم هو وأبو هريرة على علي عليه السلام من عند معاوية، بعد أبي مسلم الخولاني، يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية، ليقيدهم بعثمان. وإنما أراد أن يشهدا له عليه أهل الشام بذلك، وأن يظهرا عذره، فلما أتياه عليه السلام، وأديا الرسالة، قال عليه السلام للنعمان: حدثني عنك أأنت أهدى من قومك سبيلا؟ يعني الأنصار. قال: لا. قال: فكل قومك قد اتبعني، إلا شذاذ منهم ثلاثة أو أربعة، فتكون أنت من الشذاذ؟ فقال النعمان: أصلحك الله، إنما جئت لأكون معك، وقد طمعت أن يجري الله تعالى بينكما صلحا، فإذا كان غير ذلك رأيك، فإني ملازمك.
فأقام النعمان، ولحق أبو هريرة بالشام. وفر النعمان بعد أشهر منه عليه السلام إلى الشام، فأخذه في الطريق مالك بن كعب الأرحبي، وكان عامل علي عليه السلام بعين التمر، فتضرع واستشفع [له قرظة عند مالك بن كعب] حتى خلى سبيله، وقدم على معاوية وخبر بما لقي ولم يزل معه.
فلما غزى الضحاك بن قيس أرض العراق، بعث معاوية النعمان مع
ألفي رجل وأوصاه أن يتجنب المدن والجماعات، وأن لا يغير على مسلحة، وأن يعجل الرجوع، فأقبل النعمان حتى دنا من عين التمر وبها مالك، ومع مالك ألف رجل، وقد أذن لهم فرجعوا إلى الكوفة فلم يبق معه إلا مائة أو نحوها، فكتب مالك إلى علي عليه السلام، فصعد عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة! المنسر من مناسر أهل الشام، إذا أظل عليكم انجحرتم في بيوتكم وأغلقتم أبوابكم، انجحار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها، الذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم رمى بأفوق ناصل، أف لكم، لقد لقيت منكم ترحا!! ويحكم يوما أناجيكم، ويوما أناديكم، فلا أحرار عند النداء، ولا إخوان صدق عند اللقاء، أنا والله منيت بكم، صم لا تسمعون، بكم لا تعقلون، عمي لا تبصرون!! فالحمد لله رب العالمين، ويحكم اخرجوا هداكم الله إلى مالك بن كعب أخيكم، فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بالكثير، فانهضوا إلى إخوانكم لعل الله يقطع بكم من الكافرين طرفا.
ثم نزل.
فلم يخرجوا، فأرسل إلى وجوههم وكبرائهم، فأمرهم أن ينهضوا ويحثوا الناس على المسير، فلم يصنعوا شيئا. واجتمع منهم نفر يسير نحو ثلاثمائة أو دونها فقام عليه السلام فقال:
إلا إني منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لكم، ما تنتظرون بنصركم ربكم؟ أما دين يجمعكم؟ ولا حمية تحمشكم؟ أقوم فيكم مستصرخا، وأناديكم متغوثا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثار، ولا يبلغ بكم مرام!!
دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر، وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.
ثم نزل فدخل منزله.
فقام عدي بن حاتم فقال: هذا والله الخذلان، ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين عليه السلام. [ثم دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين] إن معي من طي ألف رجل لا يعصوني، فإن شئت أن أسير بهم سرت. قال: ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبائل العرب للناس، ولكن أخرج إلى النخيلة وعسكر بهم.
فخرج [عدي] فعسكر وفرض علي عليه السلام لكل رجل منهم سبعمائة.
فاجتمع إليه ألف فارس، عدا طيا أصحاب عدي. وورد عليه عليه السلام الخبر بهزيمة النعمان ونصرة مالك.
وروى عبد الله بن جوزة الأزدي قال: كنت مع مالك بن كعب حين نزل بنا النعمان، وهو في ألفين وما نحن إلا مائة، فقال لنا: قاتلوهم في القرية واجعلوا الجدر في ظهوركم، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، واعلموا أن الله تعالى ينصر العشرة على المائة، والمائة على الألف، والقليل على الكثير. ثم قال: إن أقرب من هاهنا إلينا من شيعة أمير المؤمنين قرظة بن كعب، ومخنف بن سليم، فاركض إليهما فأعلمهما حالنا، وقل لهما فلينصرانا.
فمررت بقرظة فاستصرخته، فقال: إنما أنا صاحب خراج، وليس عندي من أغيثه به!! فمضيت إلى مخنف، فسرح معي عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا، وقاتل مالك وأصحابه، النعمان وأصحابه إلى العصر، فأتيناه وقد كسر هو وأصحابه جفون سيوفهم، واستقبلوا الموت، فلو أبطأنا منهم هلكوا، فما هو إلا أن رآنا أهل الشام وقد أقبلنا عليهم، أخذوا ينكصون عنهم ويرتفعون، ورآنا مالك وأصحابه، فشدوا عليهم حتى دفعوهم عن القرية، فاستعرضناهم فصرعنا
منهم رجالا ثلاثة، فظن القوم أن لنا مددا، وحال الليل بيننا وبينهم، فانصرفوا إلى أرضهم.
وكتب مالك إلى علي عليه السلام: أما بعد، فإنه نزل بنا النعمان بن بشير في جمع من أهل الشام كالظاهر علينا، وكان عظم أصحابي متفرقين، وكنا للذي كان منهم آمنين، فخرجنا إليهم رجالا مصلتين، فقاتلناهم حتى المساء، واستصرخنا مخنف بن سليم، فبعث إلينا رجالا من شيعة أمير المؤمنين وولده، فنعم الفتى، ونعم الأنصار كانوا، فحملنا على عدونا وشددنا عليهم، فأنزل الله علينا نصره، وهزم عدوه، وأعز جنده، والحمد لله رب العالمين، والسلام على أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته.
وعن أبي الطفيل قال، قال: علي عليه السلام: يا أهل الكوفة دخلت إليكم وليس لي سوط إلا الدرة، فرفعتموني إلى السوط، ثم رفعتموني إلى الحجارة، أو قال: الحديد، ألبسكم الله شيعا، وأذاق بعضكم بأس بعض، فمن فاز بكم فقد فاز بالقدح الأخيب.
وعن أبي صالح الحنفي قال: رأيت عليا عليه السلام يخطب، وقد وضع المصحف على رأسه، حتى رأيت الورق يتقعقع على رأسه قال، فقال: اللهم قد منعوني ما فيه، فأعطني ما فيه، اللهم قد أبغضتهم وأبغضوني، ومللتهم وملوني وحملوني على غير خلقي وطبيعتي وأخلاق لم تكن تعرف لي.
اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني. اللهم أمث قلوبهم ميث الملح في الماء.
وعن سعد بن إبراهيم عن ابن أبي رافع قال: رأيت عليا عليه السلام قد ازدحموا عليه حتى أدموا رجله، فقال: اللهم قد كرهتهم وكرهوني، فأرحني منهم، وأرحهم مني.
وروى محمد بن فرات الجرمي، عن زيد بن علي عليه السلام قال:
قال علي عليه السلام في هذه الخطبة:
أيها الناس! إني دعوتكم إلى الحق فتوليتم عني وضربتكم بالدرة فأعييتموني. أما إنه سيليكم بعدي ولاة لا يرضون منكم بذلك حتى يعذبونكم بالسياط والحديد، فأما أنا فلا أعذبكم بهما، إنه من عذب الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة، وآية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتى يحل بين أظهركم، فيأخذ العمال وعمال العمال رجل يقال له: يوسف بن عمر، ويقوم عند ذلك رجل منا أهل البيت فانصروه، فإنه داع إلى الحق.
قال: فكان الناس يتحدثون أن ذلك الرجل هو زيد [عليه السلام]. بيان: أحمشته: أي أغضبته. والمستصرخ المستنصر. والمتغوث: القائل: وا غوثاه.
والثار: الدم والطلب به، وقاتل حميمك. ذكره الفيروزآبادي.
والجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته، وأكثر ما يكون ذلك عند الإعياء والتعب. والسرر: داء يأخذ البعير في سرته، يقال منه: جمل أسر. والنضو:
البعير المهزول. والأدبر: الذي به دبر وهي القروح في ظهره. والجنيد: تصغير الجند.
وقال السيد الرضي رضي الله عنه: " متذائب ": أي مضطرب، من قولهم تذاءبت الريح أي: اضطرب هبوبها، ومنه سمي الذئب لاضطراب مشيه.
أقول: أورد السيد في النهج قوله عليه السلام: " ألا إني منيت - إلى قوله - وهم ينظرون ".
906 - وقال ابن أبي الحديد نقلا من كتاب الغارات، لإبراهيم بن محمد الثقفي - ووجدته في أصل كتابه أيضا - روى بإسناده عن عمرو بن محصن:
أن معاوية لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر، بعث عبد الله بن عامر الحضرمي إلى أهل البصرة ليدعوهم إلى نفسه، وإلى الطلب بدم عثمان، فلما أتاهم وقرأ عليهم كتاب معاوية اختلفوا، فبعضهم ردوا، وأكثرهم قبلوا وأطاعوا. وكان الأمير يومئذ بالبصرة، زياد بن عبيد، قد استخلفه عبد الله بن العباس، وذهب إلى علي عليه السلام يعزيه عن محمد بن أبي بكر، فلما رأى زياد إقبال الناس على ابن الحضرمي، استجار من الأزد ونزل فيهم، وكتب إلى ابن عباس وأخبره بما جرى، فرفع ابن عباس ذلك إلى علي عليه السلام، وشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك، واختلف أصحابه عليه السلام فيمن يبعثه إليهم حمية فقال عليه السلام:
تناهوا أيها الناس، وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاوي، ولتجتمع كلمتكم، وألزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متباغضين متفرقين فألف بينكم بالإسلام، فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم، فلا تتفرقوا بعد إذ اجتمعتم، ولا تباغضوا بعد إذ تحاببتم، وإذا رأيتم الناس وبينهم النايرة وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ووجوههم بسيوفكم، حتى يفزعوا إلى الله وكتابه وسنة نبيه، فأما تلك الحمية فإنها من خطوات الشياطين فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا وتنجحوا.
ثم قال ابن أبي الحديد: وروى الواقدي أن عليا عليه السلام استنفر بني تميم أياما، لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي، ويرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها، فلم يجبه أحد فخطبهم وقال:
ليس من العجب أن ينصرني الأزد ويخذلني مضر. وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي، وخلاف تميم البصرة علي، وأن استنجد بطائفة منهم ما يشخص إلي أحد منها فيدعوهم إلى الرشاد، فإن أجابت وإلا فالمنابذة والحرب.
فكأني أخاطب صما بكما لا يفقهون حوارا، ولا يجيبون نداءا، كل ذلك جنبا عن البأس وحبا للحياة.
[و] لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما، ومضيا على اللقم، وصبرا على مضض الألم، وجدا في جهاد العدو.
ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا. فلما رأى الله صدقنا، أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه، ومتبوئا أوطانه. ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دما، ولتتبعنها ندما.
قال: فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي، فقال: أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب، فأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي، أو إخراجه عن البصرة.
فأمره بالتهيؤ للشخوص، فشخص حتى قدم البصرة.
رجعنا إلى رواية الثقفي، قال إبراهيم: فلما قدمها دخل على زياد وهو
بالأهواز مقيم، فرحب به وأجلسه إلى جانبه، فأخبره بما قال له علي عليه السلام، وإنه ليكلمه إذ جاءه كتاب من علي فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين، علي إلى زياد بن عبيد: سلام عليك، أما بعد، فإني قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فارقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظن به، وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش، فهو ما نحب، وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان، فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم، فإن ظفرت فهو ما ظننت، وإلا فطاولهم وماطلهم، فكأن كتائب المسلمين قد أظلت عليك، فقتل الله الظالمين المفسدين، ونصر المؤمنين المحقين والسلام. فلما قرأه زياد، أقرأه أعين بن ضبيعة فقال له: إني لأرجو أن تكفي هذا الأمر إن شاء الله.
ثم خرج من عنده فأتى رحله، فجمع إليه رجالا من قومه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا قوم على ما ذا تقتلون أنفسكم، وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء والأشرار؟ وإني والله ما جئتكم حتى عبأت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحق نقبل منكم، ونكف عنكم، وإن أبيتم فهو والله استيصالكم وبواركم.
فقالوا: بل نسمع ونطيع فقال: انهضوا اليوم على بركة الله، فنهض بهم على جماعة ابن الحضرمي، فخرجوا إليه فصافوه، وواقفهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول: يا قوم لا تنكثوا بيعتكم، ولا تخالفوا إمامكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم. فكفوا عنه، وهم في ذلك يشتمونه.
فانصرف عنهم وهو منهم منتصف فلما آوى إلى رحله، تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج، فضربوه بأسيافهم وهو على فراشه، لا يظن أن الذي كان يكون، فخرج يشتد عريانا فلحقوه في الطريق فقتلوه.
فكتب زياد إلى علي عليه السلام ما وقع. وكتب: إني أرى أن تبعث إليهم جارية بن قدامة، فإنه نافذ البصيرة، ومطاع العشيرة، شديد على عدو أمير المؤمنين عليه السلام، فلما قرأ عليه السلام الكتاب، دعا جارية فقال: يا ابن قدامة تمنع الأزد عن عاملي وبيت مالي وتشاقني مضر وتنابذني، وبنا ابتدأها الله بالكرامة، وعرفها الهدى، وتدعو إلى المعشر الذين حادوا الله ورسوله وأرادوا إطفاء نور الله سبحانه حتى علت كلمته عليهم وأهلك الكافرين.
فروى إبراهيم بإسناده عن كعب بن قعين قال: خرجت مع جارية من الكوفة في خمسين رجلا من بني تميم، وما كان فيهم يماني غيري، وكنت شديد التشيع، فقلت لجارية: إن شئت كنت معك، وإن شئت ملت إلى قومي. فقال: بل سر معي، فوالله لوددت أن الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس.
فلما دخلنا البصرة، بدأ بزياد فرحب به وأجلسه إلى جانبه، وناجاه ساعة وساءله ثم خرج فقام في الأزد فقال: جزاكم الله من حي خيرا، ثم قرأ عليهم وعلى غيرهم كتاب أمير المؤمنين فإذا فيه:
من عبد الله أمير المؤمنين، إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم، أما بعد، فإن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة، ولا يأخذ المذنب عند أول وهلة، ولكنه يقبل التوبة، ويستديم الأناة، ويرضى بالإنابة، ليكون أعظم للحجة، وأبلغ في المعذرة.
وقد كان من شقاق جلكم أيها الناس، ما استحققتم أن تعاقبوا عليه، فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم وقبلت من مقبلكم، وأخذت
بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي وتستقيموا على طاعتي، أعمل فيكم بالكتاب وقصد الحق، وأقيم فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أن واليا بعد محمد صلى الله عليه وآله أعلم بذلك مني، ولا أعمل. أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى، ولا منتقصا لأعمالهم.
وإن خطت بكم الأهواء المردية، وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي، فها أنا ذا قربت جيادي، ورحلت ركابي. وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم، لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق، وإني لظان إن شاء الله أن لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
وقد قدمت هذا الكتاب حجة عليكم، وليس أكتب إليكم من بعده كتابا إن أنتم استغششتم نصيحتي، ونابذتم رسولي، حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله والسلام.
فلما قرئ الكتاب على الناس، قام صبرة بن شيمان فقال: سمعنا وأطعنا ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم. إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك.
وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك، فلم يأذن [جارية] لأحد أن يسير معه ومضى نحو بني تميم وكلمهم فلم يجيبوه، وخرج منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه، فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم [و] يأمرهم أن يسيروا إليه فسارت الأزد بزياد.
وخرج إليهم ابن الحضرمي فاقتتلوا ساعة، واقتتل شريك بن الأعور الحارثي، وكان من شيعة علي عليه السلام وصديقا لجارية [فقال له: ألا أقاتل معك عدوك؟ فقال: بلى. فقاتلهم.] فما لبث بنو تميم أن هزموهم واضطروهم إلى دار سنبل السعدي، فحصروا ابن الحضرمي فيها، وأحاط جارية وزياد بالدار وقال جارية: علي بالنار. فقالت الأزد: لسنا من الحريق في شئ، وهم قومك
وأنت أعلم. فحرق جارية الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عثمان القرشي. وسارت الأزد بزياد حتى أوطأوا قصر الامارة ومعه بيت المال، وقالت له: هل بقي علينا من جوارك شئ. قال: لا.
فانصرفوا عنه.
وكتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد، فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره، وأعانه من الأزد ففضه واضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتى حكم الله بينهما، فقتل ابن الحضرمي وأصحابه، منهم من أحرق، ومنهم من ألقي عليه جدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف، وسلم منهم نفر ثابوا وتابوا فصفح عنهم وبعدا لمن عصى وغوى، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فلما وصل الكتاب قرأه عليه السلام على الناس فسر بذلك وسر أصحابه وأثنى على جارية وعلى الأزد وذم البصرة فقال: إنها أول القرى خرابا، إما غرقا وإما حرقا، حتى يبقى مسجدها كجؤجؤة سفينة. 907 - نهج: ومن كلام له عليه السلام لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين وأعتقهم فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام: قبح الله مصقلة، فعل فعل السادة وفر فرار العبيد، فما أنطق مادحه حتى أسكته، ولا صدق واصفه حتى
بكته، ولو أقام لأخذنا ميسوره وانتظرنا له وفوره.
بيان:
أقول قد مضى هذا الكلام ومضت قصته في أبواب أحوال الخوارج.
وقال الشراح: بنو ناجية ينسبون أنفسهم إلى قريش، وقريش تدفعهم عنه وينسبونهم إلى ناجية، وهي أمهم، وقد عدوا من المبغضين لعلي عليه السلام.
واختلف الرواية في سبيهم، ففي بعضها أنه لما انقضى أمر الجمل دخل أهل البصرة في الطاعة غير بني ناجية، فبعث إليهم علي عليه السلام رجلا من الصحابة في خيل ليقاتلهم، فأتاهم وقال لهم: ما لكم عسكرتم وقد دخل في الطاعة غيركم؟ فافترقوا ثلاث فرق:
فرقة قالوا: كنا نصارى فأسلمنا ونبايع، فأمرهم فاعتزلوا.
وفرقة قالوا: كنا نصارى فلم نسلم وخرجنا مع القوم الذين كانوا خرجوا، قهرونا فأخرجونا كرها فخرجنا معهم فهزموا، فنحن ندخل فيما دخل الناس فيه، ونعطيكم الجزية كما أعطيناهم. فقال: اعتزلوا، فاعتزلوا.
وفرقة قالوا: كنا نصارى فأسلمنا ولم يعجبنا الإسلام فرجعنا فنعطيكم الجزية كالنصارى. فقال لهم: توبوا وارجعوا إلى الإسلام. فأبوا، فقاتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، فقدم بهم على أمير المؤمنين عليه السلام.
وفي بعضها: أن الأمير من قبل علي عليه السلام كان معقل بن قيس، ولما انقضى أمر الحرب لم يقتل من المرتدين من بني ناجية إلا رجلا واحدا ورجع الباقون إلى الإسلام، واسترق من النصارى منهم الذين ساعدوا في الحرب وشهروا السيف على جيش الإمام، ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل لعلي عليه السلام على أردشيرخرة، وهم خمسمائة
إنسان، فبكت إليه النساء والصبيان، وتصايح الرجال وسألوا أن يشتريهم ويعتقهم، فابتاعهم بخمسمائة ألف درهم. فأرسل إليه أمير المؤمنين أبا حرة الحنفي ليأخذ منه المال، فأدى إليه مائتي ألف درهم وعجز عن الباقي فهرب إلى معاوية. فقيل له عليه السلام: أردد الأسارى في الرق. فقال: ليس ذلك في القضاء بحق، قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم، وصار مالي دينا عليه.
أقول: فعلى الرواية الأولى كانوا من المرتدين عن الإسلام ولا يجوز سبي ذراريهم عندنا وعند الجمهور أيضا، إلا أن أبا حنيفة قال بجواز استرقاق المرأة المرتدة إذا لحقت بدار الحرب.
وأيضا ما فيها من أنه قدم بالأسارى إلى علي عليه السلام، يخالف المشهور من اشتراء مصقلة عن عرض الطريق وقد قال بعض الأصحاب:
بجواز سبي البغاة، إلا أن الظاهر أنه مع إظهار الكفر والارتداد لا يبقى حكم البغي. والصحيح ما في الرواية الثانية من أن الأسارى كانت من النصارى.
[قوله:] " وخاس به ": أي: غدر وخاف. وخاس بالوعد: أي: أخلف.
" وقبحه الله ": أي: نحاه عن الخير. والسادة: جمع السيد ويطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومتحمل الأذى من قومه والرئيس والمقدم. قوله عليه السلام: " حتى أسكته " قيل: كلمة " حتى " تحتمل أن تكون بمعنى اللام، أي : أنه لم ينطق مادحه ليقصد إسكاته بهربه، فإن إسكاته لو قصد لا يتصور إلا بعد إنطاقه، وهو لم يتمم فعله الذي يطلب به إنطاق مادحه، فكيف يقصد إسكاته بهربه؟ ويحتمل أن يكون المراد أنه لسرعة اتباعه الفضيلة بالرذيلة، كأنه جمع بين غايتين متنافيتين.
والتبكيت: التقريع والتعنيف والتوبيخ واستقبال الرجل بما يكره.
والميسور: ما تيسر. وقيل هو مصدر على مفعول. وقيل: الغنى والسعة.
والوفور بالضم مصدر وفر المال، ككرم ووعد، أي: تم وزاد. وفي بعض النسخ:
" موفوره " وهو الشئ التام، أي انتظرنا حصول الموفور في يده. والغرض دفع عذره في الهرب وهو توهم التشديد عليه.
908 - نهج: ومن خطبة له عليه السلام:
اللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة، والمصلحة في الدين والدنيا غير المفسدة، فأبى بعد سمعه لها إلا النكوص عن نصرتك، والإبطاء عن إعزاز دينك، فإنا نستشهدك عليه يا أكبر الشاهدين شهادة، ونستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك وسماواتك، ثم أنت بعد، المغني عن نصره والآخذ له بذنبه.
بيان:
قال ابن ميثم: هذا الفصل من خطبة كان يستنهض عليه السلام بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام، قاله بعد تقاعد أكثرهم عن معاوية.
و " ما " في " أيما " زائدة مؤكدة. وفي وصف المقالة بالعادلة توسع.
والنكوص: الرجوع قهقهرى. " فإنا نستشهدك ": أي: نسألك أن تشهد عليه.
" ثم أنت بعد " أي بعد تلك الشهادة عليه.
909 نهج: من كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد:
والله مستأديكم شكره، ومورثكم أمره، وممهلكم في مضمار ممدود لتتنازعوا سبقه. فشدوا عقد المآزر، واطووا فضول الخواصر، لا تجتمع عزيمة ووليمة! ما أنقض النوم لعزائم اليوم، وأمحى الظلم لتذاكير الهمم.
توضيح الاستيداء: طلب الأداء. والأمر هو الملك والغلبة، كما قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) الآية.
والمضمار: مدة تضمير الفرس وموضعه. وفسر بالميدان أيضا. والمراد مدة التكليف والحياة أو دار الدنيا. والسبق بالفتح كما في النسخ: المصدر.
وبالتحريك: ما يتراهن عليه. والضمير راجع إليه سبحانه كالسوابق، أو إلى المضمار .
والعقد: جمع العقدة بالضم، وهي موضع العقد. قال ابن أبي الحديد: أي:
شمروا عن ساق الاجتهاد. ويقال لمن يوصى بالجد والتشمير: اشدد عقدة إزارك. لأنه إذا شدها كان أبعد من العثار وأسرع للمشي.
وقوله: " واطووا فضول الخواصر ": نهي عن كثرة الأكل، لأن الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره، والقليل الأكل يأكل في بعضها ويطوي بعضها. انتهى.
وقيل: من شرع في أمر بجد واجتهاد يطوي ما فضل من إزراره، ويلتف بقدميه في خاصرته، ويجعله محكما فيها. فهذه أيضا كناية عن الجد والاجتهاد.
وقال الكيدري: وجدت في نسخة صحيحة " اطروا فضول الخواصر ".
والطر: الشق والقطع، أي: اقطعوا من ثيابكم ما فضل ويزاد على بدنكم. وهو كناية عن المبالغة في التشمير عن ساق الجد. انتهى.
والوليمة: طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة، والمعنى: إن العزيمة الجازمة تنافي الاشتغال بالملاذ، ولا تنال المطالب الجليلة إلا بركوب المشاق.
" وما أنقض النوم لعزائم اليوم ": كثيرا ما يعزم الإنسان في النهار على المسير والارتحال في الليلة المستقبلة لتقريب المنزل، فإذا جاء الليل نام واستراح وشق عليه القيام، أي: ففاته ما عزم عليه من السير، أو المراد فوت ما عزم عليه من مهمات الأمور في يومه بنوم الليلة التي قبله.
" والتذاكير ": جمع التذكار بالفتح، وهو الذكر والحفظ للشئ. والمعنى ما
أكثر ما يهم الإنسان ويعزم على السير بالليل، فإذا أدركته ظلمة الليل، نام ومال إلى الراحة ونسي ما عزم عليه، فانمحى واضمحل ما همه.
910 - 911 - كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي عن محمد بن إسماعيل، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن أبي الوداك: أن علي بن أبي طالب عليه السلام لما فرغ من حرب الخوارج، قام في الناس بنهروان خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
أما بعد، فإن الله قد أحسن بكم وأحسن نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام.
فقاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا ، ارجع بنا إلى مصرنا نستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا، فإنه أقوى لنا على عدونا.
وكان الذي ولي كلام الناس يومئذ الأشعث بن قيس.
وعن إبراهيم بن العباس عن ابن المبارك البجلي [عن بكر بن عيسى] عن الأعمش عن المنهال بن عمرو [عن قيس بن السكن أنه] قال: سمعت عليا عليه السلام يقول ونحن بمسكن: يا معشر المهاجرين " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " [21 - المائدة: 5] فبكوا [فتلكأوا " خ ل "] وقالوا: البرد شديد. وكان غزاتهم في البرد.
فقال: إن القوم يجدون البرد كما تجدون. قال: فلم يفعلوا وأبوا، فلما رأى ذلك منهم قال: أف لكم، إنها سنة جرت عليكم.
وسمعت أصحابنا عن أبي عوانة عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال: قال علي عليه السلام: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " فاعتلوا عليه فقال: أف لكم، إنها سنة جرت.
وعن إبراهيم بن العباس عن ابن المبارك عن بكر بن عيسى عن عمر ابن عمير الهجري عن طارق بن شهاب: أن عليا عليه السلام انصرف من حرب النهروان، حتى إذا كان في بعض الطريق نادى في الناس فاجتمعوا، فحمد الله وأثنى عليه ورغبهم في الجهاد ودعاهم إلى المسير إلى الشام من وجهه ذلك، فأبوا وشكوا البرد والجراحات، وكان أهل النهروان قد أكثروا الجراحات في الناس.
فقال: إن عدوكم يألمون كما تألمون، ويجدون البرد كما تجدون!! فأعيوه وأبوا، فلما رأى كراهيتهم، رجع إلى الكوفة وأقام بها أياما وتفرق عنه ناس كثير من أصحابه، فمنهم من أقام يرى رأي الخوارج، ومنهم من أقام شاكا في أمرهم.
وعن محمد بن إسماعيل عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير ابن وعلة عن أبي الوداك قال: لما أكره علي الناس على المسير إلى الشام أقبل بهم حتى نزل النخيلة، وأمر الناس أن ينزلوا معسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم.
وبهذا الإسناد عن أبي الوداك: أن الناس [أ] قاموا بالنخيلة مع علي عليه السلام أياما، ثم أخذوا يتسللون ويدخلون المصر. فنزل وما معه من الناس إلا رجال من وجوههم قليل، وترك المعسكر خاليا، فلا من دخل الكوفة خرج إليه، ولا من أقام معه صبر!! فلما رأى ذلك دخل الكوفة في استنفاره الناس.
وعن محمد بن إسماعيل عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير العبسي قال: مر علي عليه السلام على الشغار من همدان فاستقبله قوم فقالوا:
أقتلت المسلمين بغير جرم، وداهنت في أمر الله، وطلبت الملك، وحكمت الرجال في دين الله؟ لا حكم إلا لله. فقال عليه السلام: حكم الله في رقابكم، ما يحبس أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم، إني ميت أو مقتول، بل قتلا، ثم جاء حتى دخل القصر.
وعن إبراهيم بن قادم عن شريك عن شعيب بن غرقدة عن المستظل ابن حصين قال، قال علي عليه السلام: يا أهل الكوفة، والله لتجدن ولتقاتلن على طاعته، أو ليسوسنكم قوم أنتم أقرب إلى الحق منهم فليعذبنكم وليعذبنهم الله.
وعن محمد بن إسماعيل عن يزيد بن معدل عن ابن وعلة عن أبي الوداك قال: لما تفرق الناس عن علي بالنخيلة ودخل الكوفة، جعل يستفزهم على جهاد أهل الشام حتى بطلت الحرب تلك السنة.
وعن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام قال للناس وهو أول كلام له بعد النهروان وأمور الخوارج التي كانت فقال:
يا أيها الناس! استعدوا إلى عدو في جهادهم القربة من الله، وطلب الوسيلة إليه، حيارى عن الحق لا يبصرونه، وموزعين بالكبر والجور، لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكعون في غمرة الضلال، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا، وكفى بالله نصيرا.
قال: فلم ينفروا ولم ينتشروا، فتركهم أياما حتى أيس من أن يفعلوا،
ودعا رؤوسهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذي يثبطهم، فمنهم المعتل ومنهم المنكر وأقلهم النشيط، فقام فيهم ثانية فقال:
عباد الله! ما لكم إن أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ثوابا؟ وبالذل والهوان من العز خلفا؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة، يرتج عليكم [حواري] فتبكون، فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون، لله أنتم! ما أنتم إلا اسود الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون، ما أنتم بركن يضال به ولا زوافر عز يعتصم إليها.
لعمر الله لبئس حشاش نار الحرب أنتم. إنكم تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. إن أخا الحرب اليقظان، أودى من غفل، ويأتي الذل من وادع، غلب المتخاذلون والمغلوب مقهور ومسلوب.
أما بعد، فإن لي عليكم حقا ولكم علي حق، فأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم.
وأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، والتوفير عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تحبون وتدركوا ما تأملون.
وعن الفضل بن دكين عن أبي عاصم الثقفي عن أبي عون الثقفي قال:
جاءت امرأة من بني عميس [عبس " خ "] وعلي عليه السلام على المنبر فقالت:
يا أمير المؤمنين ثلاث بلبلن القلوب [عليك] قال: وما هن؟ قالت: رضاؤك بالقضية، وأخذك بالدنية، وجزعك عند البلية. قال: ويحك إنما أنت امرأة، انطلقي فاجلسي على ذيلك. قالت: لا والله ما من جلوس إلا في ظلال السيوف.
وبإسناده عن بكر بن عيسى: أن عليا عليه السلام كان يخطب الناس ويحضهم على المسير إلى معاوية وأهل الشام، فجعلوا يتفرقون عنه، ويتثاقلون عليه ويعتلون بالبرد مرة وبالحر أخرى.
وبإسناده عن [قيس بن] أبي حازم قال: سمعت عليا عليه السلام يقول:
يا معشر المسلمين، يا أبناء المهاجرين! انفروا إلى أئمة الكفر وبقية الأحزاب وأولياء الشيطان ، انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا!!!
فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة، إنه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا.
قال إبراهيم: وحدثنا بهذا الكلام من قول أمير المؤمنين عليه السلام غير واحد من العلماء.
وعن إسماعيل بن أبان الأزدي عن عمرو بن شمر عن جابر عن رفيع عن فرقد البجلي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: ألا ترون يا معاشر أهل الكوفة؟ والله لقد ضربتكم بالدرة التي أعظ بها السفهاء فما أراكم تنتهون، ولقد ضربتكم بالسياط التي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون، فما بقي إلا سيفي، وإني لأعلم الذي يقومكم بإذن الله، ولكني لا أحب أن آتي تلك منكم.
والعجب منكم ومن أهل الشام، إن أميرهم يعصي الله وهم يطيعونه، وإن أميركم يطيع الله وأنتم تعصونه!
إن قلت لكم: انفروا إلى عدوكم [في أيام الحر، قلتم هذه حمارة القيظ. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء] قلتم القر يمنعنا. أفترون عدوكم لا يجدون القر كما تجدونه؟ ولكنكم أشبهتم قوما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: انفروا في سبيل الله فقال كبراؤهم: لا تنفروا في الحر. فقال الله لنبيه:
(قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) [81 / التوبة: 9].
والله لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بحذافيرها على الكافر ما أحبني، وذلك أنه قضي فانقضى على لسان النبي الأمي: " أنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك كافر " وقد خاب من حمل ظلما وافترى. يا معاشر أهل الكوفة، والله لتصبرن على قتال عدوكم، أو ليسلطن الله عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم، فليعذبنكم وليعذبنهم الله بأيديكم أو بما شاء من عنده. أفمن قتلة بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش؟ فاشهدوا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله [يقول:] " موتة على الفراش أشد من ضربة ألف سيف أخبرني به جبرائيل " فهذا جبرائيل يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما تسمعون.
وعن محرز بن هشام عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة الضبي قال:
كان أشراف أهل الكوفة غاشين لعلي، وكان هواهم مع معاوية، وذلك أن عليا عليه السلام كان لا يعطي أحدا من الفئ أكثر من حقه، وكان معاوية جعل الشرف في العطاء ألفي درهم.
وعن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه: أن أهل دومة الجندل من كلب لم
يكونوا في طاعة علي عليه السلام ولا معاوية، وقالوا: نكون على حالنا حتى يجتمع الناس على إمام. قال: فذكرهم معاوية مرة فبعث إليهم مسلم بن عقبة فسألهم الصدقة وحاصرهم، فبلغ ذلك عليا عليه السلام فبعث إلى مالك بن كعب فقال: استعمل على " عين التمر " رجلا وأقبل إلي. فولاها عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي وأقبل إلى علي عليه السلام فسرحه في ألف فارس، فما شعر مسلم بن عقبة إلا ومالك بن كعب إلى جنبه نازلا، فتواقفا قليلا ثم اقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل، حتى إذا كان من الغد صلى مسلم بأصحابه ثم انصرف، وقام مالك ابن كعب إلى دومة الجندل يدعوهم إلى الصلح عشرا فلم يفعلوا، فرجع إلى علي عليه السلام. وبإسناده عن أبي الكنود عن سفيان بن عوف الغامدي قال: دعاني معاوية فقال: إني باعثك في جيش كثيف فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها، فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم، وإلا فامض حتى تغير على الأنبار، فإن لم تجد بها جندا فامض حتى تغير على المدائن، ثم أقبل إلي واتق أن تقرب الكوفة، واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن، فكأنك أغرت على الكوفة، إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترهب قلوبهم، وتجرئ كل من كان له فينا هوى منهم، ويرى فراقهم، وتدعو إلينا كل من كان يخاف الدوائر، وخرب كل ما مررت به، واقتل كل من لقيت ممن ليس هو على رأيك، وحرب الأموال فإنه شبيه بالقتل وهو أوجع للقلوب.
قال: فخرجت من عنده وعسكرت، وقام معاوية وندب الناس إلى ذلك، فما مرت بي ثلاثة حتى خرجت في ستة آلاف، ثم لزمت شاطئ الفرات فأسرعت السير حتى مررت بهيت، فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات، فمررت بها وما بها عريب. كأنها لم تحلل قط فوطئتها حتى مررت بصندوداء، فتنافروا فلم ألق بها أحدا، فمضيت حتى أفتتح الأنبار وقد أنذروا بي، فخرج إلي صاحب المسلحة فوقف لي، فلم أقدم عليه حتى أخذت غلمانا من أهل القرية فقلت لهم: خبروني كم بالأنبار من أصحاب علي؟ قالوا: عدة رجال المسلحة خمسمائة، ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة ولا ندري الذي يكون فيها قد يكون مائتي رجل. قال: فنزلت فكتبت أصحابي كتائب، ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة، فيقاتلونهم والله ويصبرون لهم ويطاردونهم في الأزقة! فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحوا من مائتين ثم أتبعتهم الخيل، فلما مشت إليهم الرجال وحملت عليهم الخيل فلم يكن إلا قليلا حتى تفرقوا وقتل صاحبهم في رجال من أصحابه، فأتيناه في نيف وثلاثين رجلا فحملنا ما كان في الأنبار من أموال أهلها ثم انصرفت، فوالله ما غزوت غزوة أسلم ولا أقر للعيون ولا أسر للنفوس منها، وبلغني والله أنها أفزعت الناس. فلما أتيت معاوية فحدثته الحديث على وجهه قال: كنت والله عند ظني بك. قال: فوالله ما لبثنا إلا يسيرا حتى رأيت رجال أهل العراق يأتون على الإبل هرابا من قبل علي عليه السلام.
وعن جندب بن عفيف قال: والله إني لفي جند الأنبار مع أشرس بن حسان البكري، إذ صبحنا سفيان في كتائب تلمع الأبصار منها، فهالونا والله، وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا بهم طاقة ولا يد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا، فلم يلقهم نصفنا ولم يكن لنا بهم طاقة. وأيم الله لقد قاتلناهم ثم إنهم
والله هزمونا، فنزل صاحبنا وهو يتلو (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) [23 / الأحزاب: 33] ثم قال لنا: من كان لا يريد لقاء الله ولا يطيب نفسا بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار.
ثم نزل في ثلاثين رجلا قال: فهممت والله بالنزول معه ثم إن نفسي أبت واستقدم هو وأصحابي فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله، فلما قتلوا أقبلنا منهزمين.
وبإسناده عن محمد بن مخنف: أن سفيان بن عوف لما أغار على الأنبار قدم علج من أهلها على علي عليه السلام فأخبره الخبر فصعد المنبر فقال:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.