پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج

ج ۳۴، ص ۳۳۴–۳۷۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۴ از ۱۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

وروى زرارة بن أعين عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: كان علي عليه السلام إذا صلى الفجر لم يزل معقبا إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس، فيعلمهم الفقه والقرآن. وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك، فقام يوما فمر برجل فرماه بكلمة هجر - قال ولم يسمه محمد بن علي - فرجع عوده على بدئه حتى صعد المنبر، وأمر فنودي الصلاة جامعة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس إنه ليس شئ أحب إلى الله ولا أعم نفعا من حلم إمام وفقهه، ولا شئ أبغض إلى الله ولا أعم ضررا من جهل إمام وخرقه.

ألا وإنه من لم يكن له من نفسه واعظ، لم يكن له من الله حافظ.

ألا وإنه من أنصف من نفسه، لم يزده الله إلا عزا.

ألا وإن الذل في طاعة الله أقرب إلى الله من التعزز في معصيته.

ثم قال: أين المتكلم آنفا. فلم يستطع الإنكار فقال: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين. فقال: أما إني لو أشاء لقلت. فقال: أو تعفو وتصفح فأنت أهل لذلك. فقال: عفوت وصفحت.

فقيل لمحمد بن علي عليه السلام: ما أراد أن يقول؟. قال: أراد أن ينسبه.

وروى زرارة أيضا قال: قيل لجعفر بن محمد عليه السلام: إن قوما هاهنا ينتقصون عليا عليه السلام. فقال: بم ينتقصونه لا أبا لهم؟! وهل فيه موضع نقيصة؟ والله ما عرض لعلي عليه السلام أمران قط كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقهما عليه!

ولقد كان يعمل العمل كأنه قائم بين الجنة والنار، ينظر إلى ثواب هؤلاء فيعمل له، وينظر إلى عقاب هؤلاء فينتهي له، وإن كان ليقوم إلى الصلاة فإذا

قال (وجهت وجهي) تغير لونه حتى [كان] يعرف ذلك في لونه.

ولقد أعتق ألف عبد من كد يده، يعرق فيه جبينه ويحفى فيه كفه. ولقد بشر بعين نبعت في ماله مثل عنق الجزور فقال: بشر الوارث، ثم جعلها صدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليصرف الله النار عن وجهه.

وروى القناد عن أبي مريم الأنصاري عن علي عليه السلام قال: لا يحبني كافر ولا ولد زنا.

قال: وروى أبو غسان النهدي قال: دخل قوم من الشيعة على علي في الرحبة وهو على حصير خلق فقال [لهم]: ما جاء بكم؟ قالوا: حبك يا أمير المؤمنين. قال: أما إنه من أحبني رآني حيث يحب أن يراني، ومن أبغضني رآني حيث يكره أن يراني.

ثم قال: ما عبد الله أحد قبلي إلا نبيه، ولقد هجم أبو طالب علينا وأنا وهو ساجدان فقال: أو فعلتموها؟ ثم قال لي: وأنا غلام: ويحك، انصر ابن عمك، ويحك لا تخذله. وجعل يحثني على مؤازرته ومكانفته.

وروى جابر الجعفي عن علي عليه السلام قال: من أحبنا أهل البيت فليستعد عدة للبلاء.

وروى أبو الأحوص عن أبي حيان عن علي عليه السلام [أنه] قال:

يهلك في رجلان: محب غال، ومبغض قال.

وروى حماد بن صالح، عن أيوب عن أبي كهمس عن علي عليه السلام قال:

يهلك في ثلاثة: اللاعن، والمستمع المقر، وحامل الوزر، وهو الملك المترف الذي يتقرب إليه بلعني، ويبرأ عنده من ديني، وينتقص عنده حسبي، وإنما

حسبي حسب رسول الله صلى الله عليه وآله وديني دينه.

وينجو في ثلاثة: من أحبني، ومن أحب محبي، ومن عادى عدوي.

فمن أشرب قلبه بغضي، أو ألب علي، أو تنقصني، فليعلم أن الله عدوه وجبرئيل، وأن الله عدو للكافرين.

وروى أبو صادق عن ربيعة بن ناجد عن علي عليه السلام قال:

قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: إن فيك لشبها من عيسى بن مريم، أحبته النصارى حتى أنزلته بالمنزلة التي ليست له، وأبغضته اليهود حتى بهتت أمه.

قال [ابن أبي الحديد]: وروى شيخنا أبو القاسم البلخي عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجبة قال بينا علي عليه السلام يخطب إذ قام أعرابي فصاح: وا مظلمتاه! فاستدناه علي عليه السلام فلما دنا [منه] قال [له]: إنما لك مظلمة واحدة، وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر!

قال: وفي رواية عباد بن يعقوب أنه دعاه فقال له: ويحك وأنا والله مظلوم، هات فلندع على من ظلمنا.

وروى سدير الصيرفي عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال:

اشتكى علي شكاية فعاده أبو بكر وعمر، وخرجا من عنده فأتيا النبي صلى

الله عليه وآله فسألهما من أين جئتما؟ قالا: عدنا عليا. قال: كيف رأيتماه؟ قالا:

رأيناه لما به. فقال: كلا إنه لن يموت حتى يوسع غدرا وبغيا، وليكونن في هذه الأمة عبرة يعتبر به الناس من بعدي.

وروى عثمان بن سعيد عن عبد الله الغنوي، أن عليا عليه السلام خطب بالرحبة فقال:

أيها الناس إنكم قد أبيتم إلا أن أقولها: فورب السماء والأرض إن من عهد النبي الأمي [إلي] " أن الأمة ستغدر بك بعدي ".

وروى هشيم بن بشير عن إبراهيم بن سالم مثله.

وروى أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ أو بقريب منه.

وروى أبو جعفر الإسكافي أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام فوجد عليا نائما فذهبت تنبهه فقال: دعيه فرب سهر له بعدي طويل، ورب جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة. فبكت [فاطمة] فقال لا تبكي فإنكما معي وفي موقف الكرامة عندي.

وروى الناس كافة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: هذا وليي وأنا وليه، عاديت من عاداه وسالمت من سالمه، أو نحو هذا اللفظ.

وروى محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن زيد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعلي عليه السلام: عدوك عدوي، وعدوي عدو الله عز وجل.

وروى يونس بن خباب عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب معنا، فمررنا بحديقة فقال علي: يا

رسول الله ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة! فقال: إن حديقتك في الجنة أحسن منها. حتى مررنا بسبع حدائق يقول علي عليه السلام ما قاله، ويجيبه رسول الله صلى الله عليه وآله بما أجابه.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وقف فوقفنا [حوله]، ووضع رأسه على رأس علي عليه السلام وبكى. فقال: ما يبكيك يا رسول الله قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني فقال: يا رسول الله أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءهم؟ قال: بل تصبر. قال: فإن صبرت؟ قال: تلاقي جهدا. قال أفي سلامة من ديني؟ قال: نعم قال: فإذا لا أبالي.

وروى جابر الجعفي عن محمد بن علي عليه السلام قال: قال علي عليه السلام:

ما رأيت مذ بعث الله محمدا رخاء، لقد أخافتني قريش صغيرا، وأنصبتني كبيرا، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانت الطامة الكبرى، والله المستعان على ما تصفون.

1157 - 1158 - ومن كتاب الغارات قال:

روى محمد بن إسماعيل البجلي عن عمرو بن موسى عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال: قال علي عليه السلام على المنبر:

ما أحد جرت عليه المواسي إلا وقد أنزل الله فيه قرآنا. فقام إليه رجل

من مبغضيه فقال له: فما أنزل الله تعالى فيك؟ فقام الناس إليه يضربونه فقال:

دعوه، أتقرأ سورة هود؟ قال : نعم. فقرأ علي عليه السلام: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) [17 / هود: 11] ثم قال: " الذي كان على بينة من ربه " محمد صلى الله عليه وآله، الشاهد الذي يتلوه أنا.

وروى عثمان بن سعيد عن عبد الله بن بكير عن حكيم بن جبير قال:

خطب علي عليه السلام فقال في أثناء خطبته:

أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلا كذاب. ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الأمة، وأنا خاتم الوصيين.

فقال رجل من عبس: من لا يحسن أن يقول مثل هذا!!؟ فلم يرجع إلى أهله حتى جن وصرع. فسألوهم هل رأيتم به عرضا قبل هذا؟ قالوا: وما رأينا به قبل هذا عرضا.

وروى عثمان بن سعيد عن شريك بن عبد الله قال: لما بلغ عليا عليه السلام الناس يتهمونه فيما يذكره من تقديم النبي صلى الله عليه وآله [إياه] وتفضيله على الناس قال:

أنشد الله من بقي ممن لقي رسول الله صلى الله عليه وآله، وسمع مقالته في يوم غدير خم إلا قام فتشهد بما سمع.

فقام ستة ممن عن يمينه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله [وشهدوا] أنهم سمعوه يقول ذلك اليوم - وهو رافع بيد علي -: من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه.

1159 - نهج: [و] قال أمير المؤمنين عليه السلام:

نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي.

بيان:

النمرقة: وسادة صغيرة، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة.

قال ابن أبي الحديد: والمعنى إن آل محمد صلى الله عليه وآله هم الأمر الأوسط بين الطرفين المذمومين، فكل من جاوزهم فالواجب أن [يرجع إليهم، وكل من قصر عنهم فالواجب أن] يلحق بهم.

واستعار لفظ النمرقة لهذا المعنى من قولهم: ركب فلان من الأمر منكرا، وقد ارتكب الرأي الفلاني، فكأن ما يراه الإنسان مذهبا يرجع إليه، يكون كالراكب والجالس عليه.

ويجوز أن يكون لفظ " الوسطى " يراد به الفضلى، يقال: هذه هي الطريقة الوسطى، والخليفة الوسطى: أي الفضلى، ومنه قوله تعالى: (قال أوسطهم) [28 / القلم:] ومنه: (جعلناكم أمة وسطا) [143 / البقرة: 2].

وقال ابن ميثم: وجه الاستعارة، أن أئمة الحق مستند للخلق في تدبير معاشهم ومعادهم انتهى.

ويمكن أن يقال لما كان الصدر في النمارق المصفوفة هي الوسطى، فلذا وصفها بها.

1160 - 1161 - نهج: [و] قال علي عليه السلام:

ما شككت في الحق مذ أريته.

وقال عليه السلام: ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضل بي.

1162 - نهج: [و] قال علي عليه السلام:

لا يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له.

بيان:

قال ابن أبي الحديد: لعل هذه الكلمة قالها في جواب سائل سأله: لم أخرت المطالبة لحقك من الإمامة؟ فقال عليه السلام: لا يعاب المرء بتأخير استيفاء حقه. ولما كان حق الإمامة غير مختص به، لأن مصالح المسلمين كانت منوطة بها فلا بد من إضمار في الكلام: أي إذا كان هناك مانع من طلبه، انتهى.

ويمكن حمله على الحقوق الخالصة كالانتقام ونحوه واسترداد فدك ومثله.

1163 - نهج: [و] سئل عليه السلام عن قريش فقال:

أما بنو مخزوم فريحانة قريش، تحب حديث رجالهم والنكاح في نسائهم، وأما بنو عبد شمس فأبعدها رأيا وأمنعها لما وراء ظهورها، وأما نحن فأبذل لما في أيدينا، وأسمح عند الموت بنفوسنا، وهم أكثر وأمكر وأنكر، ونحن أفصح وأنصح وأصبح.

بيان:

قال ابن ميثم: فلان بعيد الرأي، إذا كان يرى المصلحة من بعيد لقوة رأيه. و [قوله عليه السلام:] و " أمنعها لما وراء ظهورها " كناية عن حميتهم.

و [قال ابن الأثير] في النهاية: النكر - بالضم -: الدهاء والأمر المنكر.

[قوله عليه السلام:] " وأصبح ": أي أحسن وجوها وأجمل، وألقى للناس بالطلاقة والبشر.

1164 - نهج: [و] قال عليه السلام - وقد رئي عليه إزار خلق مرفوع فقيل له في ذلك فقال:

يخشع له القلب، وتذل به النفس، وتذل به النفس ويقتدي به المؤمنون.

1165 - [نهج:] ومدحه قوم في وجهه فقال:

اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون.

1166 - وقال [عليه السلام] لرجل أفرط في الثناء عليه - وكان له

متهما -:

أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.

1167 - وقال عليه السلام: يهلك في رجلان: محب مطر، وباهت مفتر.

[قال السيد الرضي رحمه الله:] وهذا مثل قوله عليه السلام: يهلك في اثنان محب غال، ومبغض قال.

1168 - نهج: وقال عليه السلام:

لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني، وذلك إنه قضى فانقضى على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله إنه قال: لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق.

بيان:

الخيشوم: أقصى الأنف. والجمة: المكان الذي يجتمع فيه الماء.

1169 - دعوات الراوندي: عن ربيعة بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالتزموا علي ابن أبي طالب عليه السلام.

ومنه في كلام أبي جعفر عليه السلام وقد سأله حمران عما أصيب به أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم

حتى قتلوا وغلبوا؟ وقال عليه السلام: ولو أنهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله دفع ذلك عنهم لدفع [الله ذلك عنهم] ثم كان انقضاء مدة الطواغيت وذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد وما كان الذي أصابهم يا حمران لذنب اقترفوه ولا لعقوبة من معصية خالفوا الله فيها ولكن لمنازل وكرامة أراد [الله] أن يبلغهم إياها فلا يذهبن بك المذاهب فيهم.

ومنه قال: لما نزل أمير المؤمنين النهروان سأل عن جميل بن بصيهري كاتب [أ] نوشيروان فقيل: إنه بعد حي يرزق فأمر بإحضاره فلما حضر وجد حواسه كلها سالمة إلا البصر، و [وجد] ذهنه صافيا وقريحته تامة فسأله كيف ينبغي للإنسان يا جميل أن يكون! قال: يجب أن يكون قليل الصديق كثير العدو. قال: أبدعت يا جميل فقد أجمع الناس على أن كثرة الأصدقاء أولى.

فقال ليس الأمر على ما ظنوا فإن الأصدقاء إذا كلفوا السعي في حاجة الإنسان لم ينهضوا بها كما يجب وينبغي والمثل فيه [هو قولهم] " من كثرة الملاحين غرقت السفينة " فقال أمير المؤمنين قد امتحنت هذا فوجدته صوابا فما منفعة كثرة الأعداء! فقال: إن الأعداء إذا كثروا يكون الإنسان أبدا متحرزا متحفظا أن ينطق بما يؤخذ عليه أو تبدر منه زلة يؤخذ عليها فيكون أبدا على هذه الحالة سليما من الخطايا والزلل. فاستحسن ذلك [منه] أمير المؤمنين عليه السلام.

1170 - نهج: [و] سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن أشعر الشعراء! فقال: إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عن قصبتها؟ فإن كان ولا بد فالملك الضليل.

قال السيد [الرضي]: رحمه الله: يريد [عليه السلام من قوله: " الملك

الضليل "] امرء القيس.

1171 - أقول: قال ابن أبي الحديد: [قرأت] في أمالي ابن دريد قال:

أخبرني الجرموزي عن ابن المهلبي عن ابن الكلبي عن شداد بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن العنبري عن ابن عرادة قال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعشي الناس في شهر رمضان اللحم ولا يتعشى معهم فإذا فرغوا خطبهم ووعظهم فأفاضوا ليلة في الشعراء وهم على عشائهم فلما فرغوا خطبهم عليه السلام وقال في خطبته: اعلموا أن ملاك أمركم الدين وعصمتكم التقوى وزينتكم الأدب وحصون أعراضكم الحلم.

ثم قال: قل يا أبا الأسود فيما كنتم تفيضون فيه أي الشعراء أشعر!

فقال: يا أمير المؤمنين [أشعر الشعراء] الذي يقول:

ولقد أغتدي يدافع ركني * أعوجي ذو ميعة إضريج مخلط مزيل معن مفن * منفح مطرح سبوح خروج يعني أبا داود الأيادي. فقال عليه السلام: ليس به. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين! فقال: لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معا علمنا من السابق منهم ولكن إن يكن فالذي لم يقل عن رغبة ولا رهبة. قيل: من هو يا أمير المؤمنين!

قال: هو الملك الضليل ذو القروح. قيل: امرء القيس يا أمير المؤمنين! قال: هو.

قيل: فأخبرنا عن ليلة القدر ! قال: ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستر علمها ولست أشك أن الله إنما يسترها عنكم نظرا لكم لأنه لو أعلمكموها عملتم فيها وتركتم غيرها وأرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله انهضوا رحمكم الله.

[ثم قال:] وقال ابن دريد لما فرغ من الخبر: إضريج: ينبثق في عدوه.

وقيل: واسع الصدر. ومنفح: يخرج الصيد من مواضعه. ومطرح: يطرح ببصره.

وخروج سابق. [والغاية: - بالغين المعجمة -: الراية] والميعة: أول جري الفرس. [وقيل: الجري بعد الجري] انتهى.

أقول: الحلبة - بالفتح -: الخيل تجمع للسباق من كل أوب ولا تخرج من وجه واحد. وقصبة السبق هي التي تنصب ليحرزها السابق من القوم في الرهان. والضليل - كقنديل -: مبالغة في الضلال. ولعل المعنى أنهم لم ينشدوا في أمر واحد وزمان واحد حتى يعرف أيهما أسبق وأكمل.

أو أن الشعر ليس مقصورا على فن واحد ولا لطائفة [ولا] منحصرة في نوع حتى يكون للتفضيل حد معين.

1172 - نهج: وقال عليه السلام: أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الفجار.

قال السيد رحمه الله: ومعنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني والفجار يتبعون المال كما يتبع النحل يعسوبها وهو رئيسها.

1173 - نهج: [و] قيل له عليه السلام: بأي شئ غلبت الأقران!

فقال: ما لقيت أحدا إلا أعانني على نفسه.

قال السيد [الرضي]: رحمه الله: يومئ عليه السلام إلى تمكن هيبته في القلوب.

1174 - [نهج:] وقال عليه السلام لابنه محمد: يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه فإن الفقر منقصة للدين مدهشة للعقل داعية للمقت.

1175 - كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي: بإسناده عن الضحاك بن مزاحم عن علي عليه السلام قال:

كان خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحبس شيئا لغد، وكان أبو بكر يفعل [كذلك]، وقد رأى عمر في ذلك أن دون الدواوين، وأخر المال إلى السنة.

وأما أنا، فأصنع كما صنع خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: وكان علي عليه السلام يعطيهم من الجمعة إلى الجمعة، وكان [عندما يعطيهم] يقول:

هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه وبأسانيد عن مجمع التيمي: أن عليا عليه السلام كان ينزح بيت المال 1174 - رواه الشريف الرضي في المختار: (319) من قصار كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

1175 - رواه مع ما بعده الثقفي رحمه الله في الحديث: وما بعده من كتاب الغارات.

وأكثر هذه الأحاديث رواها أحمد بن حنبل في الحديث الأول وما يليه من باب فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 5 - 33.

ورواها أيضا البلاذري في الحديث: (100) وما يليه من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الأشراف: ج 2 ص 128 - 142، ط 1.

ورواها أيضا ابن عساكر في الحديث: (1230) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 227 ط 2.

وقد ذكر في تعليق كل واحد من الكتب الثلاثة مصادر أخر للأحاديث المذكورة فراجع، ورواها أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: من نهج البلاغة: ج 1، ص 414 ط الحديثة ببيروت.

ثم يتنفل فيه، ويقول: اشهد لي يوم القيامة أني لم أحبس فيك المال على المسلمين.

وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: أتى عليا عليه السلام مال من إصبهان فقسمه، فوجد فيه رغيفا، فكسره سبع كسر، ثم جعل على كل جزء منه كسرة ثم دعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم أيهم يعطيه أولا. وكانت [قبائل] الكوفة يومئذ أسباعا.

وعن عبد الرحمان بن عجلان، عمن حدثه قال: كان علي عليه السلام يقسم فينا الأبزار، يصره صررا: الحرف والكمون وكذا وكذا.

وعن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه: أن دهقانا بعث إلى علي عليه السلام بثوب ديباج منسوج بالذهب، فابتاعه منه عمرو بن حريث بأربعة آلاف درهم إلى العطاء. وعن يزيد بن محجن التيمي قال: أخرج علي عليه السلام سيفا له

فقال:

من يشتري سيفي هذا مني؟ فوالذي نفسي بيده لو أن معي ثمن إزار لما بعته.

وعن أبي رجاء: أن عليا عليه السلام أخرج سيفا له إلى السوق فقال:

من يشتري مني هذا؟ فلو كان معي ثمن إزار لما بعته.

قال أبو رجاء: فقلت له: يا أمير المؤمنين أنا أبيعك إزارا وأنسئك ثمنه إلى عطائك، فبعته إزارا إلى عطائه، فلما قبض عطاءه أعطاني حقي.

وعن أبي إسحاق الهمداني: أن امرأتين أتتا عليا عليه السلام عند القسمة، إحداهما من العرب، والأخرى من الموالي، فأعطى كل واحدة خمسة وعشرين درهما وكرا من الطعام، فقالت العربية: يا أمير المؤمنين إني امرأة من العرب وهذه امرأة من العجم!

فقال عليه السلام: والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفئ فضلا عن بني إسحاق.

وعن يوسف بن كليب عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، عن معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد قال: ما اعتلج على علي عليه السلام أمران

قط إلا أخذ بأشدهما، وما زال عندكم يأكل مما عملت يده، يؤتى به [إليه] من المدينة، وإن كان ليأخذ السويق فيجعله في الجراب ثم يختم عليه، مخافة أن يزاد فيه من غيره.

ومن كان في الدنيا أزهد من علي عليه السلام (1)؟!

وعن أبي سويد بن الحارث قال: أمر علي عليه السلام عمالا من عماله فصنعوا للناس طعاما في شهر رمضان، فذكروا أنهم صنعوا خمسا وعشرين جفنة.

وعن هارون بن مسلم البجلي عن أبيه قال: أعطى علي الناس في عام واحد ثلاثة أعطية، ثم قدم عليه خراج إصفهان فقال:

أيها الناس! اغدوا فخذوا، فوالله ما أنا لكم بخازن.

ثم أمر ببيت المال فكنس ونضح، فصلى فيه ركعتين ثم قال: يا دنيا غري غيري.

ثم خرج فإذا هو بحبال على باب المسجد فقال: ما هذه الحبال؟ فقيل:

جئ بها من أرض كسرى. فقال: اقسموها بين المسلمين. فكأنهم ازدروها فنقضها بعضهم فإذا هي كتان يعمل، فتأسفوا [فتنافسوا " خ ل "] فيها فبلغ الحبل من آخر النهار دراهم.

وعن سفيان بن عيينة عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: فرض علي عليه السلام لمن قرأ القرآن ألفين ألفين قال: وكان أبي ممن قرأ القرآن.

وعن إبراهيم بن يحيى الثوري عن أبي إسحاق بن مهران عن سابق البربري قال: رأيت عليا عليه السلام أسس مسجد الكوفة إلى قريب من طاق الزياتين قدر شبر شبر.

قال: ورأيت المخيس وهو [من] خص وكان الناس يفرجونه ويخرجون منه فبناه علي عليه السلام بالجص والآجر قال: فسمعته وهو يقول:

ألا تراني كيسا مكيسا * بنيت بعد نافع مخلسا وعن الحسين بن هاشم عن أبي عثمان الدوري عن أبي إسحاق السبيعي قال: كنت على عنق أبي يوم الجمعة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب وهو يتروح بكمه فقلت: يا أبة أمير المؤمنين يجد الحر؟ فقال:

لا يجد حرا ولا بردا، ولكنه غسل قميصه وهو رطب ولا له غيره فهو يتروح به.

وعن إبراهيم بن ميمون عن علي بن عابس عن أبي إسحاق قال:

رفعني أبي فرأيت عليا عليه السلام، أبيض الرأس واللحية، عريض ما بين المنكبين.

وبإسناده عن عباد بن عبد الله قال: كان علي يخطب على منبر من آجر.

وعن عدي بن ثابت قال: أتي علي عليه السلام بفالوذج فأبى أن يأكله.

وعن صالح: أن جدته أتت عليا عليه السلام ومعه تمر يحمله، فسلمت [عليه] وقالت: أعطني هذا التمر أحمله. قال: أبو العيال أحق بحمله. قالت:

وقال لي: ألا تأكلين منه؟ قلت: لا أريده. قالت: فانطلق به إلى منزله، ثم رجع وهو مرتد بتلك الملحفة وفيها قشور التمر، فصلى بالناس فيها الجمعة.

وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام بخبيص فأبى أن يأكله، قالوا: [أ] تحرمه؟ قال: لا، ولكني أخشى أن تتوق إليه نفسي، ثم تلا (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) [20 / الأحقاف: 46].

وعن بعض أصحاب علي عليه السلام: أنه قيل له: كم تصدق، ألا تمسك؟ قال:

إي والله، لو أعلم أن الله قبل مني فرضا واحدا لأمسكت، ولكني والله ما أدري أقبل الله مني شيئا أم لا.

وعن عبد الله بن الحسن قال: أعتق علي عليه السلام ألف أهل بيت بما مجلت فيه يداه وعرقت [فيه] جبينه.

وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال: أعتق علي عليه السلام ألف مملوك مما عملت يداه، وإن كان عندكم إنما حلواه التمر واللبن وثيابه الكرابيس.

وتزوج عليه السلام ليلى، فجعل له حجلة فهتكها وقال: أحب أهلي إلي ما هم فيه.

وعن قدامة بن عتاب قال: كان علي عليه السلام ضخم البطن، ضخم مشاشة المنكبين، ضخم عضلة الذراع، دقيق مستدقها، ضخم عضلة الساق، دقيق مستدقها.

ورأيته يخطبنا في يوم من أيام الشتاء، عليه قميص قهز، وإزار، فأتاه آت فقال له: يا أمير المؤمنين! أدرك بني تميم قد ضربتها بكر بن وائل بالكناسة.

فقال: ها! ثم أقبل في خطبته، ثم أقبل آخر فقال مثل ذلك. فقال: ها! ثم أتاه الثالث والرابع، ثم قال: أدرك بكر بن وائل قد ضربتها بنو تميم بالكناسة. فقال:

الآن صدقتني عن بكرك، يا شداد! أدرك بكر بن وائل وبني تميم [فذهب] فأفرع بينهم.

بيان:

قال [الفيروزآبادي] في القاموس: الجرف: يبيس الحماط [وهو الشجر والعشب]. وقال: الكمون - كتنور -: حب معروف. وقال: القهز - [بفتح القاف] ويكسر -: ثياب من صوف أحمر كالمرعزى وربما يخالطه الحرير. وقال:

فرع بين القوم: حجز وكف وأصلح.

ثم قال الثقفي: [و] روى جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال:

ابتاع علي عليه السلام قميصا سنبلانيا بأربعة دراهم، ثم دعا الخياط فمدكم القميص فقطع ما جاوز الأصابع.

وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت عليا وعليه قميص له إذا مده بلغ أطراف أصابعه، وإذا تقبض، تقبض حتى تكون إلى نصف ساعده.

وعن أبي الأشعث العنزي عن أبيه قال: رأيت عليا وقد اغتسل في الفرات يوم الجمعة، ثم ابتاع قميص كرابيس بثلاثة دراهم، فصلى بالناس فيه الجمعة وما حنط جربانه بعد.

وعن بكر بن عيسى قال: كان علي عليه السلام يقول:

يا أهل الكوفة! إذا أنا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن.

وكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة من " ينبع "، وكان يطعم الناس الخبز واللحم ويأكل من الثريد بالزيت ويكللها بالتمر من العجوة، وكان ذلك طعامه.

وزعموا أنه كان يقسم ما في بيت المال، فلا يأتي الجمعة وفي بيت المال شئ، و [كان] يأمر ببيت المال في كل عشية خميس فينضح بالماء ثم يصلي فيه ركعتين.

وزعموا أنه كان يقول ويضع يده على بطنه والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا تنطوي ثميلتي على قلة من خيانة، ولأخرجن منها خميصا.

بيان قال [الفيروزآبادي] في القاموس: الثميلة - كسفينة -: البقية من الطعام والشراب في البطن. والثميلة: ما يكون فيه الطعام والشراب في الجوف.

و [قال ابن الأثير] في النهاية: في حديث الحجاج: " فسر إليها منطوي الثميلة " المعنى سر إليها مخففا.

1176 - 1195 - كتاب الغارات بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا بالشام يقال له ابن الخيبري، وجد مع امرأته رجلا فقتله، فرفع ذلك إلى معاوية،

فكتب إلى بعض أصحاب علي عليه السلام يسأله [فسأله] فقال علي عليه السلام:

إن هذا شئ ما كان قبلنا. فأخبره أن معاوية كتب إليه. فقال عليه السلام: إن لم يجئ بأربعة شهداء يشهدون به أقيد به.

وعن أبي حمزة قال: بينما علي ذات يوم إذ أقبل [إليه] رجل فقال: من أين أقبل الرجل؟ قال: من أهل العراق. قال: من أي العراق؟ قال: من البصرة.

قال: أما إنها أول القرى خرابا، إما غرقا وإما حرقا، حتى يبقى بيت مالها ومسجدها كجؤجؤ سفينة، فأين منزلك منها؟ فقال الرجل: مكان كذا. قال:

عليك بصواحبها عليك بصواحبها.

وعن شرحبيل عن علي عليه السلام قال:

كيف بكم وإمارة الصبيان من قريش؟ قوم يكونون في آخر الزمان، يتخذون المال دولة، ويقتلون الرجال. فقال الأوس بن حجر الثمالي: إذا نقاتلهم وكتاب الله. قال: كذبت وكتاب الله وعن الحسن بن بكر البجلي عن أبيه قال: كنا عند علي عليه السلام في الرحبة، فأقبل رهط فسلموا فلما رآهم علي عليه السلام أنكرهم فقال: أمن أهل الشام أنتم، أم من أهل الجزيرة؟ قالوا: بل من أهل الشام، مات أبونا وترك مالا كثيرا وترك أولادا رجالا ونساء، وترك فينا خنثى له حياء كحياء المرأة،

وذكر كذكر الرجل، فأراد الميراث كرجل فأبينا عليه.

فقال عليه السلام: فأين كنتم عن معاوية؟ فقالوا: قد أتيناه فلم يدر ما يقضي بيننا.

فنظر علي عليه السلام يمينا وشمالا وقال: لعن الله قوما يرضون بقضائنا ويطعنون علينا في ديننا، انطلقوا بصاحبه فانظروا إلى مسبل البول، فإن خرج من ذكره فله ميراث الرجل، وإن خرج من غير ذلك فورثوه مع النساء.

[قال:] فبال من ذكره، فورثه كميراث الرجل منهم.

وعن ابن عباس [عن علي عليه السلام] قال: أول هلاك أهل الأرض قريش وربيعة.

قالوا وكيف؟

قال: أما قريش فيهلكها الملك، وأما ربيعة فتهلكها الحمية.

وبحذف الإسناد قال: قال علي عليه السلام: أما والله ما قاتلت إلا مخافة أن ينزو فيها تيس من بني أمية فيتلاعب بدين الله.

وعن زر بن حبيش قال: سمعت عليا عليه السلام يقول:

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد إلي النبي صلى الله عليه وآله، أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.

وعن حبة العرني عن علي عليه السلام قال:

إن الله أخذ ميثاق كل مؤمن على حبي، وأخذ ميثاق كل منافق على بغضي، فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على المنافق ما أحبني!

وعن فرات بن أحنف قال: إن عليا عليه السلام خطب فقال:

يا معشر الناس، أنا أنف الهدى وعيناه - وأشار إلى وجهه -.

يا معشر الناس! لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس [قد] اجتمعوا على مائدة، شبعها قصير، وجوعها طويل، والله المستعان.

يا معشر الناس! إنما يجمع الناس الرضا والسخط، ألا وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فأصابهم العذاب برضاهم بعقرها قال الله تعالى: (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر) [29 / القمر: 54] فقال لهم نبي الله عن قول الله:

(ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها) [14 / الشمس].

يا معشر الناس! ألا فمن سئل عن قاتلي فزعم أنه مؤمن فقد قتلني.

يا معشر الناس! من سلك الطريق ورد الماء.

يا معشر الناس! ألا أخبركم بحاجبي الضلالة، تبدو مخازيها في آخر الزمان.

وعن أبي عقيل عن علي عليه السلام قال: اختلفت النصارى على كذا وكذا، واختلفت اليهود على كذا وكذا، ولا أراكم أيتها الأمة إلا ستختلفون كما اختلفوا، وتزيدون عليهم فرقة، ألا وإن الفرق كلها ضالة إلا أنا ومن تبعني.

وعن الحسن بن علي عن أبيه عليهما السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: يرد علي أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي هكذا - وقرن بين السبابتين - ليس بينهما فضل.

وعن أبي الجحاف عن رجل - قد سماه - قال: دخلوا على علي عليه السلام وهو في الرحبة وهو على سرير قصير [ف] قال: ما جاء بكم؟ قالوا:

حبك وحديثك يا أمير المؤمنين. قال: والله؟ قالوا: والله. قال: أما إنه من أحبني يراني حيث يحب أن يراني، ومن أبغضني رآني حيث يبغض أن يراني.

ثم قال: ما عبد الله أحد قبلي مع نبيه، إن أبا طالب هجم علي وعلى النبي صلى الله عليه وآله وأنا وهو ساجدان ثم قال: أفعملتموها؟ فأخذ يحثني

على نصرته وعلى معونته.

وعن حبة عن علي عليه السلام قال: لو صمت الدهر كله وقمت الليل كله، وقتلت بين الركن والمقام، بعثك الله مع هواك بالغا ما بلغ، إن في جنة ففي جنة، وإن في نار ففي نار.

وقال [عليه السلام]: من أحب أهل البيت فليستعد عدة للبلاء.

وقال [عليه السلام]: يهلك في محب مفرط، ومبغض مفتر.

وقال [عليه السلام]: يهلك في ثلاثة وينجو في ثلاثة: يهلك اللاعن، والمستمع المقر، والحامل للوزر، و [هو] الملك المترف [الذي] يتقرب إليه بلعني، ويبرأ عنده من ديني، وينتقص عنده حسبي، وإنما حسبي حسب النبي صلى الله عليه وآله وديني دينه.

وينجو في ثلاثة: المحب الموالي، والمعادي من عاداني، والمحب من أحبني، فإذا أحبني عبد أحب محبي وأبغض مبغضي وشايعني، فليمتحن الرجل قلبه، إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحب بهذا ويبغض بهذا، فمن أشرب قلبه حب غيرنا فألب علينا فليعلم أن الله عدوه وجبريل وميكال، فإن الله عدو للكافرين.

وعن ربيعة بن ناجد عن علي عليه السلام قال: دعاني النبي صلى الله

عليه وآله فقال لي: يا علي إن فيك من عيسى مثلا، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له.

وقال علي عليه السلام: إنه يهلك في محب مطر يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني.

ألا وإني لست نبيا ولا يوحى إلي، ولكن أعمل بكتاب الله ما استطعت، فما أمرتكم به من طاعة فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وفيما كرهتم، وما أمرتكم به أو غيري من معصية الله فلا طاعة في المعصية، الطاعة في المعروف الطاعة في المعروف [قالها] ثلاثا.

1196 - 1198 - ما: المفيد عن إبراهيم بن الحسن بن الجمهور عن أبي بكر المفيد الجرجرائي عن أبي الدنيا المعمر المغربي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: عهد إلي مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لا يحبني إلا

مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق زنديق.

وبالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما نزلت (وتعيها أذن واعية) [12 / الحاقة] قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي.

وبالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما رمدت عيني ولا صدعت منذ سلم رسول الله صلى الله عليه وآله إلي راية خيبر.

فائدة مهمة شافية وافية في دفع شبه الفرقة الطاغية الغاوية إعلم [أنه] قد اختلف المسلمون في أنه هل كان يسوغ للنبي صلى الله عليه وآله الاجتهاد فيما لا نص فيه أم لا؟

ثم على تقدير الجواز، هل كان مقصورا على أمور الدنيا وما لا تعلق لها بالدين؟ أم يتعدى إلى غيرها؟ وعلى تقدير التعدي، هل يخص الحروب أم يتجاوزها؟

ثم القائلون بالجواز اختلفوا في الوقوع، فأثبته طائفة ومنعه آخرون وتوقف قوم.

ثم القائلون بالوقوع، اختلفوا في أنه هل كان يجوز عليه الخطأ في

الاجتهاد أم لا؟ وعلى الجواز، هل يقر على خطئه أم يرد عنه؟

فذهب إلى كل فريق إلا إقراره على الخطأ، فإن الظاهر من كلامهم أنه لم يقل به أحد وجعلوا رده عن الخطأ وجه الفرق بينه وبين سائر المجتهدين.

وقد ادعى العلامة في شرحه لمختصر ابن الحاجب الإجماع على أنه لا يقر على الخطأ، ويظهر من كلام الآمدي وبعض شراح صحيح مسلم أيضا ذلك.

فاختار الجبائي وأبو هاشم أنه [صلى الله عليه وآله] لم يتعبد في الشرعيات بالاجتهاد، ولم يقع منه فيها، وكان متعبدا به في الحروب.

وحكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي يوسف تعبده به مطلقا.

وذهبت طائفة - ومنهم القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري - إلى أنه يجوز ذلك من غير قطع به.

ونفاه أصحابنا قاطبة رضوان الله عليهم رأسا، ولم يجوزوه في أمور الدين والدنيا أصلا.

ثم لا يخفى أن جواز الاجتهاد ووقوعه منه صلى الله عليه وآله لا يستلزم جواز مخالفته، إذ يجوز أن يكون في أحكامه ما أدى إليه اجتهاده، ومع ذلك لا يجوز لأحد خلافه لإيجاب الله تعالى طاعته مطلقا.

ونظير ذلك أن الأمة يجوز أن تجتمع على حكم بالاجتهاد، ومع ذلك لا يسع أحد مخالفتها أصلا عندهم، والمجتهد في فروع الأحكام يحكم باجتهاده ولا يسوغ لمقلده مخالفته، وإن جاز عليه الخطأ في حكمه.

ولما كان المعقل الحصين للمخالفين في دفع المطاعن عن أئمتهم المضلين التمسك بجواز مخالفة الرسول الأمين عليه السلام، كما فعلوا ذلك في مخالفتهم له في تجهيز جيش أسامة وغيرها، أردنا أن نختم هذا المجلد المشتمل على

مطاعنهم بما يدل على فساد أحد الأمرين: أعني جواز الاجتهاد عليه صلى الله عليه وآله، أو وقوعه منه، وجواز مخالفته في شئ من أحكامه وإن كان عن اجتهاد، لاستلزام كل منهما ما هو المقصود، والتوكل في جميع الأمور على الرب الودود.

فنقول: يدل على ذلك وجوه:

الأول قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) [3 / النجم: 53] نفى سبحانه كون نطقه صلى الله عليه وآله عن الهوى، وحصره في كونه وحيا، ولو كان بعض أقواله عن اجتهاد لما صح الحصر.

ولو قلنا بكون الهوى متناولا للاجتهاد بقرينة المقابلة، لاقتضائها كون المراد بالهوى ما ليس بوحي والاجتهاد ليس بوحي لدل الجزء الأول على المدعى أيضا.

وأورد عليه بأن المراد بالآية نفي ما كانوا يقولونه في القرآن أنه افتراه، فانتفى العموم، ولئن سلمنا فلا نسلم أنه ينفي الاجتهاد، لأنه إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي، لم يكن نطقه عن الهوى، بل كان قولا عن الوحي.

والجواب عن الأول: أن الآية غير معلوم نزولها في رد قولهم المذكور، فلا يجوز تخصيص القرآن به، وإنما يجوز [التخصيص] بالمعلوم وما في حكمه، ولو سلم فخصوص السبب لا يخصص العموم كما هو المشهور، ولا دليل من الخارج على التخصيص.

وعن الثاني من وجوه.

منها: أنهم يقابلون الوحي بالاجتهاد في كثير من كلامهم.

ومنها: أن الوحي هو الكلام الذي يسمع بسرعة، وليس الاجتهاد كذلك، وإنما يستند حجيته إلى الوحي، والمستند إلى الوحي في أمر غير الوحي،

والدليل عليه صحة التقسيم بأن يقال: أهو وحي أم مستنبط من الوحي ومستند إليه؟ وقد قال سبحانه: (إن هو إلا وحي يوحى) [4 / النجم: 53] وقد اعترف البيضاوي بما ذكرنا حيث قال بعد نقل الجواب: وفيه نظر، لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي.

ومنها: أنا نخصص الكلام باجتهاد يجوز فيه الخطأ، ولا ننازع الآن في اجتهاد يؤمن معه الخطأ ولا يجوز مخالفته، ويكون من قبيل القاطع، ولا يتعلق غرضنا في هذا المقام بأن النبي صلى الله عليه وآله هل يقول ما يقوله عن الوحي النازل بخصوص كل قول؟ أو يقول من طريق عام ويأخذه عن ضابطة كلية لا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها؟

فنقول: قال الله تبارك وتعالى: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقد اتفق المفسرون على أن الآية مسوقة لنفي الضلال وإثبات الوحي، إنما هو لنفي الضلال المذكور في الآية، والضلال لا يختص بالأصول، بل يكون في الفروع في جميع أقسام الأحكام، وإلا لم يكن لاستدلال القوم على حجية الإجماع في الفروع حتى الحروب والولايات بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " لا تجتمع أمتي على الضلالة ". وما يحذو حذوه معنى.

فقد ثبت إذن أن الوحي لا يتناول اجتهادا يجوز الخطأ فيه، وإلا لم يلزم من كونه وحيا نفي الضلال عنه كما هو المقصود، وهذا القدر يكفينا، ويدل عليه ما روي أنه صلى الله عليه وآله نزل منزلا فقيل [له]: إن كان ذلك عن وحي فالسمع والطاعة، وإن كان عن رأي فليس ذلك بمنزل مكيدة، والمشهور أن المنزل كان ب " بدر "، والقائل [هو] حباب بن المنذر. فدل ذلك على أن الوحي لا يجوز فيه الخطأ، وقد قرره النبي صلى الله عليه وآله، ولم يسمع بأحد يطعن على قائل هذا القول ويقول: تقسيمه هذا باطل.

وأي ملازمة بين كونه وحيا، ووجوب السمع والطاعة، لا في زمن

الصحابة ولا في زمن التابعين إلى عصرنا هذا، مع تكرر ذلك النقل في كتب السير والتواريخ، وفي كتب الأصول في مقام الاستدلال على مسائل من الاجتهاد المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وآله؟

ولولا أن الوحي لا يجوز فيه الخطأ ولا يطلق شرعا على ما لا يؤمن معه الغلط، ويجوز مخالفته، لاستحال عادة أن لا ينكر أحد على هذا القول، ولا يقدح فيه، مع توفر الدواعي على القدح والرد عليه، حيث استدل به على محل النزاع في مسائل كثيرة قد طال لخصام فيها، وذلك مما يقطع به في عادات الناس، خصوصا الممارسين لمباحث الحجاج والنظر ومسائل الخلاف، وقد رأيناهم يرتكبون تأويلات بعيدة وتكلفات باردة. فأين كانوا عن القدح المذكور؟

وبالجملة، ما ذكرناه دليل على أنهم علموا صحة ذلك التقسيم، إما بتقرير النبي صلى الله عليه وآله، أو بدليل آخر، فلا يتوهم أن ما ذكرناه ثانيا راجع إلى الأول.

[الوجه] الثاني: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) [63 / الأحزاب: 33].

والمراد، قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله، ونسبته إليه تعالى للتنبيه على أن قضاءه صلى الله عليه وآله قضاء الله كما ذكره المفسرون، وكل ما قاله النبي صلى الله عليه وآله ولو بالاجتهاد، فمما قضى به، فلا يجوز العدول عنه ومخالفته، وتخصيص الخيرة بما يكون بمجرد التشهي لا عن اجتهاد، وكذا المعصية لا وجه له، وإنما هو مجرد تشهي التأويل، والانصراف عن الظاهر، ومعصية لسنة الأخذ بظواهر الكتاب والسنة بلا قرينة تقتضيه وشاهد يشهد له.

[الوجه] الثالث: قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما

شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [65 / النساء: 4] تقريره أن المسألة الخلافية بين الأمة يصدق عليها أنها مما شجر بينهم فيجب في كل مسألة خلافية أن يحكموه صلى الله عليه وآله، ويرجع إلى قوله ويسلموا ويركنوا إليه، ومخالفته صلى الله عليه وآله بالاجتهاد ضد ذلك.

فظهر أن المسألة الخلافية، لا يجوز مخالفة ما يظهر من قوله صلى الله عليه وآله فيها، سواء كان بالاجتهاد أو غيره، والمسائل الإجماعية وما لم يسبق إليه أحد بنفي أو إثبات أولى من ذلك.

أما الإجماعية فظاهر، وأما ما لم يسبق إليه أحد، فلأن اتباعه إذا وجب فيما تحقق قوله طائفة من المسلمين وشبهة شرعية بخلافه، ولم يمنع ذلك من وجوب اتباعه، ففيما لا يتحقق فيه ذلك الذي يتوهم مانعا أولى.

وأيضا لا قائل بالفصل، فإن الأمة بين قائل بجواز مخالفته في الخلافيات وغيرها، وبين ناف له فيهما جميعا.

وبهذا يندفع توهم أن قوله صلى الله عليه وآله، ربما كان مما أجمع على خلافه على أنه قبل الإجماع على خلافه، كان مما لم يسبق إليه قول بنفي ولا إثبات، أو كان مما وقع فيه الخلاف.

فإن قلت: هاهنا احتمال آخر ذهب إليه جماعة، وهو أن يخطئ صلى الله عليه وآله وينبه بالوحي على خطئه وما ذكرت لا ينفيه.

قلنا: هذا لا ينفع فيما نحن فيه، فإن الغرض أنه صلى الله عليه وآله لا يجوز مخالفته والعدول عن قوله بالاجتهاد، وأما أن ينبه بالوحي عليه، فكلام لا يسمن ولا يغني من جوع في جواز إبطال قوله صلى الله عليه وآله ، وتخطئة رأيه وتصحيح ما صنعه جماعة من أصحابه خلافا لأمره، وردا عليه حكمه فيما لا وحي يدل على خطئه، بل قرره الله تعالى وأمضاه على رأيه.

[الوجه] الرابع: قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم

الله ويغفر لكم ذنوبكم [31 / آل عمران: 3] مفهوم الشرط إن لا تتبعوني لا يحبكم الله ولا يغفر لكم ذنوبكم، وما كان موجبا لعدم محبة الله وعدم مغفرة الذنوب، كان حراما.

فإن قلت: كل ما هو مستحب كان موجبا لمحبة الله، وربما كان سببا للمغفرة أيضا، ويصح استعمال الشرط فيه ويكون مفهومه حينئذ: إن لا تفعلوه تفوت المحبة المترتبة عليه، والمغفرة المسببة منه، فلا يدل على الوجوب.

قلنا: أولا: إن رجحان الاتباع كاف لنا، فإن من لا يجوز الاجتهاد عليه صلى الله عليه وآله، يجعل أمره واجبا ما دام لم يدل دليل آخر على خلافه أقوى منه، ومن يجوزه يجعل تركه ومخالفته واجبا أو مندوبا أو مباحا حسب ما أدى إليه اجتهاده، ولا يجعل اتباع أمره مندوبا أيضا في أكثر الأمر.

فالقول بأن اتباع أمره مندوب لا محالة، خلاف الإجماع المركب.

وثانيا: إن مفهوم الشرط يقتضي انتفاء الجزاء مطلقا، لا الجزاء المقيد بالشرط المقارن له، وإلا لم يصح الاستدلال بمفهوم الشرط في شئ من المواضع.

ولا يتوهم أن الأمر بالاتباع مطلق لا عام، فيصير حينئذ حاصل المفهوم: إن لا تتبعوني في شئ لا يحبكم الله أصلا، لا [أن المفهوم] إن لا تتبعوني ولو في أمر واحد لا يحبكم الله، لأن الاتفاق منا ومن الخصم حاصل على أن المراد به الأمر بالاتباع في جميع الأوامر، ولهذا استدلوا به في مسألة التأسي. فتدبر.

[الوجه] الخامس: قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) [7 / الحشر:] وجه الدلالة أمور:

أحدها: أمره تعالى بالأخذ بما أمر به الرسول صلى الله عليه وآله.

وثانيها: أمره [تعالى] بالانتهاء عما نهى عنه، فإن كان نهى عن خلاف ما أمر به فذاك، وإلا فالأمر بالشئ، نهي عن ضده عند أكثر علماء الأصول، وفي النهي بعكس الأمر.

وثالثها: تعقيبه الكلام بالوعيد الشديد والعقاب العظيم.

وأيضا: [في] أمره بالتقوى بعد ذلك، إشعار بأن الأخذ والانتهاء المذكورين هما التقوى، وأن تاركه مسلوب عنه اسم التقوى مع [أن] النصوص الدالة على الأمر به وحرمة تركه أدلة على الوجوب.

السادس: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [1 / الحجرات: 49] وجه الدلالة أنه متى كان قول الرسول صلى الله عليه وآله موجودا، ثم قدمنا اجتهادنا عليه لزم التقدم بين يدي الله ورسوله.

وقد دلت صحاح أخبارهم على أن الآية نزلت في مماراة أبي بكر وعمر، في تأمير الأقرع بن حابس والقعقاع بن معبد، وقد كان ما تنازعا فيه من الأمور المتعلقة بالحروف، ولم يكن سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه أمر، وإنما أشار كل واحد من الرجلين ما رأى في تأميره من المصلحة بزعمه، وإذا كان مثل ذلك من التقديم المنهي عنه الموجب للتوبيخ الظاهر من سياق الآية، فالأمر في الاجتهاد فيما سبق فيه أمر منه صلى الله عليه وآله، وكان أشد تعلقا بالدين أولى وأظهر.

[الوجه] السابع: قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) [59 / المائدة: 4] والرد إلى الله ورسوله معناه إما التوقف إلى أن يعلم حكمه بنص الكتاب والسنة على ما هو الحق، أو المراد به القياس على الحكم الذي في الكتاب والسنة. وعلى التقدير الأول يدل على بطلان القياس مطلقا، وعلى الثاني يدل

على بطلان القياس فيما وجد فيه نص من الكتاب والسنة على ما شرح في التفاسير. وعلى التقديرين يبطل القياس في مقابلة النص وإذا بطل القياس في مقابلة النص ولم يجز العمل به فيما وجد فيه نص من الرسول صلى الله عليه وآله، لم يجز الاجتهاد والعمل به مخالفة لقول الرسول صلى الله عليه وآله، لأن كل من قال بعدم جوازه بالقياس، قال بعدم جوازه مطلقا.

على أن الآية عامة في كل متنازع فيه، سواء كان مما يؤخذ حكم طرفي النزاع، أو أحدهما من الكتاب والسنة، أولا. وقد حكم [فيها] بأنه يجب أن يرجع فيه إلى قول الله ورسوله ولا يحكم بأحد الطرفين، فعند مخالفة النبي صلى الله عليه وآله بالاجتهاد ولو بالاستنباط الظني من النص، يصدق أنه مما يجب الرجوع فيه إلى النص، فلا يجوز الاجتهاد على خلافه.

بقي الكلام في أنه ربما كانت المسألة إجماعية فلا يصدق أنها متنازع فيها، أو كانت مما لم يسبق إليه قول.

والجواب عنها قد سبق في تقرير الاستدلال بقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون) الآية.

الثامن: قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) [61 / النساء] ذمهم على صدهم عن الرسول صلى الله عليه وآله مطلقا، فدل على أن هذا الفعل ممن كان وبأي طريق كان مذموما غير سائغ، فلا يجوز مخالفته في شئ، لأنه نوع من الصد.

التاسع: قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) قالوا: تقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع، كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته، ومن كان كذلك كان كافرا مستوجبا للقتل.

وهذا الكلام منهم يدل على أنهم فهموا منه عموم الإطاعة في جميع الأوامر، بمعنى أن الإرسال للإطاعة في جميع الأوامر والنواهي لا يجوز أن يخالف في

شئ منها، لأن المقصود من إعلام أن الغرض من الإرسال هو الإطاعة، إيجاب الإطاعة على المرسل إليهم، لا مجرد أن الغرض هو الإطاعة.

وقال الفخر الرازي: إن ظاهر اللفظ يوهم العموم، ولعلهم إنما فهموا ذلك، لأن المضارعة تفيد الاستمرار الزماني، ولا قائل بأن إطاعة النبي في كل زمان واجب وإن لم يجب في جميع الأوامر، لكن ذلك لا يوجب أن يكون ظاهر اللفظ ذلك، وإنما يستلزم وجوب الإطاعة على وجه العموم في الواقع.

أو يقال: نزل الأوامر الجزئية منزله في أجزاء الزمان. فأريد بما يدل على عموم الثاني عموم الأول، كما أنه يراد بالدوام والأبدية عموم الأفراد وبما يدل على تبعيض الأوقات تبعيض الأفراد.

وفيه أن ذلك مجاز غير ظاهر، ودعوى ظهوره بعيد. والتحقيق أن الطاعة ضد المعصية، والمعصية المضافة إلى الأمر تصدق بمخالفته ولو من وجه، والمضافة إلى الشخص الآمر تصدق بمخالفة أمر واحد من أوامره، فالطاعة للأمر هو عدم مخالفته بوجه من الوجوه، وللشخص الآمر هو عدم مخالفته في شئ من أوامره، ولهذا كانوا يكتفون في إعطاء القيادة للأمراء والتسليم لهم بأنا سامعون لك مطيعون من غير تعميم لمطلق الطاعة. وقولهم: أطعناه في الأمر الفلاني دون غيره، مجاز خلاف الظاهر.

ويؤيده أنهم استدلوا بقوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [59 / المائدة: 5]. وبقوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله) [31 / آل عمران: 3] على مسألة التأسي، ولولا العموم لم يصح هذا الاستدلال.

العاشر: قوله تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى ي إلي) [15 / يونس: 10] وتقرير الاستدلال به على نمط الاستدلال بقوله تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى) [3 / النجم: 53. كما سبق [في الوجه الأول].

الحادي عشر: قوله عز وجل: (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى) [9 / الأحقاف: 46] وتقريره ما علم سابقا.

الثاني عشر: قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) [69 / النساء: 4] دل على أن طاعة الرسول في أي أمر كان سبب للكون مع النبيين والصديقين، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله مخطئا في اجتهاده وعلم ذلك، لم يكن طاعته في ذلك الأمر سببا لما ذكر، فدل على عدم الخطأ في الاجتهاد.

الثالث عشر: قوله تعالى: (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) [4 / الأحقاف: 46] دل على أن المأثور عن الأنبياء الأولين لا يحتمل الخطأ، وإلا لم يكن بين إتيانهم بالأثارة وعدمه فرق.

ويمكن المناقشة [فيه] بوجهين:

الأول: أنا لا نسلم أنه يدل على عدم الخطأ في الأثارة، وإنما يدل على عدم الصدق بدونها: يعني أنهم لا يقدرون على الإتيان بالأثارة الدالة على الشرك، وما لم يأتوا بها لا يكونون صادقين في دعواهم، لأن ذلك ليس مما يعلم بالعقل المحض، فإن علم، فإنما يعلم بالنقل، ولا نقل هاهنا، ولا ينافي هذا أن لا يكفي النقل المذكور في الشرك.

والثاني: أن ذلك من الأصول، ونحن لا نخالف في عدم جواز مخالفة النبي صلى الله عليه وآله فيما قاله في أصول الدين، وأنما نجوز مخالفته في الفروع.

وكلتاهما خلاف الظاهر فلا ينافي التمسك بظاهره.

الرابع عشر: الآيات الدالة على النهي عن اتباع الظن والاقتصار على

العلم، وقول النبي صلى الله عليه وآله معلوم أنه حكم الله ولو ظاهرا، ويجوز اتباعه بل يجب، واجتهاد الأمة إذا كان مخالفا له، ليس بمعلوم أنه يجوز اتباعه لتحقق الخلاف في ذلك، فمخالفته ترك للمعلوم الواجب المأمور، باتباعه بالمظنون المنهي عن اتباعه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.