بحارالانوار · المجلد الثامن
أبواب الأمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج
ج ۳۴، ص ۵۳–۸۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۶ از ۱۷
أيها الناس! إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار، وهو مغتر لا يظن ما كان فاختار ما عند الله على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم، فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا.
ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلموا أو يتكلم متكلم منهم بخير، فلما رأى صمتهم على ما في أنفسهم، خرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة، [والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من الأشراف] فقالوا: إرجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيك. فقال: ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم. فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله فرجع وهو واجم كئيب.
ودعا سعيد بن مسلم الهمداني فبعثه من النخيلة في ثمانية آلاف وقال:
إتبع هذا الجيش حتى تخرجهم من أرض العراق. فخرج على شاطئ الفرات في طلبه حتى إذا بلغ عانات، سرح سعيد أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني فأتبع آثارهم حتى بلغ أداني أرض قنسرين وقد فاتوه ثم انصرف.
قال فلبث علي عليه السلام ترى فيه الكآبة والحزن حتى قدم سعيد، فكتب كتابا وكان في تلك الأيام عليلا، فلم يطق القيام في الناس بكل ما أراد
من القول، فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فدعا سعيدا مولاه فدفع الكتاب إليه، فأمره أن يقرأه على الناس، فقام سعيد حيث يسمع علي عليه السلام قراءته، وما يرد عليه الناس، ثم قرأ الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى من قرئ عليه كتابي من المسلمين:
سلام عليكم.
أما بعد، فالحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين، ولا شريك لله الأحد القيوم، وصلوات الله على محمد والسلام عليه في العالمين.
أما بعد، فإني قد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت، وراجعتموني بالهزء من قولكم حتى برمت هزءا من القول لا يعاد به، وخطلا لا يعز أهله، ولو وجدت بدا من خطابكم والعتاب إليكم ما فعلت. وهذا كتابي يقرأ عليكم فردوا خيرا وافعلوه، وما أظن أن تفعلوا والله المستعان.
أيها الناس! إن الجهاد باب من أبواب الجنة... إلى آخر ما مر وسيأتي بروايات مختلفة.
ثم قال: فقام إليه رجل من الأزد يقال له: حبيب بن عفيف آخذا بيد ابن أخ [له] يقال له: عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف، فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين عليه السلام بباب السدة، ثم جثا على ركبتيه وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنا ذا لا أملك إلا نفسي وأخي فمرنا بأمرك، فوالله لننفذن له ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا حتى ننفذ أمرك أو نموت دونه!
فدعا لهما بخير وقال لهما: أين تبلغان بارك الله عليكما مما نريد.
ثم أمر الحارث الأعور فنادى في الناس أين من يشري نفسه لربه، ويبيع دنياه بآخرته، أصبحوا غدا بالرحبة إن شاء الله، ولا يحضرنا إلا صادق النية في
المسير معنا والجهاد لعدونا. فأصبح بالرحبة نحو من ثلاثمائة، فلما عرضهم قال:
لو كانوا ألفا كان لي فيهم رأي.
قال: وأتاه قوم يعتذرون وتخلف آخرون، فقال: وجاء المعذرون وتخلف المكذبون.
قال: ومكث عليه السلام أياما باديا حزنه، شديد الكآبة، ثم إنه نادى في الناس فاجتمعوا، فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد، أيها الناس فوالله لأهل مصركم في الأمصار، أكثر من الأنصار في العرب.
وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي برواية ابن الشيخ في مجالسه عن ربيعة بن ناجد [في أواخر هذا الباب].
وعن أبي مسلم قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: لولا بقية المسلمين لهلكتم. وعن إسماعيل بن رجاء الزبيدي: أن عليا عليه السلام خطبهم بعد هذا الكلام فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أيها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم، ما عز من دعاكم ولا استراح من قاساكم. كلامكم يوهن الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم. إن قلت لكم: سيروا إليهم في الحر. قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا الحر. وإن قلت لكم: سيروا إليهم في الشتاء. قلتم: حتى ينسلخ عنا البرد. فعل ذي الدين المطول، من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب أصبحت لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، فرق الله بيني وبينكم أي دار بعد داركم تمنعون؟! ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟! أما إنكم ستلقون بعدي أثرة تتخذها عليكم الضلال سنة، فقر
يدخل في بيوتكم، وسيف قاطع، وتتمنون عند ذلك أنكم رأيتموني وقاتلتم معي وقتلتم دوني وكأن قد.
وعن بكر بن عيسى: أنهم لما أغاروا بالسواد، قام علي عليه السلام فخطب إليهم فقال:
أيها الناس ما هذا؟! فوالله إن كان ليدفع عن القرية بالسبعة نفر من المؤمنين تكون فيها.
وعن ثعلبة بن يزيد الحماني أنه قال: بينما أنا في السوق إذ سمعت مناديا ينادي الصلاة جامعة، فجئت أهرول والناس يهرعون، فدخلت الرحبة فإذا علي عليه السلام على منبر من طين مجصص وهو غضبان، قد بلغه أن ناسا قد أغاروا بالسواد، فسمعته يقول: أما ورب السماء والأرض ثم رب السماء والأرض، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله أن الأمة ستغدر بي.
وعن المسيب بن نجبة الفزاري أنه قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: إني قد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بطاعتهم إمامهم ومعصيتكم إمامكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، وبصلاحهم في أرضهم وفسادكم في أرضكم، وباجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم حتى تطول دولتهم وحتى لا يدعو الله محرما إلا استحلوه، حتى لا يبقى بيت وبر ولا بيت مدر إلا دخله جورهم وظلمهم حتى يقوم الباكيان، باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه، وحتى لا يكون منكم إلا نافعا لهم أو غير ضار بهم وحتى يكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيده إذا شهد أطاعه وإذا غاب سبه، فإن أتاكم الله بالعافية فاقبلوا وإن ابتلاكم فاصبروا فإن العاقبة للمتقين.
وعن يحيى بن صالح عن أصحابه: أن عليا عليه السلام ندب الناس عند ما أغاروا على نواحي السواد، فانتدب لذلك شرطة الخميس، فبعث إليهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ثم وجههم فساروا حتى وردوا تخوم الشام، وكتب علي عليه السلام إلى معاوية:
إنك زعمت أن الذي دعاك إلى ما فعلت الطلب بدم عثمان، فما أبعد قولك من فعلك. ويحك، وما ذنب أهل الذمة في قتل ابن عفان؟! وبأي شئ تستحل أخذ فئ المسلمين؟! فانزع ولا تفعل واحذر عاقبة البغي والجور. وإنما مثلي ومثلك كما قال بلعاء لدريد بن الصمة:
مهلا دريد عن التسرع إنني * ماضي الجنان بمن تسرع مولع مهلا دريد عن السفاهة إنني * ماض على رغم العداة سميدع مهلا دريد لا تكن لاقيتني * يوما دريد فكل هذا يصنع إذا أهانك معشر أكرمهم * فتكون حيث ترى الهوان وتسمع فأجابه معاوية: أما بعد، فإن الله أدخلني في أمر عزلك عنه نائيا عن الحق، فنلت منه أفضل أملي، فأنا الخليفة المجموع عليه ولم تصب مثلي ومثلك، إنما مثلي ومثلك كما قال بلقاء حين صولح على دم أخيه ثم نكث فعنفه قومه فأنشأ يقول:
ألا آذنتنا من تدللها ملس * وقالت: أما بيني وبينك من بلس وقالت: ألا تسعى فتدرك ما مضى * وما أهلك الحانون والقدح الضرس أتأمرني سعد وليث وجندع * ولست براض بالدنيئة والوكس
يقولون: خذ وكسا وصالح عشيرة * فما تأمرني بالهموم إذا أمسي قال جندب بن عبد الله الوائلي: كان علي عليه السلام يقول: أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثا: ذلا شاملا، وسيفا قاتلا، وأثرة يتخذها الظالمون عليكم سنة، فستذكروني عند تلك الحالات فتمنون لو رأيتموني ونصرتموني وأهرقتم دماءكم دون دمي فلا يبعد الله إلا من ظلم.
وكان جندب بعد ذلك إذا رأى شيئا مما يكرهه قال: لا يبعد الله إلا من ظلم.
وعن عمرو بن قعين قال: دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي فقال:
إني مسر إليك سرا فلا تطلعن على سري أحدا حتى تخرج من أهل الشام كلها ، إني باعثك إلى أهل الله وإلى حرم الله وأهلي وعشيرتي وبيضتي التي انفلقت عني، وفيها جل من قتل عثمان وسفك دمه، فسر على بركة الله حتى تنزل مكة فإنك الآن تلاقي الناس هناك بالموسم، فادع الناس إلى طاعتنا واتباعنا فإن أجابوك فاكفف عنهم واقبل منهم، وإن أدبروا عنك فنابذهم وناجزهم وتقاتلهم حتى تبلغهم أني قد أمرتك أن تبلغ عني، فإنهم الأصل والعشيرة وإني لاستبقائهم محب ولاستيصالهم كاره ثم صل بالناس وتول أمر الموسم.
فقال له يزيد: إنك وجهتني إلى قوم الله ومجمع الصالحين، فإن رضيت أن أسير إليهم وأعمل فيهم برأيي وبما أرجو أن يجمعك الله وإياهم به سرت إليهم، وإن كان لا يرضيك عني إلا الغشم وتجريد السيف وإخافة البرئ ورد العذرة فلست بصاحب ما هناك، فاطلب لهذا الأمر غيري.
فقال له: سر راشدا فقد رضيت برأيك وبسيرتك، وكان رجلا ناسكا يتأله وكان عثمانيا وكان ممن شهد مع معاوية صفين.
فخرج [ابن شجرة] من دمشق مسرعا وقال: اللهم إن كنت قضيت أن يكون بين هذا الجيش الذي وجهت، وبين أهل حرمك الذي وجهت إليه قتال فاكفنيه، فإني لست أعظم قتال من شرك في قتل عثمان خليفتك المظلوم ولا قتال من خذله ولكني أعظم القتال في حرمك الذي حرمت.
فخرج يسير وقدم أمامه الحارث بن نمير، فأقبلوا حتى مروا بوادي القرى ثم أخذوا على الجحفة ثم مضوا حتى قدموا مكة في عشر ذي الحجة.
وعن عباس بن [سهل بن] سعد الأنصاري قال: لما سمع قثم بن العباس بدنوهم منه قبل أن يفصلوا من الجحفة وكان عاملا لعلي عليه السلام على مكة، فقام في أهل مكة وذلك في سنة تسع وثلاثين، فحمد الله وأثنى عليه ودعاهم إلى الجهاد وقال:
بينوا لي ما في أنفسكم ولا تغروني. فسكت القوم مليا فقال: قد بينتم لي ما في أنفسكم. فذهب لينزل فقام شيبة بن عثمان فقال: رحمك الله أيها الأمير لا يقبح فينا أمرك ونحن على طاعتنا وبيعتنا وأنت أميرنا وابن عم خليفتنا فإن تدعنا نجبك فيما أطقنا ونقدر عليه.
فقرب [قثم] دوابه وحمل متاعه وأراد التنحي من مكة، فأتاه أبو سعيد الخدري وقال: ما أردت؟ قال: قد حدث هذا الأمر الذي بلغك وليس معي جند أمتنع به، فرأيت أن أعتزل عن مكة فإن يأتني جند أقاتل بهم، وإلا كنت قد تنحيت بدمي. قال له: إني لم أخرج من المدينة حتى قدم علينا حاج أهل العراق وتجارهم يخبرون أن الناس بالكوفة قد ندبوا إليك مع معقل بن قيس الرياحي. قال: هيهات هيهات يا أبا سعيد إلى ذلك ما يعيش أولادنا. فقال له أبو سعيد: رحمك الله فما عذرك عند ابن عمك، وما عذرك عند العرب انهزمت قبل أن تطعن وتضرب؟! فقال: يا أبا سعيد إنك لا تهزم عدوك ولا تمنع حريمك
بالمواعيد والأماني إقرأ كتاب صاحبي فقرأه أبو سعيد فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى قثم بن العباس: سلام عليك. أما بعد، فإن عيني بالمغرب كتب إلي يخبرني أنه قد وجه إلى الموسم ناس من العرب، من العمي القلوب، الصم الأسماع، الكمه الأبصار، الذين يلبسون الحق بالباطل، ويطيعون المخلوقين في معصية الخالق، ويجلبون الدنيا بالدين، ويتمنون على الله جوار الأبرار، وإنه لا يفوز بالخير إلا عامله، ولا يجزى بالسئ إلا فاعله.
وقد وجهت إليكم جمعا من المسلمين ذوي بسالة ونجدة مع الحسيب الصليب الورع التقي معقل بن قيس الرياحي، وقد أمرته باتباعهم وقص آثارهم حتى ينفيهم من أرض الحجاز. فقم على ما في يديك مما إليك مقام الصليب الحازم المانع سلطانه الناصح للأمة، ولا يبلغني عنك وهن ولا خور وما تعتذر منه، ووطن نفسك على الصبر في البأساء والضراء، ولا تكونن فشلا ولا طائشا ولا رعديدا والسلام.
فلما قرأ أبو سعيد الكتاب قال قثم: ما ينفعني من هذا الكتاب وقد سمعت بأن قد سبقت خيلهم خيله؟ وهل يأتي جيشه حتى ينقضي أمر الموسم كله؟
فقال له أبو سعيد: إنك إن أجهدت نفسك في مناصحة إمامك خرجت من اللائمة، وقضيت الذي عليك من الحق، فإن القوم قد قدموا وأنت في الحرم، والحرم حرم الله.
فأقام قثم وجاء يزيد بن شجرة حتى دخل مكة، ثم أمر مناديا فنادى في الناس ألا إن الناس كلهم آمنون، إلا من عرض لنا في عملنا وسلطاننا وذلك قبل التروية بيوم.
فلما كان ذلك مشت قريش والأنصار ومن شهد الموسم من الصحابة وصلحاء الناس فيما بينهما وسألتهما أن يصطلحا، فكلاهما سره ذلك الصلح، فأما قثم فإنه لم يثق بأهل مكة ولا رأى أنهم يناصحونه، وأما يزيد فكان رجلا متنسكا وكان يكره أن يكون منه في الحرم شر.
وعن عمرو بن محصن قال: قام يزيد بن شجرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الحرم ومن حضره فإني وجهت إليكم لأصلي بكم وأجمع وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فقد رأيت والي هذه البلدة كره الصلاة معنا ونحن للصلاة معه كارهون فإن شاء اعتزلنا الصلاة بالناس واعتزلها وتركنا أهل مكة يختارون لأنفسهم من أحبوا حتى يصلي بهم فإن أبى فأنا آبى وآبى والذي لا إله غيره لو شئت لصليت بالناس وأخذته حتى أرده إلى الشام وما معه من يمنعه ولكن والله ما أحب أن أستحل حرمة هذا البلد الحرام.
قال: ثم إن يزيد بن شجرة أتى أبا سعيد الخدري فقال: رحمك الله الق هذا الرجل فقل له لا أب لغيرك اعتزل الصلاة بالناس وأعتزلها ودع أهل مكة يختاروا لأنفسهم فوالله لو أشاء لبعتك وإياهم ولكن والله ما يحملني على ما تسمع إلا رضوان الله واحترام الحرم فإن ذلك أقرب للتقوى وخير في العاقبة.
قال له أبو سعيد: ما رأيت من أهل المغرب أصوب مقالا ولا أحسن رأيا منك.
فانطلق أبو سعيد إلى قثم فقال: ألا ترى ما أحسن ما صنع الله لك وذكر له ذلك فاعتزلا الصلاة واختار الناس شيبة بن عثمان فصلى بهم.
فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام، وأقبلت خيل علي عليه السلام فأخبروا بعود أهل الشام، فتبعوهم وعليهم معقل بن قيس فأدركوهم وقد رحلوا عن وادي القرى، فظفروا بنفر منهم وأخذوهم أسارى وأخذوا ما معهم ورجعوا إلى أمير المؤمنين، ففادى بهم أسارى كانت له عند معاوية.
وقال إبراهيم: قال أمير المؤمنين عليه السلام لأهل الكوفة:
ما أرى هؤلاء القوم - يعني أهل الشام - إلا ظاهرين عليكم. قالوا: تعلم بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: أرى أمورهم قد غلت، وأرى نيرانكم قد خبت، وأراهم جادين وأراكم وانين، وأراهم مجتمعين وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم طائعين وأراكم لي عاصين.
وأيم الله لئن ظهروا عليكم لتجدنهم أرباب سوء من بعدي، كأني أنظر إليهم قد شاركوكم في بلادكم وحملوا إلى بلادهم فيئكم.
وكأني أنظر إليكم يكش بعضكم على بعض كشيش الضباب، لا تمنعون حقا ولا تمنعون لله حرمة، وكأني أنظر إليهم يقتلون قراءكم. وكأني بهم يحرمونكم ويحجبونكم ويدنون أهل الشام دونكم، فإذا رأيتم الحرمان والأثرة ووقع السيف، تندمتم وتحزنتم على تفريطكم في جهادكم، وتذكرتم ما فيه من الحفظ حين لا ينفعكم التذكار.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: ما لقي أحد من الناس ما لقيت. ثم بكى.
توضيح: في النهاية: فيه " كأن في جوفي شوكة الهراس " هو شجر أو بقل ذو شوك. وفي القاموس: الهراس كسحاب: شجر شائك ثمره كالنبق.
انتهى.
[قوله عليه السلام:] " وكأن قد " هذا من قبيل الاكتفاء أي: وكأن قد وقع هذا الأمر عن قريب. والسميدع بالفتح: السيد الموطوء الأكتاف. ذكره الجوهري. وقال: ضرست السهم إذا أعجمته. والوكس: النقص قوله: " إلى ذلك
ما يعيش أولادنا " هذا استبطاء للجيش أي: يأتي المدد بعد أن قتلنا وأولادنا. 931 - نهج: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله تعالى لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة.
فمن تركه ألبسه الله لباس الذل، وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماء، وضرب على قلبه بالإسداد، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف.
ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان.
هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها.
ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، ولا أريق لهم دم. فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا.
فيا عجبا عجبا، والله يميت القلب، ويجلب الهم، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله فيكم وترضون. فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر، قلتم: هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر أمهلنا ينسلخ عنا البرد.
كل هذا فرار من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من
السيف أفر.
يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة. والله جرت ندما وأعقبت ذما.
قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش:
إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب.
لله أبوهم، وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني؟! ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، فها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع.
932 - كا: أحمد بن محمد بن سعيد عن جعفر بن عبد الله العلوي وأحمد بن محمد الكوفي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن إسحاق، جميعا عن فرج بن قرة عن مسعدة بن صدقة عن ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عنه عليه السلام مثله.
بيان:
قال ابن ميثم وغيره: هذه الخطبة مشهورة، ذكرها أبو العباس المبرد وغيره، والسبب المشهور لها، أنه ورد عليه علج من الأنبار فأخبره أن سفيان بن عوف الغامدي قد ورد في خيل معاوية إلى الأنبار، وقتل عامله حسان بن حسان البكري، فصعد عليه السلام المنبر وخطب الناس وقال:
إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم،
فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا. ثم سكت رجاء أن يجيبوه بشئ، فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة والناس يمشون خلفه، حتى أحاط به قوم من أشرافهم وقالوا: ترجع يا أمير المؤمنين ونحن نكفيك.
فقال: ما تكفوني ولا تكفون أنفسكم. فلم يزالوا به حتى ردوه إلى منزله.
فبعث سعيد بن قيس الهمداني في ثمانية آلاف في طلب سفيان، فخرج حتى انتهى إلى أداني أرض قنسرين ورجع.
وكان عليه السلام في ذلك الوقت عليلا لا يقوى على القيام في الناس بما يريده من القول، فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ومعه الحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن جعفر، ودعا سعيدا مولاه فدفع إليه كتابا كتب فيه هذه الخطبة، وأمره أن يقرأه على الناس بحيث يسمع ويسمعونه.
وفي رواية المبرد أنه لما انتهى إليه ورود خيل معاوية الأنبار وقتل حسان، خرج مغضبا يجر رداءه حتى أتى النخيلة ومعه الناس ورقا رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم ذكر الخطبة.
ولنرجع إلى الشرح والبيان:
قوله عليه السلام: " باب من أبواب الجنة " روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: للجنة باب يقال له باب المجاهدين، يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع في الموقف والملائكة ترحب بهم.
وفي الكافي: " لخاصة أوليائه، وسوغهم كرامة منه لهم، ونعمة ذخرها، والجهاد لباس التقوى " فقوله عليه السلام: " نعمة " عطف على " باب " أو على " كرامة ".
قوله عليه السلام: " وهو لباس التقوى " أي: به يتقى في الدنيا من غلبة
الأعادي، وفي الآخرة من النار، أو هو يدفع المضار عن التقوى ويحرسها، أو عن أهلها بحذف المضاف، وكونه تأويلا لقوله تعالى: (ولباس التقوى) يحتاج إلى تكلف ما. " ودرع الله " أي: درع جعلها الله لحفظ عباده. والمراد: درع الحديد وهي مؤنثة وقد تذكر. و " الحصينة ": الواقية. والجنة بالضم. كل ما وقاك واستترت به. والوثيقة المحكمة.
" فمن تركه " في الكافي: " رغبة عنه " أي: كراهة له بغير علة.
[قوله عليه السلام:] " لباس الذل " الإضافة للبيان.
قوله عليه السلام: " وشمله البلاء ": ربما يقرأ بالتاء وهي كساء يغطى به، والفعل أظهر كما هو المضبوط.
قوله عليه السلام: " وديث بالصغار " أي: ذلل كما مر والصغار: الذل والضيم. والقماء ممدودا الذل والصغار. ورواه الراوندي مقصورا وهو غير معروف. وفي الكافي: " القماءة ".
قوله عليه السلام: " وضرب على قلبه بالإسداد " قال الفيروزآبادي:
وضربت عليه بالسداد: سدت عليه الطرق، وعميت عليه مذاهبه. وفي بعض النسخ " بالإسهاب "، يقال: أسهب الرجل على البناء للمفعول إذا ذهب عقله من أذى يلحقه.
" وأديل الحق منه " أي يغلب الحق عليه فيصيبه الوبال لترك الحق كقوله [عليه السلام] في الصحيفة [السجادية]: " أدل لنا ولا تدل منا ". والإدالة:
الغلبة. والباء في قوله بتضييع الجهاد للسببية.
وقال في [مادة خسف من] النهاية في حديث علي عليه السلام: " من ترك الجهاد ألبسه الله الذل وسيم الخسف " الخسف: النقصان والهوان وأصله أن تحبس الدابة على غير علف، ثم استعير موضع الهوان. وسيم: كلف وألزم.
" ومنع النصف " أي: لا يتمكن من الانتصاف والانتقام.
وعقر الشئ: أصله ووسطه. وتواكل القوم: اتكل بعضهم بعضا وترك الأمر إليه.
وتخاذلوا، أي: خذل بعضهم بعضا.
[قوله عليه السلام] " وشنت " أي: فرقت. قال ابن أبي الحديد: ما كان من ذلك متفرقا نحو إرسال الماء على الوجه دفعة بعد دفعة فهو بالشين المعجمة، وما كان إرسالا غير متفرق فبالسين المهملة.
وكلمة " على " في " ملكت عليكم " تفيد الاستعلاء بالقهر والغلبة، أي:
أخذوا الأوطان منكم بالقهر. " وأخو غامد " هو سفيان بن عوف الغامدي.
" والأنبار " بلد قديم من بلاد العراق.
وحسان: من أصحابه عليه السلام كان والياء عليه.
والمسالح: جمع المسلحة وهي الحدود التي يرتب فيها ذوو الأسلحة لدفع العدو كالثغر.
والحجل بكسر الحاء وفتحها: الخلخال. والقلب بالضم: السوار المصمت. والرعاث: جمع رعثة بفتح الراء وسكون العين وفتحها وهي القرط.
والرعاث أيضا: ضرب من الحلي والخرز.
والاسترجاع قول: إنا لله وإنا إليه راجعون وقيل: ترديد الصوت في البكاء. والاسترحام: مناشدة الرحم، أي قول: أنشدك الله والرحم. وقيل:
طلب الرحم وهو بعيد.
قوله عليه السلام: " وافرين " أي تامين، يقال: وفر الشئ أي تم.
ووفرت الشئ: أي: أتممته. وفي رواية المبرد " موفورين " بمعناه. والكلم:
الجراحة.
قوله عليه السلام: " فيا عجبا " أصله يا عجبي، أي أحضر هذا أوانك.
" وعجبا " منصوب بالمصدرية، أي: أيها الناس، تعجبوا منهم عجبا. والقسم معترض بين الصفة والموصوف. " والترح " محركة ضد الفرح. " وحمارة القيظ " بتشديد الراء: شدة حره وربما خففت للضرورة في الشعر. " وصبارة الشتاء " بتشديد الراء: شدة برده.
وفي القاموس: تسبخ الحر: فتر وسكن كسبخ تسبيخا. والحلوم: جمع الحلم بالكسر وهو الإناءة والعقل.
و " ربات الحجال ": النساء، أي صواحبها أو اللاتي ربين فيها.
وفي بعض النسخ بنصب " الحلوم والعقول " ففي الكلام تقدير، أي: يا ذوي حلوم الأطفال، وذوي عقول النساء. وفي بعضها بضمها أي: حلومكم حلوم الأطفال، وعقولكم عقول النساء.
قوله عليه السلام: " معرفة " يمكن أن يكون فعله محذوفا، أي: عرفتكم معرفة. " أعقب ذما " أي: ذمي أياكم أو أياها. وفي بعض النسخ " سدما " وهو بالتحريك الهم أو مع ندم أو غيظ. و " مقاتلة الله " كناية عن اللعن والإبعاد.
و " القيح ": الصديد بلا دم.
قوله عليه السلام: " وشحنتم " أي ملأتم. و " النغب ": جمع نغبة وهي الجرعة. و " التهمام " بفتح التاء: الهم. " أنفاسا " أي جرعة جرعة.
قوله عليه السلام: " لله أبوهم " كلمة مدح، ولعلها استعملت هنا للتعجب. و " المراس " بالكسر: العلاج. والضمائر الثلاثة للحرب وهي مؤنثة وقد
تذكر.
قوله عليه السلام: " ذرفت " بتشديد الراء أي: زدت.
[933 - نهج: و] من خطبة له عليه السلام:
أيها الناس! المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء. تقولون في المجالس: كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد.
ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم. أعاليل بأضاليل دفاع ذي الدين المطول. لا يمنع الظيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد.
أي دار بعد داركم تمنعون! ومع أي إمام بعدي تقاتلون! المغرور والله من غررتموه ومن فاز بكم [فقد] فاز [- والله -] بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل.
أصبحت - والله - لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم.
ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم. أقولا بغير علم؟
وغفلة من غير ورع؟ وطمعا في غير حق!
934 - شا: [و] من كلامه عليه السلام في استبطاء من قعد عن نصرته:
أيها الناس المجتمعة أبدانهم [وساق الخطبة الشريفة] إلى قوله وفعلكم
يطمع فيكم عدوكم المرتاب ".
[ثم ساقها] إلى قوله: " سألتموني التأخير دفاع ذي الدين ".
[ثم ساق الكلام] إلى قوله: " أطمع في نصرتكم فرق الله بيني وبينكم، وأبدلني بكم من هو خير لي منكم.
والله لوددت أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم.
بيان:
قال الشراح لما سمع معاوية اختلاف الناس على علي عليه السلام، وتفرقهم عنه، وقتله من قتل من الخوارج، بعث الضحاك بن قيس في أربعة آلاف وأوعز إليه بالنهب والغارة، فأقبل [الضحاك] يقتل وينهب حتى مر بالثعلبية وأغار على الحاج، فأخذ أمتعتهم، وقتل عمرو بن عميس بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقتل معه ناسا من أصحابه، فلما بلغ ذلك عليا عليه السلام، استصرخ أصحابه واستشارهم إلى لقاء العدو، فتلكأوا ورأى منهم فشلا، فخطبهم بهذه الخطبة.
والوهي: الضعف. ووهي الحجر والسقاء - كوقي -: أي انشق. وأوهاه:
شقه. والصم والصلاب من أوصاف الحجارة. والصخرة الصماء: التي ليس فيها صدع ولا خرق. و " كيت وكيت " كناية عن القول.
قوله عليه السلام: " حيدي حياد " قال ابن أبي الحديد: هي كلمة يقولها الهارب الفار ، وهي نظير قولهم: فيحي فياح أي اتسعي.
وقال ابن ميثم: حياد: اسم للغارة، والمعنى: إعدلي عنا أيتها الحرب.
ويحتمل أن يكون حياد من أسماء الأفعال كنزال فيكون قد أمر بالتنحي مرتين بلفظين مختلفين.
أقول: قسم السيد الرضي رحمه الله صيغة " فعال " المبني إلى أربعة أقسام، وعد منها ما كانت صفة للمؤنث غير لازمة للنداء، وعد من هذا القسم " حياد وفياح " وقال: [معنى] حيدي حياد: أي ارجعي يا راجعة. وجعل حذف حرف النداء عن " حياد " وأمثالها دليلا على أنها أعلام للأجناس، وحينئذ لا يكون " حياد " اسما للغارة ولا بمعنى الأمر، وهي وأمثالها مبنية على الكسر.
والعزة: الغلبة والشدة وفي الإسناد إلى الدعوة توسع.
[قوله عليه السلام:] " ولا استراح ": أي ما وجد الراحة. و " قاساه ":
كابده. والباء في قوله عليه السلام: " بأضاليل " متعلقة ب " أعاليل ": أي يتعللون بالأضاليل التي لا جدوى لها.
وقال ابن ميثم رحمه الله: " أعاليل وأضاليل ": جمع أعلال وأضلال، وهما جمع علة اسم ما يتعلل به من مرض وغيره. وضلة: اسم الضلال وهو خبر مبتدأ محذوف، أي إذا دعوتكم إلى القتال تعللتم، وهي أعاليل باطلة ضلة عن سبيل الله.
قوله عليه السلام: " دفاع " قال ابن ميثم: يحتمل أن يكون تشبيها لدفاعهم بدفاع ذي الدين المطول، فيكون منصوبا بحذف الجار.
ويحتمل أن يكون استعارة لدفاعهم ليكون مرفوعا.
و " المطول ": كثير المطال، وهو تطويل الوعد وتسويفه. و " الضيم ":
الظلم.
قوله عليه السلام: " أي دار بعد داركم " أي: دار الإسلام أو العراق، أي:
إذا أخرجكم العدو عن دياركم ومساكنكم فعن أي دار أو في أي دار تمنعونهم؟
وفي بعض النسخ: " تمتعون " على التفعل بحذف إحدى التائين، أي:
بأي دار تنتفعون.
[قوله عليه السلام:] " المغرور ": أي: الكامل الغرور. أو ليس المغرور إلا من غررتموه. والتعبير عن الابتلاء بهم بالفوز على التهكم.
وقال ابن ميثم: و " الأخيب ": أشد خيبة وهي الحرمان. و " السهم الأخيب ": التي لا غنم لها في الميسر، كالثلاثة المسماة بالأوغاد، أو التي فيها غرم، كالتي لم تخرج حتى استوفيت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم وخيبة.
ويكون إطلاق الفوز على حصولها مجازا من باب إطلاق أحد الضدين على الآخر.
و " الأفوق ": السهم المكسور الفوق وهو موضع الوتر منه.
و " الناصل ": الذي لا نصل فيه. والإيعاد والوعيد في الشر غالبا كالوعد والعدة في الخير. وعدم الإيعاد إما لعدم الطمع في نصرهم، أو لعدم خوف العدو منهم.
والبال: الحال والشان.
قوله عليه السلام: " ما طبكم ": أي ما علاجكم. وقيل: أي: ما عادتكم.
قوله عليه السلام: " أقولا بغير علم ". نصب المصادر بالأفعال المقدرة وقولهم بغير علم [هو] قولهم: " إنا نفعل بالخصوم كذا وكذا " مع أنه لم يكن في قلوبهم إرادة الحرب، أو دعواهم الإيمان والطاعة مع عدم الإطاعة، فكأنهم لا يذعنون بما يقولون.
وفي بعض النسخ: " [أقولا] بغير عمل " وهو أظهر. و " غفلة ": أي عما يصلحكم. " من غير ورع " يحجزكم عن محارم الله وينبهكم عن الغفلة.
وفي بعض النسخ: " وعفة من غير ورع، وطمعا في غير حق " [و] لعله عليه السلام كان علم أن سبب تسويف بعضهم، [هو] طمعهم في أن يعطيهم زيادة على ما يستحقونه كما فعل معاوية والخلفاء قبله.
935 - نهج: [و] من خطبة له عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام: أف لكم! لقد سئمت عتابكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا وبالذل من العز خلفا! إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم، كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة. يرتج عليكم حواري فتعمهون، فكأن قلوبكم مألوسة، فأنتم لا تعقلون. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم بركن يمال بكم ولا زوافر عز يفتقر إليكم. ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر.
لبئس - لعمر الله - سعر نار الحرب أنتم! تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون. لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون [لاهون " خ "] غلب والله المتخاذلون.
وأيم الله، إني لأظن بكم أن لو حمس الوغا، واستحر الموت، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس من الجسد.
والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه، يعرق لحمه، ويهشم عظمه، ويفري جلده، لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت، فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية يطير منه فراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء.
أيها الناس! إن لي عليكم حقا، ولكم علي حق.
فأما حقكم [علي] فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا [تعلموا " خ "].
وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم.
بيان:
روي أنه عليه السلام خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج، بالنهروان فحمد الله وأثنى عليه وقال:
أما بعد فإن الله تعالى قد أحسن نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام.
فقالوا له: قد نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ارجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا لنستعين به.
فأجابهم: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) [21 / المائدة: 5]. فتلكأوا عليه وقالوا:
إن البرد شديد. فقال [لهم]: إنهم يجدون البرد كما تجدون، ثم تلا قوله تعالى (قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) [22 / المائدة: 5].
فقام ناس منهم واعتذروا بكثرة الجراح في الناس، وطلبوا [منه] أن يرجع بهم إلى الكوفة أياما ثم يخرج [بهم].
فرجع بهم غير راض [بما اقترحوا] وأنزلهم النخيلة، وأمرهم أن يلزموا معسكرهم، ويقلوا زيارة أهلهم، فلم يقبلوا ودخلوا الكوفة حتى لم يبق معه إلا قليل، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس فقال:
أيها الناس! استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله، ودرك الوسيلة عنده، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به، وجفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكعون في غمرة الضلالة، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ،
وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا. فتركهم أياما ثم خطبهم بهذه الخطبة. و " أف " بالضم والتشديد والتنوين: كلمة تضجر وتكره، ولغاتها أربعون، منها: كسر الفاء كما في بعض النسخ.
و [قوله عليه السلام] " عوضا " و " خلفا " نصبهما على التميز. ودوران أعينهم: إما للخوف من العدو، أو للحيرة والتردد بين مخالفته عليه السلام والإقدام على الحرب، وفي كليهما خطر عندهم.
والغمرة: الشدة. وغمرات الموت: سكراته التي يغمر فيها العقل.
والسكر - بالفتح -: ضد الصحو، والاسم بالضم. وسكرة الموت: شدته وغشيته. وفي الكلام إشارة إلى قوله تعالى: ([فإذا جاء الخوف رأيتهم] ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت).
" يرتج عليكم حواري ": أي يغلق عليكم محاورتي ومخاطبتي. والألس:
الجنون واختلاط العقل، يقال: ألس فهو مألوس. [و] " سجيس الليالي ": كلمة يقال للأبد، تقول: لا أفعله سجيس الليالي، أي: أبدا. [و] " يمال بكم " أي يستند إليكم ويمال بكم إلى العدو، أو الباء بمعنى إلى.
وزوافر الرجل: أنصاره وعشيرته. وزفرت الحمل: حملته. و [لفظة] " زوافر في أكثر النسخ بالجر عطفا على المجرور. وفي بعضها بالنصب عطفا على الظرف.
والإبل: اسم للجمع. [و] " ضل رعاتها ": أي ضاع وفقد من يعلم حالها والحيلة في جمعها، أو لم يهتد من يرعاها إلى طريق جمعها.
" لبئس لعمرو الله ": اللام جواب القسم، والتكرير للتأكيد، والعمرو - بالفتح -: العمر وهو قسم ببقاء الله. والسعر اسم جمع لساعر، وإسعار النار وسعرها: إيقادها.
والامتعاض: الغضب. و " أيم " مخفف أيمن. وهو جمع يمين، أي أيم الله قسمي. و " حمس " - كفرح -: أشتد. و " الوغا " الأصوات والجلبة، ومنه قيل للحرب وغا. و " استحر الموت ": أي اشتد وكثر.
[قوله عليه السلام:] " قد انفرجتم ": أي تفرقتم. وانفرج الرأس مثل لشدة التفرق.
قيل: أول من تكلم به أكثم بن ضيفي في وصية له [لبنيه قال:] يا بني لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنكم بعد ذلك لا تجتمعون على عز.
وفي معناه أقوال:
الأول: قال ابن دريد: معناه أن الرأس إذا انفرج عند البدن لا يعود إليه.
الثاني: قال المفضل : الرأس اسم رجل تنسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها: بيت الرأس، وفيها تباع الخمر، وهذا الرجل قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد فضرب به المثل.
الثالث: قال بعضهم: معناه أن الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض، كان بعيدا عن الالتئام والعود إلى الصحة.
الرابع: قيل معناه: انفرجتم عني رأسا. ورد بأن " رأسا " لا يعرف.
الخامس: قيل: المعنى انفراج رأس من أدنى رأسه إلى غيره ثم حرف رأسه عنه.
السادس: قيل: الرأس الرجل العزيز، لأن الأعزاء لا يبالون بمفارقة أحد.
السابع: معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنه في غاية الشدة [و] نحوه قوله عليه السلام: في موضع آخر: " انفراج المرأة عن قبلها ". وبعده واضح.
وعرق اللحم - كنصر -: أكله ولم يبق منه على العظم شيئا. وهشم العظم - كضرب -: كسره. وفريت الشئ قطعته. و " الجوانح ": الأضلاع التي تحت الترائب، وهي مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر. و " ما ضمت عليه ": هو القلب. والمذكورات كنايات عن النهب والأسر والاستئصال وأنواع الضرر.
قوله عليه السلام: " فكن ذاك إن شئت " قال ابن أبي الحديد: خاطب من يمكن عدوه من نفسه خطابا عاما، لكن الرواية وردت بأنه عليه السلام خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فإنه قال لعلي عليه السلام حين [كان] يلوم الناس على تقاعدهم [عنه] -: " هلا فعلت فعل ابن عفان! ". فقال: " إن فعل ابن عفان مخزاة على من لا دين له ولا وثيقة معه، إن امرء مكن عدوه من نفسه، يهشم عظمه، ويفري جلده لضعيف رأيه، مأفون عقله، فكن ذاك إن أحببت.
فأما أنا فدون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية " إلى آخر الفصل. انتهى.
أقول: سيأتي تمام القول برواية المفيد.
[قوله عليه السلام:] " فأما أنا فوالله ": الظاهر أن خبر " أنا " الجملة التي خبرها " دون "، والمبتدأ [هو قوله:] " ضرب ". و " [قوله:] " ذلك " إشارة إلى تمكين العدو، أو فعل ما فعله عثمان.
والمشرفية بفتح الميم والراء: سيوف منسوبة إلى مشارف اليمن. وفراش الهام: العظام الرقيقة تلي القحف. وطاح يطيح أي : سقط. وأوزعه بالشئ:
أغراه. وسكع - كمنع وفرح -: مشى مشيا متعسفا لا يدري أين يأخذ من بلاد الله وتحير كتسكع.
[قوله عليه السلام:] " كيلا تجهلوا ": أي [كي لا] تبقوا على الجهالة.
936 - 937 - نهج: ومن كلام له عليه السلام في ذم أصحابه:
كم أداريكم كما تداري البكار العمدة، والثياب المتداعية، كلما حيصت من جانب، تهتكت من أخرى. أكلما أظل عليكم منسر من مناسر أهل الشام، أغلق كل رجل منكم بابه، وانجحر انجحار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها، الذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل.
إنكم والله لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات. وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي، أضرع الله خدودكم، وأتعس جدودكم، لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق.
وقال عليه السلام في سحرة اليوم الذي ضرب فيه: ملكتني عيني وأنا جالس، فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد. فقال: " ادع عليهم ". فقلت: أبدلني الله بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني.
قال السيد [الرضي] رضي الله عنه: يعني عليه السلام ب " الأود ":
الاعوجاج، وب " اللدد ": الخصام. وهذا من أفصح الكلام.
إيضاح: البكار بالكسر، جمع بكر بالفتح، وهو الفتي من الإبل.
والعمدة بكسر الميم من العمد [وهو]: الورم والدبر. وقيل العمدة: التي كسرها ثقل حملها. وقيل: التي قد انشدخت أسنمتها من داخل وظاهرها صحيح.
والثياب المتداعية: الخلقة التي تنخرق، فكأنه يدعو الباقي إلى الانخراق.
وحاص الثوب يحوصه حوصا: خاطه. وتهتكت أي: تخرقت. و " أظل عليكم ":
أي أقبل إليكم ودنا منكم. وفي بعض النسخ: " [أطل عليكم] " - بالمهملة -:
أي أشرف.
والمنسر - كمجلس وكمنبر -: القطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكثير. والجحر - بالضم -: كل شئ يحتفره السباع والهوام لأنفسها. وجحر الضب - كمنع - أي: دخله. وجحره غيره: أدخله فانجحر وتجحر وكذلك أجحره. والضبع مؤنثة ووجارها - بالكسر -: جحرها.
والأفوق: المكسور الفوق والناصل: النزوع النصل. والباحة: الساحة.
والراية العلم. والأود - بالتحريك -: العوج.
والمراد يصلحهم: إقامة مراسم السياسة [فيهم] من القتل والتعذيب والحيل والتدابير المخالفة لأمر الله تعالى.
والضراعة: الذل والاستكانة. والتعس: الهلاك والانحطاط. والجد:
البخت والحظ. ولغرض، الدعاء عليهم بالخزي والخيبة.
قوله عليه السلام: " لا تعرفون الحق ": المراد بالحق، إما أوامر الله تعالى، أو أمور الآخرة. وبالباطل: زخارف الدنيا. أو الحق متابعته عليه السلام ونصره.
والباطل: عصيانه وترك نصرته. أو الحق: الدلائل الدالة على فرض طاعته، والباطل: الشبه الفاسدة، كشبهتهم في خطر قتال أهل القبلة.
و [المراد ب] المعرفة: إما العلم أو العمل بما يقتضيه من نصرة الحق وإنكار المنكر. والسحرة - بالضم -: السحر الأعلى. وملك العين: كناية عن غلبة النوم. و " سنح لي ": أي رأيته في المنام، أو مر بي معترضا.
وبناء التفضيل في [قوله عليه السلام:] " شرا " على اعتقاد القوم، فإنهم لما لم يطيعوه حق الطاعة، فكأنهم زعموا فيه شرا. 938 - نهج: من كلام له عليه السلام: " ولئن أمهل الله الظالم، فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجى من مساغ ريقه.
أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن، لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي.
ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي.
استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، أشهود كغياب! وعبيد كأرباب!
أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلي عشية كظهر الحنية [الحية " خ "] عجز المقوم وأعضل المقوم.
أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم! صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم.
يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء لا إخوان ثقة عند البلاء.
تربت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها! كلما جمعت من جانب
تفرقت من جانب [آخر]، والله لكأني بكم فيما إخال لو حمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها. وإني لعلى بينة من ربي، ومنهاج من نبيي، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا.
أنظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا.
لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا منكم يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، [و] قد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله سبحانه هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء الثواب.
تبيان:
[قوله عليه السلام]: " فلن يفوت ": المفعول محذوف أي: فلن يفوته.
والأخذ: التناول والعقوبة. والمرصاد: الطريق يرصد بها. والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم وغيره، وموضع الشجى هو الحلق. ومساغ ريقه: موضع إساغته.
وساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق. وسغت الشراب يتعدى ولا يتعدى.
وهذا [الكلام منه عليه السلام] إما تهديد لأهل الشام أو لأصحابه، كما سيأتي من نسبة الظلم إليهم.
وظهر عليه: غلبه وراعي القوم: من ولي عليهم. والاستنفار. الاستنجاد والاستنصار أو طلب النفور والإسراع إلى القتال.
قوله عليه السلام: " وعبيد كأرباب ": أي أخلاقكم أخلاق العبيد من
الخلاف والنفاق ودناءة الأنفس، وفيكم مع ذلك كبر السادات وتيههم وعدم إطاعتهم، أو حكمكم حكم العبيد في وجوب الإطاعة وتأبون عنها كالسادة.
وهذا أنسب بالفقرة السابقة.
و " أيادي سبا ": مثل يضرب للمتفرقين، واصله قوله تعالى عن أهل سبأ:
(ومزقناهم كل ممزق) [19 / سبأ: 34] وسبأ مهموز يصرف ولا يصرف، ويمد ولا يمد، وهو بلدة " بلقيس " ولقب ابن يشجب بن يعرب يقال: ذهبوا أيدي سبا وأيادي سبا - الياء ساكنة وكذلك الألف هكذا نقل المثل - أي متفرقين، وهما اسمان جعلا واحدا، مثل معديكرب ضرب المثل بهم لأنهم لما غرق مكانهم وذهبت جناتهم تبددوا في البلاد، ولهم قصة غريبة مذكورة في كتب الأمثال.
قوله عليه السلام: " وتتخادعون " المخادعة: هي الاستغفال عن المصلحة، أي إذا رجعتم عن مجلس الوعظ أخذ كل منكم يستغفل صاحبه ويشغله بالأحاديث، وإن لم يكن عن قصد خداع بل يقع منهم صورة المخادعة.
كذا ذكره ابن ميثم.
وقال ابن أبي الحديد: تتخادعون عن مواعظكم أي تمسكون عن الاتعاظ من قولهم: كان فلان يعطي ثم خدع أي أمسك وأقلع. ويجوز أن يريد تتلونون وتختلفون في قبول الوعظ من قولهم: خلق فلان خلق خادع أي:
متلون. وسوق خادعة أي: متلونة مختلفة.
ولا يجوز أن يراد المعنى المشهور منها، لأنه إنما يقال: فلان يتخادع فلانا إذا كان يريد أن ينخدع له وليس بمنخدع في الحقيقة، وهذا لا يناسب المقام.
والحنية على فعلية: القوس، أي ترجعون [إلي] معوجا كاعوجاج ظهر القوس وأعضل وأشكل، وكأن غيبة عقولهم كناية عن تركهم العمل بما تقتضيه، أو عن ذهابها.
قوله عليه السلام: " منيت ": أي ابتليت. وإنما لم يجمع الخمس لكون
الثلاث من جنس، والاثنتين من [جنس] آخر أو لأن الثلاث إيجابية دون الاثنتين.
والحر: خلاف العبد والخيار من كل شئ. واللقاء ملاقاة الأحباب أو العدو.
وقوله [عليه السلام:] " تربت أيديكم ": كلمة يدعى على الإنسان بها:
أي لا أصبتم خيرا. وأصل " ترب ": أصابه التراب، فكأنه يدعى عليه بأن يفتقر.
وقال [ابن الأثير] في [مادة " ترب " من كتاب] النهاية: هذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها، كما يقولون: قاتله الله. وقيل: معنى لله درك. قال: وكثيرا ترد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك. وهوت أمه. ولا أرض لك. ونحو ذلك.
وقال المطرزي في قولهم: " كأني بك تنحط " الأصل : كأني أبصرك تنحط ثم حذف الفعل وزيدت الباء. ويحتمل أن يكون الباء متعلقا بملتصق ونحوه، نحو " به داء " أو بمعنى في.
وخال الشئ: يخاله أي ظنه. وتقول: خلت إخال بالكسر وبالفتح، لغة بني أسد كما في النسخ، و " ما مصدرية، أي في ظني. وحمس - كفرح - أي:
اشتد. وحمي - كرضي -: اشتد حره.
وانفرجتم: تفرقتم. قال ابن ميثم: شبه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الأنفة، وتسليم المرأة قبلها وانفراجها عنه إما وقت الولادة، أو وقت الطعان.
قوله [عليه السلام] " ألقطه ": كأنه إشارة إلى أن الضلال غالب على الهدى، فيحتاج السالك إلى التقاط طريق الهدى من بين طرق الضلالة. وفي
بعض النسخ: " ألفظه لفظا ": أي أبينه بيانا. والسمت: الجهة والطريق وهيئة أهل الخير.
" فإن لبدوا ": أي قعدوا عن طلب الخلافة والجهاد ولزموا البيوت فتابعوهم، وإن قاموا بها فانصروهم، يقال: لبد الشئ بالأرض - كنصر - أي:
التصق بها. [وقوله عليه السلام]: " ولا تسبقوهم ": أي ما لم يأمروكم به. " ولا تتأخروا عنهم ": أي لا تخالفوهم فيما يأمرونكم به.
[قوله عليه السلام:] " يراوحون ": أي يسجدون بالجبهة مرة وبالخدود أخرى، ووقوفهم على مثل الجمر - [وهو] جمع جمرة - وهي النار المتقدة: كناية عن قلقهم واضطرابهم من خوف المعاد. " والمعزى " بالكسر: خلاف الضأن كالمعز. والمراد ب " بين أعينهم ": جباههم مجازا. [و] " هملت " أي: سالت.
و " مادوا " أي تحركوا واضطربوا.
939 - نهج: ومن كلام له عليه السلام في ذم [العصاة من] أصحابه:
أحمد الله على ما قضى من أمر، وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب، إن أمهلتم [أهملتم] خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم [أجئتم " خ ل "] إلى مشاقة نكصتم، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بنصركم، والجهاد على حقكم!
الموت أو الذل لكم! فوالله لئن جاء يومي - وليأتيني - ليفرقن بيني وبينكم، وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير كثير.
لله أنتم! أما دين يجمعكم، ولا محمية تشحذكم! أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الإسلام وبقية الناس - إلى المعونة أو طائفة من العطاء، فتفرقون عني وتختلفون علي! إنه لا يخرج إليكم من أمري رضي فترضونه، ولا سخط فتجتمعون عليه، وإن أحب ما أنا لاق إلي الموت.
قد دارستكم الكتاب، وفاتحتكم الحجاج، وعرفتكم ما أنكرتم، وسوغتكم ما مججتم، لو كان الأعمى يلحظ، أو النائم يستيقظ! وأقرب بقوم من الجهل بالله قائدهم معاوية، ومؤدبهم ابن النابغة!.
توضيح: [قوله عليه السلام:] " على ما قضى من أمر " قيل: الأمر أعم من أن يكون فعلا، ولما كان القدر هو تفصيل القضاء وإيجاد الأشياء على وفقه، قال: " وقدر من فعل ". والابتلاء: الامتحان. وأمهله أي رفق به وأخره.
وفي بعض النسخ: " [إن] أهملتم " أي تركتم، " خضتم ": أي في الضلالة والأهواء الباطلة. [و] " خرتم " بالخاء من الخور: بمعنى الضعف. أو من خوار الثور بمعنى الصياح. ويروى [" جرتم "] بالجيم، أي: عدلتم عن الحق أو عن الحرب فرارا.
قوله عليه السلام: " أجئتم ": قال ابن أبي الحديد: بالهمزة الساكنة بعد الجيم المكسورة، أي: ألجئتم قال تعالى: " فأجاءها المخاض ". وفي بعض النسخ:
" أجبتم " على بناء المعلوم بالباء.
والمشاقة: المقاطعة والمصارمة. والنكوص: الرجوع إلى ما وراء.
قوله عليه السلام: " لا أبا لغيركم " قال ابن ميثم: أصله لا أب والألف مزيدة، إما لاستثقال توالي أربع حركات، أو لأنهم قصدوا الإضافة وأتوا باللام للتأكيد. وفي الدعاء بالذل لغيرهم نوع تلطف لهم.
قوله عليه السلام: " الموت أو الذل ": في أكثر النسخ برفعهما، وفي بعضها بالنصب. قال ابن أبي الحديد: [وهذا] دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الأمرين، كأنه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلي وهو الموت، ثم استدرك فقال: أو الذل، لأنه نظير الموت، ولقد أجيب دعاؤه بالدعوة الثانية، فإن شيعته ذلوا بعده في الأيام الأموية.
أقول: هذا على الرفع ظاهر، وأما على النصب فيحتمل الدعاء أيضا بتقدير أرجو أو أطلب، ويحتمل الاستفهام، أي: أتنتظرون الموت؟!
وقيل: في قوله عليه السلام: " وليأتيني ": حشوة لطيفة بين الكلام، لأن لفظة " إن " أكثر ما تستعمل لما لا يعلم حصوله، فأتى بعدها بما يرد ما تقتضيه من الشك في إتيان الموت، وأشعر بأن الموضع موضع " إذا ". والقالي: المبغض.
قوله عليه السلام: " غير كثير " أي لستم سبب كثرة أعواني.
و [قوله عليه السلام] " لله أنتم ": من قبيل لله أبوك، ولعله هنا للتعجب على سبيل الذم، ويحتمل المدح تلطفا.
وارتفاع قوله: " دين " بفعل مقدر يفسرها الفعل المذكور بعده. وشحذت النصل: حددته. والطغام: أراذل الناس الواحد والجمع سواء.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.