بحارالانوار · المجلد الثامن
باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري
ج ۳۳، ص ۳۹۵–۴۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۲ از ۱۵
فقال: يا هؤلاء إنما اقتديت برسول الله صلى الله عليه وآله حين صالح سهيل بن عمرو قالوا: فإنا نقمنا عليك أنك قلت للحكمين: " أنظرا كتاب الله فإن كنت
أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة " فإذا كنت شاكا في نفسك فنحن فيك أشد وأعظم شكا!!
فقال عليه السلام: إنما أردت بذلك النصفة فإني لو قلت أحكما لي وذرا معاوية لم يرض ولم يقبل ولو قال النبي صلى الله عليه وآله لنصارى نجران لما قدموا عليه: تعالوا حتى نبتهل واجعل لعنة الله عليكم لم يرضوا ولكن أنصفهم من نفسه كما أمره الله تعالى فقال: * (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * فأنصفهم عن نفسه فكذلك فعلت أنا ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خدعه أبا موسى.
قالوا: فإنا نقمنا عليك أنك حكمت حكما في حق هو لك.
فقال: إن رسول الله حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل وأنا اقتديت به فهل بقي عندكم شئ؟.
فسكتوا وصاح جماعة منهم من كل ناحية التوبة التوبة يا أمير المؤمنين واستأمن إليه ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف فأمر عليه السلام المستأمنين بالاعتزال عنهم في ذلك الوقت وتقدم بأصحابه حتى دنا منهم وتقدم عبد الله بن وهب وذو الثدية حرقوص وقالا: ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه الله والدار الآخرة فقال علي عليه السلام: " هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ".
ثم التحم القتال بين الفريقين واستعر الحرب بلظاها وأسفرت عن زرقة صبحها وحمرة ضحاها فتجادلوا وتجالدوا بألسنة رماحها وحداد ظباها فحمل فارس من الخوارج يقال له الأخنس الطائي وكان شهد صفين مع علي عليه السلام فحمل وشق الصفوف يطلب عليا عليه السلام فبدره علي بضربة فقتله فحمل ذو الثدية ليضرب عليا فسبقه علي عليه السلام وضربه ففلق البيضة ورأسه فحمله فرسه وهو لما به فألقاه في آخر المعركة في حرف دالية على شط النهروان وخرج من بعده ابن عمه مالك بن الوضاح وحمل على علي عليه السلام
فضربه [علي] فقتله.
وتقدم عبد الله بن وهب الراسبي فصاح يا ابن أبي طالب والله لا نبرح من هذه المعركة أو تأتي على أنفسنا أو نأتي على نفسك فأبرز إلي وأبرز إليك وذر الناس جانبا.
فلما سمع علي عليه السلام كلامه تبسم وقال: قاتله الله من رجل ما أقل حياؤه أما إنه ليعلم أني حليف السيف وخدين الرمح ولكنه قد يئس من الحياة أو أنه ليطمع طمعا كاذبا ثم حمل على علي عليه السلام فضربه [علي] وقتله وألحقه بأصحابه القتلى واختلطوا فلم يكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم وكانوا أربعة آلاف فما أفلت منهم إلا تسعة أنفس رجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان وبها نسلهما ورجلان صارا إلى بلاد عمان وبها نسلهما ورجلان صارا إلى اليمن وفيها نسلهما وهم الأباضية ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن والبوازيج وإلى شاطئ الفرات وصار آخر إلى تل موزن.
وغنم أصحاب علي عليه السلام غنائم كثيرة وقتل من أصحاب علي عليه السلام تسعة بعدد من سلم من الخوارج وهي من جملة كرامات علي عليه السلام فإنه قال: نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ولا يسلم منهم عشرة.
فلما قتلوا قال علي عليه السلام: التمسوا المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي عليه السلام بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض فقال:
أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر علي عليه السلام وقال صدق الله وبلغ رسوله.
قال أبو الوضئ فكأني أنظر إليه حبشي عليه قريطق إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعرات مثل شعر ذنب اليربوع.
وهذا أبو الوضئ هو عباد بن نسيب القيسي تابعي يروي عنه هذا القول أبو داود في سننه كما قال.
بيان: انخزلت: انقطعت. وانحاز القوم: تركوا مركزهم إلى آخر.
والخدين الصديق.
وقال [الفيروزآبادي] في القاموس السن جبل بالمدينة وموضع بالري وبلد على دجلة وقال: " بوازيج " بلد قرب تكريت.
620 - إرشاد القلوب: خرج أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجها إلى داره وقد مضى ربع من الليل ومعه كميل بن زياد وكان من خيار شيعته ومحبيه فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت ويقرأ قوله تعالى: " * (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) * بصوت شجي حزين فاستحسن كميل ذلك في باطنه وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئا فالتفت صلوات الله عليه وآله إليه وقال: يا كميل لا تعجبك طنطنة الرجل إنه من أهل النار وسأنبئك فيما بعد! فتحير كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ولشهادته بدخول النار مع كونه في هذا الامر وتلك الحالة الحسنة ومضى مدة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل وقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دما ورؤس أولئك الكفرة الفجرة محلقة على الأرض فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: يا كميل " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما " أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة فأعجبك حاله فقبل كميل قدميه واستغفر الله وصلى على مجهول القدر.
621 - تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمد الفزاري معنعنا عن أبي وائل السهمي قال:
خرجنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلما انتهينا إلى النهروان قال: وكنت شاكا في قتالهم فضربت بفرسي فأقحمته في أشجار كانت هناك قال: فوالله لكأنه علم ما في قلبي فأقبل يسير على بغلة النبي صلى الله عليه وآله حتى نزل بتلك الأشجار فنزل فوضع فرشه ثم جلس عليه ثم احتبا بحمائل سيفه فأنا أراه ولا يراني إذ جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما يجلسك فقد عبر القوم النهر؟ قال: كذبت لم يعبروا قال: فرجع ثم جاء آخر قال: يا أمير المؤمنين ما يجلسك فقد عبر القوم النهر وقتلوا فلانا وفلانا قال:
كذبت لم يعبروا والله لا يعبرون حتى أقتلهم عهد من الله ومن رسوله قال: ثم دعا بفرس فركبه فقلت: ما رأيت كاليوم والله لئن كان صادقا لأضربن بسيفي حتى ينقطع قال: ولما جازني اتبعته فانتهينا إلى القوم فإذا هم يريدون العبور فشد عليهم رجل يقال له معين أو مغيث فعرض رمحه على القنطرة فرد القوم ثم إن عليا عليه السلام صاح بالقوم فتنحوا قال: ثم حملوا علينا فانهزمنا وهو واقف ثم التفت إلينا فقال: ما هذا " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " [6 / الأنفال: 8] قلنا أو ليس إلى الموت نساق؟ قال: شدوا الأضراس وأكثروا الدعاء واحملوا على القوم قال ففعلنا فوالله ما انتصف النهار ومنهم أحد يخبر عن أحد.
قال: فلما رأى الناس ذلك عجبوا من قوله فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أن في هؤلاء القوم رجلا مخدج اليد فأقبل يسير حتى انتهينا إلى جوبة قتلى فقال: ارفعوهم فرفعناهم فاستخرجنا الرجل فمددنا المخدجة فاستوت مع الصحيحة ثم خليناها فرجعت كما كانت.
فلما رأى الناس قد عجبوا قال: أيها الناس إن فيه علامة أخرى في يده
الصحيحة في بطن عضده مثل ركب المرأة قال: فشققت ثوبا كان عليه بأسناني أنا والأصبغ بن نباتة حتى رأيناه كما وصف ورأوه الناس.
بيان: الجوبة: الحفرة.
622 - الكافي: محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله صلوات الله عليه قال: بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العباس إلى ابن الكواء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلة فلما نظروا إليه قالوا يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس؟ فقال: هذا أول ما أخاصمكم فيه " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " [32 / الأعراف:
7] وقال الله عز وجل: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * [31 / الأعراف].
623 - الكافي: العدة عن سهل عن محمد بن عيسى عن صفوان عن يوسف بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عبد الله بن العباس لما بعثه أمير المؤمنين إلى الخوارج يواقفهم لبس أفضل ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أفضل مراكبه فخرج فواقفهم فقالوا: يا ابن عباس بيننا أنت أفضل الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم؟! فتلا عليهم هذه الآية * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) * فالبس وتجمل فإن الله جميل يحب الجمال وليكن من حلال.
624 - الاختصاص محمد بن علي عن محمد بن الحسن عن العكلي الحرمازي عن صالح بن أسود بن صنعان الغنوي عن مسمع بن عبد الله البصري عن رجل قال:
لما بعث علي بن أبي طالب عليه السلام صعصعة بن صوحان إلى الخوارج قالوا له: أرأيت لو كان علي معنا في موضعنا أتكون معه؟ قال: نعم قالوا:
فأنت إذا مقلد عليا دينك ارجع فلا دين لك!! فقال لهم صعصعة: ويلكم ألا أقلد من قلد الله فأحسن التقليد فاضطلع بأمر الله صديقا لم يزل أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اشتدت الحرب قدمه في لهواتها فيطأ صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بحده مكدودا في ذات الله عنه يعبر رسول الله والمسلمون فأين تصرفون؟ وأين تذهبون؟ وإلى من ترغبون؟ وعمن تصدفون؟
عن القمر الباهر والسراج الزاهر وصراط الله المستقيم وسبيل الله المقيم قاتلكم الله أنى تؤفكون أفي الصديق الأكبر والغرض الأقصى ترمون طاشت عقولكم وغارت حلومكم وشاهت وجوهكم لقد علوتم القلة من الجبل وباعدتم العلة من النهل أتستهدفون أمير المؤمنين عليه السلام ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله لقد سولت لكم أنفسكم خسرانا مبينا فبعدا وسحقا للكفرة الظالمين عدل بكم عن القصد الشيطان وعمي بكم عن واضح المحجة الحرمان.
فقال له عبد الله بن وهب الراسبي: نطقت يا ابن صوحان بشقشقة بعير وهدرت فأطنبت في الهدير أبلغ صاحبك أنا مقاتلوه على حكم الله والتنزيل فقال عبد الله بن وهب أبياتا قال العكلي الحرمازي ولا أدري أهي له أم لغيره:
كي تلزموا الحق وحده * ونضربكم حتى يكون لنا الحكم فإن تتبعوا حكم الاله يكن لكم * إذا ما اصطلحنا الحق والامن والسلم وإلا فإن المشرفية محذم * بأيدي رجال فيهم الدين والعلم فقال صعصعة كأني أنظر إليك يا أخا راسب مرملا بدمائك يحجل الطير بأشلائك لا تجاب لكم داعية ولا تسمع منكم واعية يستحل ذلك منكم إمام هدى قال الراسبي:
سيعلم الليث إذا التقينا * دور الرحا عليه أو علينا أبلغ صاحبك أنا غير راجعين عنه أو يقر لله بكفره أو يخرج عن ذنبه فإن الله قابل التوب شديد العقاب وغافر الذنب، فإذا فعل ذلك بذلنا المهج!!
فقال صعصعة: عند الصباح يحمد القوم السرى ثم رجع إلى علي صلوات الله عليه فأخبره بما جرى بينه وبينهم فتمثل علي عليه السلام:
أراد رسولاي الوقوف فراوحا * يدا بيد ثم أسهما لي على السواء بؤسا للمساكين يا ابن صوحان أما لقد عهد إلي فيهم وإني لصاحبهم وما كذبت ولا كذبت وإن لهم يوما يدور فيه رحا المؤمنين على المارقين فيا ويحها حتفا ما أبعدها من روح الله ثم قال:
إذا الخيل جالت في الفتى وتكشفت * عوابس لا يسألن غير طعان فكرت جميعا ثم فرق بينها * سقى رمحه منها بأحمر قان فتى لا يلاقي القرن إلا بصدره * إذا أرعشت أحشاء كل جبان ثم رفع رأسه ويده إلى السماء وقال: اللهم اشهد ثلاثا قد أعذر من أنذر، وبك العون وإليك المشتكى وعليك التكلان وإياك ندرأ في نحورهم أبى القوم إلا تماديا في الباطل ويأبى الله إلا الحق فأين يذهب بكم عن حطب جهنم وعن طيب المغنم وأشار إلى أصحابه وقال: استعدوا لعدوكم فإنكم غالبوهم بإذن الله ثم قرأ عليهم آخر سورة آل عمران.
بيان: [قوله:] " يطأ صماخها بأخمصه " الأخمص من باطن القدم ما لم يبلغ الأرض وهو كناية عن الاستيلاء على الحرب وإذلال أهلها. ولعل " المكدود " هنا بمعنى الكاد. والطيش: الخفة. " وشاهت وجوهكم ": قبحت. والعل: الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعا. والنهل: محركة أول الشرب. واستهدف له: دنا منه وانتصب له. وسيف حذم: قاطع. ويقال: حجل الطائر كنصر وضرب إذا نزى في مشيته أو بالخاء المعجمة ثم الجيم قال الجوهري: الخجل:
سوء احتمال الغنى وفي الحديث: إذا شبعتن خجلتن أي أشرتن وبطرتن انتهى.
[قوله:] " عند الصباح يحمد القوم السرى " قال الميداني: يضرب الرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة.
625 - الاختصاص: المعلى بن محمد البصري عن بسطام بن مرة عن إسحاق بن حسان عن الهيثم بن واقد عن علي بن الحسن العبدي عن ابن طريف عن ابن نباتة قال: أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير إلى المدائن من الكوفة فسرنا يوم الأحد وتخلف عمرو بن حريث في سبعة نفر فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمى الخورنق فقالوا: نتنزه فإذا كان يوم الأربعاء خرجنا فلحقنا عليا قبل أن يجمع فبينا هم يتغدون إذ خرج عليهم ضب فصادوه فأخذه عمرو بن حريث فنصب كفه فقالوا: بايعوا هذا أمير المؤمنين فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم وارتحلوا ليلة الأربعاء فقدموا المدائن يوم الجمعة وأمير المؤمنين يخطب ولم يفارق بعضهم بعضا كانوا جميعا حتى نزلوا على باب المسجد.
فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلي ألف حديث في كل حديث ألف باب لكل باب ألف مفتاح وإني سمعت الله يقول: * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * [71 / الاسراء: 17] وإني أقسم لكم بالله ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر بإمامهم وهو ضب ولو شئت أن أسميهم فعلت قال: فلو رأيت عمرو بن حريث سقط كما تسقط السعفة وجيبا.
بيان: الوجيب الاضطراب.
626 - أقول: روى الشيخ أحمد بن فهد في المهذب وغيره في غيره بأسانيدهم عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم النيروز هو اليوم الذي ظفر فيه أمير المؤمنين عليه السلام بأهل النهروان وقتل ذا الثدية.
[الباب الرابع والعشرون] باب سائر ما جرى بينه وبين الخوارج سوى وقعة النهران 627 - نهج البلاغة: [و] من كلام له عليه السلام لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين وأعتقهم فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام:
قبح الله مصقلة فعل فعل السادة وفر فرار العبيد!! فما أنطق مادحه حتى أسكته، ولا صدق واصفه حتى بكته، ولو أقام لاخذنا ميسوره وانتظرنا بماله وفوره.
توضيح:
628 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى إبراهيم ابن محمد الثقفي في
كتاب الغارات ووجدته في أصل الكتاب أيضا عن الحارث بن كعب الأزدي عن عمه عبد الله بن قعين قال: كان الخريت بن راشد أحد بني ناجية قد شهد مع علي عليه السلام صفين فجاء إليه عليه السلام بعد انقضاء صفين وبعد تحكيم الحكمين في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يديه فقال: لا والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك وإني غدا لمفارق لك.
فقال له [علي عليه السلام]: ثكلتك أمك إذا تنقض عهدك وتعصي ربك ولا تضر إلا نفسك أخبرني لم تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم فأنا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين!!.
فقال له علي عليه السلام: ويحك هلم إلي أدارسك وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت الآن له منكر، وتبصر ما أنت الآن عنه غافل وبه جاهل. فقال الخريت فأنا غاد عليك غدا. فقال عليه السلام: أغد [إلي] ولا يستهوينك الشيطان ولا يقتحمن بك رأي السوء ولا يستخفنك للجهلات الذين لا يعلمون فوالله إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد.
فخرج الخريت من عنده منصرفا إلى أهله.
قال عبد الله بن قعين: فعجلت في أثره مسرعا لأنصحه وأستعلم خبره فرأيته رجع إلى أصحابه وقال لهم: يا هؤلاء إني قد رأيت أن أفارق هذا
الرجل. فنصحت ابن عمه ورجعت إلى بيتي فلما أصبحت وارتفع النهار أتيت أمير المؤمنين عليه السلام وأخبرته خبره فقال عليه السلام: دعه فإن قبل الحق ورجع عرفنا له ذلك وقبلناه منه. فقلت له: يا أمير المؤمنين فلم لا تأخذه الآن فتستوثق منه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهم من الناس ملانا السجون منهم ولا أراني يسعني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف فقال لي سرا: اذهب إلى منزل الرجل فاعلم ما فعل؟ فأتيت منزله فإذا ليس في منزله ولا منزل أصحابه داع ولا مجيب [فأقبلت إلى أمير المؤمنين عليه السلام بقصتهم] فلما أخبرته عليه السلام قال: أبعدهم الله كما بعدت ثمود أما والله لو قد أشرعت لهم الأسنة وصبت على هامهم السيوف لقد ندموا إن الشيطان قد استهواهم وأضلهم وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم.
فقام إليه زياد بن خصفة فقال: يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم علينا ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك فائذن لي في اتباعهم حتى نردهم عليك إن شاء الله.
فقال له عليه السلام فأخرج في آثارهم رشيدا ثم قال: أخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري وسأكتب إلى من حولي من عمالي فيهم فكتب نسخة واحدة وأخرجها إلى العمال:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرء عليه كتابي هذا من العمال أما بعد فإن رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا نظنهم خرجوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم.
فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره وجمع أصحابه وأخذ معه منهم مائة وثلاثين رجلا وخرج حتى أتى دير أبي موسى.
وروى بإسناده عن عبد الله بن وال التيمي قال: إني لعند أمير المؤمنين عليه السلام إذا يبج قد جاءه يسعى بكتاب من قرظة بن كعب الأنصاري وكان أحد عماله يخبره بأن خيلا مرت من قبل الكوفة متوجهة [نحو " نفر "] وأن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم وصلى يقال له زاذان فروخ فلقوه فقالوا له: أمسلم أنت؟ قال: نعم قالوا: فما تقول في علي؟ قال:
أقول: إنه أمير المؤمنين عليه السلام وسيد البشر ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالوا: كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم!! وأخذوا معه رجلا من أهل الذمة يهوديا فقالوا: خلوا سبيل هذا لا سبيل لكم عليه.
فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام:
أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة التي مرت بعملك فقتلت البر المسلم وأمن عندهم المخالف المشرك وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا كالذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا فأسمع بهم وأبصر يوم يحشر أعمالهم فالزم عملك وأقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك والسلام.
وكتب عليه السلام إلى زياد بن خصفة:
أما بعد فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري وذلك أني لم أكن علمت أين توجه القوم وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية من قرى
السواد فاتبع آثارهم وسل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصليا فإذا أنت لحقت بهم فارددهم إلي فإن أبوا فناجزهم واستعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق وسفكوا الدم الحرام وأخافوا السبيل والسلام.
قال عبد الله بن وال: فأخذت الكتاب منه عليه السلام وأنا يومئذ شاب حدث فاستأذنته أن أذهب معه إلى العدو فإذن ودعا لي فأتيت بالكتاب إليه ثم خرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه [فسألنا عنهم؟ فقيل: أخذوا نحو المدائن] ولحقنا بالمداين فقال زياد لرئيسهم: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا؟ قال: لم أرض بصاحبكم إماما ولم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمة رضا كنت مع الناس.
فقال: زياد ويحك وهل يجتمع الناس على رجل يداني عليا عالما بالله وبكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله مع قرابته وسابقته في الاسلام؟ فقال له الخريت: هو ما أقول لك. فقال [زياد] ففيم قتلتم الرجال المسلم؟ فقال الخريت: ما أنا قتلته إنما قتلته طائفة من أصحابي. قال: فادفعهم إلينا. قال: ما إلى ذلك من سبيل. قال: أو هكذا أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع.
قال: فدعونا أصحابنا ودعا الخريت أصحابه ثم اقتتلنا فوالله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني الله لقد تطاعنا بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقرت عامة خلينا وخيلهم وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم وقتل منا رجلان مولى لزياد كانت معه رايته يدعى سويدا ورجل آخر يدعى واقدا وصرع منهم خمسة نفر وحال الليل بيننا وبينهم فقد والله كرهونا وكرهناهم وهزمونا وهزمناهم وجرح زياد وجرحت ثم إنا بتنا في جانب وتنحوا فمكثوا ساعة من أول الليل ثم مضوا فذهبوا وأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا فوالله ما كرهنا ذلك فمضينا حتى أتينا البصرة وبلغنا أنهم أتوا الأهواز فنزلوا في جانب منها وتلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين فأقاموا معهم. (*)
وكتب زياد إلى علي عليه السلام أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجي وأصحابه بالمدائن فدعوناهم إلى الهدى والحق والكلمة السواء فتولوا عن الحق وأخذتهم العزة بالاثم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدونا وصمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن أدركت الشمس واستشهد منا رجلان صالحان وأصيب منهم خمسة نفر وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح ثم إن القوم لما أدركوا الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى أرض الأهواز وقد بلغني أنهم نزلوا منها جانبا ونحن بالبصرة نداوي جراحنا وننتظر أمرك رحمك الله والسلام.
فلما أتاه الكتاب قرأه على الناس فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال:
أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنما كان ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوا شافتهم وقطعوا دابرهم.
فقال عليه السلام له: تجهز يا معقل إليهم وندب معه ألفين من أهل الكوفة فيهم يزيد بن المعقل وكتب إلى عبد الله بن العباس بالبصرة.
أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة فليتبع معقل بن قيس فإذا خرج من أرض البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا فإذا لقيه فمعقل أمير الفريقين فليسمع منه وليطعه ولا يخالفه ومر زياد بن خصفة فليقبل إلينا فنعم المرء زياد ونعم القبيل قبيلته وكتب عليه السلام إلى زياد:
أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به الناجي وأصحابه الذين طبع الله على قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم حيارى عمهون يحسبون أنهم يحسنون صنعا ووصفت ما بلغ بك وبهم الامر فأما أنت وأصحابك؟؟؟
سعيكم وعليه جزاؤكم، وأيسر ثواب الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقتل الجاهلون أنفسهم عليها " فما عندكم ينفد وما عند الله باق، ولنجزين الذين صبروا جرهم بأحسن ما كانوا يعملون " [96 / النحل: 16].
وأما عدوكم الذين لقيتم فحسبهم خروجهم من الهدى وارتكاسهم في الضلالة وردهم الحق وجماحهم في التيه فذرهم وما يفترون ودعهم في طغيانهم يعمهون فأسمع بهم وأبصر فكأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل فأقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء والسلام.
قال: ونزل الناجي جانبا من الأهواز واجتمع إليه علوج كثير من أهلها ممن أراد كسر الخراج وممن اللصوص وطائفة أخرى من الاعراب ترى رأيه.
قال إبراهيم وروي عن عبد الله بن قعين قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع معقل فلما أراد الخروج أتاه عليه السلام يودعه فقال له: يا معقل بن قيس اتق الله ما استطعت فإنها وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة ولا تظلم أهل الذمة ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين.
فقال معقل: الله المستعان فقال [علي عليه السلام: هو] خير مستعان ثم قام [معقل] فخرج وخرجنا معه حتى نزل الأهواز فأقمنا أياما حتى بعث ابن عباس خالد ابن معدان مع جيش البصرة فدخل على صاحبنا وسلم عليه بالامرة واجتمعا جميعا في عسكر واحد ثم خرجنا إلى الناجي وأصحابه فأخذوا يرتفعون نحو جبال " رامهرمز " يريدون قلعة بها حصينة فلحقناهم وقد دنوا من الجبل فصففنا لهم ثم أقبلنا نحوهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل وعلى ميسرته منجاب بن راشد.
ووقف الناجي بمن معه من العرب فكانوا ميمنة وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وجماعة من الأكراد ميسرة.
وسار فينا معقل يحرضنا ويقول: يا عباد الله لا تبدأوا القوم وغضوا الابصار وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب وأبشروا في قتالهم بالاجر العظيم إنما تقاتلون مارقة مرقت وعلوجا منعوا الخراج ولصوصا وأكرادا فما تنتظرون ؟ فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد.
قال: فمر في الصف يكلمهم يقول هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل فوقف وسط الصف في القلب.
ونظرنا إليه ما يصنع فحرك رايته تحريكتين ثم حمل في الثالثة وحملنا معه جميعا فوالله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا وانهزموا وقتلنا سبعين عربيا من بني ناجية ومن بعض من اتبعه من العرب ونحو ثلاثمائة من العلوج والأكراد.
وخرج الخريت منهزما حتى لحق بسيف من أسياف البحر وبها جماعة من قومه كثير فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي عليه السلام ويزين لهم فراقه ويخبرهم أن الهدى في حربه ومخالفته حتى اتبعه منهم ناس كثير.
وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز وكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام بالفتح وكنت أنا الذي قدم بالكتاب عليه وكان في الكتاب.
لعبد الله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس بأرض الأهواز وكتب إلى أمير المؤمنين لعبد الله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا لقينا المارقين وقد استظهروا علينا بالمشركين فقتلنا منهم ناسا كثيرا ولم نعد فيهم سيرتك لم نقتل منهم مدبرا ولا أسيرا ولم ندفف منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين والحمد لله رب العالمين.
قال: فلما قدمت بالكتاب على علي عليه السلام قرأه على أصحابه واستشارهم في الرأي فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد قالوا: نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس يتبع آثارهم ولا يزال في طلبهم حتى يقتلهم أو
ينفيهم من أرض الاسلام فإنا لا نأمن أن يفسدوا عليك الناس. قال: فردني إليه وكتب معي:
أما بعد فالحمد لله على تأييده أولياء وخذله أعداءه جزاك الله والمسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء وقضيتم ما عليكم فاسأل عن أخي بني ناجية فإن بلغك أنه استقر في بلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فإنه لم يزل للمسلمين عدوا وللفاسقين وليا والسلام.
قال: فسأل معقل عن مسيره والمكان الذي انتهى إليه فنبئ بمكانه بسيف البحر بفارس وأنه أفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضا.
فصار إليهم معقل في ذلك الجيش من أهل الكوفة والبصرة فأخذوا على أرض فارس حتى انتهوا إلى أسياف البحر.
فلما سمع الخريت بمسيره أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج فأسر إليهم أني أرى رأيكم وأن عليا ما كان ينبغي له أن يحكم الرجال في دين الله وقال للآخرين من أصحابه مسرا إليهم: إن عليا قد حكم حكما ورضي به فخالف حكمه الذي ارتضاه لنفسه وهذا الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وقال: لمن يرى رأي عثمان وأصحابه: أنا على رأيكم وإن عثمان قتل مظلوما وقال لمن منع الصدقة شدوا أيديكم على صدقاتكم ثم صلوا بها أرحامكم وعودوا إن شئتم على فقرائكم فأرضي كل طائفة بضرب من القول.
وكان فيهم نصارى كثير أسلموا فلما رأوا ذلك الاختلاف قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خير وأهدى من دين هؤلاء الذين لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء وإخافة السبل فرجعوا إلى دينهم فلقي الخريت أولئك فقال:
ويحكم إنه لا ينجيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم ولقتالهم أتدرون ما حكم علي فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى النصرانية لا والله لا يسمع له قولا ولا يرى له عذرا ولا دعوة ولا يقبل منه توبة ولا يدعوه إليها وإن
حكمه فيه أن يضرب عنقه ساعة يستمكن منه؟!.
فما زال حتى خدعهم فاجتمع إليه ناس كثير وكان منكرا داهيا.
فلما رجع معقل قرأ على أصحابه كتابا من علي عليه السلام فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين والمؤمنين والمارقين والنصارى والمرتدين سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وافيا بعهد الله ولم يكن من الخائنين أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن أعمل فيكم بالحق وبما أمر الله تعالى به في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله وكف يده واعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله ورسوله والمسلمين وسعى في الأرض فسادا فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه وجعلناه بيننا وبينه وكفى بالله وليا والسلام.
قال: فأخرج معقل راية أمان فنصبها وقال: من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين نابذوا أول مرة.
فتفرق عن الخريت كل من كان معه من غير قومه.
وعبأ معقل أصحابه ثم زحف بهم نحوه وقد حضر مع الخريت جميع قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانعوا الصدقة منهم فجعل مسلميهم ميمنة والنصارى ومانعي الصدقة ميسرة.
وسار معقل يحرض أصحابه فيما بين الميمنة والميسرة ويقول: أيها الناس ما تدرون ما سيق إليكم في هذا الموقف من الاجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة وارتدوا عن الاسلام ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا إني شهيد لمن قتل منكم بالجنة ومن عاش بأن الله يقر عينه بالفتح والغنيمة.
ففعل ذلك حتى مر بالناس أجمعين ثم وقف بالقلب برايته فحملت
الميمنة عليهم ثم الميسرة وثبتوا لهم وقاتلوا قتالا شديدا ثم حمل هو وأصحابه عليهم فصبروا لهم ساعة.
ثم إن النعمان بن صهبان بصر بالخريت فحمل عليه فضربه فصرعه عن فرسه ثم نزل إليه وقد جرحه فاختلفا بينهما ضربتين فقتله النعمان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة وذهب الباقون في الأرض يمينا وشمالا.
وبعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبا من أدرك فيها رجالا ونساءا وصبيانا ثم نظر فيهم فمن كان مسلما خلاه وأخذ بيعته وخلى سبيل عياله ومن كان ارتد عن الاسلام عرض عليه الرجوع إلى الاسلام أو القتل فأسلموا فخلى سبيلهم وسبيل عيالاتهم إلا شيخا منهم نصرانيا أبى فقتله.
وجمع الناس فقال: أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين وعمد إلى النصارى وعيالاتهم فاحتملهم معه وأقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا ودعا الرجال والنساء بعضهم إلى بعض قال: فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم ولا بعدهم.
وكتب معقل إلى علي عليه السلام: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعن عدوهم أنا دفعنا إلى عدونا بأسياف البحر فوجدنا بها قبائل ذات حد وعدد وقد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الجماعة والطاعة وإلى حكم الكتاب والسنة وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ورفعنا لهم راية أمان فمالت طائفة منهم إلينا وثبتت طائفة أخرى فقبلنا أمر التي أقبلت وصمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم وأما من ارتد فعرضنا عليهم الرجوع إلى الاسلام وإلا قتلناهم فرجعوا إلى الاسلام غير رجل واحد فقتلناه.
وأما النصارى فإنا سبيناهم وأقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة كيلا يمنعوا الجزية ولا يجترؤا على قتال أهل القبلة وهم للصغار والذلة
أهل، رحمك الله يا أمير المؤمنين وأوجب لك جنات النعيم والسلام.
قال: ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامل لعلي عليه السلام على أردشير خرة وهم خمس مائة انسان فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح الرجال يا أبا الفضل يا حامل الثقل يا مأوي الضعيف وفكاك العناة امنن علينا فاشترنا وأعتقنا.
فقال مصقلة: أقسم بالله لاتصدقن عليهم إن الله يجزي المتصدقين فبلغ قوله معقلا فقال: والله لو أعلمه قالها توجعا لهم ووجدا عليهم ازراء علي لضربت عنقه وإن كان في ذلك فناء بني تميم وبكر بن وائل.
ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث إلى معقل فقال: بعني نصارى بني ناجية فقال: أبيعكم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يراوضه حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم ودفعهم إليه وقال: عجل بالمال إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال مصقلة: أنا باعث الآن بصدر منه ثم كذلك حتى لا يبقى منه شئ.
وأقبل معقل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره بما كان من الامر فقال:
أحسنت وأصبت ووفقت.
وانتظر علي عليه السلام مصقلة أن يبعث بالمال فأبطأ به وبلغ عليا عليه السلام أن مصقلة خلى الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ فقال: ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة ولا أراكم إلا وسترونه عن قريب مبلدحا ثم كتب إليه أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة وأعظم الغش على أهل المصر غش الامام وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم فابعث بها إلي حين يأتيك رسولي وإلا فاقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي أن لا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال والسلام.
فلما قرأ كتابه أتاه عليه السلام بالكوفة فأقره أياما لم يذكر له شيئا ثم سأله
المال فأدى إليه مائتي ألف درهم وعجز عن الباقي ففر ولحق بمعاوية فلما بلغ ذلك عليا عليه السلام قال: ماله ترحه الله فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر فلو عجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإن لم نجد له مالا تركناه.
ثم سار علي عليه السلام إلى داره فهدمها وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعة لعلي عليه السلام مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له حلوان:
أما بعد فإني كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة ومناك الامارة فأقبل ساعة تلقى رسولي والسلام.
فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرح به إلى علي عليه السلام فأخذ كتابه فقرأه ثم قدمه فقطع يده فمات وكتب نعيم إلى مصقلة شعرا يتضمن امتناعه وتعييره.
وحدثني ابن أبي سيف عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: قيل لعلي عليه السلام حين هرب مصقلة: أردد الذين سبوا ولم يستوف أثمانهم في الرق فقال: ليس ذلك في القضاء بحق قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم وصار مالي دينا على الذي اشتراهم.
قال إبراهيم: وروى عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أنه لما بلغ عليا عليه السلام مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قال: هوت أمه ما كان أنقص عقله وأجرأه! إنه جائني مرة فقال: إن في أصحابك رجالا قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم؟ فقلت: إني لا آخذ على التهمة ولا أعاقب على الظن ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر العداوة لي ثم لست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه فإن تاب ورجع قبلنا منه وإن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه وناجزناه فكف عني ما شاء الله حتى جاءني مرة أخرى فقال لي: إني خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب وزيد بن حصين الطائي إني سمعتهما يذكرانك بأشياء
لو سمعتهما لم تفارقهما حتى تقتلهما أو توثقهما فلا يزالان بمحبسك ابدا فقلت له: إني مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به؟ قال: إني آمرك أن تدعوهما فتضرب رقابهما؟ فعلمت أنه لا ورع له ولا عقل فقلت له: والله ما أظن لك ورعا ولا عقلا لقد كان ينبغي لك أن تعلم أني لا أقتل من لم يقاتلني ولم يظاهر لي عداوته بالذي كنت أعلمتكه من رأيي حيث جئتني في المرة الأولى ولقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول لي اتق الله بهم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك.
توضيح: قوله عليه السلام " أدركت الشمس " لعله كناية عن الغروب أي أدركت مغربها كأنها تطلبه وفي بعض النسخ " دلكت " وهو أصوب.
قال في القاموس: دلكت الشمس دلوكا: غربت واصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. والسيف بالكسر: ساحل البحر والجمع أسياف.
والنكر والنكراء والنكارة: الدهاء والفطنة يقال: رجل نكر كفرح وندب وجنب ومنكر كمكرم أي ذو نكرة. والدهى: جودة الرأي كالدهاء يقال:
رجل داهية وداه. قوله " عقالين " أي صدقة عامين قال الفيروزآبادي: العقال ككتاب زكاة عام من الإبل وقال: بلدح: ضرب بنفسه الأرض ووعد ولم ينجز العدة.
وقال ابن الأثير في الكامل: لما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على علي عليه السلام بالدسكرة في مائتين ثم سار إلى الأنبار فوجه إليه علي عليه السلام الأشرس بن حسان في ثلاثمائة فواقعه فقتل الأشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج هلال بن علقمة من بني تيم الرباب ومعه اخوه مجالد فاتى " ما سندان " فوجه إليه علي عليه السلام معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مأتين.
ثم خرج أشهب بن بشر وهو من بجيلة في مائة وثمانين رجلا فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه وصلى عليهم ودفن من قدر عليه منهم فوجه
إليه علي عليه السلام جارية بن قدامة السعدي وقيل حجر بن عدي فأقبل إليهم الأشهب فاقتتلوا بجرجرايا فقتل الأشهب وأصحابه.
ثم خرج سعيد بن قفل التيمي في رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل فأتي درزنجان وهي من المدائن على فرسخين فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم.
ثم خرج أبو مريم السعدي فأتى شهرزور وأكثر من معه من الموالي وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة هو أحدهم واجتمع معه مائتا رجل وقيل أربعمائة وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة فأرسل إليهم علي عليه السلام يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة فلم يفعل وقال: ليس بيننا غير الحرب فبعث عليه السلام إليه شريح بن هانئ في سبعمائة فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين فانحاز إلى قرية فتراجع إليه بعض أصحابه ودخل الباقون الكوفة.
فخرج علي عليه السلام بنفسه وقدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي فدعاهم جارية إلى طاعة علي وحذرهم القتل فلم يجيبوا ولحقهم علي عليه السلام أيضا فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه فقتلهم أصحاب علي عليه السلام ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى فأمر علي عليه السلام بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برؤا.
[الباب الخامس والعشرون] باب إبطال مذهب الخوارج واحتجاجات الأئمة عليهم السلام وأصحابهم عليهم 629 - مناقب ابن شهرآشوب في حلية الأولياء: قال أبو مجلر: قال علي بن أبي طالب عليه السلام : عابوا علي تحكيم الحكمين وقد حكم الله في طائر حكمين.
إبانة أبي عبد الله ابن بطة: ناظر ابن عباس جماعة الحرورية فقال: ماذا نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: ثلاثا إنه حكم الرجال في دين الله فكفر به، وقاتل ولم يغنم ولم يسب ومحى اسمه من إمرة المؤمنين.
فقال: إن الله حكم رجالا في أمر الله مثل قتل صيد فقال: " يحكم به ذوا عدل منكم " وفي الاصلاح بين الزوجين قال: " فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ".
وأما إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم وإن قلتم ليست بأمنا
فقد كذبتم لقوله: " وأزواجه أمهاتكم " وأما أنه محى اسمه من إمرة المؤمنين فقد سمعتم بأن النبي صلى الله عليه وآله أتاه سهيل بن عمرو وأبو سفيان للصلح يوم الحديبية فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله القصة ووالله لرسول الله صلى الله عليه وآله خير من علي وما خرج من النبوة بذلك.
فقال بعضهم: هذا من الذين قال الله تعالى: * (بل هم قوم خصمون) * وقال * (وتنذر به قوما لدا) * قال: ورجع منهم خلق كثير.
وناظر عبد الله بن يزيد الأباضي هشام بن الحكم قبل الرشيد فقال هشام: إنه لا مسألة للخوارج علينا فقال الأباضي: كيف ذاك؟ قال: لأنكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل وتعديله والإقامة بإمامته وفضله ثم فارقتمونا في عداوته والبراءة منه فنحن على إجماعنا وشهادتكم لنا وخلافكم لنا غير قادح في مذهبنا ودعواكم غير مقبولة علينا إذ الاختلاف لا يقابل بالاتفاق وشهادة الخصم لخصمه مقبولة وشهادته عليه مردودة غير مقبولة.
فقال يحيى بن خالد: قد قرب قطعه ولكن جاره شيئا فقال هشام: ربما انتهى الكلام إلى حد يغمض ويدق عن الافهام، والانصاف بالواسطة والواسطة إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه العصبية لي وإن كان من أصحابك لم أجبه في الحكم علي وإن كان مخالفا لنا جميعا لم يكن مأمونا علي ولا عليك ولكن يكون رجلا من أصحابي ورجلا من أصحابك فينظران فيما بيننا قال: نعم فقال هشام: لم يبق معه شئ.
ثم قال: إن هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أمير المؤمنين حتى كان من أمر الحكمين ما كان فأكفروه بالتحكيم وضللوه بذلك، والآن هذا الشيخ قد حكم رجلين مختلفين في مذهبهما أحدهما يكفره والآخر يعدله فإن كان مصيبا في ذلك فأمير المؤمنين أولى بالصواب وإن كان مخطئا فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها والنظر في كفره وإيمانه أولى من النظر في إكفاره عليا عليه السلام.
فاستحسن الرشيد ذلك وأمر له بجائزة.
وقال الطاقي للضحاك الشاري لما خرج من الكوفة محكما وتسمى بإمرة المؤمنين: لم تبرأتم من علي بن أبي طالب واستحللتم قتاله؟ قال: لأنه حكم في دين الله قال: وكل من حكم في دين الله استحللتم قتله؟ قال: نعم قال:
فأخبرني عن الدين الذي جئت به أناظرك عليه لادخل فيه معك إن علت حجتك حجتي؟ قال: فمن شهد للمصيب بصوابه لابد لنا من عالم يحكم بيننا قال: لقد حكمت يا هذا في الدين الذي جئت به أناظرك فيه قال: نعم فأقبل الطاقي على أصحابه فقال: إن هذا صاحبكم قد حكم في دين الله فشأنكم به فضربوا الضحاك بأسيافهم.
630 - مناقب ابن شهرآشوب: لما قيل لأمير المؤمنين عليه السلام في الحكمين: شككت قال عليه السلام: أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلى الله عليه وآله أو قال الله تعالى لرسوله * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين) *.
631 - تفسير العياشي: عن يزيد بن رومان قال: دخل نافع بن الأزرق المسجد الحرام والحسين بن علي مع عبد الله بن عباس في الحجر فجلس إليهما ثم قال:
يا ابن عباس صف لي إلهك الذي تعبده فأطرق ابن عباس طويلا مستبطئا
بقوله فقال له الحسين إلي يا ابن الأزرق المتورط في الضلالة المرتكس في الجهالة أجيبك عما سألت عنه فقال: ما إياك سألت فتجيبني فقال له ابن عباس: مه سل ابن رسول الله فإنه من أهل بيت النبوة ومعه من الحكمة فقال له: صف لي فقال: أصفه بما وصف به نفسه وأعرفه بما عرف به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس قريب غير ملزق وبعيد غير متقص يوحد ولا يبعض لا إله إلا هو الكبير المتعال.
قال: فبكى ابن الأزرق بكاء شديدا فقال له الحسين عليه السلام: ما يبكيك؟ قال: بكيت من حسن وصفك قال يا ابن الأزرق إني أخبرت أنك تكفر أبي وأخي وتكفرني! قال له نافع لئن قلت ذاك لقد كنتم الحكام ومعالم الاسلام فلما بدلتم استبدلنا بكم فقال له الحسين: يا ابن الأزرق أسألك عن مسألة فأجبني عن قول الله لا إله إلا هو: * (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما) * إلى قوله * (كنزهما) * من حفظ فيهما؟ قال: أبوهما. قال: فأيهما أفضل أبوهما أم رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة؟ قال: لا بل رسول الله وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فما حفظنا حتى حال بيننا وبين الكفر.
فنهض [ابن الأزرق] ثم نفض ثوبه ثم قال: قد نبأنا الله عنكم معشر قريش أنتم قوم خصمون.
632 - تفسير العياشي: عن إمام بن ربعي قال: قام ابن الكوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني عن قول الله * (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * قال:
أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم وابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم وما أهل النهر منهم ببعيد.
وعن أبي الطفيل قال: منهم أهل النهر وفي رواية أخرى عن أبي الطفيل:
أولئك أهل حروراء وعن عكرمة.
633 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي عن ابن محبوب عن الثمالي عن أبي الربيع قال:
حججت مع أبي جعفر عليه السلام في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع بن الأزرق مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال لهشام: يا أمير المؤمنين من هذا الذي تكافأ عليه الناس؟ قال: هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم أفضل الصلوات وأكمل التحيات. فقال نافع: لآتينه ولأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي قال: فاذهب إليه فاسأله لعلك تخجله فجاء نافع حتى اتكأ على الناس فأشرف على أبي جعفر عليه السلام فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي فرفع أبو جعفر رأسه فقال: سل عما بدا لك قال: أخبرني كم كان بين عيسى ومحمد من سنة؟ فقال: أخبرك بقولك أو بقولي؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا. قال:
أما في قولي فخمسمائة سنة وأما قولك فست مائة سنة فقال أخبرني عن قول الله: * (واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) * [[45 / الزخرف] من ذا الذي سأله محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة؟ قال: فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) * كان من الآيات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حيث أسرى به إلى بيت المقدس أنه حشر الله الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم
أمر جبرائيل عليه السلام فأذن شفعا وأقام شفعا وقال في إقامته حي على خير العمل ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم فلما انصرف قال الله له: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله [للرسل] علام تشهدون وما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر فأخبرني عن قول الله تبارك وتعالى:
* (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) * [41 / إبراهيم: 4] أي أرض تبدل؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: [تبدل أرضنا] بخبزة بيضاء يأكلون منها حتى يفرغ الله من حساب الخلائق. فقال نافع: إنهم عن الاكل لمشغولون. فقال أبو جعفر: أهم حينئذ أشغل أم وهم في النار فقال نافع: بل وهم في النار قال: فقد قال الله: " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " [50 / الأعراف: 17] ما شغلهم أليم عذاب النار عن أن دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحميم!!
فقال صدقت يا ابن رسول الله وبقيت مسألة واحدة فقال: وما هي قال.
أخبرني عن الله متى كان؟ قال: ويلك أخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى كان سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ثم قال: يا نافع أخبرني عما أسألك عنه فقال: هات يا أبا جعفر قال: ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت أي رجعت إلى الحق وإن قلت: إنه قتلهم باطلا فقد كفرت.
قال: فولى عنه وهو يقول: أنت والله أعلم الناس حقا حقا.
ثم أتى هشام بن عبد الملك فقال له: ما صنعت؟ قال: دعني من كلامك هو والله أعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله حقا حقا ويحق لأصحابه أن يتخذوه نبيا.
634 - الإحتجاج: عن الثمالي عن أبي الربيع مثله.
بيان: قال الفيروزآبادي: كافأه: دافعه قوله عليه السلام: " فقد كفرت " أي لانكار الخبر المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أمر أمير المؤمنين عليه السلام بقتال الفرق الثلاث وأنه سماهم مارقين.
635 - روضة الواعظين شاج: روي أن نافع بن الأزرق جاء إلى محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال والحرام فقال له أبو جعفر عليه السلام في عرض كلامه: قل لهذه المارقة بما استحللتم فراق أمير المؤمنين عليه السلام وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى الله تعالى بنصرته؟ فسيقولون لك: إنه حكم في دين الله فقل لهم: قد حكم الله تعالى في شريعة نبيه رجلين من خلقه فقال جل اسمه: " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم فيها بما أمضاه الله تعالى أو ما علمتم أن أمير المؤمنين إنما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدياه واشترط رد ما خالف القرآن من أحكام الرجال وقال حين قالوا له:
" حكمت على نفسك من حكم عليك " فقال: " ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت كتاب الله " فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن واشترط
رد ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان فقال نافع بن الأزرق هذا والله كلام لم يمر بمسمعي قط ولا خطر مني ببال وهو الحق إنشاء الله.
[الباب السادس والعشرون] باب ما جرى بينه صلوات الله عليه وبين ابن الكواء وأضرابه لعنهم الله وحكم قتال الخوارج بعده عليه السلام 636 - علل الشرائع: ابن الوليد عن الصفار عن ابن هاشم عن ابن المغيرة عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال: ذكرت الحرورية عند علي بن أبي طالب عليه السلام: قال: إن خرجوا من جماعة أو على إمام عادل فقاتلوهم وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإن لهم في ذلك مقالا.
637 - تفسير علي بن إبراهيم: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يصلي وابن الكواء خلفه وأمير المؤمنين عليه السلام يقرأ فقال ابن الكواء: * (ولقد أوحي إليك وإلى) *
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.