بحارالانوار · المجلد الثامن
باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري
ج ۳۳، ص ۳۶۵–۳۹۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۱ از ۱۵
أيها الناس أما بعد أنا فقأت عين الفتنة لم يكن أحد ليجتزي عليها غيري - وفي حديث ابن أبي ليلى لم يكن ليفقأها أحد غيري - ولو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل وأهل النهروان وأيم الله لولا أن تتكلوا وتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن عليه.
ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني سلوني عما شئتم سلوني قبل أن تفقدوني إني ميت أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم؟ وضرب بيده إلى لحيته.
والذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها.
فقام إليه رجل فقال: حدثنا يا أمير المؤمنين عن البلاء.
قال: إنكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل وإذا سئل مسؤول فليثبت.
ألا وإن من ورائكم أمورا أتتكم جللا مزوجا وبلاء مكلحا ملحا والذي فلق الحبة وبرئ النسمة أن لو قد فقدتموني ونزلت [بكم] كراهية الأمور وحقايق البلاء لقد أطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين وذلك إذا قلصت حربكم وشمرت عن ساق، وكانت الدنيا بلاء عليكم وعلى أهل بيتي حتى يفتح الله لبقية الأبرار.
فانصروا أقواما كانوا أصحاب رايات يوم بدر ويوم حنين تنصروا وتوجروا ولا تسبقوهم فتصرعكم البلية فقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن الفتن. قال: إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت استقرت يشبهن مقبلات ويعرفن مدبرات إن الفتن تحوم كالرياح يصبن بلدا ويخطئن أخرى.
ألا إن خوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية إنها فتنة عمياء مظلمة مطينة عمت فتنتها وخصت بليتها وأصاب البلاء من أبصر فيها وأخطأ البلاء من عمي عنها يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا. ألا وإن أول من يضع جبروتها ويكسر عمدها وينزع أوتادها الله رب العالمين.
وأيم الله لتجدن بني أمية أرباب سوء لكم بعدي كالناب الضروس تعض بفيها وتخبط بيديها وتضرب برجليها وتمنع درها لا يزالون بكم حتى لا يتركوا في مصركم إلا تابعا لهم أو غير ضار ولا يزال بلاؤهم بكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه إذا رآه أطاعه وإذا توارى عنه شتمه.
وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم.
ألا إن من بعدي جماع شتى ألا إن قبلتكم واحدة وحجكم واحد وعمرتكم واحدة والقلوب مختلفة.
ثم أدخل [عليه السلام] أصابعه بعضها في بعض.
فقام رجل فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا هكذا يقتل هذا هذا ويقتل هذا هذا قطعا جاهلية ليس فيها هدى ولا علم يرى نحن أهل
البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة.
فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزمان؟ قال: انظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استصرخوكم فانصروهم توجروا ولا تسبقوهم فتصرعكم البلية.
فقام رجل آخر فقال: ثم ما يكون بعد هذا يا أمير المؤمنين قال: ثم إن الله يفرج الفتن برجل منا أهل البيت كتفريج الأديم - بأبي ابن خيرة الإماء - يسومهم خسفا ويسقيهم بكأس مصبرة فلا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر ودت قريش عند ذلك بالدنيا وما فيها لو يروني مقاما واحدا قدر حلب شاة أو جزر جزور لاقبل منهم بعض الذي يرد عليهم حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا فيغريه الله ببني أمية فيجعلهم ملعونين أينما ثقفوا [أخذوا] وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
بيان: الجلل محركة: الامر العظيم " مزوجا " أي مقرونا بمثله. والكلوح:
العبوس يقال: كلح وأكلح. و " قلصت " بالتشديد أي انضمت واجتمعت وبالتخفيف أي كثرت وتزايدت من قلصت البئر إذا ارتفع ماؤها " وشمرت عن ساق " أي كشفت عن شدة. وحام الطائر وغيره حول الشئ: دار " مطينة " أي مخفية " والناب " الناقة المسنة " والضروس " السيئة الخلق تعض حالبها. وجماع الناس كرمان: أخلاطهم من قبائل شتى. وكلما تجمع وانضم بعضه إلى بعض " ولبد " كنصر وفرح: أقام ولزق " كتفريج الأديم " أي الجلد عن اللحم. و " ابن خيرة الإماء " القائم عليه السلام " يسومهم خسفا " أي يوليهم ذلا و " كأس مصبرة " ممزوجة بالصبر وفي النهاية: فيه " بين يدي الساعة هرج " أي قتال واختلاط واصل الهرج: الكثيرة في الشئ والاتساع.
أقول: وقد مضى بعض هذه الخطبة مشروحا.
600 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة فقال عليه السلام: أكلكم شهد معنا صفين
قالوا: منا من شهد ومنا من لم يشهد. قال عليه السلام: فامتازوا فرقتين فليكن من شهد صفين فرقة ومن لم يشهدها فرقة حتى أكلم كلا بكلامه ونادى الناس فقال: أمسكوا عن الكلام وانصتوا لقولي وأقبلوا بأفئدتكم إلي فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها ثم كلمهم عليه السلام بكلام طويل منه.
ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكرا وخديعة: إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم! فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان وأوله رحمة وآخره ندامة فأقيموا على شأنكم والزموا طريقتكم وعضوا على الجهاد بنواجذكم ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق إن أجيب أضل وإن ترك ذل، وقد كانت هذه الفعلة وقد رأيتكم أعطيتموها والله لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها ولا حملني الله ذنبها ووالله إن جئتها إني للمحق الذي يتبع وإن الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته.
فلقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وإن القتل ليدور بين الآباء والأبناء والاخوان والقرابات فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا ومضيا على الحق وتسليما للامر وصبرا على مضض الجراح ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل فإذا طمعنا في خصلة يلم الله بها شعثنا ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها.
601 - الإحتجاج: " ألم تقولوا " إلى آخر الكلام.
توضيح: قوله عليه السلام " بكلامه " أي بالكلام الذي يليق به.
وقال في النهاية فيه: " نشدتك الله والرحم " أي سألتك بالله وبالرحم. وقال الجوهري: الغيلة بالكسر: الخديعة. ونفس تنفيسا: فرج تفريجا [قوله عليه
السلام:] " أوله رحمة " لأنه كان وسيلة إلى حقن الدماء. و " الفعلة " بالفتح المرة من الفعل والمراد بها الرضا بالحكومة " وفريضتها " ما وجب بسببها وترتب عليها " وإن الكتاب لمعي " أي لفظا ومعنى. والمضض: وجع المصيبة قوله عليه السلام: " إلى البقية " أي إلى بقاء ما بقي فيما بيننا من الاسلام كما ذكره ابن ميثم. والأطهر عندي أنه من الابقاء بمعنى الرحم والاشفاق والاصلاح كما في الصحيفة لا تبقى على من تضرع إليها.
وقال في القاموس: أبقيت ما بيننا: لم أبالغ في فساده والاسم البقية " وأولو بقية ينهون عن الفساد " أي ابقاء.
وقال ابن أبي الحديد: هذا الكلام ليس يتلو بعضه بعضا ولكنه ثلاثة فصول لا يلتصق أحدها بالآخر آخر الفصل الأول قوله عليه السلام: " وإن ترك ذل ".
وآخر الفصل الثاني قوله: " على مضض الجراح ". والفصل الثالث ينتهي آخر الكلام.
602 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام في التحكيم إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال، ولما دعانا القوم إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالى وقد قال الله سبحانه: " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " [59 / النساء: 4] فرده إلى الله أن نحكم بكتابه ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به وإن حكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فنحن [أحق الناس و] أولاهم به.
وأما قولكم: " لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم " فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ولا يؤخذ بأكظامها فتعجل عن تبين الحق وتنقاد لأول الغي.
إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه - وإن نقصه وكرثه - من الباطل وإن جر إليه فائدة وزاده.
فأين يتاه بكم ومن أين أتيتم استعدوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه وموزعين بالجور لا يعدلون عنه جفاة عن الكتاب نكب عن الطريق.
ما أنتم بوثيقة يعلق بها ولا زوافر [عز] يعتصم إليها لبئس حشاش نار الحرب أنتم أف لكم لقد لقيت منكم برحا يوما أناديكم ويوما أناجيكم فلا أحرار صدق عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاء.
603 - الإحتجاج: قال عليه السلام: " إنا لم نحكم الرجال " إلى قوله " وتنقاد لأول الغي ".
توضيح: قوله عليه السلام: " إنا لم نحكم " حاصل الجواب أنا لم نرض بتحكيم الرجلين مطلقا بل على تقدير حكمهما بالصدق في الكتاب والسنة لان القوم دعونا إلى تحكيم القرآن لا تحكيم الرجلين وإنما رضينا بتحكيم الرجلين لحاجة القرآن إلى الترجمان فالحاكم حقيقة هو القرآن لا الرجلان فإذا خالف الرجلان حكم الكتاب والسنة لم يجب علينا قبول قولهما.
مع أن رضاه عليه السلام كان اضطرارا كما عرفت مرارا.
قوله عليه السلام " فإذا حكم بالصدق " أي إذا حكم بالصدق في الكتاب والسنة فيجب أن يحكم بخلافتنا لأنا أحق الناس بالكتاب والسنة وإذا حكم بالصدق فيهما فنحن أولى الناس باتباع حكمهما فعدم اتباعنا لعدم
حكمهم بالصدق وإلا لاتبعناه وإذا حكم بالصدق فيهما فنحن أحق الناس بهذا الحكم فيجب عليهم اتباع قولنا لا علينا اتباع قولهم.
والضمير في قوله: " أحق الناس به " عائد إلى الكتاب أو إلى الله أو إلى الحكم وفي [قوله:] " أولاهم به " إلى الرسول أو إلى الحكم.
قوله عليه السلام: " ليتبين الجاهل " أي ليظهر للجاهل وجه الحق والتبين يكون لازما ومتعديا ويتثبت العالم بدفع الشبهة ويطمئن قلبه.
قوله عليه السلام: " ولا يؤخذ بأكظامها " معطوف على " يتبين ".
وقال [ابن الأثير] في [" كظم " من كتاب] النهاية [و] في حديث علي " بأكظامها " هي جمع كظم بالتحريك وهو مخرج النفس من الحلق. " وأول الغي " هو أول شبهة عرضت لهم من رفع المصاحف. وكرنه الغم وأكرثه أي اشتد عليه وبلغ منه المشقة. وتاه يتيه تيها: تحير وضل أو تكبر " ومن أين أتيتم " أي هلكتم أو دخل عليكم الشيطان والشبهة والحيلة. وقال الجوهري: أوزعته بالشئ أغريته به " لا يعدلون به " أي ليس للجور عندهم عديل ويروي:
" لا يعدلون عنه " أي لا يتركونه إلى غيره. والجفاء: البعد عن الشئ.
ونكب عن الطريق ينكب نكبا: عدل. " ما أنتم بوثيقة " أي بعروة وثيقة أو بذي وثيقة والوثيقة: الثقة وعلق بالشئ كفرح وتعلق به أي نشب واستمسك. وزافرة الرجل: أنصاره وخاصته. والحشاش بضم الحاء وتشديد الشين جمع حاش وهو الموقد للنار وكذلك الحشاش بالكسر والتخفيف وقيل:
هو ما يحش به النار أي يوقد. والبرح: الشدة وفي بعض النسخ بالتاء وهو الحزن " يوما أناديكم " أي جهرا " ويوما أناجيكم " أي سرا " فلا أحرار " أي لا تنصرون ولا تحمون " ولا إخوان ثقة " أي لا تكتمون السر ولا تعملون بلوازم الإخاء.
604 - نهج البلاغة [و] من كلام له عليه السلام للخوارج:
فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله بضلالي وتأخذونهم بخطأي وتكفرونهم بذنوبي؟ سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البراءة والسقم وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني ثم صلى عليه ثم ورثه أهله وقتل القاتل وورث ميراثه أهله وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله.
ثم أنتم شرار الناس ومن رمى به الشيطان مراميه وضرب به تيهه.
وسيهلك في صنفان محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق وخير الناس في حالا النمط الأوسط فالزموه والزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذة من الغنم للذئب.
ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن وإحياؤه الاجتماع عليه وإماتته الافتراق عنه، فإن جرنا القرآن إليهم اتبعناهم وإن جرهم إلينا القرآن إتبعونا فلم آت لا أبا لكم بجرا ولاختلتكم عن أمركم ولا لبسته عليكم وإنما اجتمع رأي ملائكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما أن لا يتعديا القرآن فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما فمضيا عليه وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكومة بالعدل والصمد للحق سوء رأيهما وجور حكمهما.
إيضاح: قوله عليه السلام " وضللت " بكسر اللام وفتحها. أقول: لما قالت الخوارج لعنهم الله: إن الدار دار كفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها قتلوا الناس حتى الأطفال وقتلوا البهائم وذهبوا إلى تكفير أهل الكبائر مطلقا ولذا أكفروا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومن تبعه على تصويب التحكيم فلذا احتج عليه السلام عليهم بأنه لو كان صاحب الكبيرة كافرا لما صلى عليه
رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ورثه من المسلم ولا مكنه من نكاح المسلمات ولا قسم عليهم من الفئ ولأخرجه من [إطلاق] لفظ الاسلام [عليه].
وقوله عليه السلام " وورث ميراثه " يدل ظاهرا على عدم ارث المسلم من الكافر ولعله إلزام عليهم.
قوله عليه السلام: " ونكحا " أي السارق والزاني المسلمات ولم يمنعهما رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك.
قوله عليه السلام: " من بين أهله " أي أهل الاسلام. " ومرامي الشطان " طرق الضلال التي يسوق الانسان إليها بوساوسه. " وضرب به تيهه " أي وجهه إليه من ضربت في الأرض إذا سافرت والباء للتعدية والتيه بالكسر والفتح: الحيرة.
وبالكسر: المفازة يتاه فيها.
وتقييد البغض بالافراط لعله لتخصيص أكمل الافراد بالذكر أو لان المبغض مطلقا مجاوز عن الحد أو لان الكلام إخبار [عما] سيوجد منهم مع أن فيه رعاية الازدواج والتناسب بين الفقرتين.
وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " خير هذه الأمة النمط الأوسط " النمط: الطريقة من الطرائق والضرب من الضروب يقال ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب. والنمط الجماعة من الناس أمرهم واحد. وقال فيه: " عليكم بالسواد الأعظم " أي جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك المنهج المستقيم. وقال: إن يد الله على الجماعة أي ان الجماعة من أهل الاسلام في كنف الله ويد الله كناية عن الحفظ والدفاع عنهم.
قوله عليه السلام: " إلى هذا الشعار " قال ابن ميثم أي مفارقة الجماعة والاستبداد بالرأي. وقوله عليه السلام: " ولو كان تحت عمامتي " كناية عن أقصى القرب من عنايته أي ولو كان ذلك الداعي في هذا الحد من عنايتي به.
وقال ابن أبي الحديد: كان شعارهم أن يحلقوا وسط رؤوسهم ويبقوا الشعر مستديرا حوله كالإكليل وقال " ولو كان تحت عمامتي " أي ولو اعتصم واحتمى بأعظم الأشياء حرمة فلا تكفوا عن قتله.
أقول ويحتمل أن يكون شعارهم قولهم: " لا حكم إلا لله " وأن يكون كنى بقوله " تحت عمامتي " عن نفسه.
قوله عليه السلام. " وإحياؤه الاجتماع عليه " أي ما يحييه القرآن هو الاجتماع عليه وما يميته هو الافتراق عنه أو أن الاجتماع على القرآن إحياؤه إذ به يحصل الأثر والفائدة المطلوبة منه والافتراق عنه إماتة له. والبجر بالضم والفتح: الداهية والامر العظيم. والختل: الخداع.
قوله عليه السلام " وإنما اجتمع " يظهر منه جوابان عن شبهتهم أحدهما أني ما اخترت التحكيم بل اجتمع رأي ملائكم عليه وقد ظهر أنه عليه السلام كان مجبورا في التحكيم.
وثانيهما أنا اشترطنا عليهما في كتاب التحكيم أن لا يتجاوزا حكم القرآن فلما تعديا لم يجب علينا اتباع حكمهما.
والملا: أشراف الناس ورؤسائهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم ذكره في النهاية. الصمد: القصد.
و " سوء رأيهما " مفعول سبق أو الاستثناء أيضا على التنازع أي ذكرنا أولا أنا إنما نتبع حكمهما إذا لم يختارا سوء الرأي والجور في الحكم.
605 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام في معنى الحكمين: فأجمع رأي ملائكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن ولا
يجاوزاه ويكون ألسنتهما معه وقلوبهما تبعه فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما والاعوجاج رأيهما وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم.
إيضاح: قال في النهاية في حديث علي عليه السلام " فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن " أي يقيما عنده يقال: جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع وهي الأرض والجعجاع أيضا الموضع الضيق الخشن. وقال في القاموس:
التبع - محركة -: التابع يكون واحدا وجمعا ويجمع على أتباع.
قوله عليه السلام " والثقة في أيدينا " أي إنا على برهان وثقة في أمورنا قوله عليه السلام " بما لا يعرف " أي لا يصدق به.
606 - نهج البلاغة: من وصيته عليه السلام لعبد الله بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون ولكن حاجهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا.
بيان: [قوله عليه السلام] " ولكن حاجهم بالسنة " قال ابن أبي الحديد كقول النبي صلى الله عليه وآله: " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " وغير ذلك من النصوص.
وقال الجوهري: يقال: ما عنه محيص أي محيد ومهرب.
607 - نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم قوم من جند الكوفة هموا باللحاق بالخوارج وكانوا على خوف منه
عليه السلام فلما عاد إليه الرجل قال له: أمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا؟ فقال الرجل: بل ظعنوا يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام:
بعدا لهم كما بعدت ثمود أما لو أشرعت الأسنة إليهم وصبت السيوف على هاماتهم لقد ندموا على ما كان منهم إن الشيطان اليوم قد استفلهم وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم فحسبهم بخروجهم من الهدى وارتكاسهم في الضلال والعمى وصدهم عن الحق وجماحهم في التيه.
بيان: قطن بالمكان: أقام. وقوله: " بعدا " منصوب على المصدر وهو ضد القرب والهلاك قوله عليه السلام: " قد استفلهم " في بعض النسخ بالقاف أي حملهم أو اتخذهم قليلا وسهل عليه أمرهم. وفي أكثر النسخ بالفاء أي وجدهم فلا لا خير فيهم أو مفلولين منهزمين وفي بعضها " استفزهم " أي استخفهم وفي بعضها " استقبلهم " أي قبلهم. والمراد بالغد اليوم الذي تصب السيوف على هاماتهم أو يوم القيامة.
وقال الجوهري: الركس: رد الشئ مقلوبا. وارتكس فلان في أمر كان قد نجا منه وجمح الفرس كمنع: اعتر فارسه وغلبه. والتيه: المفازة والضلال.
608 - الإحتجاج: روي أن أمير المؤمنين عليه السلام أرسل عبد الله بن عباس إلى الخوارج وكان بمرأى منهم ومسمع [ليسألهم ماذا الذي نقموا عليه؟ فقال لهم ابن عباس: ماذا نقمتم على أمير المؤمنين؟] قالوا له في الجواب: نقمنا يا ابن العباس على صاحبك خصالا كلها مكفرة موبقة تدعو إلى النار.
أما أولها فإنه محى اسمه من امرة المؤمنين ثم كتب بينه وبين معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون فلسنا نرضى أن يكون أميرنا.
وأما الثانية فإنه شك في نفسه حين قال للحكمين: أنظرا فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه، وإن كنت أولى بها فأثبتاني " فإذا هو شك في نفسه فلم يدر
أهو المحق أم معاوية فنحن فيه أشد شكا.
والثالثة أنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس.
والرابعة أنه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه.
والخامسة أنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة ومنعنا النساء والذرية.
والسادسة أنه كان وصيا فضيع الوصية.
قال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم فأنت أحق بجوابهم فقال: نعم ثم قال: يا ابن عباس قل لهم: ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله؟ قالوا نعم. قال أبدأ على ما بدأتم به في بدء الامر.
ثم قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله الوحي والقضايا والشروط والأمان يوم صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو فكتب:
بسم الله الرحمان الرحيم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان وسهيل بن عمرو.
فقال سهيل: انا لا نعرف الرحمان الرحيم ولا نقر أنك رسول الله ولكنا نحسب ذلك شرفا لك أن تقدم اسمك قبل أسمائنا وإن كنا أسن منك وأبي أسن من أبيك!! فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أكتب مكان " بسم الله الرحمان الرحيم " باسمك اللهم فمحوت ذلك وكتبت باسمك اللهم ومحوت " رسول الله " وكتبت " محمد بن عبد الله " فقال لي: " إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره " وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: " هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية وعمرو بن العاص " فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنك أمير المؤمنين وقاتلناك ولكن اكتب علي بن أبي طالب فمحوت كما محى رسول الله صلى الله عليه وآله فإن (*)
أبيتم ذلك فقد جحدتم. فقالوا: هذه لك خرجت منها.
فقال: " وأما قولكم " إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: أنظرا فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه " فإن ذلك لم يكن شكا مني ولكني أنصفت في القول قال الله تعالى: * (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) * [24 / السبأ: 34] ولم يكن ذلك شكا وقد علم الله أن نبيه على الحق. قالوا: وهذه لك.
قال: وأما قولكم: " إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس " فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد كان أحكم الناس. وقد قال الله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * [21 / الأحزاب: 33] فتأسيت برسول الله صلى الله عليه وآله. قالوا: وهذه لك بحجتنا.
قال: وأما قولكم: " اني حكمت في دين الله الرجال " فما حكمت الرجال وإنما حكمت كلام ربي الذي جعله الله حكما بين أهله وقد حكم الله الرجال في طائر فقال: * (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) * [95 / المائدة: 5] فدماء المسلمين أعظم من دم طائر.
قالوا: وهذه لك بحجتنا.
قال: وأما قولكم: " إني قسمت يوم البصرة لما أظفرني الله بأصحاب الجمل الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرية " فإني مننت على أهل البصرة كما من رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل مكة فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم ولم نأخذ صغيرا بكبير؟! وبعد فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه قالوا:
وهذه لك بحجتنا.
قال: وأما قولكم: " إني كنت وصيا فضيعت الوصية " فأنتم كفرتم وقدمتم علي وأزلتم الامر عني وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم إنما يبعث الله الأنبياء صلوات الله عليهم فيدعون إلى أنفسهم والوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه وذلك لمن آمن بالله ورسوله صلى الله عليه
وآله ولقد قال الله عز ذكره: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * [79 / آل عمران: 3] فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركهم إياه ولكن [الناس] كانوا يكفرون بتركهم [البيت] لان الله تعالى نصبه لهم علما وكذلك نصبني علما حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله " يا علي أنت مني [بمنزلة هارون من موسى وأنت مني] بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي " فقالوا: وهذه لك بحجتنا فأذعنوا فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه فقاتلهم فقتلهم.
بيان: قوله عليه السلام " فدماء المسلمين " لعل المراد أن تحكيم الرجال في الطائر لما كان لجهل الناس والاضطرار فالضرورة هنا أشد فالكلام على التنزل فإنه عليه السلام منع أولا تحكيم الرجال وقال بعد التسليم لا فساد فيه ويحتمل أن يكون مؤيدا لأول الكلام ردا لشبهة أصحاب معاوية بالمقايسة بالطائر أي لم تحكم الرجال لان التحكيم إنما ورد في الأمور الجزئية التي لا مفسدة كثيرا في الخطأ فيها ولا يمكن مقايسة دماء المسلمين بها فإنه قياس مع الفارق. [و] لكنه بعيد ولا يجري في بعض الأخبار التي وردت بهذا الوجه.
609 - قرب الإسناد: اليقطيني عن القداح عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا
عليه السلام كان يباشر القتال بنفسه وأنه نادى ابنه محمد بن الحنفية يوم النهروان: قدم يا بني اللواء فقدم ثم قال: قدم يا بني اللواء فقدم ثم وقف فقال له: قدم يا بني فتكعكع الفتى فقال: قدم يا ابن اللخناء ثم جاء علي حتى أخذ منه اللواء فمشى به ما شاء الله ثم أمسك ثم تقدم علي بين يديه فضرب قدما.
إيضاح: قال الجوهري. كعكعته فتكعكع أي حبسته فاحتبس وتكعكع أي جبن ورجل كعكع بالضم أي جبان ضعيف وقال: لخن السقاء بالكسر أي أنتن ومنه قولهم: أمة لخناء. ويقال: اللخناء: التي لم تختن. وقال: مضى قدما: لم يعرج ولم ينثن.
610 - التوحيد: الدقاق عن الأسدي عن البرمكي عن جعفر بن سليمان الجعفري عن أبيه عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن سعد الخفاف عن الأصبغ بن نباتة قال: لما وقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على الخوارج ووعظهم وذكرهم وحذرهم القتال قال لهم: ما تنقمون مني إلا أني أول من آمن بالله وبرسوله فقالوا: أنت كذلك ولكنك حكمت في دين الله أبا موسى الأشعري فقال عليه السلام: والله ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن ولولا أني غلبت على أمري وخولفت في رأيي لما رضيت أن تضع الحرب أوزارها بيني وبين أهل حرب الله حتى أعلى كلمة الله وأنصر دين الله ولو كره الجاهلون والكافرون.
611 - قرب الإسناد: هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يدعو على الخوارج فيقول في دعائه:
اللهم رب البيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور والكتاب المسطور أسألك الظفر على هؤلاء الذين نبذوا كتابك وراء ظهورهم وفارقوا أمة أحمد صلى الله عليه وآله عتوا عليك.
612 - العمدة: بإسناده إلى أحمد بن حنبل من مسنده بإسناده عن زيد بن وهب قال: قدم على علي عليه السلام قوم من أهل البصرة من الخوارج فيهم رجل يقال له الجعد بن بعجة فقال له: اتق الله يا علي فإنك ميت فقال علي عليه السلام: بل مقتول قتلا ضربة على هذا يخضب هذه - يعني لحيته ورأسه - عهد معهود وقضاء مقضى وقد خاب من افترى. وعاتبه في لباسه فقال: ما يمنعك أن تلبس؟ فقال مالك وللباسي! هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم.
613 - الخصال: في خبر اليهودي السائل أمير المؤمنين عما فيه من خصال الأوصياء قال عليه السلام:
وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عهد إلي أن أقاتل في آخر الزمان من أيامي قوما من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب يمرقون بخلافهم علي ومحاربتهم إياي من الدين
مروق السهم من الرمية فيهم ذو الثدية يختم لي بقتلهم بالسعادة.
فلما انصرفت إلى موضعي هذا يعني بعد الحكمين أقبل بعض القوم على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين فلم يجدوا لأنفسهم من ذلك مخرجا إلا أن قالوا: كان ينبغي لأميرنا أن لا يتابع من أخطأ وأن يقضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منا فقد كفر بمتابعته إيانا وطاعته لنا في الخطأ وأحل لنا بذلك قتله وسفك دمه.
فتجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم " لا حكم إلا لله " ثم تفرقوا فرقة بالنخيلة وأخرى بحروراء وأخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقا حتى عبرت دجلة فلم تمر بمسلم إلا امتحنته فمن تابعها استحيته ومن خالفها قتلته.
فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عز وجل والرجوع إليه فأبيا إلا السيف لا ينفعهما غير ذلك فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل فقتل الله هذه وهذه كانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا لكانوا ركنا قويا وسدا منيعا فأبى الله إلا ما صاروا إليه.
ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترى وكانوا من جلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا فأبت إلا اتباع أختيها والاحتذاء على مثالهما وأشرعت في قتل من خالفها من المسلمين وتتابعت إلي الاخبار بفعلهم فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة أوجه السفراء والنصحاء وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرة وبهذا مرة وأومئ بيده إلى الأشتر والأحنف بن قيس وسعيد بن قيس الأرحبي والأشعث بن قيس الكندي - فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم أربعة آلاف أو يزيدون حتى لم يفلت منهم مخبر فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى له
ثدي كثدي المرأة ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
بيان: [قال الفيروزآبادي] في القاموس: جل الشئ وجلاله بضمها:
معظمه. وقوم جلة بالكسر عظماء سادة ذوو أخطار.
614 - الخرائج: روي عن أبي حمزة عن علي بن الحسين عليهما السلام عن أبيه قال: لما أراد علي عليه السلام أن يسير إلى النهروان استنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن فتأخر عنه شبث بن ربعي وعمرو بن حريث والأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله وقالوا: إئذن لنا أياما نتخلف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك فقال لهم: قد فعلتموه؟ سوأة لكم من مشايخ فوالله ما لكم من حاجة تتخلفون عليها وإني لاعلم ما في قلوبكم وسأبين لكم تريدون أن تثبطوا عني الناس وكأني بكم بالخورنق وقد بسطتم سفرتكم للطعام إذ يمر بكم ضب فتأمرون صبيانكم فيصيدونه فتخلعوني وتبايعونه.
ثم مضى إلى المدائن وخرج القوم إلى الخورنق وهيئوا طعاما فبينما هم كذلك على سفرتهم وقد بسطوها إذ مر بهم ضب فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر علي عليه السلام وأقبلوا على المدائن فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: بئس للظالمين بدلا ليبعثنكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضب الذي بايعتم كأني أنظر إليكم يوم القيامة مع إمامكم وهو يسوقكم إلى النار.
ثم قال: لئن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله منافقون فإن معي منافقين أما والله يا شبث ويا ابن حريث لتقاتلان ابني الحسين هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله.
615 - الخرائج: روي أن عليا عليه السلام لما سار إلى النهروان شك رجل يقال له جندب فقال له علي عليه السلام: ألزمني ولا تفارقني فلزمه فلما دنوا من قنطرة النهروان نظر علي عليه السلام قبل زوال الشمس إلى قنبر يؤذنه بالصلاة فنزل وقال: ائتني بماء فقعد يتوضأ فأقبل فارس وقال: قد عبر القوم فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما عبروا ولا يعبرونها ولا يفلت منهم إلا دون العشرة ولا يقتل منكم إلا دون العشرة والله ما كذبت ولا كذبت.
فتعجب الناس فقال جندب: إن صح ما قال علي [عليه السلام] فلا أحتاج إلى دليل غيره فبينما هم كذلك إذ أقبل فارس فقال: يا أمير المؤمنين القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة فصلى بالناس الظهر وأمرهم بالمسير إليهم فقال جندب: قلت لا يصل إلى القنطرة قبلي أحد فركضت فرسي فإذا هم دون القنطرة وقوف فكنت أول من رمى فقتلوا كلهم إلا تسعة وقتل من أصحابنا تسعة.
ثم قال علي عليه السلام: أطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه فقال: أطلبوا فوالله ما كذبت ولا كذبت ثم قام فركب البغلة نحو قتلى كثير فقال: اقلبوها فاستخرجوا ذا الثدية فقال: الحمد لله [الذي] عجلك إلى النار.
وقد كان الخوارج خرجوا عليه قبل ذلك بجانب الكوفة في حروراء وكانوا إذ ذاك اثنى عشر ألفا قال: فخرج إليهم أمير المؤمنين عليه السلام في ازاره وردائه راكبا البغلة!! فقيل [له]: القوم شاكون في السلاح أتخرج إليهم كذلك؟ قال: إنه ليس بيوم قتالهم وصار إليهم بحروراء وقال لهم: ليس اليوم أوان قتالكم وستفترقون حتى تصيروا أربعة آلاف فتخرجون علي في مثل هذا اليوم في مثل هذا الشهر فأخرج إليكم بأصحابي فأقاتلكم حتى لا يبقى منكم إلا دون عشرة ويقتل من أصحابي يومئذ دون عشرة هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يبرح من مكانه حتى تبرأ بعضهم من بعض وتفرقوا إلى أن صاروا أربعة آلاف بالنهروان.
616 - الخرائج: روي عن جندب بن زهير الأزدي قال: لما فارقت الخوارج
عليا خرج عليه السلام إليهم وخرجنا معه فانتهينا إلى عسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل في قراءة القرآن وفيهم أصحاب البرانس وذوو الثفنات فلما رأيت ذلك دخلني شك فتنحيت ونزلت عن فرسي وركزت رمحي ووضعت ترسي ونثرت عليه درعي وقمت أصلي وأنا أقول في دعائي: اللهم إن كان قتال هؤلاء رضا لك فأرني من ذلك ما أعرف به أنه الحق وإن كان لك سخطا فاصرف عني إذ أقبل علي عليه السلام فنزل عن بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وقام يصلي إذ جاءه رجل فقال: قطعوا النهر ثم جاء آخر يشتد به دابته فقال: قطعوه وذهبوا.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن دون النطفة عهد من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وقال لي: يا جندب ترى التل قلت: نعم. قال: [إن] رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني أنهم يقتلون عنده ثم قال: إنا نبعث إليهم رسولا يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه فيرشقون وجهه بالنبل وهو مقتول قال: فانتهينا إلى القوم فإذا هم في معسكرهم لم يبرحوا ولم يترحلوا فنادى الناس وضمهم ثم أتى الصف وهو يقول: من يأخذ هذا المصحف فيمشي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وهو مقتول وله الجنة؟ فما أجابه أحد إلا شاب من بني عامر بن صعصعة فلما رأى حداثة سنه: " قال له ارجع إلى موقفك " ثم أعاد فما أجابه أحد إلا ذلك الشاب قال: خذه أما إنك مقتول.
فمشى به حتى إذا دنا من القوم حيث يسمعهم ناداهم إذ رموا [فرموا " خ ل "] وجهه بالنبل فأقبل علينا ووجهه كالقنفذ فقال علي عليه السلام:
دونكم القوم فحملنا عليهم قال جندب: ذهب الشك عني وقتلت بكفي ثمانية.
ولما قتل الحرورية قال علي عليه السلام: التمسوا في قتلاهم رجلا مخدوجا حدى يديه مثل ثدي المرأة فطلبوه فلم يجدوه فقام فأمر بهم فقلب بعضهم على بعض فإذا حبشي إحدى عضديه مثل ثدي المرأة عليه شعرات كسبال السنور
فكبر وكبر الناس معه وقال: هذا شيطان لولا أن تتكلوا لحدثتكم بما أعد الله على لسان نبيكم لمن قاتل هؤلاء.
617 - الإرشاد: من كلام أمير المؤمنين عليه السلام للخوارج حين رجع إلى الكوفة وهو بظاهرها قبل دخوله إياها بعد حمد الله والثناء عليه:
اللهم إن هذا مقام من فلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة ومن نطف فيه أو عنت فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
نشدتكم بالله أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف فقلتم " نجيبهم إلى كتاب الله " قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال امضوا على حقكم وصدقكم إنما رفعوا القوم لكم هذه المصاحف خديعة ووهنا ومكيدة فرددتم علي رأيي وقلتم: لا بل نقبل منهم فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياي فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحيا ما أحياه القرآن وأن يميتا ما أماته القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكم من حكم بما في الكتاب وإن أبيا فنحن من حكمهما براء.
قال بعض الخوارج: فخبرنا أتراه عدلا يحكم [تحكيم " خ ل "] الرجال في الدماء. فقال عليه السلام إنا لم نحكم الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال.
قالوا له: فخبرنا عن الاجل الذي جعلته فيما بينك وبينهم!
قال: ليتعلم الجاهل ويثبت العالم ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ادخلوا مصركم رحمكم الله ورحلوا من عند آخرهم.
بيان: [قوله عليه السلام:] " كان أولى بالفلج " أي من ظفر في هذا
الحرب وفي هذه القضية لاخبار النبي صلى الله عليه وآله بكون القاتلين أولى بالحق من المقتولين وغير ذلك مما مر أو المعنى أن حجة أهل الحق تكون أغلب دائما وقال الجوهري: نطف الرجل بالكسر إذا اتهم بريبة. ونطف الشئ أيضا فسد. والنطف: التلطخ بالعيب. وقال العنت: الاثم. وقد عنت الرجل [أي أثم] والعنت أيضا: الوقوع في أمر شاق وقد عنت وأعنته غيره.
618 - مناقب ابن شهرآشوب: لما دخل أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة جاء إليه زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير التميمي ذو الثدية فقال: لا حكم إلا لله فقال عليه السلام: كلمة حق يراد بها باطل. قال حرقوص: فتب من خطيئتك وارجع عن قصتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا فقال علي عليه السلام: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشروطا وأعطينا عليها عهودا ومواثيقا وقد قال الله تعالى: * (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) * الآية فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن نتوب عنه فقال علي عليه السلام: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف في العقل وقد تقدمت فنهيتكم عنه.
فقال ابن الكواء: الآن صح عندنا أنك لست بإمام ولو كنت إماما لما رجعت فقال علي عليه السلام: ويلكم قد رجع رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية عن قتال أهل مكة.
ففارقوا أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وكانوا اثني عشر ألفا من أهل الكوفة والبصرة وغيرهما ونادى مناديهم إن أمير القتال شبث بن ربعي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء والامر شورى بعد الفتح والبيعة لله على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستعرضوا الناس وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت وكان عامله على
النهروان.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا ابن عباس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا فلما وصل إليهم قالوا: ويلك يا ابن عباس أكفرت بربك كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب وخرج خطيبهم عتاب بن الأعور الثعلبي فقال ابن عباس: من بنى الاسلام فقال: الله ورسوله فقال:
النبي أحكم أموره وبين حدوده أم لا؟ قال: بلى قال: فالنبي بقي في دار الاسلام أم ارتحل قال: بل ارتحل قال: فأمور الشرع ارتحلت معه أم بقيت بعده قال: بل بقيت. قال: وهل قام أحد بعده بعمارة ما بناه؟ قال: نعم الذرية والصحابة. قال: أفعمروها أو خربوها؟ قال: بل عمروها قال: فالآن هي معمورة أم خراب؟ قال: بل خراب. قال: خربها ذريته أم أمته؟
قال بل أمته قال: وأنت من الذرية أو من الأمة؟ قال: من الأمة قال: أنت من الأمة وخربت دار الاسلام فكيف ترجو الجنة؟ وجرى بينهم كلام كثير.
فحضر أمير المؤمنين عليه السلام في مائة رجل فلما قابلهم خرج إليه ابن الكواء في مائة رجل فقال عليه السلام: أنشدكم الله هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله فقلت لكم إني أعلم بالقوم منكم وذكر مقاله إلى أن قال:
فلا أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمه وإن أبيا فنحن منه براء.
فقالوا له: أخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا الرجال حكمنا وإنما حكمنا القرآن والقرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال قالوا: فأخبرنا عن الاجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله يصلح في هذه المدة هذه الأمة.
وجرت بينهم مخاطبات فجعل بعضهم يرجع.
فأعطى أمير المؤمنين عليه السلام راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري فناداهم أبو أيوب من جاء إلى هذه الراية أو خرج من بين الجماعة فهو آمن فرجع منهم ثمانية آلاف رجل فأمرهم أمير المؤمنين عليه السلام أن يتميزوا منهم وأقام الباقون على الخلاف وقصدوا إلى نهروان.
فخطب أمير المؤمنين عليه السلام [أهل الكوفة] واستنفرهم فلم يجيبوه فتمثل:
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد ثم استنفرهم فنفر ألفا رجل يقدم عدي بن حاتم وهو يقول:
إلى شر خلق من شراة تحزبوا * وعادوا إله الناس رب المشارق فوجه أمير المؤمنين عليه السلام نحوهم وكتب إليهم على يدي عبد الله بن أبي عقب:
والسعيد من سعدت به رغبته، والشقي من شقيت به رغبته وخير الناس خيرهم لنفسه، وشر الناس شرهم لنفسه وليس بين الله وبين أحد [من خلقه] قرابة، وكل نفس بما كسبت رهينة.
فلما أتاهم أمير المؤمنين فاستعطفهم أبوا إلا قتاله وتنادوا أن دعوا مخاطبة علي و أصحابه وبارزوا الجنة وصاحوا: الروح الرواح إلى الجنة.
و [كان] أمير المؤمنين عليه السلام يعبئ أصحابه ونهاهم أن يتقدم إليهم أحد.
وكان أول من خرج [من الخوارج للبراز] أخنس بن العزير الطائي وجعل يقول:
ثمانون من حيي جديلة قتلوا * على النهر كانوا يخضبون العواليا ينادون لا لاحكم إلا لربنا * حنانيك فاغفر حوبنا والمساويا هم فارقوا من جار في الله حكمه * فكل على الرحمان أصبح ثاويا فقتله أمير المؤمنين عليه السلام.
وخرج عبد الله ابن وهب الراسبي يقول:
أنا ابن وهب الراسبي الشاري * أضرب في القوم لاخذ الثاري حتى تزل دولة الأشرار * ويرجع الحق إلى الأخيار وخرج مالك بن الوضاح وقال:
إني لبائع ما يفنى بباقية * ولا أريد لدى الهيجاء ترييضا وخرج إلى أمير المؤمنين عليه السلام الوضاح بن الوضاح من جانب وابن عمه حرقوص من جانب فقتل [أمير المؤمنين] الوضاح وضرب ضربة على رأس الحرقوص فقطعه ووقع رأس سيفه على الفرس فشرد ورجله في الركاب حتى أوقعه في دولاب خراب فصارت الحرورية كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
فكان المقتولون من أصحاب علي عليه السلام رؤبة بن وبر البجلي ورفاعة بن وائل الأرحبي والفياض بن خليل الأزدي وكيسوم بن سلمة الجمحي وحبيب بن عاصم الأزدي إلى تمام تسعة.
وانفلت من الخوارج تسعة كما تقدم ذكره وكان [ذلك] لتسع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين.
أبو نعيم الأصفهاني عن سفيان الثوري أن أمير المؤمنين عليه السلام أمر أن يفتش عن المخدج بين القتلى فلم يجدوه فقال رجل: والله ما هو فيهم فقال عليه السلام: والله ما كذبت ولا كذبت.
تاريخ الطبري وإبانة ابن بطة وسنن أبي داود ومسند أحمد عن عبد
الله بن أبي رافع وأبي موسع الوايلي وجندب وأبي الوضي واللفظ له قال: [قال] علي عليه السلام: اطلبوا المخدج فقالوا: لم نجده فقال: والله ما كذبت ولا كذبت يا عجلان ائتني ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه بالبغلة فركبها وجال في القتلى ثم قال: اطلبوه هاهنا. فاستخرجوه من تحت القتلى في نهر وطين.
وفي رواية أبي نعيم عن سفيان: فقيل قد أصبناه فسجد لله تعالى فنصبها.
تاريخ القمي أنه رجل أسود عليه شعرات عليه قريطق خدج اليد إحدى ثدييه كثدي المرأة عليه شعيرات مثل ما يكون على ذنب اليربوع.
وفي مسند الموصلي حبشي مثل البعير في منكبه مثل ثدي المرأة فقال:
صدق الله ورسوله صلى الله عليه وآله.
وفي رواية أبي داود وابن بطة أنه قال علي عليه السلام من يعرف هذا؟
فلم يعرفه أحد فقال رجل: أنا رأيت هذا بالحيرة فقلت: إلى أين تريد؟
فقال: إلى هذه وأشار إلى الكوفة وما لي بها معرفة فقال علي عليه السلام صدق هو من الجان.
وفي رواية [أخرى] هو من الجن.
وفي رواية أحمد قال أبو الوضئ: لا يأتينكم أحد يخبركم من أبوه؟ قال فجعل الناس يقولون: هذا ملك هذا ملك هذا ملك ويقول علي ابن من؟.
وفي مسند الموصلي في حديث: من قال من الناس: إنه رآه قبل مصرعه فإنه كاذب.
وفي مسند أحمد بإسناده عن أبي الوضئ أنه قال قال علي عليه السلام:
أما إن خليلي أخبرني بثلاثة أخوة من الجن هذا أكبرهم والثاني له جمع كثير والثالث فيه ضعف.
إبانة ابن بطة أنه ذكر المقتول بالنهروان فقال سعد بن أبي وقاص هو
شيطان الردهة.
زاد أبو يعلى في المسند: شيطان ردهة رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب علامة في قوم ظلمة.
محمد بن عبد الله الرعيني بإسناده عن علي عليه السلام أنه لما انصرف من صفين خاض الناس في أمر الحكمين فقال بعض الناس ما يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يأمر بعض أهل بيته فيتكلم؟ فقال للحسن: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص فقام الحسن فقال:
إيها الناس إنكم قد أكثرتم في أمر عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص فإنما بعثا ليحكما بكتاب الله فحكما بالهوى على الكتاب ومن كان هكذا لم يسم حكما ولكنه محكوم عليه وقد أخطأ عبد الله بن قيس في أن أوصى بها إلى عبد الله بن عمر فأخطأ في ذلك في ثلاث خصال في أن أباه لم يرضه لها، وفي أنه لم يستأمره وفي أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين نفذوها لمن بعده وإنما الحكومة فرض من الله وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعدا في بني قريظة فحكم فيهم بحكم الله لا شك فيه فنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله حكمه ولو خالف ذلك لم يجره ثم جلس.
ثم قال علي عليه السلام لعبد الله بن العباس قم فتكلم فقام وقال:
أيها الناس إن للحق أهلا أصابوه بالتوفيق والناس بين راض به وراغب عنه وإنما بعث عبد الله بن قيس بهدي إلى ضلالة وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى الهدى فلما التقيا رجع عبد الله عن هداه وثبت عمرو على ضلالته والله لئن حكما بالكتاب لقد حكما عليه وإن حكما بما اجتمعا عليه معا ما اجتمعا على شئ وإن كنا حكما بما سارا إليه لقد سار عبد الله وإمامه علي وسار عمرو وإمامه معاوية فما بعد هذا من غيب ينتظر، ولكنهم سئموا الحرب وأحبوا البقاء ودفعوا البلاء ورجا كل قوم صاحبهم ثم جلس.
ثم قال لعبد الله بن جعفر قم فتكلم فقام عبد الله وقال:
أيها الناس إن هذا الامر كان النظر فيه إلى علي والرضا فيه لغيره فجئتم بعبد الله بن قيس فقلتم: لا نرضى إلا بهذا فارض به فإنه رضانا وأيم الله ما استفدناه علما ولا انتظرنا منه غائبا ولا أملنا ضعفه ولا رجونا به صاحبه ولا أفسد بما عملا العراق ولا أصلحا الشام ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية ولا يذهب الحق رقية راق ولا نفحة شيطان وإنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس وجلس.
نوف البكالي عن أمير المؤمنين أنه نادى بعد الخطبة بأعلا صوته الجهاد الجهاد عباد الله ألا وإني معسكر في يومي هذا فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج.
قال نوف وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف ولغيرهم على أعداد اخر وهو يريد الرجعة إلى صفين فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله فتراجعت العساكر.
بيان: قال في النهاية: في حديث منصور: وجاء الغلام وعليه قرطق أبيض أي قباء وهو تعريب " كرته " وقد تضم طائه وإبدال القاف من الهاء في الأسماء المعربة كثير ومنه حديث الخوارج: " كأني أنظر إليه حبشي عليه قريطق " هو تصغير قرطق.
619 - كشف الغمة: قال ابن طلحة: لما عاد أمير المؤمنين من صفين إلى الكوفة بعد إقامة الحكمين أقام ينتظر انقضاء المدة التي بينه وبين معاوية ليرجع إلى مقاتلته والمحاربة إذ انخزلت طائفة من خاصة أصحابه في أربعة آلاف فارس وهم العباد والنساك فخرجوا من الكوفة وخالفوا عليا عليه السلام
وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله.
وانحاز إليهم نيف عن ثمانية آلاف ممن يرى رأيهم فصاروا اثني عشر ألفا وساروا إلى أن نزلوا بحروراء وأمروا عليهم عبد الله بن الكواء.
فدعا علي عليه السلام عبد الله بن عباس رضي الله عنه فأرسله إليهم فحادثهم فلم يرتدعوا وقالوا: ليخرج إلينا علي بنفسه لنسمع كلامه عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه.
فرجع ابن عباس فأخبره فركب في جماعة ومضى إليهم فركب ابن الكواء في جماعة منهم فواقفه فقال له علي عليه السلام: يا ابن الكواء إن الكلام كثير فأبرز إلي من أصحابك لأكلمك فقال: وأنا آمن من سيفك فقال: نعم فخرج إليه في عشرة من أصحابه فقال له علي عليه السلام عن الحرب مع معاوية وذكر له رفع المصاحف على الرماح وأمر الحكمين وقال:
ألم أقل لكم إن أهل الشام يخدعونكم بها فإن الحرب قد عضتهم فذروني أناجزهم فأبيتم.
ألم أرد أن أنصب ابن عمي حكما وقلت: إنه لا ينخدع فأبيتم إلا أبا موسى؟! وقلتم: رضينا به حكما فأجبتكم كارها ولو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم وشرطت على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما أنزل الله من فاتحته إلى خاتمته والسنة الجامعة وإنهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما علي كان ذلك أو لم يكن؟
قال ابن الكواء: صدقت قد كان هذا كله فلم لا ترجع الآن إلى حرب القوم؟ فقال: حتى تنقضي المدة التي بيننا وبينهم قال ابن الكواء: وأنت مجمع على ذلك؟ قال: نعم لا يسعني غيره.
فعاد ابن الكواء والعشرة الذين معه إلى أصحاب علي عليه السلام راجعين عن دين الخوارج.
وتفرق الباقون وهم يقولون: " لا حكم إلا لله " وأمروا عليهم عبد
الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وعسكروا بالنهروان.
وخرج [إليهم علي عليه السلام] فسار حتى بقي على فرسخين منهم وكاتبهم وراسلهم فلم يرتدعوا فأركب إليهم ابن عباس وقال: سلهم ما الذي نقموه وأنا ردفك فلا تخف منهم فلما جاءهم ابن عباس قال: ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين؟ قالوا: نقمنا أشياء لو كان حاضرا لكفرناه بها وعلي عليه السلام وراءه يسمع ذلك فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم وأنت أحق بالجواب.
فتقدم وقال: أيها الناس أنا علي بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم علي؟ فقالوا: نقمنا عليك أولا: أنا قاتلنا بين يديك بالبصرة فلما أظفرك الله بهم أبحتنا ما في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية فكيف حل لنا ما في العسكر ولم تحل لنا النساء؟ فقال لهم علي عليه السلام: يا هؤلاء إن أهل البصرة قاتلونا وبدؤنا بالقتال فلما ظفرتم اقتسمتم سلب من قاتلكم ومنعتكم من النساء والذرية فإن النساء لم يقاتلن والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله من على المشركين فلا تعجبوا إن مننت على المسلمين فلم أسلب نساءهم ولا ذريتهم.
وقالوا نقمنا عليك يوم صفين كونك محوت اسمك من امرة المؤمنين فإذا لم تكن أميرنا فلا نطيعك ولست أميرا لنا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.