بحارالانوار · المجلد الثامن
باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري
ج ۳۳، ص ۲۴۲–۲۷۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۷ از ۱۵
وأخبرني بعض رواة العامة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل الشام قال: كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع علي بن أبي طالب عليه السلام ومن أنصاره وأشياعه وكان ابن خال معاوية وكان رجلا من خيار المسلمين فلما توفي علي عليه السلام أخذه معاوية وأراد قتله فحبسه في السجن دهرا ثم قال معاوية ذات يوم: ألا نرسل إلى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته ونخبره بضلاله ونأمره أن يقوم فيسب عليا قالوا: نعم فبعث إليه معاوية فأخرجه من السجن فقال له معاوية: يا محمد بن أبي حذيفة ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوما وأن عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه وأن عليا هو الذي دس في قتله ونحن اليوم نطلب بدمه. قال محمد بن أبي حذيفة إنك لتعلم أني أمس القوم بك رحما وأعرفهم بك؟ قال: أجل. قال:
فوالله الذي لا إله غيره ما أعلم أحدا شرك في دم عثمان وألب الناس عليه غيرك لما استعملك ومن كان مثلك فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك فأبى ففعلوا به ما بلغك ووالله ما أحد شرك في قتله بدئا وأخيرا إلا طلحة والزبير وعائشة فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة وألبوا عليه الناس وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والأنصار جميعا. قال قد كان ذلك أي والله إني لأشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية والاسلام لعلى خلق واحد ما زاد الاسلام فيك قليلا ولا كثيرا وإن علامة ذلك فيك لبينة تلومني على حبي عليا خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري وأنصاري كما خرج معك أبناء المنافقين والطلقاء والعتقاء خدعتهم عن دينهم وخدعوك عن دنياك والله يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت وما خفي عليهم ما صنعوا إذ أحلوا أنفسهم سخط الله في طاعتك والله لا أزال أحب عليا لله ولرسوله وأبغضك في الله وفي رسوله أبدا ما بقيت.
قال معاوية: وإني أراك على ضلالك بعد ردوه [إلى السجن فردوه] فمات في السجن.
بيان: فنبكته التبكيت: التقريع والتأنيب. وبكته بالحجة أي غلبه وفي بعض النسخ فننكبه على التفعيل من نكب عن الطريق أي عدل أو على بناء المجرد أي نجعله منكوبا والنكبة إصابة النوائب وفي بعض النسخ: فنبكيه من الا بكاء وهو تصحيف.
521 - رجال الكشي: محمد بن مسعود عن علي بن أبي علي الخزاعي عن محمد بن علي العطار عن عمرو بن عبد الغفار عن أبي بكر بن أبي عياش عن عاصم بن أبي النجود عمن شهد ذلك أن معاوية حين قدم الكوفة ودخل عليه رجال من أصحاب علي عليه السلام وكان الحسن عليه السلام قد أخذ الأمان لرجال منهم مسمين بأسمائهم وأسماء آبائهم وكان منهم صعصعة فلما دخل عليه صعصعة قال معاوية لصعصعة: أما والله إني كنت لأبغض أن تدخل في أماني قال: وأنا والله أبغض أن أسميك بهذا الاسم ثم سلم عليه بالخلافة قال:
فقال معاوية: إن كنت صادقا فاصعد المنبر فالعن عليا قال: فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أتيتكم من عند رجل قدم شره وأخر خيره وإنه أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله فضج أهل المسجد بآمين فلما رجع إليه فأخبره بما قال قال: لا والله ما عنيت غيري ارجع حتى تسميه باسمه فرجع وصعد المنبر ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب عليه السلام فالعنوا من لعن علي بن أبي طالب قال: فضجوا بآمين قال: فلما خبر معاوية قال: لا والله ما عنى غيري اخرجوا لا يساكني في بلد فأخرجوه.
بيان: لعله أراد أمير المؤمنين أميرهم حقا عليا عليه السلام فإنه عليه السلام كان أمر أصحابه باللعن إذا خافوا القتل أو أراد أميرهم المسلط عليهم
جورا وقوله: " فالعنوا من لعن " أوهم ان المراد فالعنوا من لعنه الأمير وبينه بأنه علي ومقصوده ظاهر.
522 - رجال الكشي: روي أن الأحنف بن قيس وفد إلى معاوية وجارية بن قدامة والحباب بن يزيد فقال معاوية للأحنف: أنت الساعي على أمير المؤمنين عثمان وخاذل أم المؤمنين عائشة والوارد الماء على علي بصفين؟ فقال: يا أمير المؤمنين من ذاك ما أعرف ومنه ما أنكر.
أما أمير المؤمنين عثمان فأنتم معشر قريش حضرتموه بالمدينة والدار منا عنه نازحة وقد حضره المهاجرون والأنصار بمعزل وكنتم بين خاذل وقاتل.
وأما عائشة فإني خذلتها في طول باع ورحب سرب وذلك أني لم أجد في كتاب الله إلا أن تقر في بيتها.
وأما وروي الماء بصفين فإني وردت حين أردت أن تقطع رقابنا عطشا.
فقام معاوية وتفرق الناس.
ثم أمر معاوية للأحنف بخمسين ألف درهم ولأصحابه بصلة فقال للأحنف حين ودعه: حاجتك؟ قال: تدر على الناس عطياتهم وأرزاقهم وإن سألت المدد أتاك منا رجال سليمة الطاعة شديدة النكاية وقيل: إنه كان يرى رأي العلوية.
ووصل الحباب بثلاثين ألف درهم وكان يرى رأى الأموية فصار الحباب إلى معاوية وقال: يا أمير المؤمنين تعطى الأحنف ورأيه رأيه خمسين ألف درهم وتعطيني ورأيي رأيي ثلاثين ألف درهم فقال: يا حباب إني اشتريت بها دينه
فقال الحباب: يا أمير المؤمنين تشتري مني أيضا ديني. فأتمها وألحقه بالأحنف فلم يأت على الحباب أسبوع حتى مات ورد المال بعينه إلى معاوية فقال الفرزدق يرثي الحباب:
أتأكل ميراث الحباب ظلامة * وميراث حرب جامد لك ذائبه أبوك وعمي يا معاوية أورثا * تراثا فيختار التراث أقاربه ولو كان هذا الدين في جاهلية * عرفت من المولى القليل جلائبه ولو كان هذا الامر في غير ملككم * لأديته أو غص بالماء شاربه فكم من أب لي يا معاوية لم يكن * أبوك الذي من عبد شمس يقاربه إيضاح: قوله " في طول باع " قال السيد الداماد رحمه الله: الباع قدر مد اليدين وما بينهما من البدن وبسط اليد بالمال وطول الباع كناية عن المقدرة والميسرة والاقتدار والشوكة قاله [الزمخشري] في الفائق والأساس و [الفيروزآبادي ] وابن الأثير في] القاموس والنهاية وقال في الصحاح: الرحب بالضم: السعة تقول:
فلان رحب الصدر. والرحب بالفتح: الواسع تقول منه بلد رحب. وقال:
السرب بالفتح: الإبل. والسرب أيضا الطريق وفلان آمن في سربه - بالكسر - أي في نفسه. وفلان واسع السرب أي رخي البال.
وفي المغرب: السرب بالفتح في قولهم: خلى سربه أي طريقه ومنه قوله:
إذا كان مخلى السرب أي موسعا عليه غير مضيق عليه.
يعني أني لم أخذ لها وهي محتاجة إلى الانتصار بل خذلتها وهي في طول باع ورحب سرب أي في مندوحة وفسحة عن القتال وتجهيز الجيش بأن تقر في بيتها موقرة مكرمة رحبة الصدر رخية البال واسعة السرب لأنها لم تكن مأمورة بالمسير إلى البصرة وتجهيز الجيش والمطالبة بدم عثمان ومقاتلة علي بن أبي طالب على ذلك ولا مضطرة إلى شئ من ذلك بل كانت في سعة عن ذلك كله ومع ذلك فإنها كانت في طول باع من الشوكة والقدرة واجتماع الجيوش وكثرة الأعوان والأنصار والعدد والعدد.
وأيضا خذلتها لأني لم أجد في كتاب الله تعالى إلا أن تقر في بيتها إذ قال عز من قائل: * (وقرن في بيوتكن) * أقول: ويحتمل أن يكون في طول باع ورحب سرب حالا عن الفاعل أي لم يكن على حرج في ذلك كما يومئ إليه آخر كلامه رحمه الله.
وقوله " جامد لك ذائبه " لعله كناية عن أنه محفوظ لك لم يبطل منه شئ مما كان في معرض البطلان والضياع ولم يتعد إلى الغير.
والجلائب: جمع جليبة وهو ما جلب وعبد جليب: مجلوب وامرأة جليب من جلبي وجلائب أي عرفت من المولى القليل الأموال والعبيد أنا أو أنت.
قوله " أو غص بالماء شاربه " غص بفتح العين المعجمة وإهمال الصاد المشددة و " شاربه " بالرفع على الفاعلية. والباء [في قوله:] " بالماء " للتعدية.
[وقال ابن الأثير] في النهاية: يقال: غصصت بالماء أغص غصصا فأنا غاص وغصان إذا شرقت به أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه والمعنى لو كان هذا الامر الذي وقع في غير سلطنتكم لأديت فاعل هذا الفعل ولم يكن يقدر أن يبلغه لضعفه.
523 - بل: قال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: كنت أنا ومعاوية بن أبي سفيان بالشام فبينا نحن ذات يوم إذ نظرنا إلى شيخ وهو مقبل من صدر البرية من ناحية العراق فقال معاوية: عرجوا بنا إلى هذا الشيخ لنسأله من أين أقبل وإلى أين يريد وكان مع معاوية أبو الأعور السلمي وولدا معاوية خالد ويزيد وعمرو بن العاص قال: فعرجنا إليه فقال له معاوية:
من أين أقبلت يا شيخ وإلى أين تريد؟ فلم يجبه الشيخ فقال [له] عمرو بن العاص: لما لا تجيب أمير المؤمنين! فقال الشيخ: إن الله جعل التحية غير هذه! فقال معاوية:
صدقت يا شيخ [أصبت] وأخطأنا وأحسنت وأسأنا السلام عليك يا شيخ. فقال
[الشيخ] وعليك السلام.
فقال معاوية: ما اسمك يا شيخ؟ فقال: اسمي جبل وكان ذلك الشيخ طاعنا في السن بيده شئ من الحديد ووسطه مشدود بشريط من ليف المقل وفي رجليه نعلان من ليف المقل وعليه كساء قد سقط لحامه وبقي سدانه وقد بانت شراسيف خديه وقد غطت حواجبه على عينيه.
فقال معاوية: يا شيخ من أين أقبلت وإلى أين تريد؟ قال: أتيت من العراق أريد بيت المقدس قال معاوية: كيف تركت العراق؟ قال: على الخير والبركة والنفاق. قال: لعلك أتيت من الكوفة من الغري؟ قال الشيخ: وما الغري؟ قال معاوية: الذي فيه أبو تراب. قال الشيخ: من تعني بذلك ومن أبو تراب؟ قال ابن أبي طالب. قال له الشيخ: أرغم الله أنفك ورض الله فاك ولعن الله أمك وأباك ولم لا تقول: الإمام العادل والغيث الهاطل يعسوب الدين وقاتل المشركين والقاسطين والمارقين وسيف الله المسلول ابن عم الرسول وزوج البتول تاج الفقهاء وكنز الفقراء وخامس أهل العباء والليث الغالب أبو الحسنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.
فعندها قال معاوية: يا شيخ إني أرى لحمك ودمك قد خالط لحم علي بن أبي طالب عليه السلام ودمه حتى لو مات علي ما أنت فاعل؟ قال: لا أتهم في فقده ربي وأجلل في بعده حزني وأعلم أن الله لا يميت سيدي وإمامي حتى يجعل من ولده حجة قائمة إلى يوم القيامة.
فقال: يا شيخ هل تركت من بعدك أمرا تفتخر به؟ قال: تركت الفرس الأشقر والحجر والمدر والمنهاج لمن أراد المعراج قال عمرو بن العاص: لعله لا يعرفك يا أمير المؤمنين.
فسأله معاوية فقال: يا شيخ أتعرفني قال الشيخ: ومن أنت؟ قال: أنا معاوية بن أبي سفيان أنا الشجرة الزكية والفروع العلية سيد بني أمية. فقال له الشيخ: بل أنت اللعين على لسان نبيه وفي كتابه المبين إن الله قال:
" والشجرة الملعونة في القرآن " والشجرة الخبيثة والعروق المجتثة الخسيسة الذي ظلم نفسه وربه وقال فيه نبيه الخلافة محرمة على أبي سفيان الزنيم ابن الزنيم ابن آكلة الأكباد الفاشي ظلمه في العباد.
فعندها اغتاظ معاوية وحنق عليه فرد يده إلى قائم سيفه وهم بقتل الشيخ ثم قال: لولا أن العفو حسن لاخذت رأسك ثم قال: أرأيت لو كنت فاعلا ذلك قال الشيخ إذا والله أفوز بالسعادة وتفوز أنت بالشقاوة وقد قتل من هو أشر منك من هو خير مني وعثمان شر منك.
قال معاوية: يا شيخ هل كنت حاضرا يوم الدار قال: وما يوم الدار؟ قال معاوية: يوم قتل علي عثمان فقال الشيخ: تالله ما قتله ولو فعل ذلك لعلاه بأسياف حداد وسواعد شداد وكان يكون في ذلك مطيعا لله ولرسوله. قال:
معاوية: يا شيخ هل حضرت يوم صفين قال: وما غبت عنها قال: كيف كنت فيها؟ قال الشيخ: أيتمت منك أطفالا وأرملت منك إخوانا وكنت كالليث أضرب بالسيف تارة وبالرمح أخرى.
قال معاوية هل ضربتني بشئ قط؟ قال الشيخ: ضربتك بثلاثة وسبعين سهما فأنا صاحب السهمين اللذين وقعا في بردتك وصاحب السهمين اللذين وقعا في مسجدك وصاحب السهمين اللذين وقعا في عضدك ولو كشفت الآن لأريتك مكانهما.
فقال معاوية: يا شيخ هل حضرت يوم الجمل؟ قال: وما يوم الجمل؟
قال معاوية: يوم قاتلت عائشة عليا. قال: وما غبت عنها. قال معاوية: يا شيخ الحق [كان] مع علي أم مع عائشة قال الشيخ: بل مع علي. قال معاوية:
ألم يقل الله * (وأزواجه أمهاتهم) * وقال النبي صلى الله عليه وآله [لها] أم المؤمنين!
قال الشيخ: ألم يقل الله تعالى: يا نساء النبي: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " [33 / الأحزاب: 33] وقال النبي صلى الله عليه وآله: أنت يا علي خليفتي على نسواني وأهلي وطلاقهن بيدك أفترى في ذلك معها حق حتى سفكت دماء المسلمين وأذهبت أموالهم فلعنة الله على القوم الظالمين وهما كامرأة
نوح في النار ولبئس مثوى الكافرين.
قال معاوية يا شيخ ما جعلت لنا شيئا نحتج به عليك فمتى ظلمت الأمة وطفيت عنهم قناديل الرحمة قال لما صرت أميرها وعمرو بن العاص وزيرها.
قال فاستلقى معاوية على قفاه من الضحك وهو على ظهر فرسه فقال: يا شيخ هل من شئ نقطع به لسانك؟ قال: وماذا قال عشرون ناقة حمراء محملة عسلا وبرا وسمنا وعشرة آلاف درهم تنفقها على عيالك وتستعين بها على زمانك قال الشيخ: لست أقبلها. قال: ولم ذلك. قال الشيخ: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: درهم حلال خير من ألف درهم حرام.
قال معاوية: لان أقمت في دمشق لأضربن عنقك قال: ما أنا مقيم معك فيها.
قال معاوية: ولم ذلك؟ قال الشيخ: لان الله تعالى يقول: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) * [113 / هود: 11]. وأنت أول ظالم وآخر ظالم. ثم توجه الشيخ إلى بيت المقدس.
توضيح: قال الجوهري: التعريج على الشئ الإقامة عليه يقال:
عرج فلان على المنزل إذا حبس مطيته عليه وأقام وانعرج الشئ انعطف.
524 - الفضائل، الروضة: قيل: دخل ضرار صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على معاوية بن أبي سفيان بعد وفاته عليه السلام فقال له معاوية: يا ضرار صف لي علي بن أبي طالب وأخلاقه المرضية قال ضرار: كان
والله بعيد المدى شديد القوى ينفجر الايمان من جوانبه وتنطق الحكمة من لسانه يقول حقا ويحكم فصلا فأقسم لقد شاهدته ليلة في محرابه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم يصلي قابضا على لمته يتململ تململ السليم ويأن أنين الحزين ويقول: يا دنيا أبي تعرضت وإلي تشوفت غري غيري لا حان حينك أجلك قصير وعيشك حقير وقليلك حساب وكثيرك عقاب فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي إليك آه من بعد الطريق وقلة الزاد.
قال معاوية كان والله أمير المؤمنين كذلك وكيف حزنك عليه؟ قال: حزن امرأة ذبح ولدها في حجرها قال فلما سمع ذلك معاوية بكا وبكا الحاضرون.
بيان: المدى الغاية أي كان ذا همة عالية يتوجه إلى تحصيل معالي الأمور وما يعسر تحصيله على أكثر الخلق.
ويقال: نطف الماء ينطف وينطف إذا قطر قليلا قليلا. والسدل جمع السديل وهو ما يسيل ويرخى على الهودج ويقال: سلمته الحية أي لدغته والسليم اللديغ. وقيل إنما سمي سليما تفألا بالسلامة.
ويقال: هو يتململ عى فراشه إذا لم يستقر من الوجع والاستفهام عن تعرضها وتشوفها استفهام إنكار لذلك منها واستحقار لها واستبعاد لموافقته إياها على ما تريد وتشوف إلى الخير: تطلع. ومن السطح: تطاول ونظر وأشرف.
وفي بعض النسخ بالقاف: [تشوقت]. " غري غيري " أي خداعك وغرورك لا يدخل علي وليس المراد الامر بغرور غيره.
وقال الجوهري: حان له أن يفعل كذا يحين حينا أي آن، وحان حينه أي قرب وقته انتهى. وهذا دعاء عليها أي: لا قرب وقت انخداعي بك وغرورك لي.
525 - كشف الغمة: حضر جماعة عند معاوية وعنده عدي بن حاتم وكان
فيهم عبد الله بن الزبير فقالوا: يا أمير المؤمنين ذرنا نكلم عديا فقد زعموا أن عنده جوابا فقال: إني أحذركموه فقالوا: لا عليك دعنا وإياه فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى فقئت عينك؟ قال: يوم فر أبوك وقتل شر قتلة وضربك الأشتر على استك فوقعت هاربا من الزحف وأنشد:
أما وأبي يا بن الزبير لو أنني * لقيتك يوم الزحف ما رمت لي سخطا وكان أبي في طئ وأبوابي * صحيحين لم تنزع عروقهما القبطا ولو رمت شتمي عند عدل قضاؤه * لرمت به يا ابن الزبير مدى شحطا فقال معاوية: قد كنت حذرتكموه فأبيتم.
بيان: قال الجوهري: الشحط البعد يقال: شحط المزار [أي بعد] وتشحط المقتول بدمه أي اضطرب فيه.
526 - كشف الحق للعلامة رحمه الله: روى الجمهور أن أروى بنت الحرث بن عبد المطلب دخلت على معاوية في خلافته بالشام وهي يومئذ عجوز كبيرة فلما رآها قال: مرحبا بك يا خالة. قالت: كيف أنت يا ابن أختي لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك بلا بلاء كان منك ولا من أبيك بعد أن كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود حتى رد الله الحق إلى أهله وكانت كلمة الله هي العليا ونبينا هو المنصور على كل ما ناوأه ولو كره المشركون فكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء وعن أهله غناء وقدرا حتى قبض الله نبيه ومغفورا ذنبه مرفوعة منزلته شريفا عن الله مرضيا فوثب علينا بعده تيم
وعدي وبنو أمية فأنت تهتدي بهداهم وتقصد لقصدهم فصرنا بحمد الله فيكم أهل البيت بمنزلة قوم موسى في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وصار سيدنا منكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: * (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) * [150 / الأعراف: 7] فلم يجمع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله شمل ولم يسهل وعث وغايتنا الجنة وغايتكم النار.
فقال لها عمرو بن العاص: أيتها العجوزة الضالة أقصري من قولك وغضي من طرفك. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا عمرو بن العاص قالت: با ابن النابغة أربع على ظلعك واغض لسان نفسك ما أنت من قريش في لباب حسبها ولا صحيح نسبها ولقد ادعاك خمسة من قريش كلهم يزعم أنك ابنه ولطالما رأيت أمك أيام منى بمكة تكسب الخطيئة وتتزن الدراهم من كل عبد عاهر هايج وتسافح عبيدنا فأنت بهم أليق وهم بك أشبه منك تقرع بينهم.
527 - كشف الغمة: من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري حدث عن رجاله قال: دخل محفن بن أبي محفن الضبي على معاوية فقال: يا معاوية جئتك من عند ألام العرب وأعيا العرب وأجبن العرب وأبخل العرب!!
قال: ومن هو يا أخا بني تميم؟ قال: علي بن أبي طالب!!! قال معاوية:
اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخاكم العراقي فابتدروه أيهم ينزله عليه ويكرمه.
فلما تصدع الناس عنه قال له: كيف قلت؟ فأعاد عليه فقال له ويحك يا جاهل كيف يكون ألام العرب وأبوه أبو طالب وجده عبد المطلب وامرأته
فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله؟
وأنى يكون أبخل العرب فوالله لو كان له بيتان بيت تبن وبيت تبر لأنفد تبره قبل تبنه.
وأني يكون أجبن العرب؟ فوالله ما التقت فئتان قط إلا كان فارسهم غير مدافع.
وأني يكون أعيى العرب فوالله ما سن البلاغة لقريش غيره ولما قامت أم محفن عنه ألام وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمه فوالله لولا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك فإياك عليك لعنة الله والعود إلى مثل هذا.
قال: والله أنت أظلم مني فعلى أي شئ قاتلته وهذا محله؟! قال: على خاتمي هذا حتى يجوز به أمري قال: فحسبك ذلك عوضا من سخط الله وأليم عذابه. قال: لا يا ابن محفن ولكني أعرف من الله ما جهلت حيث يقول:
* (ورحمتي وسعت كل شئ) *.
528 - وحدث الزبير عن رجاله قال: قدم ابن عباس على معاوية وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه لمعرفته أن معاوية كان يكره إظهاره لشأنه وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن علي عليهما السلام فسجد شكرا لله تعالى وبان السرور في وجهه في حديث طويل ذكره الزبير ذكرت منه موضع الحاجة إليه وأذن للناس وأذن لابن عباس بعدهم فدخل فاستدناه وكان قد عرف بسجدته فقال له: أتدري ما حدث بأهلك؟ قال: لا قال: فإن أبا محمد رحمه الله توفي فعظم الله أجرك فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله
نحتسب المصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن رحمه الله إنه قد بلغتني سجدتك فلا أظن ذلك إلا لوفاته والله لا يسد جسده حفرتك ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك ولطال ما رزينا بأعظم من الحسن ثم جبر الله.
قال معاوية كم كان أتى له؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده قال:
أحسبه ترك صبية صغارا؟ قال: كلنا كان صغيرا فكبر. ثم قال: أصبحت سيد أهلك قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي فلا. ثم قام وعينه تدمع فقال معاوية: لله دره لا والله ما هيجنا قط إلا وجدناه سيدا.
ودخل [ابن عباس] على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال: يا أبا العباس أما تدري ما حدث في أهلك؟ قال: لا. قال: هلك أسامة بن زيد فعظم الله أجرك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله أسامة وخرج.
وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاققته [محاقته " خ ل "] فصلى في الجامع يوم الجمعة واجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الاسلام والجاهلية وافتقد معاوية الناس فقيل: إنهم مشغولون بابن عباس ولو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل! فقال: نحن أظلم منه حبسناه عن أهله ومنعناه حاجته ونعينا إليه أحبته انطلقوا فادعوه فأتاه الحاجب فدعاه فقال: إنا بنو عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلي أصلي إنشاء الله وآتيه فرجع.
وصلى [ابن عباس] العصر وأتاه فقال: حاجتك فما سأله حاجة إلا قضاها وقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك - وإنما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا فعرف ما يريده - فقال: إن ذلك ليس لي ولا لك فإن أذنت أن أعطي كل ذي حق حقه فعلت؟! قال:
أقسمت عليك إلا دخلت فأخذت حاجتك. فدخل فأخذ برنس خز أحمر
يقال: أنه كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم خرج فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة قال: ما هي؟ قال: علي بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته وقد كفاكه الموت أحب أن لا يشتم على منابركم قال:
هيهات يا بن عباس هذا أمر دين أليس أليس وفعل وفعل فعدد ما بينه وبين علي عليه السلام فقال ابن عباس: أولى لك يا معاوية والموعد القيامة ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. وتوجه إلى المدينة.
529 - وحدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس أن معاوية أقبل عليه وعلى بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحققتم النبوة ولا يجتمعان لاحد حجتكم في الخلافة شبهة على الناس تقولون: نحن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله فما بال خلافة النبي في غيرنا وهذه شبهة لأنها تشبه الحق فأما الخلافة فتتقلب في أحياء قريش برضى العامة وشورى الخاصة فلم يقل الناس ليت بني هاشم ولونا ولو أن بني هاشم ولونا لكان خيرا لنا في دنيانا وآخرتنا فلا هم حيث اجتمعوا على غيركم تمنوكم ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم.
وأما ما زعمتم أن لكم ملكا هاشميا ومهديا قائما فالمهدي عيسى بن مريم عليه السلام وهذا الامر في أيدينا حتى نسلمه إليه ولعمري لئن ملكتموها ما رايحة عاد وصاعقة ثمود بأهلك للقوم منكم ثم سكت.
فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنه أما قولك: إنا نستحق الخلافة بالنبوة فإذا لم نستحقها بها فبم نستحقها.
وأما قولك أن الخلافة والنبوة لا تجتمعان لاحد فأين قول الله تعالى * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * [45 / النساء: 4]
فالكتاب النبوة والحكمة السنة والملك الخلافة ونحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد والسنة لنا ولهم جارية.
وأما قولك إن حجتنا مشتبهة فوالله لهي أضوء من الشمس وأنور من نور القمر وإنك لتعلم ذلك ولكن ثنى عطفك وصعرك قتلنا أخاك وجدك وأخاه وخالك فلا تبك على أعظم حائلة وأرواح أهل النار ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك ووضعها.
فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم وأما قولك: إنا زعمنا أن لنا ملكا مهديا فالزعم في كتاب الله شرك قال تعالى:
* (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) * [7 / التغابن: 64] وكل يشهد أن لنا ملكا ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لامره منا من يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا لا تملكون يوما واحدا إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين.
وأما قولك إن المهدي عيسى بن مريم فإنما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه يذوب كما تذوب الشحمة والامام منا رجل يصلي خلفه عيسى بن مريم ولو شئت سميته.
وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فإنهما كانا عذابا وملكنا والحمد لله رحمة.
530 - وحدث الزبير قال: حج معاوية فجلس إلى ابن عباس فأعرض عنه ابن عباس فقال: لم تعرض عني فوالله إنك لتعلم أني أحق بالخلافة من ابن عمك! قال ابن عباس: لم ذاك لأنه كان مسلما وكنت كافرا؟ قال: لا ولكن ابن عمي عثمان قتل مظلوما! قال ابن عباس: وعمر قتل مظلوما. قال:
إن عمر قتله كافر وإن عثمان قتله المسلمون! قال ابن عباس: ذاك أدحض لحجتك فأسكت معاوية.
531 - ومن كتاب معالم العترة للجنابذي عن ذكوان مولى معاوية قال: قال
معاوية: لا أعلمن أحدا سمى هذين الغلامين ابني رسول الله إلا فعلت وفعلت ولكن قولوا: ابني علي.
قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك أمرني أن أكتب بنيه في الشرف قال: فكتبت بنيه وبني بنيه وتركت بني بناته ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه فقال ويحك لقد أغفلت كبر بني فقلت من؟ قال: أما بنو فلانة - لابنته - بني أما بنو فلانة بني لابنته؟ قال: قلت:
الله أيكون بنو بناتك بنيك ولا يكون بنو فاطمة بني رسول الله صلى الله عليه وآله!
قال: ما لك قاتلك الله لا يسمعن هذا أحد منك.
توضيح: قال [ابن الأثير] في النهاية: البظر - بفتح الباء - الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. وإنما ذكر هاهنا للاستخفاف به وبنسبه واللام للتعليل. " وما قامت عنه " أنه كناية عنه نفسه . " أليس أليس " أي عدد ما صدر عنه عليه السلام بالنسبة إليه فقال أليس فعل كذا وأليس فعل كذا وكذا قوله: " وفعل وفعل ". وقال الجوهري: أولى لك تهديد ووعيد. وقال الأصمعي أي قاربه ما يهلكه أي نزل به. وقال: عطفا الرجل:
جانباه. وثنى فلان عني عطفه إذا أعرض عنك وقال: الصعر: الميل في الخد خاصة وقد صعر خده وصاعر أي أماله من الكبر ومنه قوله تعالى: * (ولا تصعر خدك للناس) * [18 / لقمان: 31].
[قوله:] " على أعظم حائلة " أي متغيرة بالية " ووضعها " أي جعلها وضيعة غير محترمة. وفي الصحاح: كبر الشئ معظمه، وقولهم: هو كبر قومه بالضم أي هو أقعدهم في النسب.
531 - بشارة المصطفى محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن الحسن الخزاعي
عن علي بن محمد بن بنان، عن الحسن بن محمد السكوني عن أحمد بن محمد بن مسروق عن محمد بن دينار الضبي عن عبد الله بن ضحاك:
عن هشام بن محمد عن أبيه قال: اجتمع الطرماح وهشام المرادي ومحمد بن عبد الله الحميري عند معاوية بن أبي سفيان فأخرج بدرة فوضعها بين يديه ثم قال: يا معشر شعراء العرب قولوا قولكم في علي بن أبي طالب ولا تقولوا إلا الحق وأنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيت هذه البدرة إلا من قال الحق في علي.
فقام الطرماح فتكلم وقال في علي ووقع فيه فقال معاوية: اجلس فقد عرف الله نيتك ورأي مكانك ثم قام هشام المرادي فقال أيضا ووقع فيه فقال معاوية: اجلس مع صاحبك فقد عرف الله مكانكما فقال عمرو بن العاص لمحمد بن عبد الله الحميري وكان خاصا به تكلم ولا تقل إلا الحق ثم قال:
يا معاوية قد آليت ألا تعطي هذه البدرة إلا قائل الحق في علي؟ قال: نعم أنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيتها منهم إلا من قال الحق في علي فقام محمد بن عبد الله فتكلم ثم قال:
بحق محمد قولوا بحق * فإن الإفك من شيم اللئام أبعد محمد بأبي وأمي * رسول الله ذي الشرف التمام أليس علي أفضل خلق ربي * وأشرف عند تحصيل الأنام ولايته هي الايمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام وطاعة ربنا فيها وفيها * شفاء للقلوب من السقام علي إمامنا بأبي وأمي * أبو الحسن المطهر من حرام إمام هدى أتاه الله علما * به عرف الحلال من الحرام ولو أني قتلت النفس حبا * له ما كان فيها من آثام يحل النار قوم يبغضوه * وإن صاموا وصلوا ألف عام
فلا والله ما تزكو صلاة * بغير ولاية العدل الامام أمير المؤمنين بك اعتمادي * وبالغرر الميامين اعتصامي برئت من الذي عادى عليا * وحاربه من أولاد الحرام تناسوا نصبه في يوم حم * من الباري ومن خير الأنام برغم الانف من يشنأ كلامي * علي فضله كالبحر طام وأبرأ من أناس أحروه * وكان هو المقدم بالمقام علي هزم الابطال لما * رأوا في كفه ماح الحسام على آل النبي صلاة ربي * صلاة بالكمال وبالتمام فقال معاوية: أنت أصدقهم قولا فخذ هذه البدرة.
بيان: قال في القاموس: ابن نفي كغني نفاه أبوه. وقال: طمى الماء:
علا. و [طمى] البحر: امتلأ.
532 - 533 - الطرائف: ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد في قصة دارمية الحجونية أن معاوية قال لها: أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت إليك لأسألك على م أحببت عليا وأبغضتيني وواليته وعاديتيني؟ قالت له: أتعفيني؟ قال: لا أعفيك؟ قالت: أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية وقسمته بالسوية وأبغضك على قتالك من هو أولى منك بالامر وطلبك ما ليس لك بحق. وواليت عليا على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله من الولاية وعلى حبه للمساكين وإعظامه لأهل الدين وعاديتك على سفك الدماء وجورك في القضاء وحكمك بالهوى.
ومن الكتاب المذكور في وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية أنه قال لها: كيف كنت بعدنا؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير
حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقة لك في الاسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود وأصعر منكم الخدود ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور فوليتم علينا بعد فأصبحتم تحتجون على سائر الناس بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا منكم وكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون وكان علي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار.
بيان: أتعسه: أهلكه. والجدود: جمع الجد وهو البخت.
534 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان بن أبي عياش عنه أنه قال: دعا معاوية قراء أهل الشام وقضاتهم فأعطاهم الأموال وبثهم في نواحي الشام ومدائنها يروون الروايات الكاذبة ويضعون لهم الأصول الباطلة ويخبرونهم بأن عليا قتل عثمان ويتبرأ من أبي بكر وعمر وأن معاوية يطلب بدم عثمان ومعه أبان بن عثمان وولد عثمان حتى استمالوا أهل الشام واجتمعت كلمتهم ولم يزل معاوية على ذلك عشرين سنة ذلك عمله في جميع أعماله حتى قدم عليه طغاة أهل الشام وأعوان الباطل المنتزلون له بالطعام والشراب يعطيهم الأموال ويقطعهم القطائع حتى نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير وهاجر عليه الاعرابي وترك أهل الشام لعن الشيطان وقالوا لعن علي وقاتل عثمان فاستقر على ذلك جهلة الأمة وأتباع أئمة الضلالة والدعاة إلى النار فحسبنا الله ونعم الوكيل ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولكن الله يفعل ما يشاء.
أبان عن سليم قال: كان لزياد بن سمية كاتب يتشيع وكان لي صديقا فأقرأني كتابا كتبه معاوية إلى زياد جواب كتابه إليه:
أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن العرب من أكرم منهم ومن أهين ومن
أقرب ومن أبعد ومن آمن منهم ومن أحذر.
وفي رواية أخرى: ومن أو من منهم ومن أخيف وأنا يا أخي أعلم الناس بالعرب أنظر إلى هذا الحي من اليمن فأكرمهم في العلانية وأهنهم في السر فإني كذلك أصنع بهم أكرمهم في مجالسهم وأهينهم في الخلاء إنهم أسوء الناس عندي حالا ويكون فضلك وعطاؤك لغيرهم سرا منهم.
وانظر إلى ربيعة بن نزار فأكرم أمراءهم وأهن عامتهم فإن عامتهم تبع لأشرافهم وساداتهم وانظر إلى مضر فاضرب بعضها ببعض فإن فيهم غلظة وكبرا ونخوة شديدة فإنك إذا فعلت ذلك وضربت بعضهم ببعض كفاك بعضم بعضا ولا ترض بالقول منهم دون الفعل ولا بالظن دون اليقين.
وانظر إلى الموالي ومن أسلم من الأعاجم فخذهم بسنة عمر بن الخطاب فإن في ذلك خزيهم وذلهم أن ينكح العرب فيهم ولا ينكحونهم وأن يرثوهم العرب ولا يرثوا العرب وأن تقصر بهم في عطائهم وأرزاقهم وأن يقدموا في المغازي يصلحون الطريق ويقطعون الشجر ولا يؤم أحد منهم العرب في صلاة ولا يتقدم أحد منهم في الصف الأول إذا أحضرت العرب إلا أن يتم الصف ولا تول أحدا منهم ثغرا من ثغور المسلمين ولا مصرا من أمصارهم ولا يلي أحد منهم قضاء المسلمين ولا أحكامهم فإن هذه سنة عمر فيهم وسيرته جزاه عن أمة محمد وعن بني أمية خاصة أفضل الجزاء.
فلعمري لولا ماصع هو وصاحبه وقوتهما وصلابتهما في دين الله لكنا وجميع هذه الأمة لبني هاشم الموالي ولتوارثوا الخلافة واحدا بعد واحد كما يتوارث أهل كسرى وقيصر ولكن الله عز وجل أخرجها من بني هاشم وصيرها إلى بني تيم بن مرة ثم خرجت إلى عدي بن كعب وليس في قريش حيان أذل منهما ولا أنذل فاطمعنا فيها وكنا أحق بها منهما ومن عقبهما لان فينا الثروة والعز ونحن أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الرحم منهما.
ثم نالها صاحبنا عثمان بشورى ورضا من العامة بعد شورى ثلاثة أيام من الستة ونالها من نالها قبله بغير شورى. (*)
فلما قتل صاحبنا عثمان مظلوما نلناها به لان من قتل مظلوما فقد جعل الله لوليه سلطانا.
ولعمري يا أخي لو كان عمر سن دية العبد نصف دية المولى لكان أقرب إلى التقوى ولو وجدت السبيل إلى ذلك ورجوت أن تقبله العامة لفعلت ولكني قريب عهد بحرب فأتخوف فرقة الناس واختلافهم علي وبحسبك ما سنه عمر فيهم وهو خزي لهم وذل.
وفي رواية أخرى: يا أخي لو أن عمر سن دية الموالي على النصف من دية العربي فذلك أقرب للتقوى لما كان للعرب فضل على العجم فإذا جاءك كتابي هذا فأذل العجم وأهنهم وأقصهم ولا تستعن بأحد منهم ولا تقض لهم حاجة فوالله إنك لابن أبي سفيان خرجت من صلبه وقد كنت حدثتني وأنت يا أخي عندي صدوق أنك قرأت كتاب عمر إلى الأشعري بالبصرة وكنت يومئذ كاتبه وهو عامل بالبصرة وأنت أنذل الناس عنده وأنت يومئذ ذليل النفس تحسب أنك مولى لثقيف ولو كنت تعلم يومئذ يقينا كيقينك اليوم أنك ابن أبي سفيان لأعظمت نفسك وأنفت أن تكون كاتبا لدعي الأشعريين وأنت تعلم ونحن [نعلم] يقينا أن أبا سفيان كان يحذو حذو أمية بن عبد شمس.
وحدثني ابن أبي المعيط أنك أخبرته أنك قرأت كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري وبعث إليه بحبل طوله خمسة أشبار وقال له: أعرض من قبلك من أهل البصرة فمن وجدت من الموالي ومن أسلم من الأعاجم قد بلغ خمسة أشبار فقدمه فاضرب عنقه فشاورك أبو موسى في ذلك فنهته وأمرته أن يراجع فراجعه وذهبت أنت بالكتاب إلى عمر وإنما صنعت ما صنعت تعصبا للموالي وأنت يومئذ تحسب أنك ابن عبد ثقيف فلم تزل تلتمس حتى رددته عن رأيه وخوفته فرقة الناس فرجع وقلت له يومئذ وقد عاديت أهل هذا البيت: أخاف أن يثوروا إلى علي فينهض بهم فيزيل ملكك فكف عن ذلك وما أعلم يا أخي
ولد مولود من أبي سفيان أعظم شؤما عليهم منك حين رددت عمر عن رأيه ونهيته عنه.
وخبرني أن الذي صرفت به عن رأيه في قتلهم أنك قلت: أنك سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: لتضربنكم الأعاجم على هذا الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا.
وقال : ليملأن الله أيديكم من الأعاجم وليصيرن أسدا لا يفرون فليضربن أعناقكم وليغلبنكم على فيئكم.
فقال لك وقد سمع ذلك من علي يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: فذلك الذي دعاني إلى الكتاب إلى صاحبك في قتلهم وقد كنت عزمت على أن أكتب إلى عمالي في ساير الأمصار. فقلت لعمر: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني لست آمن أن يدعوهم علي عليه السلام إلى نصرته وهم كثير وقد علمت شجاعة علي وأهل بيته وعداوته لك ولصاحبك فرددته عن ذلك فأخبرتني أنك لم ترده عن ذلك إلا عصبية وأنك لم ترجع عن رأيه جبنا وحدثتني أنك ذكرت ذلك لعلي في إمارة عثمان فأخبرك أن أصحاب الرايات السود.
وفي رواية أخرى: وخبرتني أنك سمعت عليا في إمارة عثمان يقول: إن أصحاب الرايات السود التي تقبل من خراسان هم الأعاجم وأنهم الذين يغلبون بني أمية على ملكهم ويقتلونهم تحت كل كوكب.
فلو كنت يا أخي لم ترد عمر عن ذلك لجرت سنة ولاستأصلهم الله وقطع.
أصلهم وإذا لانتست به الخلفاء بعده حتى لا يبقى منهم شعر ولا ظفر ولا نافخ نار فإنهم آفة الدين فما أكثر ما قد سن عمر في هذه الأمة بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فتابعه الناس عليها وأخذوا بها فتكون هذه مثل واحدة منهن فمنهن تحويله المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى
الله عليه وآله وصاع رسول الله صلى الله عليه وآله ومده حين غيره وزاد فيه ونهيه الجنب عن التيمم وأشياء كثيرة شتى أكثر من ألف باب أعظمها وأحبها إلينا وأقرها لأعيننا زيله الخلافة عن بني هاشم وعن أهلها ومعدنها لأنها لا تصلح إلا لهم ولا تصلح الأرض إلا بهم فإذا قرأت كتابي هذا فاكتم ما فيه ومزقه.
قال: فلما قرأ زياد الكتاب ضرب به الأرض ثم أقبل إلي فقال: ويلي مما خرجت وفيما دخلت كنت من شيعة آل محمد فدخلت في شيعة آل الشيطان وحزبه وفي شيعته من يكتب مثل هذا الكتاب إنما والله مثلي كمثل إبليس أبى أن يسجد لآدم كبرا وكفرا وحسدا.
قال سليم: فلم أمس حتى نسخت كتابه فلما كان الليل دعا بالكتاب فمزقه وقال: لا يطلعن أحد من الناس على ما في هذا الكتاب ولم يعلم إني نسخته.
ووجدت أيضا في الكتاب المذكور برواية أبان عن سليم أنه قال:
حدثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين صلوات الله عليهما وعنده عبد الله بن عباس فالتفت إلي معاوية فقال: يا عبد الله ما أشد تعظيمك للحسن والحسين وما هما بخير منك ولا أبوهما خير من أبيك ولولا أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لقلت ما أمك أسماء بنت عميس بدونها.
فقلت: والله إنك لقليل العلم بهما وبأبيهما وأمهما بل والله لهما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي يا معاوية إنك لغافل عما سمعته أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأمهما [مما] قد حفظنه ووعيته ورويته.
قال: هات يا ابن جعفر فوالله ما أنت بكذاب ولا متهم فقلت: إنه أعظم مما في نفسك!! قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعا فلست أبالي
إذا قتل الله صاحبك وفرق جمعكم وصار الامر في أهله فحدثنا فما نبالي ما قلتم ولا يضرنا ما عددتم.
قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسئل عن هذه الآية: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) * [60 / الاسراء: 17] فقال: إني رأيت اثني عشر رجلا من أئمة الضلال يصعدون منبري وينزلون يردون أمتي على أدبارهم القهقرى فيهم رجلين من حيين من قريش مختلفين وثلاثة من بني أمية وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص [وسمعته يقول: إن بني أبي العاص] إذا بلغوا خمسة عشر رجلا جعلوا كتاب الله دخلا وعباد الله خولا. يا معاوية إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر وأنا بين يديه وعمرو بن أبي سلمة وأسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد والزبير بن العوام وهو يقول: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقلنا: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فهذا مولاه أولى به من نفسه وضرب بيده على منكب علي عليه السلام: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
أيها الناس أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ثم ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر.
ثم أعاد فقال: يا أيها الناس إذا أنا استشهدت فعلي أولى بكم من أنفسكم فإذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم وإذا استشهد الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم فإذا استشهد الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر.
ثم أقبل إلى علي فقال: يا علي أنك ستدركه فاقرأ مني السلام فإذا استشهد فابني محمد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم وستدركه أنت يا حسين فاقرأ مني السلام ثم يكون في عقب محمد رجال واحد بعد واحد وليس منهم أحد إلا وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر كلهم هادون
مهتدون.
فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يبكي فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتقتل؟ قال: نعم أهلك شهيدا بالسم وتقتل أنت بالسيف وتخضب لحيتك من دم رأسك ويقتل ابني الحسن بالسم ويقتل ابني الحسين بالسيف يقتله طاغ بن طاغ دعي ابن دعي.
فقال معاوية: يا ابن جعفر لقد تكلمت بعظيم ولئن كان ما تقول حقا لقد هلكت أمة محمد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم فقلت: والله إن الذي قلت بحق سمعته من رسول الله صلى الله عليه آله.
قال معاوية: يا حسن ويا حسين ويا ابن عباس ما يقول ابن جعفر؟ فقال ابن عباس: إن كنت لا تؤمن بالذي قال فأرسل إلى الذين سماهم فاسألهم عن ذلك .
فأرسل معاوية إلى عمرو بن أبي سلمة وإلى أسامة بن زيد فسألهما فشهدا أن الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله كما سمعه.
فقال معاوية: يا ابن جعفر قد سمعنا في الحسن والحسين وأبيهما فما سمعت في أمهما؟ ومعاوية كالمستهزئ والمنكر فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ليس في جنة عدن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي أولهم أخي علي وابنتي فاطمة وابناي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا هداة مهتدون أنا المبلغ عن الله وهم المبلغون عني وهم حجج الله على خلقه وشهداؤه في أرضه وخزانه على علمه ومعادن حكمه من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله لا تبقى الأرض طرفة عين إلا ببقائهم ولا تصلح إلا بهم يخبرون الأمة بأمر دينهم حلالهم وحرامهم يدلونهم على رضى ربهم وينهونهم عن سخط بأمر واحد ونهي واحد ليس
فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع يأخذ آخرهم عن أولهم إملائي وخط أخي علي بيده يتوارثونه إلى يوم القيامة أهل الأرض كلهم في غمرة وغفلة وتيهة وحيرة غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم لا يحتاجون إلى أحد من الأمة في شئ من أمر دينهم والأمة تحتاج إليهم هم الذين عنى الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * [99 / النساء]: فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عباس والفضل بن عباس وعمرو بن أبي سلمة وأسامة بن زيد فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟ قالوا: نعم. قال: يا بني عبد المطلب إنكم لتدعون أمرا عظيما وتحتجون بحجج قوية إن كانت حقا وإنكم لتضمرون على أمر تسرونه والناس عنه في غفلة عمياء وإن كان ما تقولون حقا لقد هلكت الأمة وارتدت عن دينها وتركت عهد نبيها صلى الله عليه وآله غيركم أهل البيت ومن قال بقولكم فأولئك في الناس قليل فقلت: يا معاوية إن الله تبارك وتعالى يقول: * (وقليل من عبادي الشكور) * [13 / السبا] ويقول: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * [103 / يوسف: 12] ويقول: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) * [24 / ص] ويقول لنوح: * (وما آمن معه إلا قليل) * [40 / هود 11] يا معاوية المؤمنون في الناس قليل. فقال ابن عباس يا معاوية إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: * (وقليل ما هم) * [24 / ص: 38] ويقول لنوح: * (وما آمن معه إلا قليل) * ويقول: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * يا معاوية المؤمنون في الناس قليل وإن أمر بني إسرائيل أعجب حيث قالت السحرة لفرعون: * (اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا) * [72 / طه] فآمنوا بموسى وصدقوه وتابعوه فسار بهم وبمن تبعه من بني إسرائيل فأقطعهم البحر وأراهم الأعاجيب وهم مصدقون به وبالتوراة مقرون له بدينه فمر بهم على قوم * (يعبدون أصناما لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) * ثم اتخذوا العجل فعكفوا عليه جميعا غير هارون وأهل بيته وقال لهم السامري * (هذا إلهكم وإله موسى) * وقال لهم بعد ذلك * (ادخلوا الأرض المقدسة التي
كتب الله لكم) * [1 / المائدة] فكان من جوابهم ما قص الله في كتابه: * (إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يحرجوا منها فإن يحرجوا منها فإنا داخلون) * [22 / المائدة: 5] قال موسى " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ".
فاحتذت هذه الأمة ذلك المثال سواء وقد كانت لهم فضائل وسوابق مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومنازل بينة قريبة منه مقرين بدين محمد والقرآن حتى فارقهم نبيهم صلى الله عليه وآله فاختلفوا وتفرقوا وتحاسدوا وخالفوا إمامهم ووليهم حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى ونفر قليل اتقوا الله عز وجل على دينهم وإيمانهم ورجع الآخرون القهقرى على أدبارهم كما فعل أصحاب موسى عليه السلام باتخاذهم العجل وعبادتهم إياه وزعمهم أنه ربهم وإجماعهم عليه غير هارون وولده ونفر قليل من أهل بيته ونبينا صلى الله عليه وآله قد نصب لامته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم ثم الأئمة واحدا بعد واحد بغدير خم وفي غير موطن واحتج عليهم به وأمر بطاعتهم وأخبرهم أن أولهم علي بن أبي طالب منه بمنزلة هارون من موسى وأنه ولي كل مؤمن من بعده وأنه من كان هو وليه ومن أولى به من نفسه فعلي أولى به وأنه خليفته فيهم ووصيه وأن من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله ومن والاه والى الله ومن عاداه عادى الله فأنكروه وجعلوه وتولوا غيره.
يا معاوية أما علمت أن رسول الله حين بعث إلى مؤتة أمر عليهم جعفر بن أبي طالب عليه السلام ثم قال: إن هلك جعفر فزيد بن حارثة فإن هلك زيد فعبد الله بن رواحة ولم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم أفكان يترك أمته ولا بين لهم خليفته فيهم بعده بلى والله ما تركهم في عمى ولا شبهة بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيهم وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فهلكوا وهلك من شايعهم وضل من تابعهم فبعدا للقوم الظالمين.
فقال معاوية: يا ابن عباس إنك لتتقوه بعظيم والاجتماع عندنا خير من
الاختلاف وقد علمت أن الأمة لم تستقم على صاحبك.
فقال ابن عباس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها وان هذه الأمة اجتمعت على أمور كثيرة ليس بينها اختلاف ولا منازعة ولا فرقة شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت وأشياء كثيرة من طاعة الله ونهى الله مثل تحريم الزنا والسرقة وقطع الأرحام والكذب والخيانة واختلفت في شيئين أحدهما اقتتلت عليه وتفرقت فيه وصارت فرقا يلعن بعضها بعضا ويبرأ بعضها من بعض [والثاني لم تقتتل عليه ولم تتفرق فيه ووسع بعضهم فيه لبعض وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وما يحدث زعمت أنه ليس في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله وأما الذي اختلفت فيه وتفرقت وتبرأت بعضها من بعض] فالملك والخلافة زعمت أنها أحق بها من أهل بيت نبي الله صلى الله عليه وآله فمن أخذ بما ليس بين أهل القبلة اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله سلم ونجا من النار ولم يسأله الله عما أشكل عليه من الخصلتين اللتين اختلف فيهما ومن وفقه الله ومن عليه ونور قلبه وعرفه ولاة الامر ومعدن العلم أين هو فعرف ذلك كان سعيدا ولله وليا وكان نبي الله صلى الله عليه وآله يقول: رحم الله عبدا قال حقا فغنم أو سكت فلم يتكلم. فالأئمة من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومنزل الكتاب ومهبط الوحي ومختلف الملائكة لا تصلح إلا فيها لان الله خصها بها وجعلها أهلها في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله فالعلم فيهم وهم أهله وهو عندهم كله بحذافيره باطنه وظاهره ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه.
يا معاوية إن عمر بن الخطاب أرسلني في إمرته إلى علي بن أبي طالب عليه السلام إني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلينا ما كتبت من القرآن فقال: تضرب والله عنقي قبل أن تصل إليه. قلت: ولم؟ قال: إن الله يقول: * (لا يمسه إلا المطهرون) * يعني لا يناله كله إلا المطهرون إيانا نحن عنى الذين أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا وقال: * (وأورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) * [32 / فاطر] فنحن الذين اصطفانا الله من عباده ونحن صفوة الله ولنا ضرب الأمثال وعلينا نزل الوحي.
فغضب عمر وقال: إن ابن أبي طالب يحسب أنه ليس عند أحد علم غيره فمن كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتنا به فكان إذا جاء رجل بقرآن يقرءه ومعه آخر كتبه وإلا لم يكتبه.
فمن قال يا معاوية: انه ضاع من القرآن شئ فقد كذب هو عند أهله مجموع.
ثم أمر عمر قضاته وولاته فقال: اجتهدوا آراءكم واتبعوا ما ترون أنه الحق فلم يزل هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فكان علي بن أبي طالب عليه السلام يخبرهم بما يحتج به عليهم وكان عماله وقضاته يحكمون في شئ واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم لان الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب وزعم كل صنف من أهل القبلة أنهم معدن العلم والخلافة دونهم فبالله نستعين على من جحدهم حقهم وسن للناس ما يحتج به مثلك عليهم ثم قاموا فخرجوا.
بيان: قوله عليه السلام: واختلف في شيئين كذا في أصل الكتاب وفي [كتاب] الاحتجاج " واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها وصاروا فرقا يلعن بعضها بعضا وهي الولاية.
فأما على ما في الأصل فالشئ الآخر إما القرآن كما ذكره بعد أو البراءة من خلفاء الجور ولعنهم وتركه للمصلحة والتقية.
وقوله: " فمن أخذ " المراد بهم المستضعفون فإنهم إذا أخذوا بالمجمع عليه من ولاية الأئمة ومحبتهم ولم يتبرؤا من أعدائهم لاختلاف الأمة فيه ولم يقولوا بإمامة الأئمة لذلك ولم يكن لهم قوة في العلم والعقل يمكنهم معرفة ذلك كان يحتمل نجاتهم في الآخرة.
ويؤيده أنه روى في الاحتجاج في سياق هذه الرواية من كلام الحسن عليه السلام وروى هذه الكلمات أيضا عنه عليه السلام أنه قال: إنما الناس ثلاثة مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا فذلك ناج محب لله ولي.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.