بحارالانوار · المجلد الثامن
باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري
ج ۳۳، ص ۲۷۰–۳۰۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۸ از ۱۵
وناصب لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا ويدين
الله بالبراءة منا فهذا كافر مشرك فاسق وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما سبوا الله بغير علم كذلك كثيرا يشرك بالله بغير علم.
ورجل أخذ بما لم يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى الله مع ولايتنا ولا يأتم بنا ولا يعادينا ويعرف حقنا فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف انتهى.
وقد أوردت الخبر برواية الاحتجاج في موضع آخر يناسبه وإنما كررنا للاختلاف.
535 - أمالي الطوسي: جماعة عن أبي المفضل عن أحمد بن عبد العزيز عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه عن ربعي بن عبد الله بن الجارود عن أبيه قال: قال معاوية لخالد بن معمر: على ما أحببت عليا؟ قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا ولي.
536 - كايب: حبيب بن الحسن عن محمد بن عبد الحميد عن بشار عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أخذ نباش في زمن معاوية فقال لأصحابه: ما ترون؟ فقالوا: نعاقبه فنخلي سبيله. فقال رجل من القوم: ما هكذا فعل علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فما فعل؟ قال:
فقال: يقطع النباش وقال هو سارق وهتاك الموتى.
537 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي رفعه قال: إن
النجاشي الشاعر شرب الخمر في شهر رمضان فحده أمير المؤمنين أقامه في سراويل فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطا وقال: هذا لجرأتك على ربك وإفطارك في شهر رمضان فغضب ولحق بمعاوية.
فدخل طارق بن عبد الله على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما كنا نرى أن أهل المعصية والطاعة وأهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء حتى رأيت ما كان من صنيعك بأخي الحارث فأوغرت صدورنا وشتت أمورنا وحملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار فقال علي عليه السلام * (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) * [45 / البقرة: 2]. يا أخا بني نهد فهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله فأقمنا عليه حدا كان كفارته إن الله تعالى يقول في كتابه: * (ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) * [8 / المائدة: 5]. فخرج طارق ولقيه الأشتر فقال له: أنت القائل لأمير المؤمنين أوغرت صدورنا وشتت أمورنا؟ قال طارق: أنا قائلها. قال الأشتر:
والله ما ذلك كما قلت وإن صدورنا له لسامعة وإن أمورنا له لجامعة قال فغضب طارق وقال: ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت. فلما جنه الليل همس هو والنجاشي وذهبا إلى معاوية فلما دخلا عليه نظر معاوية إلى طارق وقال: مرحبا بالمورق غصنه [والمعرق أصله، المسود غير المسود] من رجل كانت منه هفوة ونبوة باتباعه صاحب الفتنة ورأس الضلالة إلى آخر ما قال لعنه الله.
فقال طارق: يا معاوية إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده فهم
بمنظر ومسمع منه بعث فيهم رسولا منهم لم يكن يتلو من قبله كتابا ولا يخطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين رحيما، أما بعد فإنا كنا نوضع في رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مرشدين منارا للهدى ومعلما للدين سلفا لخلف مهتدين وخلفا لسلف مهتدين أهل دين لا دنيا وأهل الآخرة كل الخير فيهم أهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين ولا قاسطين فلم تك رغبة من رغب عنهم وعن صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث جرعوها ولو عورته حيث سلكوها غلبت عليهم دنيا مؤثرة وهوى متبع وكان أمر الله قدرا مقدورا. [وقد فارق الاسلام قبلنا جبلة بن الأيهم فرارا من الضيم وأنفا من الذلة] فلا تفخر يا معاوية أن قد شددنا إليك الرحال وأوضعنا نحوك الركاب فتعلم وتنكر. ثم أجلسه معاوية على سريره ودعا له بمقطعات وبرود يضعها عليه ثم أقبل عليه بوجهه يحدثه حتى قام فلما قام خرج طارق فأقبل عليه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفي يلومانه في خطبته إياه وفيما عرض لمعاوية فقال طارق لهما: والله ما قمت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظهرها عند إظهار ما أظهر من البغي والعيب والنقص لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله ولمن هو خير منه في العاجلة والاجلة ولقد قمت مقاما عنده أوجب الله علي فيه أن لا أقول إلا حقا فبلغ عليا مقالة طارق فقال: لو قتل أخو بني نهد لقتل شهيدا.
وزعم بعض الناس أن طارق بن عبد الله رجع إلى علي عليه السلام ومعه النجاشي.
538 - 541 - كنز الفوائد للكراجكي [عن] محمد بن علي بن طالب
البلدي عن أبي المفضل الشيباني عن منصور بن الحسن عن محمد بن زكريا بن دينار عن العباس بن بكار عن عبد الواحد بن أبي عمرو الأسدي عن محمد بن السائب:
عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية بن أبي سفيان يوما فقال له: يا ضرار صف لي عليا فقال: أو تعفيني من ذلك؟ قال: لا أعفوك قال: أما إذ لا بد:
فإنه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة على لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل وظلمته.
كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب.
كان والله معنا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه وكان مع دنوه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ النظيم.
يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف عن عدله.
أشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه مماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت؟ أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك قد أبتك ثلاثا عمرك قصير وخيرك حقير وخطرك غير كبير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
فوكفت دموع معاوية على لحيته وجعل يستقبلها بكمه واختنق القوم جميعا بالبكاء وقال: هكذا [كان] أبو الحسن يرحمه الله فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ فقال: وجد أم واحد ذبح واحدها في حجرها فهي لا يرقى دمعها ولا يسكن حزنها.
فقال معاوية: لكن هؤلاء لو فقدوني لما قالوا ولا وجدوا بي شيئا من هذا ثم التفت إلى أصحابه فقال: بالله لو اجتمعتم بأسركم هل كنتم تؤدون عني ما أداه هذا الغلام عن صاحبه؟ فيقال: إنه قال له عمرو بن العاص: الصحابة على قدر الصاحب.
وقال أيضا فيه: روي أن معاوية بن أبي سفيان قال: إني أحب أن ألقى رجلا قد أتت عليه سن وقد رآى الناس يخبرنا عما رآى فقيل له: هذا رجل بحضرموت فأرسل إليه فأتاه فقال له: ما اسمك؟ فقال: أمد. قال: ابن من؟ قال: ابن لبد. قال: ما أتى عليك من السنين؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة. قال: كذبت ثم تشاغل عنه معاوية ثم أقبل عليه بعد ذلك فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد قال: ابن من؟ قال: ابن لبد قال: ما أتى عليك من السنين؟ قال: ستون وثلاثمائة قال: أخبرنا عما رأيت من الأزمان الماضية إلى زماننا هذا من ذاك؟ قال: يا أمير المؤمنين وكيف تسأل من يكذب؟ قال: إني ما كذبتك ولكن أحببت أعلم كيف عقلك؟ قال: يوم شبيه يوم وليلة شبيهة بليلة يموت ميت ويولد مولود ولولا من يموت لم تسعهم الأرض ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض. قال: فأخبرني هل رأيت هاشما؟ قال: نعم رأيت رجلا طوالا حسن الوجه يقال: إن بين عينيه بركة أو غرة بركة. قال: فهل رأيت أمية قال: نعم رأيت رجلا قصيرا أعمى يقال إن في وجهه أشرا أو شوبا قال:
فهل رأيت محمدا؟ قال: من محمد؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله قال:
ويحك أفلا فخمته كما فخمه الله فقلت: رسول الله صلى الله عليه وآله قال:
فأخبرني ما كانت صناعتك؟ قال: كنت رجلا تاجرا قال: فما بلغت في تجارتك؟ قال: كنت لا أستر عيبا ولا أرد ربحا.
قال معاوية: سلني قال: أسألك أن تدخلني الجنة قال ليس ذلك بيدي ولا أقدر عليه. قال: فأسألك أن ترد علي شبابي قال: ليس ذلك بيدي ولا أقدر عليه. قال: فلا أرى عندك شيئا من أمر الدنيا ولا أمر الآخرة فردني من حيث جئت قال: أما هذا فنعم ثم أقبل معاوية على جلسائه فقال: لقد أصبح
هذا زاهدا فيما أنتم فيه راغبون. وروي عن عبد الله بن موهب عن بعض أشياخه أن مسجد الرملة لما حفر أساسه في دهر معاوية بن أبي سفيان انتهى بهم الحفر إلى صخرة فقلعوها فإذا تحتها شاب دهين الرأس موفر الشعر قائم مستقبل القبلة فكلموه فلم يكلمهم فكتب بذلك إلى معاوية قال: فخرجنا بالكتاب في خمسة فأتينا معاوية فأخبرناه بذلك ورفعنا إليه الكتاب فأمر أن ترد الصخرة على حاله كما كان.
وحدثهم غير واحد أنه لما أجرى معاوية بن أبي سفيان القناة التي في أحد أمر بقبور الشهداء فنبشت فضرب رجل بمعوله فأصاب إبهام حمزة رضوان الله عليه فبجس الدم من إبهامه فأخرج رطبا ينثني وأخرج عبد الله بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح وكانا قتلا يوم أحد وهم رطاب ينثنون بعد أربعين سنة فدفنا في قبر واحد وكان عمرو بن الجموح أعرج.
فقال أبو سعيد الخدري أنه لشئ لا آمر بعده بمعروف ولا أنهى عن منكر.
542 - 543 - كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي قال: بلغنا أن معاوية قال لهيثم بن الأسود وكان عثمانيا وكانت امرأته علوية الرأي تحب عليا وتكتب بأخبار معاوية في أعنة الخيل فتدفعها بعسكره [عليه السلام] في صفين فقال معاوية: يا هيثم أهل العراق كانوا أنصح لعلي أم أهل الشام لي قال: أهل العراق قبل أن يضربوا بالبلاء كانوا أنصح لصاحبهم من أهل الشام. قال: ولم ذلك؟ قال: لان القوم ناصحوا عليا عليه السلام على الدين وناصحك أهل الشام على الدنيا وأهل الدين أصبروهم أهل بصيرة ونصر وأهل الدنيا أهل يأس وطمع ثم والله ما لبث أهل العراق أن نبذوا الدين وراء ظهورهم ونظروا إلى الدنيا [التي] في يدك فما أصابها منهم إلا الذي لحق
بك.
قال معاوية: فما منع الأشعث بن قيس أن يطلب ما قبلنا؟ قال: أكرم نفسه أن يكون رأسا في العار وذنبا في الطمع.
قال: هل كانت امرأتك تكتب بالاخبار إلى علي عليه السلام في أعنة الخيل فتباع؟ قال: نعم.
وعن محارب بن ساعدة الأيادي قال: كنت عند معاوية وعنده أهل الشام ليس فيهم غيرهم إذ قال: يا أهل الشام قد عرفتم حبي لكم وسيرتي فيكم وقد بلغكم صنيع علي بالعراق وتسويته بين الشريف وبين من لا يعرف قدره فقال رجل منهم: لا يهذ الله ركنك ولا يعدمك ولدك ولا يرينا فقدك قال فما تقولون في أبي تراب؟ فقال رجل منهم ما أراد ومعاوية ساكت وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم فتذاكرا عليا عليه السلام بغير الحق.
فوثب رجل من آخر المجلس من أهل الكوفة دخل مع القوم فقال: يا معاوية تسأل أقواما في طغيانهم يعمهون واختاروا الدنيا على الآخرة والله لو سألتهم عن السنة ما أقاموها فكيف يعرفون عليا وفضله أقبل علي أخبرك ثم لا تقدر أن تنكر أنت ولا من عن يمينك يعني عمرا هو والله الرفيع جاره الطويل عماده دمر الله به الفساد وبار به الشرك ووضع به الشيطان وأولياءه وضعضع به الجور وأظهر به العدل ونطق زعيم الدين وأطاب المورد وأضحى الداجي وانتصر به المظلوم وهدم به بنيان النفاق وانتقم به من الظالمين وأعز به المسلمين كريح رحمة أثارت سحابا متفرقا بعضها إلى بعض حتى التحم واستحكم فاستغلظ فاستوى ثم تجاوبت نواتقه وتلالات بوارقه واسترعد خرير مائه فأسقى وأروى عطشانه وتداعت جنانه واستقلت به أركانه واستكثرت وابله ودام رزازه وتتابع مهطوله فرويت البلاد واخضرت وأزهرت. ذلك علي بن أبي طالب سيد العرب إمام الأمة وأفضلها وأعلمها وأجملها وأحكمها أوضح للناس سيرة الهدى بعد السعي في الردى وهو والله إذا اشتبهت الأمور وهاب الجسور واحمرت الحدق وانبعث القلق وأبرقت البواتر استربط عند ذلك جأشه وعرف بأسه ولاذ به الجبان الهلوع فنفس كربته وحمى حمايته مستغن برأيه عن مشورة ذوي الألباب برأي صليب وحلم أريب مجيب للصواب مصيب.
فأسكت القوم جميعا وأمر معاوية بإخراجه فأخرج وهو يقول: قد جاء الحق وزهق
الباطل إن الباطل كان زهوقا.
وكان معاوية تعجبه الفصاحة ويصغي للمتكلم حتى يفرغ من كلامه.
بيان: قال الجوهري نتقت الغرب من البئر أي جذبته ونتقت المرأة أي كثر ولدها.
وفي القاموس: الناتق: الفاتق والرافع والباسط ومن الزناد: الواري ومن النوق:
التي تسرع الحمل ومن الخيل: الذي ينفض راكبه انتهى.
والأكثر مناسب كما يظهر بعد التأمل.
والخرير : صوت الماء. وتداعي القوم: اجتمعوا. ورزت السماء: صوتت من المطر. وكان المهطول بمعنى الهاطل أي المطر المتتابع أو الضعيف الدائم.
والأريب: العاقل. وأرب الدهر: اشتد.
544 - كشف الغمة: من كتاب لطف التدبير لمحمد بن عبد الله الخطيب قال:
حكي أن معاوية بن أبي سفيان قال لجلسائه بعد الحكومة: كيف لنا أن نعلم ما تؤل إليه العاقبة في أمرنا؟ قال جلساؤه ما نعلم لذلك وجها. قال: فأنا استخرج علم ذلك من علي صلوات الله عليه فإنه لا يقول الباطل فدعا ثلاثة رجال من ثقاته وقال لهم: امضوا حتى تصيروا جميعا من الكوفة على مرحلة ثم تواطؤا على أن تنعوني بالكوفة وليكن حديثكم واحدا في ذكر العلة واليوم والوقت وموضع القبر ومن تولى الصلاة عليه وغير ذلك حتى لا تختلفوا في شئ ثم ليدخل أحدكم فليخبر بوفاتي ثم ليدخل الثاني فيخبر بمثله ثم
ليدخل الثالث فيخبر بمثل خبر صاحبيه وانظروا ما يقول علي.
فخرجوا كما أمرهم معاوية ثم دخل أحدهم وهو راكب مغذ شاحب فقال له الناس بالكوفة: من أين جئت؟ قال: من الشام. قالوا له: ما الخبر؟ قال:
مات معاوية فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: جاء رجل راكب من الشام يخبر من موت معاوية فلم يحفل علي بذلك ثم دخل الآخر من الغد وهو مغذ فقال له الناس: ما الخبر؟ فقال: مات معاوية وخبر بمثل ما خبر صاحبه فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: رجل راكب يخبر بموت معاوية بمثل ما أخبر صاحبه ولم يختلف كلامهما. فأمسك علي عليه السلام.
ثم دخل الآخر في اليوم الثالث فقال الناس: ما وراؤك؟ قال: مات معاوية.
فسألوه عما شاهد فلم يخالف قول صاحبيه فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين صح هذا الخبر هذا راكب ثالث قد خبر بمثل خبر صاحبيه فلما كثروا عليه قال علي صلوات الله عليه كلا أو تخضب هذه من هذه يعني لحيته من هامته ويتلاعب بها ابن آكلة الأكباد فرجع الخبر بذلك إلى معاوية.
بيان: الاغذاذ في السير: الاسراع. الشاحب : المتغير أي كان عليه لون السفر. قوله عليه السلام " ويتلاعب بها " أي بالخلافة والرياسة.
545 - 546 - إرشاد القلوب بإسناده إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: بينما أمير المؤمنين عليه السلام يتجهز إلى معاوية ويحرض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان في فعل فعجل أحدهما في الكلام وزاد فيه فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: اخسأ. فإذا رأسه رأس الكلب فبهت من حوله وأقبل الرجل بإصبعه المسبحة يتضرع إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويسأله الإقالة فنظر إليه وحرك شفتيه فعاد كما كان خلقا سويا فوثب إليه بعض أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا وأنت تجهز
إلى معاوية فما بالك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة؟ فأطرق قليلا ورفع رأسه إليهم وقال: والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والأودية حتى أضرب بها صدر معاوية على سريره فأقلبه على أم رأسه لفعلت ولو أقسمت على الله عز وجل أن أوتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا وقبل أن يرتد إلى أحد منكم طرفه لفعلت ولكنا كما وصف الله تعالى في كتابه: * (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) *.
بيان: قال الجوهري: خسأت الكلب خسأ: طردته وخسأ الكلب نفسه. يتعدى ولا يتعدى.
إرشاد القلوب بإسناده إلى ميثم التمار قال: خطب بنا أمير المؤمنين عليه السلام في جامع الكوفة فأطال في خطبته وأعجب الناس تطويلها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها وإذ دخل نذير من ناحية الأنبار مستغيثا يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيتك وشيعتك هذه خيل معاوية قد شنت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين هيت والأنبار.
فقطع أمير المؤمنين عليه السلام الخطبة وقال: ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدسكرة التي تلي جدران الأنبار فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الأطفال ذكرانا وسبعة إناثا وشهروا بهم ووطؤهم بحوافر الخيل وقالوا هذه مراغمة لأبي تراب.
فقام إبراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال: يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك أن في دارك خيل معاوية بن آكلة الأكباد وما فعل بشيعتك ولم يعلم بها هذا فلم تغضي عن معاوية؟.
فقال له: ويحك يا إبراهيم * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) * فصاح الناس من جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين فإلى متى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وشيعتك تهلك؟! فقال لهم:
ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
فصاح زيد بن كثير المرادي وقال: يا أمير المؤمنين تقول بالأمس وأنت تجهز إلى معاوية وتحرضنا على قتاله ويحتكم إليك الرجلان في الفعل فتعجل عليك أحدهما في الكلام فتجعل رأسه رأس الكلب فيستجير بك فترده بشرا سويا!! ونقول لك: ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شره فتقول لنا: وفالق الحبة وبارئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية فأقلبه على أم رأسه لفعلت فما بالك لا تفعل؟ ما تريد إلا أن تضعف نفوسنا فنشك فيك فندخل النار.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام لأفعلن ذلك ولأعجلنه على ابن هند. فمد رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد وردها إلى فخذه وقال: معاشر الناس أقيموا تاريخ الوقت وأعلموه فقد ضربت برجلي هذه الساعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على أم رأسه فظن أنه قد أحيط به فصاح يا أمير المؤمنين فأين النظرة فرددت رجلي عنه وتوقع الناس ورود الخبر من الشام وعلموا أن أمير المؤمنين لا يقول إلا حقا. فوردت الاخبار والكتب بتاريخ تلك الساعة بعينها من ذلك اليوم بعينه أن رجلا جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متصلة فدخلت من إيوان معاوية والناس ينظرون حتى ضربت صدره فقلبته عن سريره على أم رأسه فصاح: يا أمير المؤمنين وأين النظرة؟
وردت تلك الرجل عنه وعلم الناس ما قال أمير المؤمنين عليه السلام حقا.
بيان: قال الفيروزآبادي: أغضى: أدنى الجفون. وعلى الشئ:
سكت.
547 - بشارة المصطفى: الحسن بن الحسين بن بابويه عن عمه محمد بن الحسن عن
أبيه الحسين بن الحسين عن عمه أبي جعفر بن بابويه عن الطالقاني عن الجلودي عن المغيرة بن محمد عن رجاء بن أبي سلمة عن عمرو بن شمر عن جابر: عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة عند منصرفه من نهروان وبلغه أن معاوية يسبه ويعيبه ويقتل أصحابه فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر ما أنعم الله على نبيه وعليه ثم قال: لولا آية في كتاب الله ما ذكرت ما أنا ذاكره في مقامي هذا يقول الله عز وجل: * (وأما بنعمة ربك فحدث) * اللهم لك الحمد على نعمك التي لا تحصى وفضلك الذي لا ينسى.
أيها الناس إنه بلغني ما بلغني وإني أراني قد اقترب أجلي وكأني بكم وقد جهلتم أمري وإني تارك فيكم ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله كتاب الله وعترتي وهي عترة الهادي إلى النجاة خاتم الأنبياء وسيد النجباء والنبي المصطفى.
يا أيها الناس لعلكم لا تسمعون قائلا يقول مثل قولي بعدي إلا مفتريا أنا أخو رسول الله وابن عمه وسيف نقمته وعماد نصرته وبأسه وشدته أنا رحى جهنم الدائرة وأضراسها الطاحنة أنا مؤتم البنين والبنات وقابض الأرواح وبأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين أنا مجدل الابطال وقاتل الفرسان ومبير من كفر بالرحمان وصهر خير الأنام أنا سيد الأوصياء ووصي خير الأنبياء أنا باب مدينة العلم وخازن علم رسول الله صلى الله عليه وآله ووارثه أنا زوج البتول سيدة نساء العالمين فاطمة التقية الزكية البرة المهدية حبيبة حبيب الله وخير بناته وسلالته وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله سبطاه خير الأسباط وولد اي خير الأولاد هل أحد ينكر ما أقول.
أين مسلمو أهل الكتاب أنا اسمي في الإنجيل إليا وفي التوراة بريها وفي الزبور أرى وعند الهند كلبن وعند الروم بطريسا وعند الفرس جبير وعند الترك تيبر وعند الزنج خبير وعند الكهنة بوى وعند الحبشة تبريك وعند أمي حيدرة وعند ظئري ميمون وعند العرب علي وعند الأرمن فريق وعند أبي زهير.
ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم يقول الله عز وجل: * (وكونوا مع الصادقين) * أنا ذلك الصادق.
وأنا المؤذن في الدنيا والآخرة وقال الله تعالى: * (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) * [44 / الأعراف: 7] أنا ذلك المؤذن وقال: * (وأذان من الله ورسوله) * [3 / التوبة] وأنا ذلك الاذان.
وأنا المحسن يقول الله عز وجل: * (وإن الله مع المحسنين) * [69 / العنكبوت: 29].
وأنا ذو القلب يقول الله عز وجل: * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) * [37 / ق: 50].
وأنا الذاكر يقول الله عز وجل * (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) * [191 / آل عمران: 3].
ونحن أصحاب الأعراف أنا وعمي وأخي وابن عمي والله فالق الحبة والنوى لا يلج النار لنا محب ولا يدخل الجنة لنا مبغض يقول الله عز وجل:
* (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) * [46 / الأعراف: 7] وأنا الصهر يقول الله عز وجل: * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) * [54 / الفرقان: 25].
وأنا الاذن الواعية يقول الله عز وجل: " وتعيها أذن واعية ".
وأنا السالم لرسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله: * (ورجلا سلما لرجل) * [29 / الزمر] ومن ولدي مهدي هذه الأمة.
ألا وقد جعلت محنتكم ببغضي يعرف المنافقون وبمحبتي امتحن المؤمنون هذا عهد النبي الأمي الا أنه لا يحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا منافق.
وأنا صاحب لواء رسول الله في الدنيا والآخرة ورسول الله فرطي وأنا فرط شيعتي والله لا عطش محبي ولا خاف [وليي]، أنا ولي المؤمنين والله وليي [وحسب محبي أن يحبوا ما أحب الله] وحسب مبغضي أن يبغضوا من أحب الله.
ألا وإنه بلغني أن معاوية سبني ولعنني اللهم اشدد وطأتك عليه وأنزل اللعنة على المستحق آمين رب العالمين رب إسماعيل وباعث إبراهيم إنك حميد مجيد.
ثم نزل صلوات الله عليه عن أعواده فما عاد إليها حتى قتله ابن ملجم لعنه الله.
548 - الكافي: علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان مولى لأمير المؤمنين عليه السلام سأله مالا فقال: يخرج عطائي فأقاسمكه. فقال: لا أكتفي وخرج إلى معاوية فوصله فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخبره بما أصاب من المال فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإن ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك وهو صائر إلى أهل بعدك وإنما لك منه ما مهدت لنفسك فآثر نفسك عن إصلاح ولدك فإنما أنت جامع لاحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له، وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك فارج لمن مضى رحمة الله وثق لمن بقي يرزق الله.
بيان: قال في النهاية: برد لي على فلان حق أي ثبت.
549 - الاختصاص: كتب معاوية لعنه الله إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا علي لأضربنك بشهاب قاطع لا يذكيه الريح ولا يطفيه الماء إذا اهتز وقع وإذا وقع نقب والسلام.
فلما قرأ علي عليه السلام كتابه دعا بدواة وقرطاس ثم كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا معاوية فقد كذبت أنا علي بن أبي طالب عليه السلام وأنا أبو الحسن والحسين قاتل جدك وعمك وخالك وأبيك وأنا الذي أفنيت قومك في يوم بدر ويوم فتح ويوم أحد وذلك السيف بيدي يحمله ساعدي بجرأة قلبي كما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بكف الوصي لم أستبدل بالله ربا وبمحمد نبيا وبالسيف بدلا والسلام على من اتبع الهدى.
ثم طوى الكتاب ودعا الطرماح بن عدي الطائي وكان رجلا مفوها طوالا فقال له: خذ كتابي هذا فانطلق به إلى معاوية ورد جوابه فأخذ الطرماح الكتاب ودعا بعمامة فلبسها فوق قلنسوته ثم ركب جملا بازلا فتيقا مشرفا عاليا في الهواء فسار حتى نزل مدينة دمشق فسأل عن قواد معاوية فقيل له:
من تريد منهم فقال أريد جرولا وجهضما وصلادة وقلادة وسوادة وصاعقة وأبا المنايا وأبا الحتوف وأبا الأعور السلمي وعمرو بن العاص وشمر بن ذي الجوشن والهدى بن محمد بن الأشعث الكندي فقيل إنهم مجتمعون عند باب الخضراء فنزل وعقل بعيره وتركهم حتى اجتمعوا فركب إليهم فلما بصروا به قاموا إليه يهزئون به فقال واحد منهم يا أعرابي عندك خبر من السماء قال: نعم جبرائيل في السماء وملك الموت في الهواء وعلي في القفاء فقال له: يا أعرابي من أين أقبلت؟ قال: من عند التقي النقي إلى المنافق الردي قال له: يا أعرابي فما تنزل إلى الأرض حتى نشاورك. قال: والله ما في مشاورتكم بركة ولا مثلي يشاور أمثالكم قالوا: يا أعرابي فإنا نكتب إلى يزيد بخبرك وكان يزيد يومئذ ولي عهدهم فكتبوا إليه أما بعد يا يزيد فقد قدم علينا من عند علي بن أبي طالب عليه السلام أعرابي له لسان يقول فما يمل ويكثر فلا يكل والسلام. فلما قرأ يزيد الكتاب أمر أن يهول عليه وأن يقام له سماطان بالباب بأيديهم أعمدة الحديد فلما توسطهم الطرماح قال: من هؤلاء كأنهم زبانية مالك في ضيق المسالك
عند تلك الهوالك؟ قالوا: اسكت هؤلاء أعدوا ليزيد فلم يلبث أن خرج يزيد فلما نظر إليه قال: السلام عليك يا أعرابي قال: الله السلام المؤمن المهيمن على ولد أمير المؤمنين قال: إن أمير المؤمنين يقرء عليك السلام قال: سلامه معي من الكوفة قال: إنه يعرض عليك الحوائج قال: أما أول حاجتي إليه فنزع روحه من بين جنبيه وأن يقوم من مجلسه حتى يجلس فيه من هو أحق به وأولى منه قال له: يا أعرابي فإنا ندخل عليه فما فيك حيلة قال: لذلك قدمت فاستأذن له على أبيه.
فلما دخل على معاوية ونظر إلى معاوية والسرير قال: السلام عليك أيها الملك قال: وما منعك أن تقول يا أمير المؤمنين قال: نحن المؤمنون فمن أمرك علينا؟ فقال: ناولني كتابك قال إني لاكره أن أطأ بساطك قال: فناوله وزيري قال: خان الوزير وظلم الأمير قال: فناوله غلامي قال: غلام سوء اشتراه مولاه من غير حل واستخدمه في غير طاعة الله قال: فما الحيلة يا أعرابي؟
قال: ما يحتال مؤمن مثلي لمنافق مثلك قم صاغرا فخذه.
فقام معاوية صاغرا فتناول منه ثم فضه وقرأه ثم قال: يا أعرابي كيف خلفت عليا قال: خلفته والله جلدا حربا ضابطا كريما شجاعا جودا لم يلق جيشا إلا هزمه ولا قرنا إلا أراده ولا قصرا إلا هدمه قال: فكيف خلفت الحسن والحسين؟ قال: خلفتهما صلوات الله عليهما صحيحين فصيحين كريمين شجاعين جوادين شابين طريين يصلحان للدنيا والآخرة قال: فكيف خلفت أصحاب علي؟ قال: خلفتهم وعلي بينهم كالبدر وهم كالنجوم إن أمرهم ابتدروا وإن نهاهم ارتدعوا فقال له: يا أعرابي ما أظن بباب علي أحدا أعلم منك قال: ويلك استغفر ربك وصم سنة كفارة لما قلت كيف لو رأيت الفصحاء الأدباء النطقاء ووقعت في بحر علومهم غرقت يا شقي. قال: الويل لامك قال: بل طوبى لها ولدت مؤمنا يغمز منافقا مثلك قال له: يا أعرابي هل لك في جائزة قال: أرى استنقاص روحك فكيف لا أرى استنقاص مالك فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أزيدك يا أعرابي قال: أسد يدا سد أبدا. فأمر له
بمائة ألف أخرى فقال: ثلثها فإن الله فرد ثم ثلثها فقال: الآن ما تقول؟
قال: أحمد الله وأذمك. قال: ولم ويلك؟ قال: لأنه لم يكن لك ولا لأبيك ميراثا إنما هو من بيت مال المسلمين أعطيتنيه.
ثم أقبل معاوية على كاتبه فقال: اكتب للاعرابي جوابا فلا طاقة لنا به فكتب أما بعد يا علي فلأوجهن إليك بأربعين حملا من خردل مع كل خردلة ألف مقاتل يشربون الدجلة ويسقون الفرات.
فلما نظر الطرماح إلى ما كتب به الكاتب أقبل على معاوية فقال: سوءة لك يا معاوية فلا أدري أيكما أقل حياة أنت أم كاتبك؟ ويلك لو جمعت الجن والإنس وأهل الزبور والفرقان كانوا لا يقولون بما قلت قال : ما كتبه عن أمري قال: إن لم يكن كتبه عن أمرك فقد استضعفك في سلطانك وإن كان كتبه بأمرك فقد استحييت لك من الكذب أمن أيهما تعتذر ومن أيهما تعتبر أما إن لعلي صلوات الله عليه ديكا اشتر جيدا أخضر يلتقط الخردل بجيشه فيجمعه في حوصلته. قال: ومن ذلك يا أعرابي قال: ذلك مالك بن الحارث الأشتر.
ثم أخذ الكتاب والجائزة وانطلق به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقبل معاوية على أصحابه فقال: نرى لو وجهتكم بأجمعكم في كل ما وجه به صاحبه ما كنتم تؤدون عني عشر عشير ما أدى هذا عن صاحبه.
بيان: الطرماح بكسر الطاء والراء وتشديد الميم. وقال الجوهري: فاه بالكلام [على زنة قال - و - تفوه]: لفظ به. والمفوه: المنطيق وقال: بزل البعير:
فطرنا به أي انشق فهو بازل ذكرا كان أو أنثى وذلك في السنة التاسعة وربما بزل في السنة الثامنة وقال: يقال: جمل فتيق إذا انفتق سمنا. وفي بعض النسخ بالنون قال الجوهري الفنيق: الفحل المكرم. وقال الجرول: الحجارة.
والجهضم: الضخم الهامة المستدير الوجه. والأسد. والصلد والصلب: الأملس. ويحتمل أن تكون تلك أسامي خدمه وأن يكون قال ذلك نبزا واستهزاءا. والسماط بالكسر: الصف من الناس. والنخل والجلد: الصلابة والجلادة. تقول منه
جلد الرجل بالضم فهو جلد ذكره الجوهري وقال: حرب الرجل بالكسر:
اشتد غضبه. ورجل حرب وأسد حرب. " أسد يدا سد أبدا " أي أعط نعمة تكون أبدا سيدا للقوم. والأجيد: الحسن العنق أو طويله. والأعسر هو الذي يعمل باليد اليسرى. ويقال: إنه أشد شئ رميا.
550 - أقول: وجدت الرواية بخط بعض الأفاضل باختلاف ما فأحببت إيرادها على هذا الوجه أيضا قال: قال الشيخ الأديب أبو بكر بن عبد العزيز البستي بالأسانيد الصحاح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما رجع من وقعة الجمل كتب إليه معاوية بن أبي سفيان عليه اللعنة بسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله وابن عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد اتبعت ما يضرك وتركت ما ينفعك وخالفت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وقد انتهى إلي ما فعلت بحواري رسول الله صلى الله عليه وآله طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة فوالله لأرمينك بشهاب لا تطفيه المياه ولا تزعزعه الرياح إذا وقع وقب، وإذا وقب ثقب، وإذا ثقب نقب، وإذا نقب التهب، فلا تغرنك الجيوش واستعد للحرب فإني ملاقيك بجنود لا قبل لك بها والسلام.
فلما وصل الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فكه وقرأه ودعى بدواة وقرطاس وكتب إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده علي بن أبي طالب أخي رسول الله وابن عمه ووصيه ومغسله ومكفنه وقاضي دينه وزوج ابنته البتول وأبي سبطيه الحسن والحسين إلى معاوية بن أبي سفيان.
أما بعد فإني أفنيت قومك يوم بدر وقتلت عمك وخالك وجدك والسيف الذي قتلتهم به معي يحمله ساعدي بثبات من صدري وقوة من بدني ونصرة من ربي كما جعله النبي صلى الله عليه وآله في كفي فوالله ما اخترت على الله ربا ولا على الاسلام دينا ولا على محمد نبيا ولا على السيف بدلا فبالغ من رأيك فاجتهد ولا تقصر فقد استحوذ عليك الشيطان واستفزك الجهل والطغيان
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى.
ثم طوى الكتاب وختمه ودعى رجلا من أصحابه يقال له الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي وكان رجلا جسيما طويلا أديبا لبيبا فصيحا لسنا متكلما لا يكل لسانه ولا يعيى عن الجواب فعممه بعمامته ودعى له بجمل بازل وثيق فائق أحمر فسوى راحلته ووجهه إلى دمشق فقال له: يا طرماح انطلق بكتابي هذا إلى معاوية بن أبي سفيان وخذ الجواب.
فأخذ الطرماح الكتاب وكور بعمامته وركب مطيته وانطلق حتى دخل دمشق فسأل عن دار الامارة فلما وصل إلى الباب قال له الحجاب من بغيتك؟
قال: أريد أصحاب الأمير أولا ثم الأمير ثانيا فقالوا له: من تريد منهم؟ قال:
أريد جعشما وجرولا ومجاشعا وباقعا - وكان أراد أبا الأعور السلمي وأبا هريرة الدوسي وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم - فقالوا: هم بباب الخضراء يتنزهون في بستان.
فانطلق وسار حتى أشرف على ذلك الموضع فإذا قوم ببابه فقالوا: جاءنا أعرابي بدوي دوين إلى السماء تعالوا نستهزئ به فلما وقف عليهم قالوا: يا أعرابي هل عندك من السماء خبر؟ فقال: بلى الله تعالى في السماء وملك الموت في الهواء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في القفاء فاستعدوا لما ينزل عليكم من البلاء يا أهل الشقاوة والشقاء. قالوا: من أين أقبلت؟ قال: من عند حر تقي نقي زكي مؤمن رضي مرضي.
فقالوا: وأي شئ تريد؟ فقال: أريد هذا الدعي الردي المنافق المردي الذي تزعمون أنه أميركم فعلموا أنه رسول أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى معاوية فقالوا: هو في هذا الوقت مشغول. قال: بماذا بوعد أو وعيد؟ قالوا: لا ولكنه يشاور أصحابه فيما يلقيه غدا قال: فسحقا له وبعدا.
فكتبوا إلى معاوية بخبره: أما بعد فقد ورد من عند علي بن أبي طالب رجل أعرابي بدوي فصيح لسن طلق ذلق يتكلم فلا يكل ويطيل فلا يمل فأعد لكلامه جوابا بالغا ولا تكن عنه غافلا ولا ساهيا والسلام.
فلما علم الطرماح بذلك أناخ راحلته ونزل عنها وعقلها وجلس مع القوم الذين يتحدثون.
فلما بلغ الخبر إلى معاوية أمر ابنه يزيد أن يخرج ويضرب المصاف على باب داره فخرج يزيد وكان على وجهه أثر ضربة فإذا تكلم كان جهير الصوت فأمر بضرب المصاف ففعلوا ذلك وقالوا للطرماح: هل لك أن تدخل على باب أمير المؤمنين فقال: لهذا جئت وبه أمرت فقام إليه ومشى فلما رأى أصحاب المصاف وعليهم ثياب سود فقال: من هؤلاء القوم كأنهم زبانية لمالك على ضيق المسالك فلما دنى من يزيد نظر إليه فقال: من هذا الميشوم ابن الميشوم الواسع الحلقوم المضروب على الخرطوم؟! فقالوا: مه يا أعرابي ابن الملك يزيد فقال: ومن يزيد لا زاد الله مزاده ولا بلغه مراده ومن أبوه ؟ كانا قدما غائصين في بحر الجلافة واليوم استويا على سرير الخلافة فسمع [يزيد] ذلك واستشاط وهم بقتله غضبا ثم كره أن يحدث دون إذن أبيه فلم يقتله خوفا منه وكظم غيظه وخبا ناره وسلم عليه فقال: يا أعرابي إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام فقال: سلامه معي من الكوفة فقال يزيد: سلني عما شئت فقد أمرني أمير المؤمنين بقضاء حاجتك فقال: حاجتي إليه أن يقوم من مقامه حتى يجلس من هو أولى منه بهذا الامر!! قال: فماذا تريد آنفا قال: الدخول عليه فأمر برفع الحجاب وأدخله إلى معاوية وصواحبه.
فلما دخل الطرماح وهو متنعل قالوا له: اخلع نعليك فالتفت يمينا وشمالا ثم قال: هذا رب الواد المقدس فأخلع نعلي فنظر فإذا هو معاوية قاعد على السرير مع قواعده وخاصته ومثل بين يديه خدمه فقال: السلام عليك أيها الملك العاصي فقرب إليه عمرو بن العاص فقال: ويحك يا أعرابي ما منعك أن تدعوه بأمير المؤمنين؟ فقال الاعرابي: ثكلتك أمك يا أحمق نحن المؤمنون فمن أمره علينا بالخلافة.
فقال معاوية: ما معك يا أعرابي؟ فقال: كتاب مختوم من إمام معصوم فقال: ناولنيه. قال: أكره أن أطأ بساطك. قال: ناوله وزيري هذا وأشار إلى
عمرو بن العاص. فقال: هيهات هيهات ظلم الأمير وخان الوزير. فقال: ناوله ولدي هذا وأشار إلى يزيد. فقال: ما نرضى بإبليس فكيف بأولاده؟ فقال:
ناوله مملوكي هذا وأشار إلى غلام له قائم على رأسه. فقال الاعرابي: مملوك اشتريته [من] غير حل وتستعمله في غير حق!! قال: ويحك يا أعرابي فما الحيلة وكيف نأخذ الكتاب؟ فقال الاعرابي: أن تقوم من مقامك وتأخذه بيدك على غير كره منك فإنه كتاب رجل كريم وسيد عليم وحبر حليم بالمؤمنين رؤوف رحيم.
فلما سمع منه معاوية وثب من مكانه وأخذ منه الكتاب بغضب وفكه وقرأه ووضعه تحت ركبتيه ثم قال: كيف خلفت أبا الحسن والحسين؟ قال:
خلفته بحمد الله كالبدر الطالع حواليه أصحابه كالنجوم الثواقب اللوامع إذا أمرهم بأمر ابتدروا إليه وإذا نهاهم عن شئ لم يتجاسروا عليه وهو من بأسه يا معاوية في تجلد بطل شجاع سيد سميدع إن لقي جيشا هزمه وأراده وإن لقي قرنا سلبه وأفناه وإن لقي عدوا قتله وجزاه.
قال معاوية: كيف خلفت الحسن والحسين؟ قال: خلفتهما بحمد الله شابين نقيين تقيين زكيين عفيفين صحيحين سيدين طيبين فاضلين عاقلين عالمين مصلحين في الدنيا والآخرة.
فسكت معاوية ساعة فقال: ما أفصحك يا اعرابي؟ قال: لو بلغت باب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لوجدت الأدباء الفصحاء البلغاء الفقهاء النجباء الأتقياء الأصفياء ولرأيت رجالا سيماهم في وجوههم من أثر السجود حتى إذا استعرت نار الوغى قذفوا بأنفسهم في تلك الشعل لابسين القلوب على مدارعهم قائمين ليلهم صائمين نهارهم لا تأخذهم في الله ولا في ولي الله علي لومة لائم فإذا أنت يا معاوية رأيتهم على هذه الحال غرقت في بحر عميق لا تنجو من لجته.
فقال عمرو بن العاص لمعاوية سرا: هذا رجل أعرابي بدوي لو أرضيته بالمال لتكلم فيك بخير.
فقال معاوية: يا أعرابي ما تقول في الجائزة أتأخذها مني أم لا؟ قال: بل آخذها فوالله أنا أريد استقباض روحك من جسدك فكيف باستقباض مالك من خزانتك فأمر له بعشرة آلاف درهم ثم قال: أتحب أن أزيدك؟ قال: زد فإنك لا تعطيه من مال أبيك وإن الله تعالى ولي من يزيد قال: أعطوه عشرين ألفا قال الطرماح: اجعلها وترا فإن الله تعالى هو الوتر ويحب الوتر قال:
أعطوه ثلاثين ألفا فمد الطرماح بصره إلى إيراده فأبطأ عليه ساعة فقال: يا ملك تستهزئ بي على فراشك؟ فقال: لماذا يا أعرابي؟ قال: إنك أمرت لي بجائزة لا أراها ولا تراها فإنها بمنزلة الريح التي تهب من قلل الجبال!! فأحضر المال ووضع بين يدي الطرماح فلما قبض المال سكت ولم يتكلم بشئ.
[ف] قال عمرو بن العاص: يا أعرابي كيف ترى جائزة أمير المؤمنين فقال الاعرابي: هذا مال المسلمين من خزانة رب العالمين أخذه عبد من عباد الله الصالحين.
فالتفت معاوية إلى كاتبه وقال: اكتب جوابه فوالله لقد أظلمت الدنيا علي وما لي طاقة فأخذ الكاتب القرطاس فكتب.
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإني أوجه إليك جندا من جنود الشام مقدمته بالكوفة وساقته بساحل البحر ولأرمينك بألف حمل من خردل تحت كل خردل ألف مقاتل فإن أطفأت نار الفتنة وسلمت إلينا قتلة عثمان وإلا فلا تقل غال ابن أبي سفيان ولا يغرنك شجاعة أهل العراق واتفاقهم فإن اتفاقهم نفاق فمثلهم كمثل الحمار الناهق يميلون مع كل ناعق والسلام.
فلما نظر الطرماح إلى ما يخرج تحت قلمه قال: سبحان الله لا أدري أيكما أكذب أنت بادعائك أم كاتبك فيما كتب!! لو اجتمع أهل الشرق والغرب من الجن والإنس لم يقدروا به على ذلك فنظر معاوية فقال: والله لقد كتب من غير أمري فقال: ان كنت لم تأمره فقد استضعفك وإن كنت أمرته فقد استفضحك.
أو قال: إن كتب من تلقاء نفسه فقد خانك، وإن أمرته بذلك فأنتما خائنان كاذبان في الدنيا والآخرة ثم قال الطرماح: يا معاوية أظنك تهدد البط بالشط.
فدع الوعيد فما وعيدك ضائر * أطنين أجنحة الذباب يضير والله إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لديكا علي الصوت عظيم المنقار يلتقط الجيش بخيشومه ويصرفه إلى قانصته ويحطه إلى حوصلته فقال معاوية: والله كذلك هو مالك بن الأشتر النخعي ثم قال: ارجع بسلام مني.
وفي رواية أخرى: خذ المال والكتاب وانصرف فجزاك الله عن صاحبك خيرا فأخذ الطرماح الكتاب وحمل المال وخرج من عنده وركب مطيته وسار.
ثم التفت معاوية إلى أصحابه فقال: لو أعطيت جميع ما أملك لرجل منكم لم يؤد عني عشر عشير ما أدى هذا الاعرابي عن صاحبه.
فقال عمرو بن العاص: لو أن لك قرابة كقرابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان معك الحق كما هو معه لأدينا عنك أفضل من ذلك أضعافا مضاعفة فقال معاوية : فض الله فاك وقطع شفتيك والله لكلامك علي أشد من كلام الاعرابي ولقد ضاقت علي الدنيا بحذافيرها.
توضيح: الزعزعة: تحريك الرياح لشجرة ونحوها ذكره الفيروزآبادي وقال: وقب الظلام: دخل والشمس وقبا ووقوبا: غابت: والوثيق:
المحكم. والمصاف: جمع المصف وهو موضع الصف. والسميدع بفتح السين والميم بعدها مثناة تحتانية: السيد الكريم الشريف السخي الموطأ الأكتاف والشجاع. وفي الصحاح: ضاره يضوره ويضيره ضورا وضيرا أي ضره.
551 - 552 - أقول: نقل من خط الشهيد قدس سره أنه قال: [قال]
معاوية لأبي المرقع الهمداني: اشتم عليا. قال: بل أشتم شاتمه وظالمه. قال: أهو مولاك؟ قال: ومولاك إن كنت من المسلمين! قال: فادع عليه قال: بل أدعو على من هو دونه. قال: ما تقول في قاتله؟ قال: هو في النار مع من سره ذلك قال: من قومك؟ قال: الزرق من همدان الذين أسحبوك يوم صفين.
ومن خطه أيضا قال: روى أبو عمر الزاهد في كتاب فائت الجمهرة أن رجلا سأل معاوية يوم صفين عن مسألة فقال له: سل عليا فإنه أعلم مني قال: فقال له الرجل: جوابك أحب إلي من جوابه فقال له: لقد كرهت رجلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يغره [بالعلم غرا] ولقد رأيت عمر إذا أشكل عليه الشئ قال: أهاهنا أبو الحسن؟ قم لا أقام الله رجليك ومحا اسمه من الديوان.
قال ابن عباس: فكنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فجاءنا الرجل وقد سبقه خبره إلينا فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك مستأمنا فقال له: أنت صاحب الكلام أنت تعرف معاوية من أنا؟ فكيف رأيت جواب المنافق قم لا أقام الله رجليك. فبقي مذبذبا.
وذكر ابن النديم في الفهرست أن هذا أبا عمر كان نهاية في النصب والميل على علي عليه السلام.
[الباب الواحد والعشرون] باب بدو قصة التحكيم والحكمين وحكمهما بالجور رأي العين وقد مر بعض ذلك فيما مضى من قصص صفين 553 - قال ابن أبي الحديد: قال نصر: روى عمر بن سعد عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر أن عليا عليه السلام بعث أربع مائة عليهم شريح بن هانئ ومعه عبد الله بن العباس يصلي بهم ومعهم أبو موسى الأشعري وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربع مائة ثم إنهم خلوا بين الحكمين فكان رأي عبد الله بن قيس في [عبد الله بن] عمر بن الخطاب وكان يقول:
والله إن استطعت لأحيين سنه عمر.
قال نصر: وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما أراد أبو موسى المسير قام إليه شريح بن هانئ فأخذ بيده وقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ولا يستقال فتنته ومهما تقل من شئ عليك أو لك تثبت حقه وترى صحته وإن كان باطلا وإنه لا بقاء لأهل العراق إن
ملكهم معاوية ولا بأس على أهل الشام إن ملكهم علي وقد كانت منك تثبيطه أيام الكوفة والجمل وإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا والرجاء منك يأسا.
فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلا أو أجر إليهم حقا.
وروى المدائني في كتاب صفين قال: لما اجتمع أهل العراق على طلب أبي موسى وأحضروه للتحكيم على كره من علي عليه السلام له أتاه عبد الله بن العباس وعنده وجوه الناس والاشراف فقال له: يا أبا موسى إن الناس لم يرضوا بك و [لم] يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار المتقدمين قبلك ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيا ورأوا أن معظم أهل الشام يمان وأيم الله إني لأظن ذلك شرا لك ولنا فإنه قد ضم إليك داهية العرب وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك.
واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الاسلام وأن أباه رأس الأحزاب وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر ما استعملا ممن لم يدع الخلافة واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبيئا يسؤك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا عليه السلام بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وإنها بيعة هدى وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين.
فقال أبو موسى: رحمك الله والله مالي إمام غير علي وإني لواقف عندما رآى وإن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشام وما أنت وأنا إلا بالله.
وروى البلاذري في كتاب أنساب الأشراف قال: قيل لعبد الله بن
العباس: ما منع عليا أن يبعثك مع عمرو يوم التحكيم قال: منعه حاجز القدر ومحنة الابتلاء وقصر المدة أما والله لو كنت لقعدت على مدارج أنفاسه ناقضا ما أبرم ومبرما ما نقض أطير إذا أسف وأسف إذا طار ولكن سبق قدر وبقي أسف ومع اليوم غد والآخرة خير لأمير المؤمنين.
قال نصر: وفي حديث عمرو بن شمر قال: أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال: يا عمرو هل لك في أمر هو للأمة صلاح، ولصلحاء الناس رضا نولي هذا الامر عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شئ من هذه الفتنة ولا في هذه الفرقة قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير قريبين يسمعان الكلام فقال عمرو: فأين أنت يا أبا موسى عن معاوية فأبى عليه أبو موسى فقال عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ومعاوية ولي عثمان وقد قال الله: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [33 / الاسراء: 17] ثم إن بيت معاوية في قريش ما قد علمت وهو أخو أم حبيبة أم المؤمنين وزوج النبي صلى الله عليه وآله وقد صحبه وهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال له: إن هو ولي الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط بمثلها.
فقال أبو موسى: اتق الله يا عمرو فإن هذا الامر ليس على الشرف إنما هو لأهل الدين والفضل مع أني لو كنت أعطيته أفضل قريش شرفا لأعطيته علي بن أبي طالب.
وأما قولك إنه ولي عثمان فإني لم أكن أوليه إياه لنسبه من عثمان وادع المهاجرين الأولين.
وأما تعريضك لي بالامرة والسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت أرتشي في الله ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب.
وروى أنه كان يقول غير مرة: والله إن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب.
فقال عمرو بن العاص: إن كنت إنما تريد أن تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعك من ابني عبد الله وأنت تعرف فضله وصلاحه!! فقال: إن ابنك لرجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة.
قال نصر وروي عن النضر بن صالح قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا عليه السلام أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص وقال له: قل لعمرو إذا لقيته إن عليا يقول لك: إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وأن أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل أبأن أوتيت طمعا يسيرا صرت لله ولأوليائه عدوا فكأن ما أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيما ولا للظالمين ظهيرا أما إني أعلم أن يومك الذي أنت فيه نادم هو يوم وفاتك، وسوف تتمنى أنك لم تظهر لي عداوة ولم تأخذ على حكم الله رشوة.
قال شريح: فأبلغته ذلك يوم لقيته فتمعر وجهه وقال: متى كنت قابلا مشورة علي أو منيبا إلى رأيه أو معتدا بأمره!!!.
فقلت: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته لقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشير انه ويعملان برأيه فقال: إن مثلي لا يكلم مثلك فقلت بأي أبويك ترغب عن كلامي بأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة فقام من مكانه وقمت.
قال نصر: وروى أبو جناب الكلبي أن عمرا وأبا موسى لما التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام ويقول: إنك صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي وأنت أكبر مني سنا فتكلم أنت ثم أتكلم أنا فجعل ذلك سنة وعادة بينهما وإنما كان مكرا وخديعة واغترارا له بأن يقدمه فيبدأ بخلع علي ثم يرى رأيه.
قال ابن ديزيل في كتاب صفين: أعطاه عمرو صدر المجلس وكان لا يتكلم قبله وأعطاه النقدم في الصلاة وفي الطعام لا يأكل حتى يأكل وإذا
خاطبه فإنما يخاطبه بأجل الأسماء ويقول له: يا صاحب رسول الله حتى اطمأن إليه وظن أنه لا يغشه فلما انمخضت الزبدة بينهما قال له عمرو: أخبرني ما رأيك يا أبا موسى قال: أرى أن أخلع هذين الرجلين ونجعل الامر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون!! فقال عمرو: الرأي والله ما رأيت.
فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به شأن هذه الأمة فقال عمرو: صدق ثم قال له: تقدم يا أبا موسى فتكلم.
فقام [أبو موسى] ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك والله إني لأظنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك ليتكلم به ثم تكلم أنت بعده فإنه رجل غدار ولا آمن أن يكون أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت به في الناس خالفك - وكان أبو موسى رجلا مغفلا - فقال: إيها عنك إنا قد اتفقنا.
فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر شيئا هو أصلح لأمر هؤلاء ولا ألم لشعثها من أن لا يبين أمورها وقد اجتمع رأيي ورأي صاحبي على خلع علي ومعاوية وأن يستقبل هذا الامر فيكون شورى بين المسلمين يولون أمورهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أموركم وولوا من رأيتموه لهذا الامر أهلا.
[ثم تنحى].
فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه.
فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت إنما مثلك
كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث.
فقال له عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل ابن لعمرو على شريح فقنعه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهما فكان شريح بعد ذلك يقول:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.