پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري

ج ۳۳، ص ۷۱–۱۰۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۱۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقال في الصحاح والقاموس: المتنصح من تشبه بالنصحاء وهذا المعنى وإن كان محتملا في كلامه عليه السلام على وجه بعيد لكن الظاهر أنه ليس غرضا للشاعر والظاهر ما ذكره الخليل في العين حيث قال: التنصح: كثرة النصيحة قال: أكثم بن صيفي إياكم وكثرة التنصح فإنه يورث التهمة انتهى " والظنة:

التهمة.

قوله عليه السلام: " فلقد أضحكت بعد استعبار " قال الجوهري: عبرت عينه واستعبرت أي دمعت والعبران: الباكي.

وقال ابن ميثم: أي أتيت بشئ عجيب بالغ في الغرابة فإن الضحك بعد البكاء إنما يكون لتعجب بالغ وذلك كالمثل في معرض الاستهزاء به.

وقيل: معناه لقد أضحكت من سمع منك هذا تعجبا بعد بكائه على الدين لتصرفك فيه. وألفيت الشئ: وجدته. قوله عليه السلام: " فالبث قليلا " قال ابن ميثم: مثل يضرب للوعيد بالحرب وأصله أن حمل بن بدر رجل من قشير أغير على إبل له في الجاهلية في حرب داحس والغبراء فاستنقذها وقال:

لبث قليلا يلحق الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذ الموت نزل وقيل: أصله أن مالك بن زهير توعد حمل بن بدر فقال حمل: لبث قليلا البيت فأرسل مثلا ثم أتى وقتل مالكا فظفر أخوه قيس بن زهير به وبأخيه حذيفة فقتلهما وقال:

شفيت النفس من حمل بن بدر * وسيفي من حذيفة قد شفاني وقال الزمخشري في المستقصى تمام البيت:

ما أحسن الموت إذا حان الاجل وقال: قالوا في حمل: هو اسم رجل شجاع كان يستظهر به في الحرب ولا يبعد أن يراد به حمل بن بدر صاحب الغبراء يضربه من ناصره ورائه انتهى.

ثم اعلم أن حملا في بعض النسخ بالحاء المهملة وفي بعضها بالجيم.

وقال الفيروزآبادي: أرقل: أسرع. والأرقال: ضرب من الخبب. والجحفل بتقديم الجيم على الحاء : الجيش. والقتام: الغبار. وسطع الغبار والرائحة والصبح: ارتفع. والسزبال: القميص. " وسرابيل الموت " إنما كناية عن الدروع والأحوال والهيئات التي وطنوا نفوسهم على القتل فيها فكأنها أكفانهم.

وقوله عليه السلام " ذرية بدرية " أي أولاد البدريين.

وقد مر أن أخاه [اي معاوية] حنظلة وخاله الوليد وجده عتبة أبو أمه.

398 - أمالي الطوسي: المفيد عن محمد بن عمران عن محمد بن موسى عن هشام عن أبي مخنف عن عبد الله بن عاصم عن جبر بن نوف قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام إلى الشام اجتمع إليه وجوه أصحابه فقالوا: لو كتبت يا أمير المؤمنين إلى معاوية وأصحابه قبل مسيرنا إليهم كتابا تدعوهم إلى الحق وتأمرهم بما لهم فيه من الحظ كانت الحجة تزداد عليهم قوة فقال أمير المؤمنين عليه السلام لعبيد لله بن أبي رافع كاتبه اكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ومن قبله من الناس سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل وعرفوا التأويل وفقهوا في الدين وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم وأنت يا معاوية وأبوك وأهلك في ذلك الزمان أعداء الرسول مكذبون بالكتاب مجتمعون على حرب المسلمين من لقيتهم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه حتى إذا أراد الله تعالى إعزاز دينه وإظهار رسوله دخلت العرب في دينه أفواجا وأسلمت هذه الأمة طوعا وكرها فكنتم ممن دخل في هذا الدين إما رغبة وإما رهبة فليس ينبغي لكم أن تنازعوا أهل السبق ومن فاز بالفضل فإنه من نازعه منكم فبحوب وظلم فلا ينبغي لمن كان له قلب أن يجهل قدره ولا يعدو طوره ولا يشفى نفسه بالتماس ما ليس له.

إن أولى الناس بهذا الامر قديما وحديثا أقربهم برسول الله صلى الله عليه وآله وأعلمهم بالكتاب وأقدمهم في الدين وأفضلهم جهادا وأولهم إيمانا وأشدهم إطلاعا بما تجهله الرعية عن أمرها فاتقوا الله الذي إليه ترجعون ولا تلبسوا الحق بالباطل لتدحضوا به الحق واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون وأن شرهم الجهلاء الذين ينازعون بالجهل أهل العلم.

ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وحقن دماء هذه الأمة فإن قبلتم أصبتم رشدكم وهديتم لحظكم وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الأمة لم تزدادوا من الله إلا بعدا، ولم يزدد عليكم إلا سخطا والسلام.

قال فكتب إليه معاوية أما بعد فإنه:

ليس بيني وبين عمرو عتاب * غير طعن الكلى وحز الرقاب فلما وقف أمير المؤمنين عليه السلام على جوابه بذلك قال: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ".

بيان: الحز بالحاء المهملة وبالجيم المعجمة: القطع.

399 - أمالي الطوسي: المفيد عن الكاتب عن الأجلح عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان:

أما بعد فإن الله أنزل إلينا كتابه ولم يدعنا في شبهة ولا عذر لمن ركب ذنبا بجهالة والتوبة مبسوطة ولا تزر وازرة وزر أخرى وأنت ممن شرع الخلاف متماديا في غمرة الامل مختلف السر والعلانية رغبة في العاجل وتكذيبا بعد في الآجل وكأنك قد تذكرت ما مضى منك فلم تجد إلى الرجوع سبيلا.

وكتب صلوات الله عليه إلى عمرو بن العاص:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص أما بعد فإن الذي.

أعجبك مما باريت من الدنيا ووثقت به منها منقلب عنك فلا تطمئن إلى الدنيا

فإنها غرارة ولو اعتبرت بما مضى حذرت ما بقي وانتفعت منها بما وعظت به ولكنك تبعت هواك وآثرته ولولا ذلك لم تؤثر على ما دعوناك إليه غيره لأنا أعظم رجاء وأولى بالحجة والسلام.

وكتب عليه السلام إلى أمراء الأجناد:

من عبد الله أمير المؤمنين [علي] إلى أصحاب المسالح أما بعد فإن حقا على الوالي أن لا يغيره عن رعيته فضل ناله ولا مرتبة اختص بها وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم.

ألا وإن لكم عندي أن لا أحجبن دونكم سرا إلا في حرب ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم ولا أؤخر لكم حقا عن محله وأن تكونوا عندي في الحق سواء فإذا فعلت ذلك وجبت لي عليكم البيعة ولزمتكم الطاعة وأن لا تنكصوا عن دعوة ولا تفرطوا في صلاح وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق فإن أنتم لم تسمعوا لي على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن خالفني فيه ثم أحل لكم فيه عقوبته ولا تجدوا عندي فيها رخصة فخذوا هذا من أمرائكم وأعطوا من أنفسكم هذا يصلح أمركم والسلام.

بيان:

قال الجوهري: فلان يباري فلانا أي يعارضه ويفعل مثل فعله وفلان يباري الريح سخاء [أي يعارضها خيرا وبركة].

أقول وسيأتي الكتاب الأخير برواية النهج بتغيير ما.

400 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على

رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.

ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك والسلام.

تنبيه: لعل هذا منه عليه السلام إلزام لمعاوية بالاجماع الذي أثبتوا به خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعدم تمسكه عليه السلام بالنص لعدم التفاتهم إليه في أول العهد مع عدم تطاول الأيام فكيف مع بعد العهد وقوله عليه السلام " إنما الشورى " الخ أي الشورى الذي تعتقدونه وتحتجون به ولا حاجة إلى حمل الكلام على التقية كما نقله ابن أبي الحديد من أصحابنا الإمامية قوله عليه السلام: " كان ذلك لله رضا " أي بزعمهم والعزلة الاسم من الاعتزال. والتجني أن يدعى عليك ذنب لم تفعله.

وقال ابن ميثم رحمه الله: هذا الفصل من كتاب كتبه إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي حين نزعه من همدان، وصدره:

أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم.

ثم يتلو قوله: " وولاه الله ما تولى " تمام الآية.

ويتصل بها أن قال: " وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي وكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.

فادخل يا معاوية فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب لأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك.

وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله.

وأما هاتيك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن.

ثم يتصل به قوله " ولعمري " إلى قوله " ما بدا لك " ثم يتصل به " واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله وهو من أهل الايمان والهجرة فبايع ولا قوة إلا بالله.

وقال رحمه الله: وكتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب: أما بعد فلو كنت على ما كان عليه أبو بكر وعمر إذن ما قاتلتك ولا استحللت ذلك ولكنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتك في عثمان بن عفان وإنما كان أهل الحجاز الحكام على الناس حين كان الحق فيهم فلما تركوه صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز وغيرهم من الناس ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ولا حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير لان أهل البصرة قد كانوا بايعوك ولم يبايعك أهل الشام وإن طلحة والزبير بايعاك ولم أبايعك.

وأما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وموضعك من بني هاشم فلست أدفعه والسلام.

فكتب عليه السلام في جوابه: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فإنه أتاني كتابك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده قد دعاه الهوى فأجابه وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا وضل خابطا زعمت أنه إنما أفسد على بيعتك خطيئتي في عثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا وما كان الله ليجعلهم على ضلال ولا يضربهم بعمى.

وأما ما زعمت أن أهل الشام الحكام على أهل الحجاز فهات رجلين من قريش الشام يقبلان في الشورى أو تحل لهما الخلافة فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار وإلا فأنا آتيك بهما من قريش الحجاز.

وأما ما ميزت بين أهل الشام وأهل البصرة وبينك وبين طلحة والزبير فلعمري ما الامر في ذلك إلا واحد لأنها بيعة عامة واحدة لا يثنى فيها النظر ولا

يستأنف فيها الخيار والخارج منها طاعن والمروي فيها مداهن.

وأما فضلي في الاسلام وقرابتي من الرسول وشرفي في بني هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت والسلام.

فلما وصل هذا الكتاب إلى معاوية كتب [إليه]: أما بعد فاتق الله يا علي ودع الحسن فإنه طال ما لم ينتفع به أهله ولا تفسد سابقة قديمك بشر من حديثك فإن الأعمال بخواتيمها ولا تلحدن بباطل في حق من لا حق لك في حقه فإنك إن تفعل ذلك لا تضلل إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك ولعمري إن ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقيقة أن تردك وتردعك عما اجترأت عليه من سفك الدماء وإجلاء أهل الحق عن الحل والحرام فاقرأ سورة الفلق وتعوذ بالله من شر ما خلق ومن شر نفسك الحاسد إذا حسد قفل الله بقلبك وأخذ بناصيتك وعجل توفيقك فإني أسعد الناس بذلك والسلام.

فكتب عليه السلام: أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ورسالة محبرة نمقتها بضلالك وأمضيتها بسوء رأيك وكتاب ليس ببعيد الشبه منك حملك على الوثوب على ما ليس لك فيه حق ولولا علمي بك وما قد سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك مما لا مرد له دون إنفاذه إذا لوعظتك ولكن عظتي لا تنفع من حقت عليه كلمة العذاب ولم يخف العقاب ولا يرجو لله وقارا ولم يخف له حذارا فشأنك وما أنت عليه من الضلالة والحيرة والجهالة تجد الله في ذلك بالمرصاد من دنياك المنقطعة وتمنيك الأباطيل وقد علمت ما قال النبي صلى الله عليه وآله فيك وفي أمك وأبيك والسلام.

بيان: أقول: قد روى السيد رضي الله عنه في النهج بعض الكتابين

الذين أوردهما ابن ميثم وخلطهما.

قوله عليه السلام: " فهجر " أي هذى. واللغط بالتحريك: الصوت والجلبة ذكره الجوهري وقال: خبط البعير فهو خابط إذا مشى ضالا فخبط بيديه كل ما يلقاه ولا يتوقى شيئا. وخبطه: ضربه باليد ومنه قيل: خبط عشواء أي الناقة التي في بصرها ضعف.

قوله عليه السلام: " طاعن " قال ابن ميثم: أي في صحتها فهو طاعن في دين الله فيجب قتاله حتى يرجع إليها. ورويت في الامر: نظرت فيه وفكرت أي الشاك فيها مداهن. والمداهنة: نوع من النفاق.

قوله عليه السلام: " موصلة " قال ابن أبي الحديد أي مجموعة الألفاظ من هاهنا وهاهنا وذلك عيب في الكتابة والخطابة وقال: حبرت الشئ تحبيرا:

حسنته وزينته أي المزينة الألفاظ يشير عليه السلام إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلف والتصنع.

وقال الجوهري: نمق الكتاب ينمقه بالضم أي كتبه ونمقه تنميقا: زينه بالكتابة.

وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: كتب معاوية في أثناء حرب صفين إلى أمير المؤمنين عليه السلام من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب: أما بعد فإن الله تعالى يقول في محكم كتابه: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * [65 / الزمر: 39] وإني أحذرك الله أن تحبط عملك وسابقتك بشق عصا هذه الأمة وتفريق جماعتها فاتق الله واذكر موقف القيامة واقلع عما أسرفت فيه من

الخوض في دماء المسلمين وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبهم الله على مناخرهم في النار فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين وسادات المهاجرين بله ما طحنت رحا حربه من أهل القرآن وذوي العبادة والايمان من شيخ كبير وشاب غرير كلهم بالله تعالى مؤمن وله مخلص وبرسوله مقر عارف فإن كنت أبا حسن إنما تحارب على الامرة والخلافة فلعمري لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين ولكنها لم تصح لك وأنى بصحتها وأهل الشام لم يدخلوا فيها ولم يرتضوا بها فخف الله وسطواته واتق بأس الله ونكاله واغمد سيفك عن الناس فقد والله أكلتهم الحرب فلم يبق منهم إلا كالثمد في قرارة الغدير والله المستعان.

فكتب علي عليه السلام إليه جوابا عن كتابه:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ورسالة محبرة نمقتها بضلالك وأمضيتها بسوء رأيك وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا وضل خابطا.

فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها وأستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالاثم.

وأما تحذيرك إياي أن يحيط عملي وسابقتي في الاسلام فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك ولكني وجدت الله تعالى يقول:

* (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * [9 / الحجرات: 49] فنظرنا إلى الفئتين [فأما الفئة] الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها لان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة وأنت أمير لعمر على الشام وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر بالمدينة وهو أمير لأبي بكر على الشام.

وأما شق عصا هذه الأمة فأنا أحق أن أنهاك عنه.

فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني بقتالهم وقتلهم وقال لأصحابه: " إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " وأشار إلي وأنا أولى من اتبع أمره وأما قولك: إن بيعتي لم تصح لان أهل الشام لم يدخلوا فيها فإنما هي بيعة واحدة تلزم الحاضر والغائب لا يستثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار [و] الخارج منها طاعن والمروي فيها مداهن فأربع على ظلعك وانزع سربال غيك واترك ما لا جدوى له عليك فإنه ليس لك عندي إلا السيف حتى تفئ إلى أمر الله صاغرا وتدخل في البيعة راغما والسلام.

بيان: قال الجوهري: بله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف ومعناها دع. ويقال:

معناها: سوى وفي الحديث: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتهم عليه ".

398 - وقال ابن ميثم: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية:

[أما بعد] فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي وتستقبح مواربتي وتزعمني متجبرا وعن حق الله مقصرا فسبحان الله كيف تستجيز الغيبة وتستحسن العضيهة إني لم أشاغب إلا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم أتجبر إلا على باغ مارق أو ملحد منافق ولم آخذ في ذلك إلا بقول الله سبحانه: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم) *. [22 / المجادلة].

وأما التقصير في حق الله فمعاذ الله وإنما المقصر في حق الله جل ثناؤه من

عطل الحقوق المؤكدة وركن إلى الأهواء المبتدعة وأخلد إلى الضلالة المحيرة.

ومن العجب أن تصف يا معاوية الاحسان وتخالف البرهان وتنكث الوثائق التي هي لله عز وجل طلبة وعلى عباده حجة مع نبذ الاسلام وتضييع الاحكام وطمس الاعلام والجري في الهوى والتهوس في الردى فاتق الله فيما لديك وانظر في حقه عليك وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته فإن للطاعة أعلاما واضحة وسبلا نيرة ومحجة نهجة وغاية مطلبة يردها الأكياس وتخالفها الانكاس من نكب عنها جار عن الحق وخبط في التيه وغير الله نعمته وأحل به نقمته فنفسك نفسك فقد بين الله لك سبيلك وحيث تناهت بك أمورك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر وإن نفسك قد أوحلتك شرا وأقحمتك غيا وأوردتك المهالك وأوعرت عليه المسالك.

ومن ذلك الكتاب: وإن للناس جماعة يد الله عليها وغضب الله على من خالفها فنفسك نفسك قبل حلول رمسك فإنك إلى الله راجع وإلى حشره مهطع وسيبهظك كربه ويحل بك غمه في يوم لا يغني النادم ندمه ولا يقبل من المعتذر عذره يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون.

399 - نهج البلاغة: فاتق الله فيما لديك إلى قوله: " وأوعرت عليك المسالك ".

توضيح: قال الفيروزآبادي: الشغب: تهييج الشر كالتشغيب وشغبهم وبهم وعليهم كمنع وفرح: هيج الشر عليهم. وشاغبه: شاره. وقال: المواربة:

المداهاة والمخاتلة. وفي أكثر النسخ: " موازرتي " أي موازرتي عليك.

والعضيهة: الإفك والبهتان. وركن إليه كعلم: مال. وأخلدت إلى فلان أي ركنت إليه وأخلد بالمكان: أقام. والطمس: إخفاء الأثر.

وقال الجوهري: الهوس: الطوفان بالليل والهوس: شدة الاكل. والهوس:

السوق اللين يقال: هست. الإبل فهاست أي ترعى وتسير. والهوس

بالتحريك: طرف من الجنون.

قوله عليه السلام: " فيما لديك " أي من مال المسلمين وفيئهم أو في نعمة عليك. ومعرفة مالا يعذر بجهالته معرفة الامام وطاعته. والاعلام: الأئمة أو الأدلة والنهج: الطريق الواضح.

" والمطلبة " النسخ المصححة متفقة على تشديد الطاء قال الجوهري:

طلبت الشئ طلبا وكذا اطلبته على افتعلته والتطلب: الطلب مرة بعد أخرى انتهى والمعنى غاية من شأنها أن تطلب ويطلبها العقلاء. ويكشف عنه قوله عليه السلام " يردها الأكياس ".

وقرأ ابن أبي الحديد بتخفيف الطاء وقال: أي مساعفة لطالبها يقال:

طلب فلان مني كذا فاطلبته أي أسعفته به.

والانكاس جمع نكس بالكسر وهو الرجل الضعيف ذكره الجوهري والجزري. وقال ابن أبي الحديد وابن ميثم: الدنى من الرجال. ونكب عن الطريق: عدل. والخبط: المشي على غير استقامة. قوله عليه السلام: " تناهت بك " يقال: تناهى أي بلغ والباء للتعدية أي بين الله لك سبيلك وغايتك التي توصلك إليها أعمالك أو المعنى قف حيث تناهت بك أمورك كقولهم:

حيث أنت، وقولهم: مكانك فلا يكون معطوفا ولا متصلا بقوله: فقد بين الله لك سبيلك .

قوله عليه السلام: " فقد أجريت " هو من إجراء الخيل للمسابقة. وقال في الصحاح: وحل الرجل وقع في الوحل وأوحله غيره. والاقتحام: الدخول في الامر بشدة ويقال: جبل وعر ومطلب وعر أي صعب حزن. والرمس بالفتح:

القبر. والمهطع: المسرع. وبهظه الامر: أثقله.

400 - وروى ابن أبي الحديد وابن ميثم أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى

معاوية بن أبي سفيان:

أما بعد فإن الدنيا دار تجارة ربحها أو خسرها الآخرة فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة ومن رأى الدنيا بعينها وقدرها بقدرها وإني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مرد له دون نفاذه ولكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الأمانة وأن ينصحوا الغوي والرشيد فاتق الله ولا تكن ممن لا يرجو لله وقارا ومن حقت عليه كلمة العذاب فإن الله بالمرصاد وإن دنياك ستدبر عنك وستعود حسرة عليك فانتبه من الغي والضلال على كبر سنك وفناء عمرك فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر وقد أرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيك وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات فجاروا عن وجهتهم ونكصوا على أعقابهم وتولوا على أدبارهم وعولوا على أحسابهم إلا من فاء من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك وهربوا إلى الله من موازرتك إذ حملتهم على الصعب وعدلت بهم عن القصد فاتق الله يا معاوية في نفسك وجاذب الشيطان قيادك فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريب منك والسلام.

401 - قال ابن أبي الحديد قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: فكتب إليه معاوية: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد وقفت على كتابك وقد أبيت على الغي إلا تماديا وإني لعالم أن الذي يدعوك إلى ذاك مصرعك الذي لابد لك منه وإن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك فطال ما خف عقلك ومنيت نفسك ما ليس لك والتويت على من هو خير منك ثم كانت العافية لغيرك واحتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك والسلام.

401 - رواه ابن أبي الحديد - مع التوالي - في شرحه على المختار: من باب كتب نهج البلاغة: ج 16، ص 133، ط الحديث بمصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 768.

هذا هو الظاهر من السياق وفي شرح نهج البلاغة ط مصر: على الفتن. وفي ط الكمباني: على الغبن. (*)

قال: فكتب علي عليه السلام إليه:

أما بعد فإن ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك وقومك الذين حملهم الكفر وتمني الأباطيل على حسد محمد صلى الله عليه وآله حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت لم يمنعوا حريما ولم يدفعوا عظيما وأنا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم والفأل لحدهم والقاتل لرؤوسهم ورؤوس الضلالة والمتبع إنشاء الله خلفهم بسلفهم فبئس الخلف خلف اتبع سلفا ومحله محطه النار والسلام.

فكتب إليه معاوية: أما بعد فقد طال في الغي ما استمررت أدراجك كما طال ما تمادى عن الحرب نكوصك وإبطاؤك تتوعد وعيد الأسد وتروغ روغان الثعلب فحتام تحيد عن اللقاء ومباشرة الليوث الضارية والأفاعي المقاتلة فلا تستبعدنها فكل ما هو آت قريب إنشاء الله والسلام.

قال: فكتب إليه علي عليه السلام:

أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك، وما أعلمني بما أنت صائر إليه، وليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذب وأنا له مصدق وكأني بك غدا تضج من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال وستدعوني أنت وأصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم وتجحدونه بقلوبكم والسلام.

قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد فدعني من أساطيرك واكفف عني من أحاديث واقصر عن تقولك على رسول الله وافترائك من الكذب ما لم يقل وغرور من معك والخداع لهم فقد استغويتهم ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك ويعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل والسلام.

قال فكتب إليه علي عليه السلام:

أما بعد فطال ما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الأولين ونبذتموه وراء ظهوركم وجهدتم في إطفاء نور الله بأيديكم وأفواهكم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

ولعمري ليتمن النور على كرهك ولينفذن العلم بصغارك ولتجازين بعملك فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنك بأجلك قد انقضى وعملك قد هوى ثم تصير إلى لظى لم يظلمك الله شيئا وما ربك بظلام للعبيد.

قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد، فما أعظم الرين على قلبك والغطاء على بصرك الشر من شيمتك.

إلى آخر ما مر برواية أخرى.

قال: فكتب إليه علي عليه السلام:

أما بعد فإن مساويك مع علم الله فيك حالت بينك وبين أن يصلح أمرك أو أن يرعوي قلبك يا ابن الصخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك ويفصل بين أهل الشك علمك وأنت الجلف المنافق الأغلف القلب القليل العقل الجبان الرذل فإن كنت صادقا فيما تسطر ويعينك عليه أخو بني سهم فدع الناس جانبا وابرز لما دعوتني إليه من الحرب والصبر على الضرب واعف الفريقين من القتال لتعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن: قاتل جدك وأخيك وخالك وما أنت منهم ببعيد والسلام.

إيضاح: أقول: روى السيد رضي الله عنه في النهج الكتاب الأول من قوله عليه السلام وأرديت جيلا إلى آخر هذا الكتاب.

قوله عليه السلام: " ومن رأى " عطف على " من كانت " أي السعيد من يريد الدنيا بعينها أي يعرفها بحقيقتها أو يراها بالعين التي بها تعرف وهي عين البصيرة ويعلم ما هي عليه من التغير والزوال وأنها خلقت لغيرها ليقدرها بمقدارها ويجعلها في نظره لما خلقت له.

قوله عليه السلام: " ممن لا يرجو لله وقارا " أي لا يتوقع لله عظمة فيعبده

ويطيعه والوقار الاسم من التوقير وهو التعظيم.

وقيل الرجاء ها هنا بمعنى الخوف. والمهيل: المتداعي في التمزق ومنه رمل مهيل أي ينهال ويسيل. وأرديت أي أهلكت. والجيل: الصنف وروي بالباء الموحدة وهو الخلق. وتغشاهم أي تأتيهم وتحيط بهم. وحاروا: عدلوا وتحيروا.

ونكصوا أي رجعوا. وعولوا على أحسابهم أي اعتمدوا على نخوة الجاهلية وتعصبهم ورجعوا عن الدين. إلا من فاء أي رجع. والموازرة: المعاونة.

والصعب مقابلة الذلول كناية عن الباطل لاقتحامه بصاحبه في المهالك والقياد بالكسر: حبل يقاد به الدابة. ووائل منه على فاعل طلب النجاة ذكره الجوهري وقال: صليت اللحم وغيره أصليه صليا إذا شويته ويقال: أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها وصلى فلان النار بالكسر: احترق وصلى بالامر: قاسى حره وشدته. وقال: فللت الجيش: هزمته. ويقال: فله فانفل أي كسره فانكسر.

قوله عليه السلام: " ومحله محطه " الضمير الأول راجع إلى الخلف والثاني إلى السلف والنار بدل أو عطف بيان ل‍ [قوله] " محطه " ولعل الأصوب محله ومحطه فالضميران للسلف. ودرج الرجل: مشى وأدرجت الكتاب:

طويته. وقولهم: خل درج الضب أي طريقه والجمع الادراج. وراغ: مال.

قوله عليه السلام: " لما أنت به مكذب " أي ما أخبرني به النبي صلى الله عليه وآله من وقت الحرب وشرائطه أو إتمام الحجة واتباع أمره تعالى في ذلك ونزول الملائكة للنصرة وبكل ذلك كان لعنه الله مكذبا. قوله عليه السلام: " فعث " من عاث يعيث إذا أفسد وفي بعض النسخ " فعش ".

أقول: قال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الكتب: قلت وأعجب وأطرف ما جاء به الدهر. وإن كانت عجائبه وبدائعه جمة - أن يفضي الامر بعلي عليه السلام إلى أن يصير معاوية ندا له ونظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب والجواب ويتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه ولا يقول له علي عليه السلام كلمة إلا قال له مثلها وأخشن منها فليت محمدا صلى الله عليه وآله كان

مشاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أن الدعوة التي قام بها وقاسى أعظم المشاق في تحملها وكابد الأهوال في الذب عنها وضرب بالسيوف عليها لما مهد دولتها وشيد أركانها وملا الآفاق بها خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذبوه لما دعا إليها وأخرجوه عن أوطانه لما حض عليها وأدموا وجهه وقتلوا عمه وأهله فكأنه كان يسعى لهم ويدأب لراحتهم كما قال أبو سفيان في أيام عثمان وقد مر بقبر حمزة فضربه برجله وقال: " يا با عمارة إن الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به " ثم آل الامر إلى أن يفاخر معاوية عليا كما يتفاخر الأكفاء والنظراء.

402 - وقال في موضع آخر كتب معاوية إليه عليه السلام من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإنا بني عبد مناف لم نزل ننزغ من قليب واحد ونجري في حلبة واحدة وليس لبعضنا على بعض فضل ولا لقائمنا على قاعدنا فخر كلمتنا مؤتلفة وألفتنا جامعة ودارنا واحدة ويجمعنا كرم العرق ويحوينا شرف الفخار ويحنو قوينا على ضعيفنا ويواسي غنينا فقيرنا قد خلصت قلوبنا من دغل الحسد وطهرت أنفسنا من خبث السجية فلم نزل كذلك حتى كان منك من الادهان في أمر ابن عمك والحسد له وتضريب الناس عليه حتى قتل بمشهد منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد فليتك أظهرت نصره حيث أشهرت ختره فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر وإن ضعف والمتبري من دمه بدفع وإن وهن ولكنك جلست في دارك تدس إليه الدواهي وترسل عليه الأفاعي حتى إذا قضيت وطرك منه أظهرت شماتة وأبديت طلاقة وحسرت

للامر عن ساعدك وشمرت عن ساقك ودعوت إلى نفسك وأكرهت أعيان المسلمين على بيعتك.

ثم كان منك بعدما كان من قتلك شيخي المسلمين أبي محمد طلحة وأبي عبد الله الزبير وهما من الموعودين بالجنة والمبشر قاتل أحدهما بنار الآخرة هذا إلى تشريدك بأم المؤمنين عائشة وإحلالها محل الهوان مبتذلة بن أيدي الاعراب وفسقة أهل الكوفة فمن بين منتهر لها وبين شامت بها وبين ساخر منها.

أترى ابن عمك كان بهذا - لو رآه - راضيا أم كان يكون عليك ساخطا ولك عنه زاجرا أن تؤذي في أهله وتشرد بحليلته وتسفك دماء أهل ملته.

ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله عنها " إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد " فلعمري لقد صح وعده وصدق قوله ولقد نفت خبثها وطردت منها من ليس بأهل أن يستوطنها فأقمت بين المصرين وبعدت عن بركة الحرمين ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضا عن مجاورة قبر خاتم النبوة.

ومن قبل ذلك ما عنيت خليفتي رسول الله صلى الله عليه وآله أيام حياتهما فقعدت عنهما والتويت عليهما وامتنعت من بيعتهما ورمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا ورقيت سلما وعرا وحاولت مقاما دحضا وادعيت ما لم تجد عليه ناصرا ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازددت إلا فسادا واضطرابا ولا أعقبت ولايتكها إلا انتشارا وارتدادا لأنك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه المستطيل على الناس بلسانه ويده وها أنا السائر إليك في جمع من المهاجرين والأنصار تحفهم سيوف شامية ورماح قحطانية حتى يحاكموك إلى الله فانظر لنفسك والمسلمين وادفع إلي قتلة عثمان فإنهم خاصتك وخلصاؤك والمحدقون بك فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللجاج الاصرار على الغي والضلال فاعلم أن هذه الآية نزلت فيك وفي أهل العراق معك " ضرب الله مثلا كانت قرية مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ".

فأجاب علي عليه السلام كتابه بما رواه السيد رضي الله عنه في النهج

والطبرسي رحمه الله في الاحتجاج واللفظ للسيد قال: [و] من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا عن كتاب منه:

أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم واليوم أنا استقمنا وفتنتم وما أسلم مسلمكم إلا كرها وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول صلى الله عليه وآله حزبا.

وذكرت أني قتلت طلحة والزبير وشردت بعائشة ونزلت بين المصرين وذلك أمر غبت عنه فلا الجناية عليك ولا العذر فيه إليك.

وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك فإن كان فيك عجل فاسترفه فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثني للنقمة منك وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد:

مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وجلمود وعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد وإنك والله ما علمت الأغلف القلب المقارب العقل والأولى أن يقال لك:

إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك لأنك نشدت غير ضالتك ورعيت غير سائمتك وطلبت أمرا لست من أهله ولا في معدنه فما أبعد قولك من فعلك وقريب ما أشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمنى الباطل على الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله فصرعوا مصارعهم حيث علمت لم يدفعوا عظيما ولم يمنعوا حريما بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ولم تماشها الهوينا.

وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله وأما تلك التي تريد فإنها خدعة الصبي عن

اللبن في أول الفصال والسلام [لأهله].

تبيين:

[قوله عليه السلام]: كنا نحن وأنتم أي قبل البعثة " انا استقمنا " أي على منهاج الحق " وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله حزبا " في أكثر النسخ بالزاء بعد الحاء المهملة المكسورة وفي بعضها بالراء المهملة بعد الحاء المفتوحة وكذلك كان في نسخة ابن أبي الحديد قال أي بعد أن كان أنف الاسلام محاربا لرسول الله صلى الله عليه وآله. وأنف كل شئ أوله وكان أبو سفيان وأهله من بني عبد شمس من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله في أول الهجرة إلى فتح مكة انتهى.

والأظهر ما في أكثر النسخ كما كان في نسخة ابن ميثم قال: أي بعد أن اشتد الاسلام وصار للرسول صلى الله عليه وآله حزب قوى من الاشراف واستعار لفظ الانف لهم باعتبار كونهم أعزاء أهله انتهى. أو باعتبار أنهم مقدمون على غيرهم فإنهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فيكون هذا الكلام كالدليل على كون إسلامهم عن كره وإجبار. فلا عليك في الاحتجاج فلا الجناية عليك وهو أظهر.

وقال ابن أبي الحديد أجمل عليه السلام في الجواب والجواب المفصل أن طلحة والزبير قتلا أنفسهما ببيعتهما ونكثهما ولو استقاما على الطريقة لسلما ومن قتله الحق فدمه هدر.

وأما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة والكلام في سلامتها.

وأما قوله: بشر قاتل ابن صفية بالنار فقد اختلف فيه فقال قوم من علماء الحديث وأرباب السيرة هو كلام علي غير مرفوع. وقوم منهم جعلوه مرفوعا وعلى كل حال فهو حق لان ابن جرموز قتله موليا خارجا من الصف وقاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار.

وأما عائشة فأي ذنب لأمير المؤمنين عليه السلام ي ذلك ولو أقامت في

منزلها لم تبتذل بين الاعراب وأهل الكوفة.

على أن عليا عليه السلام أكرمها وصانها وعظم من شأنها ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به ثم ظفر بها لقتلها ومزقها إربا إربا ولكن عليا عليه السلام كان حليما كريما.

وأما قوله: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخر فلعلي عليه السلام أن يقلب الكلام عليه ويقول: أفتراه لو عاش أكان رضي لحليلته أن تؤذي أخاه ووصيه.

وأيضا أتراه لو عاش أكان رضي لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليا الخلافة وتفرق جماعة هذه الأمة.

وأيضا أتراه لو عاش أكان رضي لطلحة والزبير أن يبايعا ثم ينكثا لا بسبب بل قالوا: جئنا نطلب الدراهم فقد قيل لنا إن بالبصرة مالا كثيرا.

فأما قوله: " ثم تركك دار الهجرة " فلا عيب عليه إذا انتقضت عليه أطراف الاسلام بالبغي والفساد أن يخرج من المدينة إليها ويهذب أهلها وليس كل من خرج من المدينة كان خبيثا فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام.

ثم لعلي عليه السلام أن يقول: وأنت يا معاوية قد نفتك المدينة أيضا فأنت إذا خبيث وكذلك طلحة والزبير وعائشة الذين تتعصب لهم وتحتج على الناس بهم.

وقد خرج عن المدينة الصالحون كابن مسعود وأبي ذر وغيرهما وماتوا في بلاد نائية عنها.

وأما قوله بعدت عن بركة الحرمين فكلام إقناعي ضعيف والواجب على الامام أن يقدم الأهم فالأهم من مصالح الاسلام وتقديم قتال أهل البغي على المقام في الحرمين أولى.

وأما ما ذكره من خذلان عثمان وشماتته به وإكراه الناس على البيعة فكله

دعوى والامر بخلافها.

وأما قوله: " التويت على أبي بكر وعمرو وقعدت عنهما وحاولت الخلافة " فإن عليا عليه السلام لم يكن يجحد ذلك ولا ينكره ولا ريب أنه [كان] يدعي الامر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله لنفسه على الجملة إما للنص كما تقوله الشيعة أو لأمر آخر كما يقوله أصحابنا.

فأما قوله: " لو وليتها حينئذ لفسد الامر واضطراب الاسلام " فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله ولعله لو وليها حينئذ. لاستقام الامر فإنه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لان أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافة وتقديم غيره عليه فصغر شأنه في النفوس وقرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلوح ولو كان وليها ابتداء وهو على تلك الجلالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وتلك المنزلة الرفيعة والاختصاص الذي كان له لكان الامر غير الذي رأيناه.

وأما قوله: " لأنك الشامخ... " فقد أسرف في وصفه بما وصفه به ولا شك أنه عليه السلام كان عنده زهو ولكن لا هكذا وكان عليه السلام مع زهوه ألطف الناس خلقا انتهى كلامه.

وأقول على أصولنا لا يستحق الملعون الجواب بما قد ظهر من كفره ونفاقه من كل باب وهو عليه السلام كان أعلم بما يأتي به من الحق والصواب ولا ريب أن الحق يؤب معه حيث آب.

قوله: " وقد انقطعت الهجرة " قال ابن ميثم لما أوهم كلامه أنه من المهاجرين أكذبه بقوله: " وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أبوك " أي حين الفتح وذلك إن معاوية وأباه وجماعة من أهله إنما أظهروا الاسلام بعد الفتح وقد قال صلى الله عليه وآله: لا هجرة بعد الفتح. وسمي عليه السلام أخذ العباس لأبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله [غير مختار] وعرضه على القتل أسرا.

وروي " يوم أسر أخوك " وقد كان أسر أخوه عمرو بن أبي سفيان يوم

بدر فعلى هذه الرواية يكون الكلام في معرض التذكرة له بأن من شأنه وشأن أهله أن يوسروا ولا يسلموا فيكف يدعون مع ذلك الهجرة فإن الهجرة بهذا الاعتبار منقطعة عنهم ولا يكون " يوم أسر " ظرفا لانقطاع الهجرة لان الهجرة إنما انقطعت بعد الفتح انتهى ولا يخفى ما فيه من التكلف والبعد.

وقال ابن أبي الحديد: " يوم أسر أخوك " يعني يزيد بن أبي سفيان أسر يوم الفتح في باب الخندمة وكان خرج في نفر من قريش يحاربون ويمنعون من دخول مكة فقتل منهم قوم وأسر يزيد بن أبي سفيان أسره خالد بن الوليد فخلصه أبو سفيان منه وأدخله داره فأمن لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

قوله: " فاسترفه " أي اطلب الرفاهية على نفسك في ذلك فإنك إنما تستعجل إلى ما يضرك أو لا ترهق نفسك بالعجل فإني أزورك إن لم تزرني فكما قال أخو بني أسد.

قال ابن أبي الحديد: كنت أسمع قديما أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الأسدي والآن فقد تصفحت شعره. فلم أجده ولا وقفت بعد على قائله.

" وريح حاصب " تحمل الحصباء وهي صغار الحصا وإذا كانت بين أغوار وهي ما سفل من الأرض وكانت مع ذاك ريح صيف كانت أعظم مشقة وأشد ضرارا على من تلاقيه.

[فأما قوله]: " وجلمود " يمكن أن يكون عطفا على حاصب وأن يكون عطفا على " أغوار " أي بين أغوار من الأرض وحرة وذلك أشد لأذاها لما تكتسبه الحرة من لفح السموم ووهجها والوجه الأول أليق. انتهى.

وقال الجوهري: الجلمد والجلمود: الصخر. وقال: أغضضته بسيفي أي ضربته به وعض الرجل بصاحبه يعض غضيضا أي لزمه.

وقال ابن أبي الحديد: أعضضته أي جعلته معضوضا برؤوس أهلك به وأكثر ما يأتي أفعلت أن تجعله فاعلا. وهنا من المقلوب أي عضضت رؤوس أهلك به.

وقال ابن ميثم: [قوله: " عضضته " يروى بالضاد المعجمة] أي جعلته عاضا لهم وألزمته بهم ويروى " أغصصته " بالغين المعجمة والصادين المهملتين تقول: أغصصت [السيف] بفلان أي جعلته يغص به المضروب هو الذي يغص بالسيف أي لا يكاد يسيغه.

وقد مر مرارا أن [مراده عليه السلام من قوله:] " الجد " [جد معاوية] عتبة بن ربيعة، والخال الوليد والأخ حنظلة قتلهم عليه السلام يوم بدر.

قوله عليه السلام: " ما علمت " كلمة ما موصولة وهي بصلتها خبر " إن " والأغلف بيان للموصول.

ويحتمل أن يكون المعنى ما دمت علمتك واطلعت عليك وجدتك كذلك.

وقيل: " ما " مصدرية والأغلف القلب من لا بصيرة له كأن قلبه في غلاف " والمقارب العقل " في أكثر النسخ بصيغة الفاعل وكذا صححه الشارحان.

وقال الجوهري: شئ مقارب بكسر الراء: بين الجيد والردئ ولا نقل مقارب بفتح الراء.

وفي بعض النسخ المصححة بالفتح فيحتمل أن يكون بالمعنى المذكور أيضا.

وقال في القاموس: شئ مقارب بكسر الراء: بين الجيد والردئ أو دين مقارب بالكسر ومتاع مقارب بالفتح انتهى.

أو أريد به العقل الذي قاربه الشيطان ومسه أي أنت الذي تخبطه الشيطان من المس. قوله: " والأولى أن يقال لك " جواب لقوله: " ورقيت سلما " وفي القاموس: طلع الجبل: علاوه كطلع بالكسر " عليك لا لك " أي هذا المطلع أو الارتقاء وبال عليك غير نافع لك " ما أبعد قولك " أي دعواك أنك أمير المؤمنين وخليفة المسلمين من فعلك وهو الخروج باغيا على الامام المفترض الطاعة وشق عصا المسلمين مع ما ترتكبه من المنكرات والفسوق كلبس الحرير والمنسوج بالذهب وغير ذلك كما ذكره ابن أبي الحديد " وقريب ما أشبهت " ما مصدرية أي قريب شبهك بأعمامك وأخوالك من بني أمية

الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله " بوقع سيوف " متعلق بصرعوا و " ما خلا " صفة لسيوف و " الوغى " بالتحريك: الجلبة والأصوات ومنه قيل للحرب وغى لما فيها من الصوت والجلبة " ولم تماشها الهوينا " أي لم يلحق ضربنا ووقعها هون ولا سهولة ولم يجر معها وروي " ولم يتماسها " بالسين المهملة أي لم يخالطها شئ من ذلك " والهوينا " موصوفها محذوفة كالضربة والحالة ونحوها.

وأما تلك التي تريد أي طلبك قتلة عثمان.

403 - وقال ابن ميثم وابن أبي الحديد: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية:

أما بعد فإن الدنيا حلوة خضرة ذات زينة وبهجة لم يصب إليها أحد إلا وشغلته بزينتها عما هو أنفع له منها وبالآخرة أمرنا وعليها حثثنا فدع يا معاوية ما يفنى واعمل لما يبقى واحذر الموت الذي إليه مصيرك والحساب الذي إليه عاقبتك واعلم أن الله إذا أراد بعبد خيرا حال بينه وبين ما يكره ووفقه لطاعته وإذا أراد بعبد شرا أغراه بالدنيا وأنساه الآخرة وبسط له أمله وعاقه عما فيه صلاحه.

وقد وصلني كتابك فوجدتك ترمي غير غرضك وتنشد غير ضالتك وتخبط في عماية وتتيه في ضلالة وتعتصم بغير حجة وتلوذ بأضعف شبهة.

فأما سؤالك إلي المتاركة والاقرار لك على الشام فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس.

وأما قولك: إن عمر ولاكها. فقد عزل عمر من كان ولاه صاحبه وعزل عثمان من كان عمر ولاه ولم ينصب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الأمة ما قد كان ظهر لمن كان قبله أو خفي عنهم غيه والامر يحدث بعد الامر ولكل

وال رأي واجتهاد.

فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة والحيرة المتبعة مع تضييع الحقائق وإطراح الوثائق التي هي لله طلبة وعلى عباده حجة.

فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك وخذلته حيث كان النصر له والسلام.

404 - الإحتجاج: من كتاب له عليه السلام " فسبحان الله " إلى قوله " والسلام ".

بيان: الحقائق هي ما يحق للرجل أن يحميه كما يقال: حامي الحقيقة.

وقيل: هي الأمور التي ينبغي أن يعتقدها من خلافته عليه السلام ووجوب طاعته. ووثائق الله: عهوده المطلوبة له وهي على عباده حجة يوم القيامة.

وقال ابن أبي الحديد: وأما قوله عليه السلام: " إنما نصرت عثمان " إلخ فقد روى البلاذري أنه لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده بعث يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبد الله أمير العراق وقال: إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل: الشاهد يرى مالا يرى الغائب فإني أنا الشاهد وأنت الغائب.

قال: فأقام [القسري] ب‍ " ذي خشب " حتى قتل عثمان فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه وإنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.

وكتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن عليه السلام كتابا يدعوه فيه إلى بيعته ويقول له فيه: ولعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا وأن يكون رأيا صوابا فإنك من الساعين عليه والخاذلين له والسافكين دمه وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ولا بيدك أمان.

فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه: وأما قولك: إني من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه. فأقسم بالله لانت المتربص بعثمان والمحب لهلاكه والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت - حتى بعثت به معذرا بأخرة - وأنت تعلم أنهم لن يدركوه حتى يقتل فقتل كما كنت أردت ثم علمت بعد ذلك أن الناس - لن يعدلوا - بيننا وبينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه وتقول: قتل عثمان مظلوما فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين ثم لم تزل مصوبا ومصعدا وجاثما ورابضا تستغوي الجهال وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت " وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ".

بيان: بعثت به أي بالجيش أو الصريخ " معذرا " بالتشديد وهو المقصر ومن يبدي عذرا وليس بمحق " بأخرة " أي بتأخير وتسويف أو آخرا حيث لا ينفع.

قال الجوهري: بعته بأخره: بكسر الخاء وقصر الألف أي بنسئة وجاء فلان بأخرة بفتح الخاء أي أخيرا.

وفي النهاية فيه: " فصعد في النظر وصوبه " أي نظر إلى أعلاي وأسفلي يتأملني انتهى.

وجثم الطائر: تلبد بالأرض. وربوض الغنم والكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير فتارة شبهه بالطيور الخاطفة وتارة بالكلاب الضارية الصايدة.

405 - وقال ابن أبي الحديد: روى نصر بن مزاحم أنه كتب أمير المؤمنين

عليه السلام إلى معاوية:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على من اتبع الهدى فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك قد رأيت مرور الدنيا وانقضاءها وتصرمها وتصرفها بأهلها فيما مضى منها وخير ما اكتسبت [مما] بقي من الدنيا ما أصاب العباد الصالحون فيما مضى منها من التقوى ومن يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القديم ولا في الحديث ولا في البقية ولست تقول فيه بأمر بين يعرف له أثر ولا عليك منه شاهد ولست متعلقا بآية من كتاب الله ولا عهد من رسول الله فكيف أنت صانع إذا تقشعت عنك غيابة ما أنت فيه فيه من دنيا قد فتنت بزينتها وركنت إلى لذتها وخلا بينك وبين عدوك فيها عدو كلب مضل جاهد مليح ملح مع ما قد ثبت في نفسك من حبها، دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها فاقعس عن هذا الامر وخذ أهبة الحساب فإنه يوشك أن يقفك واقف على مالا يجنك به مجن.

ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية أو ولاة لأمر هذه الأمة بلا قدم حسن ولا شرف تليد على قومكم فاستيقظ من سنتك وارجع إلى خالقك وشمر لما سينزل بك ولا تمكن عدوك الشيطان من بغيته فيك مع أني أعرف أن الله ورسوله صادقان - نعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء - وإن لا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك إنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق ولست من أئمة هذه الأمة ولا من رعاتها.

واعلم أن هذا الامر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدوناه ولامتنوا علينا به

ولكنه قضاء ممن منحناه واختصنا به على لسان نبيه الصادق المصدق لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة.

رب احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين.

قال نصر: فكتب إليه معاوية بالجواب: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فدع الحسد فإنك طال ما لم تنتفع به.

إلى آخر ما مر برواية ابن ميثم [رحمه الله].

أقول: وجدت في كتاب صفين لنصر مثله. وروى ابن ميثم رحمة الله كتابه عليه السلام نحوا مما مر. 406 - وذكر السيد [الرضي] رضي الله عنه في النهج بعضه فلنذكره للاختلاف الكثير بينهما، قال: ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا:

وكيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها وخدعت بلذتها دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها وإنه يوشك أن يقفك واقف على مالا ينجيك منه مجن.

فاقعس عن هذا الامر وخذ أهبة الحساب وشمر لما قد نزل بك ولا تمكن الغواة من سمعك وإن لا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله وجرى منك مجرى الروح والدم.

ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الأمة بغير قدم سابق ولا شرف باسق ونعوذ بالله من لوازم سابق الشقاء وأحذرك أن تكون متماديا في غرة الأمنية مختلف العلانية والسريرة.

وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا واخرج إلي واعف الفريقين عن القتال لتعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره فأنا أبو الحسن قاتل جدك

وخالك وأخيك شدخا يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوي ما استبدلت دينا ولا استحدثت نبيا وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين.

وزعمت أنك جئت ثائرا بعثمان ولقد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالبا.

فكأني قد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالاثقال وكأني بجماعتك تدعوني جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع إلى كتاب الله وهي كافرة جاحدة أو مبايعة حائدة.

بيان:

وإني أحمد إليك الله أي أحمد الله منهيا إليك قال في النهاية: في كتابه عليه الصلاة والسلام: أما بعد فإني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع. وقيل: معناه: أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها.

وقال الجوهري: قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع وتقشع وأقشع أيضا.

وفي القاموس: غيابة كل شئ سترك منه ومنه: غيابات الجب وغيبان الشجر.

والجلابيب جمع جلباب وهي الملحفة في الأصل فاستعير لغيرها من الثياب.

[قوله عليه السلام:] قد تبهجت أي صار ذات بهجة وحسن أو تكلفت البهجة.

وقال الجوهري: ألاح بسيفه: لمع به. وألاحه: أهلكه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.