پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري

ج ۳۳، ص ۵۰۰–۵۲۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۵ از ۱۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

أما بعد فإن من العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحل لك المحرم إنك لانت المهتدي السعيد إذا.

وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن على عينك وتعطي فيهن مال غيرك.

فارجع هداك الله إلى رشدك وتب إلى الله ربك واخرج إلى المسلمين

من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت وتترك ما جمعت وتغيب في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد فارقت الأحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب غنيا عما خلفت فقيرا إلى ما قدمت والسلام.

قالوا فكتب إليه عبد الله بن عباس أما بعد قد فإنك أكثرت علي ووالله لان ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرء مسلم والسلام.

وقال آخرون وهم الأقلون: هذا لم يكن ولا فارق عبد الله بن عباس عليا عليه السلام ولا باينه ولا خالفه ولم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل علي عليه السلام.

قالوا: ويدل على ذلك ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لما قتل علي عليه السلام وقد ذكرناه من قبل.

قالوا: وكيف يكون ذلك ولم يختدعه معاوية ويجره إلى جهته فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمال أمير المؤمنين علي عليه السلام واستمالهم إليه بالأموال فمالوا وتركوا أمير المؤمنين عليه السلام فما باله وقد علم النبوة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عباس ولا اجتذبه إلى نفسه وكل من قرء السير وعرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة علي عليه السلام وما كان يلقاه به من قوارع الكلام وشديد الخصام وما كان يثني به على أمير المؤمنين ويذكر خصائصه وفضائله ويصدع به من مناقبه ومآثره فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان به الامر كذلك بل كانت الحال تكون بالضد مما اشتهر من أمرهما وهذا عندي هو الأمثل والأصوب.

وقد قال الراوندي المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد الله بن العباس لا عبد الله وليس ذلك بصحيح فإن عبيد الله كان عامل علي عليه السلام على اليمن وقد ذكرنا قصته مع بسر بن أرطأة فيما تقدم ولم ينقل عنه أنه أخذ مالا ولا فارق طاعة.

وقد أشكل علي أمر هذا الكتاب فإن أنا كذبت النقل وقلت هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام خالفت الرواة فإنهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه وقد ذكر في أكثر كتب السيرة وإن صرفته إلى عبد الله بن العباس صدني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين في حياته وبعد وفاته وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام والكلام يشعر بأن الرجل المخاطب من أهله ومن بني عمه فأنا في هذا الموضع من المتوقفين. انتهى.

وقال ابن ميثم: هذا مجرد استبعاد ومعلوم أن ابن عباس لم يكن معصوما وعلي عليه السلام لم يكن ليراقب في الحق أحدا ولو كان أعز أولاده بل يجب أن تكون الغلظة على الأقرباء في هذا الامر أشد ثم إن غلظة علي وعتابه لا يوجب مفارقته إياه. ولنرجع إلى الشرح.

قوله عليه السلام " كنت أشركتك في أمانتي " أي جعلتك شريكا في الخلافة التي ائتمنني الله عليها والأمانة الثانية ما تعارفه الناس. وقال [ابن الأثير] في النهاية: بطانة الرجل: صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله.

" قد خزيت " أي هانت وذلت، والمراد عدم اهتمام الناس بحفظها. وقال الجوهري:

وقال ابن الأثير: التفل نفخ معه أدنى بزاق وهو أكثر من النفث.

" والمواساة ": المشاركة والمساهمة وأصله الهمزة قلبت تخفيفا والموازرة: المشاركة في حمل الأثقال والمعاونة في إمضاء الأمور.

وقال في [حرب وكلب من] النهاية: في حديث علي عليه السلام كتب إلى ابن عباس حين أخذ مال البصرة: " فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب " أي اشتد يقال: كلب الدهر على أهله إذا ألح عليهم واشتد وقال:

" والعدو قد حرب " أي غضب يقال منه: حرب يحرب حربا بالتحريك. انتهى.

" قد خزيت " أي هانت وذلت، والمراد عدم اهتمام الناس بحفظها. وقال الجوهري:

الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار حتى يشد عليه فيقتله وقد فتك به يفتك ويفتك [على زنة يضرب وينصر] والفاتك: الجرئ. وقال: شغر البلد أي خلا من الناس وفي القاموس: شغرت الأرض لم يبق أحد يحميها ويضبطها. والشغر: البعد والتفرقة.

وقال ابن أبي الحديد: أي خلت من الخير.

وقال في قوله عليه السلام: " قلبت لابن عمك " أي كنت معه فصرت عليه وأصل ذلك أن الجيش إذا لقوا العدو كانت ظهور مجانهم إلى وجه العدو وبطونها إلى عسكرهم فإذا فارقوا رئيسهم عكسوا. [قوله عليه السلام:] على بينه من ربك " أي لم يكن إيمانك عن حجة وبرهان. وقال الجوهري شئ شديد: بين الشدة والشدة بالفتح الحملة الواحدة وقد شد عليه في الحرب انتهى.

" والكرة " الحملة والعود إلى القتال. وقال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " اختطاف الذئب الأزل " الأزل في الأصل الصغير الفجر وهو في صفات الذئب الخفيف وقيل هو من قولهم زل زليلا إذا عدى وخص الدامية لان من طبع الذئب محبة الدم حتى أنه يرى ذئبا داميا فيثب عليه ليأكله.

وفي الصحاح المعز من الغنم خلاف الضأن وهو اسم جنس وكذلك المعزى.

قوله: " رحيب الصدر " أي واسعة طيب النفس. وقال الجوهري: الاثم:

الذنب وتأثم أي تحرج عنه وكف. وقال: حدرت السفينة أي أرسلتها إلى أسفل. انتهى.

وأما قوله عليه السلام " لا أبا لغيرك " فقال في النهاية: لا أبا لك أكثر ما

يستعمل في معرض المدح أي لا كافي لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم كما يقال: لا أم لك وقد يذكر في معرض التعجب دفعا للعين انتهى.

فعلى الأول يكون " لا أبا لغيرك " ذما له بمدح غيره وعلى الثاني مدحا له وتلطفا مع إشعار بالذم وعلى الثالث يكون إبعادا عن التعجب من سوء فعله تلطفا أو ذما له بالتعجب من حسن فعل غيره دون فعله.

والأنسب بالمقام أن يكون الغرض لا أبا لك للذم فعبر هكذا لنوع ملاطفة وقد يقال مثله في الفارسية يقال إن مات عدوك والغرض إن مت.

وفي النهاية فيه: " من نوقش في الحساب عذب " أي من استقصى في محاسبته وحوقق ومنه حديث علي عليه السلام [" يوم يجمع الله الأولين والآخرين لنقاش] الحساب " وهو مصدر منه وأصله المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه.

قوله عليه السلام: " أيها المعدود كان عندنا " أدخل عليه السلام لفظة " كان " تنبيها على أنه لم يبق كذلك فإن الظاهر من المعدود المعدود في الحال.

وقيل لعله عليه السلام لم يقل يا من كان عندنا من ذوي الألباب إشعارا بأنه معدود في الحال أيضا عند الناس منهم وفي التعبير بالمعدود إشعار بأنه لم يكن قبل ذلك أيضا منهم.

وفي الصحاح مكنه الله من الشئ وأمكنه منه بمعنى. وفي القاموس.

" أعذر " أبدى عذرا وأحدث وثبت له عذر وبالغ وفي النهاية: الهوادة الرخصة والسكون والمحاباة وفي الصحاح: الهوادة: الصلح والميل قوله عليه السلام " بإرادة " أي بمراد. وقال الجوهري زاح أي ذهب وبعد وأزاحه غيره. وقال:

الظلامة والمظلمة: ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك وقال الزمخشري في المستقصى: صح رويدا أي ترفق في الامر ولا تعجل وأصله أن الاعراب في باديتها تسير بالظعن فإذا عثرت على لمع من العشب قالت ذلك وغرضها أن ترعى الإبل الضحاء قليلا قليلا وهي سائرة حتى إذا بلغت مقصدها شبعت

فلما كان من الترفق في هذا توسعوا فقالوا: في كل موضع ضح بمعنى أرفق والأصل ذاك وقال الجوهري قوله تعالى: * (ولات حين مناص) * قال الأخفش:

شبهوا " لات " بليس وأضمروا فيها اسم الفاعل وقال: لا تكون " لات " إلا مع " حين " وقد جاء حذف حين في الشعر وقرأ بعضهم " ولات حين مناص " برفع " حين " وأضمر الخبر قال أبو عبيد: هي لا والتاء إنما زيدت في حين وكذلك في تلان واوان " وإن كتبت مفردة. وقال المورج: زيدت التاء في " لات " كما زيدت في ثمت وربت.

706 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد خان في بعض ما ولاه من أعماله: أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله فإذا أنت فيما رقي إلي عنك لا تدع لهواك انقيادا ولا تبقى لآخرتك عتادا.

أتعمر دنياك بخراب آخرتك؟ وتصل عشيرتك بقطيعة دينك؟ ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك [و] من كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلي به قدر أو يشرك في أمانة أو يؤمن على جباية فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إنشاء الله.

[قال الشريف الرضي] والمنذر بن الجارود هو الذي قال فيه أمير المؤمنين: إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه تفال في شراكيه.

إيضاح: الهدي بالفتح: السيرة الحسنة: " فيما رقي " بالتشديد أي فيما رفع إلي وأصله أن يكون الانسان في موضع عال فيرقى إليه شئ وكأن العلو هاهنا هو علو الرتبة بين الامام والأمير نحو قولهم تعالى باعتبار علو رتبة الآمر على المأمور.

كذا ذكره ابن أبي الحديد وقال اللام في [قوله عليه السلام:] " لهواك " متعلق بمحذوف دل عليه " انقيادا " لان المتعلق من حروف الجر بالمصدر لا يجوز أن يتقدم على المصدر. والعتاد: العدة. وقال: العرب تضرب المثل بالجمل في الهوان.

وقال ابن ميثم: جمل الأهل مما يتمثل به في الهوان وأصله فيما قيل أن الجمل يكون لأبي القبيلة فيصير ميراثا لهم يسوقه كل منهم ويصرفه في حاجته فهو ذليل حقير بينهم.

" وشسع نعلك " قال الجوهري: هي التي تشد إلى زمامها. وقال ابن أبي الحديد: المثل بها في الاستهانة مشهور لابتذالها ووطئها الاقدام في التراب.

[قوله عليه السلام:] " أو يشرك في أمانة " قال ابن ميثم: الخلفاء أمناء الله في بلاده فمن ولوه من قبلهم فقد أشركوه في أمانتهم.

[قوله عليه السلام]: " أو يؤمن على جباية " قال ابن أبي الحديد: أي على استجباء الخراج وجمعه وهذه الرواية التي سمعناها ومن الناس من يرويها " خيانة " بالخاء المعجمة والنون وهكذا رواها القطب الراوندي ولم يرو الرواية الصحيحة التي ذكرناها نحن وقال: " على " تكون متعلقة بمحذوف أو بيؤمن نفسها وهذا بعيد وتكلف.

وقال ابن ميثم: " أي تؤمن حال خيانتك لان كلمة " على " تفيد الحال انتهى.

وأقول: يمكن أن يقدر فيه مضاف أي على إزالة خيانة أو يراد بالخيانة المال الذي هو بمعرضها.

[قوله عليه السلام:] " لنظار في عطفيه " أي ينظر كثيرا في جانبيه تارة هكذا وتارة هكذا لاصلاح ثوبه أو إعجابه بنفسه.

وقال ابن أبي الحديد: الشراك: السير الذي يكون في النعل على ظهر

القدم. والتفل بالسكون مصدر تفل أي بصق. والتفل محركة: البصاق نفسه، والمختال إنما يفعله في شراكيه ليذهب عنهما الغبار والوسخ يتفل فيهما فيمسحهما ليعودا كالجديدين.

وقال ابن الأثير: التفل نفخ معه أدنى بزاق وهو أكثر من النفث.

707 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمداني وتمسك بحبل القرآن وانتصحه وأحل حلاله وحرم حرامه وصدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا ما بقي منها فإن بعضها يشبه بعضا وآخرها لاحق بأولها وكلها حائل مفارق.

وعظم اسم الله أن لا تذكره إلا على حق وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق.

واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره لعامة المسلمين واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحيى منه في العلانية واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القول.

ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا، ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلا.

واكظم الغيظ واحلم عند الغضب وتجاوز عند القدرة واصفح مع الدولة تكن لك العاقبة واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك ولير عليك أثر ما أنعم الله به عليك.

واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره وما تؤخره يكن لغيرك خيره واحذر صحابة من يفيل رأيه وينكر عمله فإن الصاحب معتبر بصاحبه.

واسكن الأمصار العظام فإنها جماع المسلمين واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة الله.

واقصر رأيك على ما يعنيك وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان ومعاريض الفتن.

وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليك فإن ذلك من أبواب الشكر ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله أو في أمر تعذر به وأطع الله في جمل أمورك فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها.

وخادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة فإنه لا بد من قضائها وتعاهدها عند محلها.

وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا.

وإياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق.

ووقر الله وأحبب أحباءه واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس والسلام.

إيضاح: [قوله عليه السلام]: " بحبل القرآن " لعل الإضافة بيانية كما قال صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض " وانتصحه " أي عده لك ناصحا فيما أمرك به ونهاك عنه " وأحل حلاله " أي اعتقده كذلك واعمل به " وصدق بما سلف " أي صدق بما تضمنه القرآن من أيام الله ومثلاته في الأيام السالفة والنبيين والمرسلين وما جاؤوا به أو بما ظهر لك من حقيته من الأمور السالفة من ابتدأ العالم وحدوثه وبعث النبيين وأحوالهم وغيرها سواء ظهر من الكتاب أو السنة أو البرهان العقلي " وكلها حائل " أي متغير " إلا على حق " أي على حق عظيم معتد به من الأموال أو مطلقا مالا أو غيره أو الغرض عدم الحلف على الباطل " ولا تتمن الموت " أي لا تطلبه إلا مقرونا ومشروطا بأن يكون صلاحك فيه وتدخل الجنة بعده وتكون مغفورا مبرورا وقال ابن أبي الحديد: أي الا وأنت واثق من أعمالك

الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة وتنقذك من النار وهذا معنى قوله تعالى لليهود:

* (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) * انتهى وأقول: على هذا لعله يرجع إلى النهي عن تمني الموت مطلقا فإن ذلك الوثوق مما لا يكاد يحصل لاحد سوى الأنبياء والأئمة عليهم السلام: " ولا تجعل عرضك غرضا " أي اتق مواضع التهم. والغرض: الهدف. والنبل: السهام العربية ولا واحد له من لفظه. والنبال جمع الجمع. والصفح مع الدولة: العفو عند الغلبة على الخصم " واستصلح كل نعمة " أي استدم نعم الله تعالى بشكرها وتضييعها بترك الشكر أو بصرفها في غير مصارفها المشروعة. ورؤية أثر النعمة باستعمالها كلبس الفاخر من الثياب وإطعام الطعام. والتقدمة من النفس: بذلها في الجهاد وإتعابها وإذابتها بالصيام والقيام. ومن أهل ببعث الأولاد والعشيرة إلى الجهاد وعدم المبالاة بما أصابهم في سبيل الله والرضا بقضاء الله في مصائبهم. ومن المال بإنفاقه في طاعة الله.

[وقوله عليه السلام:] " وأنك ما تقدم " إشارة إلى قوله تعالى: * (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا " وقال الجوهري: قال رأيه: ضعف ورجل فال أي ضعيف الرأي مخطئ الفراسة.

[قوله عليه السلام:] " فإن الصاحب معتبر " قال ابن ميثم فإنك تقاس بصاحبك وينسب فعلك إلى فعله ولان الطبع مع الصحبة أطوع للفعل منه للقول فلو صحبته لشابه فعله فعله.

وفي القاموس: صحبه كسمعه صحابة ويكسر. وفي الصحاح: الجماع: ما جمع شيئا يقال: الخمر جماع الاثم.

" واحذر منازل الغفلة " كالقرى والبوادي وكل منزل يكون أهله غافلين عن الله جافين لأوليائه باعدين عن الآداب الحسنة غير معينين على طاعة الله " على ما يعنيك " أي يهمك.

والمعاريض: جمع معرض بفتح الميم أو كسرها وهو محل عروض الشئ وظهوره قال الجوهري: المعرض: ثياب تحلى فيها الجواري. " إلا فاصلا " أي

شاخصا قال تعالى: * (ولما فصلت العير) *. " أو في أمر تعذر به " أي لضرورة تكون عذرا شرعا.

[قوله عليه السلام] " في جمل أمورك " أي في جملتها وكلها " وخادع نفسك " أي بأخذ عفوها ونشاطها وترغيبها إلى العبادة بذكر الوعد والوعيد وصحبة العباد والنظر إلى أطوارهم الحسنة من غير قهر وجبر حتى يمل ويضجر بل بأن يتلطف لها ولا يحملها فوق طاقتها وقال الجوهري: عفو المال: ما يفضل عن النفقة.

" فإن الشر بالشر " لعل المراد بالشر الثاني صحبة الفاسق وبالأول سوء العاقبة أو بالأول ما تكتسبه النفس من تلك المصاحبة وقيل الشر يقوى بالشر كالنار تقوى بالنار فمخالطتهم جاذبة لك إلى مساعدتهم وفي بعض النسخ " ملحق " بصيغة اسم الفاعل أي يلحقك الشر بالشر.

708 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان:

أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك راجيا ثوابه ومتخوفا عقابه.

واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة وأنه لن يغنيك عن الحق شئ أبدا.

ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك والسلام.

بيان: قوله عليه السلام " إذا اختلف هواه " كما إذا لم يكن الخصمان

عنده سواء بل كان هواه وميله إلى أحدهما أكثر ظلم وجار.

[قوله عليه السلام] " ما تنكر أمثاله " أي إذا فعله غيرك.

وابتذال الثوب وغيره امتهانه قاله الجوهري وقال: البلية والبلاء والبلوى واحد والفرغة المرة من الفراغ وقال الجوهري: احتسبت عليه كذا إذا أنكرت عليه. قاله ابن دريد. " فإن الذي يصل إليك " أي النفع الذي يصل إلى نفسك من الثواب أفضل من الذي يصل إلى رعيتك بسببك وهو عدلك وإحسانك.

709 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى الأشعث بن قيس عامل آذربيجان:

وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه في عنقك أمانة وأنت مسترعي لمن فوقك.

ليس لك أن تقتات في رعية ولا تخاطر إلا بوثيقة وفي يديك مال من مال الله عز وجل وأنت من خزاني حتى تسلمه إلي ولعلي أن لا أكون شر ولا تك لك والسلام.

بيان: قال ابن ميثم رحمه الله وغيره: روي عن الشعبي أنه عليه السلام لما قدم الكوفة وكان الأشعث بن قيس على ثغر آذربيجان من قبل عثمان فكتب إليه بالبيعة وطالب بمال آذربيجان مع زياد بن مرحب الهمداني وصورة الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس أما بعد فلو لا هنات وهنات كن منك كنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ولعل آخر أمرك يحمل أوله وبعضها بعضا ان اتقيت الله عز وجل وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير أول من بايعني ثم

نقضا بيعتي عن غير حدث وأخرجا عائشة فساروا بها إلى البصرة فصرت إليهم في المهاجرين والأنصار فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية واعلم أن عملك.

إلى آخر ما مر. وكتب عبيد الله بن أبي رافع في شعبان سنة ست وثلاثين.

وروي أنه لما أتاه كتابه عليه السلام دعا بثقاته وقال لهم: إن علي بن أبي طالب قد أوجسني وهو آخذي بمال آذربيجان على كل حال وأنا لاحق بمعاوية.

فقال له أصحابه: الموت خير لك من ذلك تدع مصرك وجماعة قومك فتكون ذنبا لأهل الشام؟ فاستحيى من ذلك وبلغ قوله أهل الكوفة فكتب إليه عليه السلام كتابا يوبخه فيه ويأمره بالقدوم عليه وبعث حجر بن عدي فلامه حجر على ذلك وناشده الله وقال: أتدع قومك وأهل مصرك وأمير المؤمنين وتلحق بأهل الشام. ولم يزل به حتى أقدمه إلى الكوفة فعرض عليه عليه السلام ثقله فوجد فيها مائة ألف درهم وروي أربعمائة ألف درهم فأخذها وكان ذلك بالنخيلة فاستشفع الأشعث بالحسن والحسين عليهما السلام وبعبد الله بن جعفر فأطلق له منها ثلاثين ألفا فقال: لا يكفيني فقال: لست بزائدك درهما وأيم الله لو تركتها لكان خيرا لك وما أظنها تحل لك ولو تيقنت ذلك لما بلغتها من عندي فقال الأشعث: خذ من جذعك ما أعطاك.

وأقول: الآذربيجان اسم أعجمي غير مصروف والألف مقصورة والذال ساكنة ومنهم من يقول آذربيجان بمد الهمزة وضم الدال وسكون الراء.

ولعل المراد بالهنات - أي الأمور القبيحة - ما كان من ارتداده وموافقته لخلفاء الجور في جورهم أي لولا تلك الأمور لكنت في هذا الامر متقدما على غيرك في الفضل والسابقة.

ويحتمل أن يراد بالهنات ما في قلبه من النفاق والحقد والعداوة أي لولا تلك الأمور لكان ينبغي أن تكون متقدما على غيرك في بيعتي ومتابعتي " ولعل

آخر أمرك " يؤيد الأول أي لعله صدر منك في آخر الامر أشياء تصير سببا للتجاوز عما صدر منك أولا " وبعضها " أي بعض أمورك من الخيرات " يحمل بعضا " أي سائرها من السيئات. والبقية: الاب‍؟؟ والشفقة. وقال في النهاية: الطعمة بالضم شبه الرزق والطعمة بالكسر والضم: وجه الكسب يقال: هو طيب الطعمة وخبيث الطعمة وهي بالكسر خاصة حالة الاكل " واسترعاه " أطلب منه الرعاية أي أنت راع من قبل سلطان هو فوقك.

قوله عليه السلام " أن تقتات " في بعض النسخ بالقاف من القوت يقال قته فاقتات أي رزقته فارتزق وفي بعضها بالفاء والألف من الفوت بمعنى السبق يقال: تفوت فلان على فلان في كذا وافتات عليه إذ انفرد برأيه في التصرف فيه ولما ضمن معنى التغليب عدي " على ".

وقال ابن ميثم: بالهمزة ولعله [منه] سهو.

قوله عليه السلام: " ولا تخاطر " أي ولا أن تخاطر في شئ من الأمور إلا بوثيقة أي لا تقدم على أمر مخوف مما يتعلق بالمال الذي تتولاه إلا بعد أن تتوثق لنفسك يقال أخذ فلان بالوثيقة في أمره أي احتاط ويقال: خاطر بنفسه أي أشفى بها على خطر.

وقال الزمخشري في المستقصى في قولهم " خذ من جذع ما أعطاك " هو جذع بن عمرو الغساني أتاه سبطة بن المنذر السليحي يسأله دينارين كان بنو غسان يؤدونهما إتاوة في كل سنة من كل رجل إلى ملوك سليح فدخل منزله وخرج مشتملا على سيفه فضربه به حتى سكت ثم قال ذلك وامتنعت بعد غسان عن الإتاوة [والإتاوة: الخراج]. وقال الفيروزآبادي: الجذع هو ابن عمرو الغساني ومنه: " خذ من جذع ما أعطاك " كان غسان تؤدي إلى ملك سليح دينارين من كل رجل وكان يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي فجاء سبطة يسأله الدينارين فدخل جذع منزله فخرج مشتملا بسيف فضرب به سبطة حتى برد وقال خذ من جذع ما أعطاك. أو أعطى بعض الملوك سيفه رهنا فلم يأخذه وقال: اجعل من كذا في كذا فضربه به وقتله وقال: يضرب في

اغتنام ما يجود بخ البخيل. وفي الصحاح قال: اجعل هذا في كذا من أمك.

710 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله:

أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك بلغني أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك فارفع إلي حسابك واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس.

بيان: " وأخزيت أمانتك " أي ذللتها وأهنتها " أنك جردت الأرض " أي أخربت الضياع وأخذت حاصلها لنفسك يقال جردت الشئ كنصرت أي أفشرته وأزلت ما عليه ومنه سمي الجراد لأنه يجرد الأرض.

711 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين فعزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه:

أما بعد فإني قد وليت النعمان بن العجلان على البحرين ونزعت يدك من غير ذم لك ولا تثريب عليك فلقد أحسنت الولاية وأديت الأمانة فأقبل غير ظنين ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام وأحببت أن تشهده معي فإنك ممن أستظهر به على جهاد العدو وإقامة عمود الدين.

بيان: عمر هو ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله أمه أم سلمة.

والنعمان هو من الأنصار وقال في الاستيعاب: كان لسان الأنصار وشاعرهم والزرقي كجهني نسبة إلى زريق. والتثريب: التعيير والاستقصاء في اللوم

والظنين: المتهم. وفي القاموس: أثمه الله في كذا كمنعه ونصره: عده عليه إثما فهو مأثوم. والاستظهار: الاستعانة.

712 - نهج البلاغة: [و] من كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على أردشير خرة:

بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت إمامك [بلغني] أنك تقسم فئ المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك من أعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا ولتخفن عندي ميزانا فلا تستهن بحق ربك ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الأخسرين أعمالا.

ألا وإن حق من قبلنا وقبلك من المسلمين في قسمة هذا الفئ سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه والسلام.

بيان: " أردشير خرة " بضم الخاء وتشديد الراء المفتوحة كورة من كور فارس " أنك تقسم " في بعض النسخ بفتح الهمزة بدلا من: " أمر " وفي بعضها بالكسر بتقدير حرف الاستفهام ليلائم قوله عليه السلام: " إن كنت فعلته " وقوله: " لئن كان ذلك حقا " وقال في النهاية: اعتام الشئ يعتامه إذا اختاره. وعيمة الشئ بالكسر: خياره.

وقال ابن أبي الحديد: وروي " فيمن اعتماك " على القلب والمشهور الصحيح الأول والمعنى قسمة الفئ فيمن اختاروك سيدا لهم " لتجدن بك " أي لك أو بسبب فعلك. و " ميزانا " منصوب على التميز وهو كناية عن صغر منزلته ويقال: صدرت عن الماء أي رجعت والاسم: الصدر بالتحريك خلاف الورد وفيه تشبيه للفئ بالماء الذي تتعاوره الإبل العطاش.

713 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية قد كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه:

وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزل لبك ويستفل غربك فاحذره.

فإنه الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرته وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة من حديث النفس ونزغة من نزغات الشيطان لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها إرث والمتعلق بها كالواغل المدفع والنوط المذبذب.

فلما قرأ زياد كتابه قال: شهد بها ورب الكعبة ولم تزل في نفسه حتى ادعاه معاوية.

قال السيد [الرضي] رضي الله عنه قوله عليه السلام: " كالواغل المدفع " الواغل: الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم وليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا والنوط المذبذب هو الذي يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره.

تبيين: قال ابن أبي الحديد: أما زياد فهو زياد بن عبيد فمن الناس من يقول عبيد بن فلان وينسبه إلى ثقيف والأكثرون يقولون: أن عبيدا كان عبدا وانه بقي إلى أيام زياد فابتاعه وأعتقه ونسب زياد إلى غير أبيه لخمول أبيه وللدعوة التي استلحق بها فقيل تارة زياد بن سمية وهي كانت أمة للحارث بن كلدة الثقفي وكانت تحت عبيد وقيل تارة زياد بن أبيه وتارة زياد بن أمه، ولما استلحق قال له الأكثر زياد بن أبي سفيان لان الناس مع الملوك ثم روى عن ابن عبد البر والبلاذري والواقدي عن ابن عباس وغيره أن عمر بعث زيادا في اصلاح فساد وقع باليمن فلما رجع خطب عند عمر خطبة لم يسمع مثلها وأبو

سفيان حاضر وعلي عليه السلام وعمرو بن العاص فقال عمرو: لله أبو هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه فقال أبو سفيان: إنه لقرشي وإني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه فقال علي عليه السلام: ومن هو؟ قال: أنا فقال: مهلا يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان:

أما والله لولا خوف شخص * يراني يا علي من الأعادي لأظهر أمره صخر بن حرب * ولم يخف المقالة في زياد وقد طالت مجاملتي ثقيفا * وتركي فيهم ثمر الفؤاد عنى بقوله: " لولا خوف شخص " عمر بن الخطاب وفي رواية أخرى:

قال: أتيت أمه في الجاهلية سفاحا فقال علي عليه السلام: [مه] يا أبا سفيان فإن عمر إلى المساءة سريع قال: وعرف زياد ما دار بينهما فكانت في نفسه.

وفي [رواية] أخرى قال له عمرو بن العاص : فهلا تستلحقه؟ قال:

أخاف هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي.

قال: وروى المدائني أنه لما كان زمن علي عليه السلام ولى زيادا فارس أو بعض أعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا وجبا خراجها وحماها وعرف ذلك معاوية فكتب إليه:

أما بعد فإنه غرتك قلاع تأوي إليها ليلا ليلا كما يأوي الطير إلى وكرها وأيم الله لولا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك مني ما قاله العبد الصالح:

" فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " وكتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته:

تنسى أباك وقد شالت نعامته * إذ تخطب الناس والوالي لهم عمر فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال: العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يتهددني وبيني وبينه ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وزوج سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وصاحب الولاء والمنزلة والإخاء في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أما والله لو تخطى

هؤلاء أجمعين إلى لوجدني أحمر مخشا ضرابا بالسيف ثم كتب إلى علي عليه السلام وبعث بكتاب معاوية في كتابه.

فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فإني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلا وإنه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه وكذب النفس لم تستوجب بها ميراثا ولم تستحق بها نسبا وإن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذره ثم احذره والسلام.

قال: وروى أبو جعفر محمد بن حبيب رحمه الله قال: كان علي عليه السلام قد ولى زيادا قطعة من أعمال فارس واصطنعه لنفسه فلما قتل علي عليه السلام بقي زياد في عمله وخاف معاوية جانبه وأشفق من ممالاته الحسن بن علي عليه السلام فكتب إليه كتابا يهدده ويوعده ويدعوه إلى بيعته فأجابه زياد بكتاب أغلظ منه.

فشاور معاوية في ذلك المغيرة بن شعبة فأشار عليه بأن يكتب إليه كتابا يستعطفه فيه ويذهب المغيرة بالكتاب إليه فلما أتاه أرضاه وأخذ منه كتابا يظهر فيه الطاعة بشروط فأعطاه معاوية جميع ما سأله وكتب إليه بخط يده ما وثق به فدخل إليه الشام وقربه وأدناه وأقره على ولايته ثم استعمله على العراق.

وقال المدائني: لما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشام جمع الناس وصعد المنبر وأصعد زيادا معه على مرقاة تحت وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس إني قد عرفت شبهنا أهل البيت في زياد فمن كانت عنده شهادة فليقم بها.

فقام ناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان وأنهم سمعوه أقر به قبل موته.

فقام أبو مريم السلولي وكان خمارا في الجاهلية فقال: أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف فأتاني فاشتريت له لحما وخمرا وطعاما فلما أكل قال: يا أبا مريم أصب لي بغيا فخرجت فأتيت بسمية فقلت لها إن

أبا سفيان من قد عرفت شرفه وجوده وقد أمرني أن أصيب له بغيا فهل لك؟

فقال: نعم يجئ الآن عبيد بغنمه وكان راعيا فإذا تعشى ووضع رأسه أتيته فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته فلم يلبث أن جاءت تجر ذيلها فدخلت معه فلم تزل عنده حتى أصبحت فقلت له لما انصرفت: كيف رأيت صاحبتك؟

فقال: خير صاحبة لولا ذفر في إبطيها.

فقال زياد من فوق المنبر: يا أبا مريم لا تشتم أمهات الرجال فتشتم أمك.

فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته قام زياد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن معاوية والشهود قد قالوا ما سمعتم ولست أدري حق هذا من باطله وهو والشهود أعلم بما قالوا وإنما عبيد أب مبرور ووال مشكور ثم نزل.

انتهى كلام ابن أبي الحديد.

أقول: وإنما أوردت تلك القصص لتعلم أن ما صدر من زياد وولده لعنة الله عليهما إنما نشاء من تلك الأنساب الخبيثة وتزيد إيمانا ويقينا بأنه لا يبغضهم إلا من ولد من الزنا كما تواتر عن أئمة الهدى.

ولنرجع إلى شرح الكتاب قال في النهاية: الغرب: الحدة ومنه غرب السيف. والفل : الكسر والفلة الثلمة في السيف ومنه حديث علي عليه السلام " يستفل غربك " من الفل: الكسر قوله عليه السلام " ليقتحم غفلته " أي ليلج ويهجم عليه وهو غافل جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغفلة نفسها.

كذا ذكره ابن أبي الحديد وقال: ليس المراد باستلاب الغرة أن يأخذ الغرة لأنه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل لبيبا عاقلا وإنما المعنى ما يعنيه الناس بقولهم: أخذ فلان غفلتي وفعل كذا أي أخذ ما يستدل به على غفلتي كذا انتهى.

وأقول: لو كان الاسناد مجازيا كما حمل عليه الفقرة الأولى لم يفد هذا

المعنى لأنه يكون حينئذ من قبيل إسناد الشئ إلى الحالة التي المفعول عليها كما يسند إلى الزمان والمكان فيكون المفاد: الاستلاب وقت العزة والاقتحام ووقت الغفلة وإنما نسب إليهما مبالغة لبيان أن علة الاستلاب والاقتحام لم يكن إلا الغرة والغفلة فكأنهما وقعا عليهما.

ويمكن أن يكون المفعول محذوفا ويكون الغرة والغفلة منصوبتين بنزع الخافض أي يقتحم عليه في حال غفلته ويستلب لبه في حال غرته.

والفلتة الامر الذي يصدر فجأة من غير تدبر وروية " ونزع الشيطان بينهم " أفسد وعدم ثبوت النسب بها لقول النبي صلى الله عليه السلام " الولد للفراش وللعاهر الحجر ".

وفي النهاية الشرب بفتح الشين وسكون الراء: الجماعة يشربون الخمر وقال في حديث علي عليه السلام: " المتعلق بها كالنوط المذبذب " أراد ما يناط برحل الراكب من قعب أو غيره فهو أبدا يتحرك إذا حث ظهره أي دابته.

وقال في المستقصى: شالت نعامتهم أي تفرقوا وذهبوا لان النعامة موصوفة بالخفة وسرعة الذهاب والهرب. وقيل: النعامة: جماعة القوم. وقال الجوهري: النعامة: الخشبة المعترضة على الزرنوقين ويقال للقوم إذا ارتحلوا عن منهلهم أو تفرقوا: قد شالت نعامتهم والنعامة ما تحت القدم.

714 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاري وهو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية بن أبي سفيان: أما بعد فقد بلغني أن رجالا ممن قبلك يتسللون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم فكفى لهم غيا ولك منهم شافيا فرارهم من الهدى والحق وإيضاعهم إلى العمى والجهل وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون إليها قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه وعلموا أن

الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الأثرة فبعدا لهم وسحقا إنهم والله لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل وأنا لنطمع في هذا الامر أن يذلل الله لنا صعبه ويسهل لنا حزنه، إنشاء الله والسلام عليك.

بيان: [قوله:] " في معنى قوم " أي في شأنهم وأمرهم " يتسللون " أي يخرجون إلى معاوية هاربين في خفية واستتار قال الفيروزآبادي: انسل وتسلل انطلق في استخفاء. وقال الجوهري: انسل من بينهم: خرج وتسلل مثله.

وقال: وضع البعير وغيره أي أسرع في سيره وأوضعه راكبه وفي النهاية:

الاهطاع: الاسراع في العدو وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه " في الحق أسوة " أي لا نفضل بعضهم على بعض في العطاء كما يفعل معاوية. وفي النهاية: فيه أنه قال للأنصار: إنكم ستلقون بعدي أثره فاصبروا. الأثرة بفتح الهمزة والثاء الاسم من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفئ. والاستيثار: الانفراد بالشئ. والسحق: بالضم: البعد.

والحزن من الأرض ضد السهل.

715 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن رياد النخعي - وهو عامله على هيت - ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالبا للغارة: أما بعد فإن تضييع المرء ما ولي وتكلفه ما كفي لعجز حاضر ورأي مثبر وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا وتعطيلك مسالحك التي وليناك ليس لها من يمنعها ولا يرد الجيش عنها لرأي شعاع فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك غير شديد المنكب ولا مهيب الجانب ولا ساد ثغرة ولا كاسر لعدو شوكة ولا مغن عن أهل مصره ولا مجز عن أميره.

بيان: قال ابن أبي الحديد: كان كميل من صحابة علي عليه السلام وشيعته وخاصته وقتله الحجاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة وكان عامل

علي عليه السلام على هيت وكان ضعيفا يمر عليه سرايا معاوية بنهب أطراف العراق فلا يردها ويحاول أن يجبر ما عنده من الضعف بأن يغير على أطراف أعمال معاوية مثل قرقيسيا وما يجري مجراها من القرى التي على الفرات فأنكر عليه السلام ذلك من فعله.

[قوله عليه السلام:] " ما ولي " على صيغة المعلوم المجرد من وليت الامر كرضيت ولاية إذا توليته واستبددت به وفي بعض النسخ على صيغة المجهول من التفعيل من قولهم: وليته البلد إذا جعلته واليا عليه. والتكلف: التجشم.

والتكلف: العريض لما لا يعنيه " وكفاه مؤنته " أي قام بأمره.

[قوله عليه السلام:] " متبر " قال في النهاية أي مهلك يقال: تبره تتبيرا أي كسره وأهلكه والتبار: الهلاك. وقال: التعاطي التناول والجرأة على الشئ من عطا الشئ يعطوه إذا أخذه وتناوله. " وقرقيسيا " في النسخ بالفتح مقصورا وفي القاموس: قرقيسياء بالكسر ويقصر: بلد على الفرات. ويقال:

شعاع أي متفرق. وشدة المنكب كناية عن القوة والحمية. وهيبة الجانب [كناية] عن شدة البطش. والثغرة: الثلمة. " ولا مجز عن أميره " أي كاف ومغن والأصل مجزئ بالهمزة فخفف.

716 - نهج البلاغة: [و] من حلف كتبه عليه السلام بين اليمن وربيعة نقل من خط هشام بن الكلبي:

هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها وربيعة حاضرها وباديها أنهم على كتاب الله يدعون إليه ويأمرون به ويجيبون من دعا إليه وأمر به لا يشترون به ثمنا [قليلا (خ)] ولا يرضون به بدلا وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه أنصار بعضهم لبعض دعوتهم واحدة لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب ولا لغضب غاضب ولا لاستذلال قوم قوما ولا لمسبة قوم قوما على

ذلك شاهدهم وغائبهم وحليمهم وجاهلهم ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه ان عهد الله كان مسؤولا.

وكتب علي بن أبي طالب عليه السلام.

بيان: قال ابن أبي الحديد: الحلف: العهد. وقال: اليمن كل من ولده قحطان نحو حمير وعك وجذام وكندة والأزد وغيرهم وربيعة هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وهم بكر وتغلب وعبد القيس. والحاضر: ساكن الحضر والبادي: ساكن البادية " أنهم على كتاب الله " أي مجتمعون عليه " لا يشترون ثمنا " أي لا يتعوضون عنه بثمن " وأنهم يد واحدة " أي لا تخالف بينهم وفعلهم فعل واحد. وقال الجوهري: عتب عليه أي وجد عليه يعتب وتعتب عتبا ومعتبا والاسم المعتبة والمعتبة. " ولا لمسبة قوم " أي لان إنسانا منهم سب وهجا بعضهم والمسبة والسب: الشتم. والحليم: العاقل بقرينة الجاهل أو ذو الأناة فإن ترك الأناة من الجهل " إن عهد الله كان مسؤولا " أي مطلوبا يطلب من العاهد أن لا يضيعه ويفي به أو مسؤولا عنه يسئل الناكث ويعاتب عليه وقيل: أي إن صاحب العهد كان مسؤولا.

وقال ابن ميثم في رواية: وكتب علي بن أبو طالب وهي المشهورة عنه ووجهها أنه جعل هذه الكنية علما بمنزلة لفظة واحدة لا يتغير إعرابها 717 - نهج البلاغة: ومن وصية له صلوات الله عليه كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنما ذكرنا منها جملا ليعلم أنه عليه السلام كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها.

انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ولا ترو عن مسلما ولا تجتازن عليه كارها ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى

تقول بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه فإن قال قائل: لا فلا تراجعه وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة وإن كانت له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا أتيتها فلا تدخلها دخول متسلط عليه ولا عنيف به، ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها واصدع المال صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختار ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختار فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه.

فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله.

ولا تأخذن عودا ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من نثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا غير معنف ولا مجحف ولا ملغب ولا متعب.

ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصيره حيث أمر الله به.

فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجهدنها ركوبا وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها وليرفه على اللاغب وليستأن بالنقب والظالع وليوردها ما تمر به من الغدر ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والأعشاب حتى يأتينا بها بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فإن ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك إنشاء الله تعالى.

[قوله عليه السلام:] " على تقوى الله " حال أي مواظبا على التقوى ومعتمدا عليها " ولا تروعن " بالتخفيف وفي بعض النسخ بالتشديد والروع:

الخوف أو شدته يقال: رعت فلانا كقلت وروعته فارتاع.

قوله: " ولا تجتازن " أي لا تمرن ببيوت المسلمين وهم يكرهون مرورك عليها.

وروي بالخاء المعجمة والراء المهملة: أي لا تقسم ماله وتحتار أحد القسمين بدون رضاه. والضمير في " عليه " راجع إلى " مسلما " والحي القبيلة ومن عادة العرب أن تكون مياههم بارزة عن بيوتهم.

قوله عليه السلام " ولا تخدج بالتحية " الباء زائدة وفي بعض النسخ بدونها أي لا تنقصها من قولهم: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه " وأنعم لك " أي قال نعم قوله: " أو تعسفه " أي لا تطلب منه الصدقة عسفا أي جبرا وظلما وأصله الاخذ على غير الطريق وقال الجوهري: يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي لا تعسرني ولا أعسرك الله.

[قوله عليه السلام:] " من ذهب أو فضة " أي إذا وجبت عليه زكاة أحد النقدين أو حد من زكاة الغلات نقدا إذا أعطاك القيمة. والمراد بالماشية هنا:

الغنم والبقر وسؤت الرجل أي ساءه ما رأى مني. والصدع: الشق. والعود:

بالفتح: المسن من الإبل والهرمة أيضا المسنة لكنها أكبر من العود. والمكسورة التي انكسرت إحدى قوائمها أو ظهرها. والمهلوسة: المريضة التي قد هلسها المرض وأفنى لحمها والهلاس: السل. والعوار بفتح العين وقد يضم: العيب.

قوله عليه السلام " ولا مجحف " أي الذي يسوق المال سوقا عنيفا فيجحف به أي يهلكه أو يذهب بكثير من لحمه ويحتمل أن يكون المراد من يحون فيه ويستلبه. واللغوب: التعب والاعياء ولغبت على القوم ألغب بالفتح فيهما: أفسدت عليهم. واحدره: أرسله. وأوعزت إليه في كذا وكذا أي تقدمت والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. والمصر: حلب ما في الضرع جميعه

والفعل كنصر. والجهد: المشقة يقال جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها. قوله عليه السلام " وليعدل " أي لا يخص بالركوب واحدة بعينها ليكون ذلك أروح لهن وقال الجوهري: استأنى به أي انتظر به. وقال:

نقب البعير بالكسر إذا رقت اخفاقه. وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام: " وليستأن بذات النقب والظالع " أي بذات الجرب والعرجاء.

والظلع بالسكون: العرج. والغدر جمع غدير الماء " وليروحها " أي يتركها حتى تستريح في الأوقات المناسبة لذلك. أو من الرواح ضد الغدو أي يسيرها في ساعات الرواح ويتركها في حر الشمس حتى تستريح. والنطاف: جمع النطفة وهي الماء الصافي القليل. والبدن بالتشديد: السمان واحدها بادن والنقي: مخ العظم وشحم العين من السمن وأنقت الإبل أي سمنت وصار فيه نقي وكذلك غيرها ذكرها الجوهري.

أقول: أخرجته من الكافي في كتاب أحواله عليه السلام بتعيير ما 718 - [و] [أيضا إبراهيم بن محمد الثقفي] في كتاب الغارات عن

يحيى بن صالح عن الوليد بن عمرو عن عبد الرحمان بن سليمان عن جعفر بن محمد قال: بعث علي عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال:

عليك يا عبد الله بتقوى الله ولا تؤثرن دنياك على آخرتك وكن حافظا لما ائتمنتك عليه راعيا لحق الله حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت عليهم فأنزل بفنائهم من غير أن تخالط أبياتهم.

ثم ساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله عليه السلام " وأقرب لرشدك فينظر الله إليها وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما نظر الله إلى ولي يجهد نفسه لامامه بالطاعة والنصيحة إلا كان معنا في الرفيق الاعلى.

719 - نهج البلاغة: ومن عهد له عليه السلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة في مثله:

أمره بتقوى الله في سرائر أموره وخفيات أعماله حيث لا شهيد غيره ولا وكيل دونه.

وأمره أن لا يعمل بشئ من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسر ومن لم يختلف سره وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدى الأمانة وأخلص العبادة وأمره أن لا يجبههم ولا يعضههم ولا يرغب عنهم تفضلا بالامارة عليهم فإنهم الاخوان في الدين والأعوان على استخراج الحقوق.

وإن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا وحقا معلوما وشركاء أهل مسكنة وضعفاء ذوي فاقة وإنا موفوك حقك فوفهم حقوقهم وإلا فإنك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة وبؤسا لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين والسائلون والمدفوعون والغارم وابن السبيل.

ومن استهان بالأمانة ورتع في الخيانة ولم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه الذل والخزي في الدنيا وهو في الآخرة أذل وأخزى وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة والسلام.

بيان: قوله عليه السلام " حيث لا شهيد " كأنه إشارة إلى موضع إسرار العمل وإخفاء الأمور. وقيل يعني يوم القيامة. والشهيد: الشاهد والحاضر والوكيل: من يفوض إليه الأمور أو الشاهد والحفيظ كما فسر به قوله تعالى:

* (والله على ما نقول وكيل) *.

[قوله عليه السلام:] " فقد أدى الأمانة " أي أمانة الله التي أخذها على العباد في عبادته.

[قوله عليه السلام:] " أن لا يجبههم " قال في النهاية أي لا يواجههم بما يكرهونه وأصل الجبه لقاء الجبهة أو ضربها فلما كان المواجه غيره بالكلام القبيح كالضارب جبهته به سمي ذلك جبها. وقال الجوهري: عضهه عضها:

رماه بالبهتان وقد أعضهت أي جئت بالبهتان.

[قوله عليه السلام:] " ولا يرغب عنهم " أي عن مخالطتهم ومعاشرتهم تحقيرا لهم.

وقوله: " أهل مسكنة " منصوب بكونه صفة " لشركاء " وقيل بدل " وبؤسا " قال ابن أبي الحديد هو بؤسي على وزن فعلى والبؤس: الخضوع وشدة الحاجة.

و [المذكور في] النسخ [بؤسا] بالتنوين. وكذا صححه الراوندي فيكون انتصابه على المصدر كما يقال سحقا لك وبعدا لك ويقال: خصمه أي غلبه في الخصومة:

" والسائلون " قيل المراد بهم هنا الرقاب وهم المكاتبون يتعذر عليهم مال الكتابة فيسألون. وقيل: هم الأسارى. وقيل العبيد تحت الشدة. والمدفوعون هم الذين عناهم الله بقوله: * (في سبيل الله) * [60 / التوبة: 9] وهم فقراء الغزاة والمدفوع الفقير لان كل أحد يكرهه ويدفعه عن نفسه.

وقيل هم الحجيج المنقطع بهم لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم أو دفعوا عن العود إلى أهلهم.

وفي بعض النسخ " المدقعون " بالقاف قال في القاموس: المدقع كمحسن الملصق بالدقعاء وهو التراب.

وأما سهم العاملين فقد ذكره عليه السلام بقوله: " وإنا موفوك حقك " مع أن العامل لا يخاصم نفسه وأقول هذه التكلفات إنما نحتاج إليها إذا حملنا الكلام على استيفاء الأقسام ولا ضرورة فيه فيمكن أن يكون المراد بالسائلين والمدفوعين أو المدقعين الموصوفين بتلك الصفات من أصناف المستحقين للصدقات. ورتع كمنع أي أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة.

قوله عليه السلام: " فقد أحل بنفسه " قال ابن أبي الحديد: أي جعل نفسه محلا للذل والخزي. ويروى " فقد أخل بنفسه " بالخاء المعجمة ولم يذكر الذل والخزي ومعناه جعل نفسه فقيرا يقال: خل الرجل إذا افتقر وأخل به وبغيره أي جعله فقيرا ويروى " أحل بنفسه " بالحاء المهملة ولم يذكر الذل والخزي أي أباح دمه والرواية الأولى أصح لقوله عليه السلام بعدها " وهو في الآخرة أذل وأخزى " قوله عليه السلام خيانة الأمة مصدر مضاف إلى المفعول [به] لان الساعي إذا خان فقد خان الأمة كلها وكذا إذا غش في الصدقة فقد غش الامام..

وجوز بعضهم أن يكون مضافا إلى الفاعل فالمراد حينئذ أن إغماض الأئمة وترك النهي عن مثل تلك الخيانة أفظع الغش فلا يطمع العاملون في.

الاغماض فيها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.